فرح القاسمي تعبر الحدود غير المرئية في التصوير

المصورة الإماراتية عاشقة الألوان الزاهية

فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)
فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)
TT

فرح القاسمي تعبر الحدود غير المرئية في التصوير

فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)
فرح القاسمي في الاستديو الخاص بها في نيويورك (نيويورك تايمز)

كان الحضور غائبين إلى حد كبير في أحدث أعمال المصورة فرح القاسمي، أو جرت دعوتهم بصورة مقتضبة للغاية. بيد أن المشاهد الداخلية –التي صُورت بالكامل في دولة الإمارات، مسقط رأس فرح القاسمي– كانت مليئة بالألوان الزاهية والأناقة الراقية.
في صورة «ما بعد الغداء» لعام 2018، حيث الأريكة الوردية المخملية، والوسائد والستائر ذات الألوان المطابقة، تحتل معظم الصورة؛ وبالنظر عن قرب، ترى هناك زوجاً من الجوارب المزخرفة في إحدى الزوايا، وهي تنتمي لشخص غير مرئي يستلقي على جزء من الأريكة. وهناك يد شخص آخر مع زجاجة للمياه تخرج من وراء الستائر.
وفي صورة «طيور الباستيل المصبوغة» لعام 2019، تظهر ثلاثة طيور صغيرة باللون الأصفر، والسماوي، والوردي على أرضية حجرية منقوشة. وفي صورة «زهرة الطماطم 1» لعام 2018، هناك ثمرة طماطم حمراء زاهية اللون مصورة على شكل زهرة تستقر على خلفية من نفس ظلال الصورة تقريباً؛ وكانت فرح القاسمي قد نفّذت العمل اليدوي بنفسها، بعد طلب شراء سكينة للتقشير كلفتها 5 دولارات على موقع «أمازون»، وعلّمت نفسها بنفسها أسلوب التقشير الفني عبر فيديوهات «يوتيوب».
تعد هذه الصور من بين الصور العشر الغامضة والمثيرة للعاطفة بشكل واضح التي التقطتها فرح القاسمي والتي عُرضت في معرض «آرت بازل» خلال الأسبوع الجاري، في كشك بمعرض «ثيرد لاين»، وهي صالة فنية في أبوظبي.
وتحظى فرح القاسمي باهتمام كبير، وهي تبلغ من العمر 28 عاماً، وتعيش الآن في مدينة نيويورك، وتدرس في جامعة ييل، لنيل درجتي البكالوريوس والماجستير. وهناك عرض لأعمالها في مركز «ليست فيجوال آرتس» الملحق بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج في الفترة بين 30 يوليو (تموز) إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول).
وقالت هنرييت هولديتش، أمينة ومديرة المعارض الفنية في مركز «ليست فيجوال آرتس»، والتي علمت أول الأمر بأعمال الفنانة فرح القاسمي عبر الإنترنت: «إنها في طريقها للصعود من دون شك».
وأضافت هولديتش تقول: «لقد كنت مفتونة للغاية بلغتها المرئية الواضحة. إن صورها فخمة ومترفة للغاية، مثل الأعمال التحريرية تقريباً، ولكنك تدرك بعد وهلة أنها أكثر تعقيداً مما تظن. وهناك طبقات من التمويه والتخفي في أعمالها».
ومن الناحية الشخصية، فإن فرح القاسمي ليست غامضة على الإطلاق ولكنها تختار كلماتها بعناية فائقة تماماً كما تفعل في صورها. وهي تسكن في شقة صغيرة في ويليامزبيرغ بحي بروكلين، حيث تقدم شاي الزنجبيل اللذيذ للزائرين، وتقدم في الوقت نفسه تقييما مدروساً لموضوعاتها الفنية.
تقول القاسمي: «أفكر دائماً في كيفية تصوير ما لا يسهل تصويره. أو كيف أتحدث عن بعض أكثر الجوانب تعقيداً في أي مكان من دون الاستعانة باللغة اللفظية»، وتضيف أن موضوعات أعمالها لا تتعلق بالعالم العربي فحسب، ولكن بدول الخليج العربي على وجه التحديد.
وقالت إن اهتماماتها تنصبّ في المعتاد على العادات والأعراف الاجتماعية كما يمكن رؤيتها من خلال الأشياء، والإحساس الإنساني بالحدود غير المرئية. وكانت الشخصيات التي ظهرت في صورة «ما بعد الغداء» هم أصدقاءها المقربين.
وكان الفيديو الذي مدته 40 دقيقة وتمت إذاعته في معرض «آرت بازل»، بعنوان «أم النار» لعام 2019 عبارة عن كوميديا سوداء مرعبة من بطولة شبح، كما تقول فرح القاسمي، وكان يبدو كبرنامج من برامج تلفزيون الواقع. وكان العنوان الرئيسي يتناول روح الأساطير الإماراتية، ويسرد التغيرات التي شهدتها في الإمارات منذ تأسيسها في عام 1971.
وتظهر مكانة المرأة في مسقط رأسها، والأدوار والجندرية بصفة عامة، في أعمالها بكثرة، وربما بصورة غير مباشرة في أغلب الأحيان. وفي صورة من عام 2016 بعنوان «تحية الأنوف»، يظهر فيها رجلان من العرب يتبادلان التحية بالأسلوب المحلي التقليدي، ولكن تمكن ملاحظة شيء ما في المشهد ينمّ عن الدفء والألفة والصداقة.
ورداً على سؤال إذا كان من الصعب أن تكون امرأة في العالم العربي، رفضت فرح القاسمي ما يفترضه السؤال، وقالت: «من الصعب أن تكوني امرأة في أي مكان في العالم».
واستطردت متابعة القول: «أعتقد أن أهم ما يميز الإمارات هو القدر الكبير من الحرية النسبية الذي تحظى به المرأة هناك. ولكن هناك أعراف أخرى غير معلن عنها أو حدود اجتماعية صارمة تجعل الأمور عسيرة بعض الشيء. أنا مهتمة بما تُعنى به هذه الحدود غير المرئية في المجتمع وكيف يتم النظر إليها واعتبارها».
تعبّر فرح القاسمي عن عشقها الواضح والعميق للألوان الزاهية، وتقول عن مدينة أبوظبي حيث نشأت: «إنها عالم مفعم بالألوان».
وفي سنوات الدراسة بجامعة ييل، اكتشفت فرح القاسمي المجال الذي سوف تتبناه فيما بعد بشكل كامل. وقالت عن مشاريعها المبكرة: «لقد التقطت الكثير من الصور البيضاء والسوداء الغاضبة للغاية. ولم أشعر بأهمية ما أفعل حتى شرعت في التقاط الصور الملونة. ثم عشقت الميزة التحويلية للصور الملونة من وقتها».
استغرقت فرح القاسمي 3 سنوات قبل العودة من أجل الحصول على درجة الماجستير. وعملت في وقت من الأوقات كمسؤولة في جامعة نيويورك فرع أبوظبي. وسرعان ما انتقلت إلى التدريس، والذي لا تزال تعمل به حتى الآن في كلية رود آيلاند للتصميم وفي جامعة نيويورك.
وظهرت فرح القاسمي مع هيلينا آنراذر، تاجرة العاديات من نيويورك، ولكنها أوضحت أنها تود الاحتفاظ بعلاقتها مع صالة «ثيرد لاين» في أبوظبي.
وتقول: «من المهم أن أعرض صوري في الإمارات نظراً لأن الأعمال تدور حول الإمارات بصورة أساسية. ويعمل الأمر بشكل صحيح إن كان يسهل الوصول إليه ومتاحاً للجمهور المحلي».
وعلى الرغم من مقدرة الفنانة على وضع الإطار الفكري الذكي حول أعمالها، فإن بعضها يظهر بارزاً من منطلق أكثر شخصية عن سواه.
وتقول: «كانت جدتي من النساء اللاتي كن يصنعن البطانيات بأيديهن»، وأضافت أن تركيزها الراهن عن المساحات الداخلية في صورها يبدو أنه وسيلة لإلقاء الضوء على شيء غالباً ما يُنظر إليه على أنه حرفة يدوية، أو هواية، أو ربما منحه قدره من الأهمية يضيف الكثير من الإعجاب على أعمالها.
- خدمة «نيويورك تايمز»



دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.