«مجموعة عمل اقتصاد سوريا»: خسائر النفط والغاز تخطت تريليون دولار

القطاع كان له الحصة الأكبر من الفساد

«مجموعة عمل اقتصاد سوريا»: خسائر النفط والغاز تخطت تريليون دولار
TT

«مجموعة عمل اقتصاد سوريا»: خسائر النفط والغاز تخطت تريليون دولار

«مجموعة عمل اقتصاد سوريا»: خسائر النفط والغاز تخطت تريليون دولار

لم تسلم حقول النفط والغاز وتجهيزات ومعدات الإنتاج والضخ والنقل من أضرار مباشرة واخرى غير مباشرة خلفها استمرار الازمة السورية التي تقترب من إتمام عامها الثالث، خصوصاً ان غالبية هذه الحقول موجودة في مناطق تشهد صراعات محتدمة بين طرفي الازمة في سوريا وباتت مسرحاً لقتالهما ومحط اطماعهما.
ويجزم تقرير جديد نشرته "مجموعة عمل اقتصاد سوريا" حول النفط والغاز، بأن الخسائر الحقيقية التي لحقت بهذا القطاع "زادت عن تريليون دولار، وتصل حسب بعض التقديرات الى 1.4 ترليون دولار".
وينطلق التقرير، وهو التاسع في سلسلة "الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة" التي تصدرها مجموعة عمل اقتصاد سوريا برئاسة الدكتور أسامة قاضي وهو مساعد رئيس الحكومة السورية (المعارضة) المؤقتة للشؤون الاقتصادية، من ارتباط النفط بالسياسة. ويفيد بأن النفط غالباً ما يكون "الهدف الرئيس في النزاعات والحروب" ويشكل "الكتلة الاقتصادية الكبرى في دعم الاقتصاد الوطني".
ويتضمن التقرير المسهب دراسة للطاقات الكامنة لاقتصاد سوريا، يقدمها معدو التقرير وهم نخبة من الخبراء في هذا القطاع، كمادة أولية تمكن الشعب السوري من معايرة أداء الحكومات المقبلة، من دون أن يغفل عن الاشارة إلى أنه "لم ينل أي قطاع في سوريا فساداً مؤسساتياً كالذي جرى لقطاع النفط والغاز".
ويقدر التقرير بالأرقام، نقلاً عن مجلة "النفط والغاز" الصادرة عن وزارة النفط والثروة المعدنية السورية في مارس (آذار) الماضي، الخسائر المادية المباشرة بـ 15 مليار و750 مليون ليرة سورية (ما يعادل 100 مليون دولار)، أما الخسائر غير المباشرة الناجمة عن توقف الانتاج في بعض الحقول فقدرت بما يزيد على خمسة مليارات دولار أميركي، هذا عدا عن الخسائر التي لحقت بالقطاعات الأخرى من جراء نقص وعدم توفر المشتقات النفطية، وتعطل بعض محطات توليد الطاقة الكهربائية.
وبلغ إجمالي كلفة الاعتداءات على خطوط النفط نتيجة القصف النظامي، وفق التقرير، حتى منتصف عام 2012، نحو 29 مليون دولار منها 22 مليون دولار كلفة النفط المهدور والغاز المحروق. يضاف إلى ذلك خسائر يصعب تقديرها ناجمة عن نهب معدات وأجهزة الاستكشاف والحفر وأنابيب النقل.
لكن الخسائر الحقيقية في قطاع النفط والغاز تبدو، بحسب معدي التقرير، أكبر من التقديرات الأولية الصادرة عن الوزارة.
ويفيد التقرير بتعرض أنابيب النفط وأنابيب نقل الغاز خلال عامي 2011 و 2012 إلى أكثر من 30 عملية تفجير أو إصابة نتيجة القصف، كما تعرضت بعض الآبار للاحتراق (تسع منها أواخر مارس (آذار) 2013). وبرغم محدودية تلك العمليات، حيث لم تكن موجهة إلى محطات الضخ التي يمكن أن تكون آثارها أكبر وأكثر ضررا، فإن الفاقد من النفط والغاز والمشتقات يقدر بملايين الأمتار المكعبة، إضافة إلى التوقف عن الإنتاج في الحقول المرتبطة بها لأيام، وتوقف محطات توليد الطاقة أو أحيانا معامل السماد التي تعمل على الغاز.
وكان الانتاج الكلي للنفط في سوريا بلغ حده الاقصى عام 1996، بما يعادل 582 الف برميل يوميا، لكنه بدأ بالتراجع منذ عام 1997 وحتى عام 2011 بمعدل وسطي سنوي يزيد على -1.5% رغم المكتشفات الجديدة وعمليات تطوير بعض الحقول.
وحافظت سوريا على مستوى إنتاج يقدر بـ 386 ألف برميل نفط يوميا عام 2010، لكن بعد انطلاقة التحركات الشعبية وتفاقم الأزمة، صدرت عدة قرارات بعقوبات اقتصادية من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية على سوريا شملت الحظر على الاستثمارات وعلى الصادرات السورية من الخام، إضافة إلى الواردات من المشتقات النفطية، ما أدى لانسحاب الشركات العاملة من سوريا. فانسحبت شركات شل الهولندية وتوتال الفرنسية وبتروكندا الكندية وأينا الكرواتية، وأغلقت بعض الحقول. وادى ذلك الى تراجع الانتاج الذي هبط أواخر عام 2011 إلى 330 ألف برميل في اليوم، حسب تقديرات وزارة النفط والثروة المعدنية السورية. وانخفض نتيجة استمرار قصف النظام خصوصا في محيط مدينتي حمص ودير الزور وتضرر أنابيب نقل النفط الخام، إلى ما يقارب 202 ألف برميل يوميا في الفترة الممتدة بين يناير (كانون الثاني) حتى سبتمبر (أيلول) 2012. ثم انخفض الانتاج الى نحو 70 ألف برميل في اليوم في أبريل (نيسان) الماضي بعد سيطرة قوات المعارضة على العديد من حقول النفط، بينما بقيت بعض حقول الشركة السورية للنفط في شمال شرقي سوريا تحت سيطرة النظام بالتنسيق والتعاون مع بعض القوى المتواجدة في المنطقة وهي تنتج وتضخ النفط عبر أنابيب تمر على امتداد مئات الكيلومترات وتجتاز مساحات شاسعة تسيطر عليها قوى المعارضة.
وعلى صعيد تطورات انتاج الغاز الطبيعي، يورد تقرير "مجموعة عمل اقتصاد سوريا" ان إنتاج سوريا من الغاز المسوق بلغ عام 2010 نحو 8.9 مليار متر مكعب، ليتراجع عام 2011 إلى نحو 7.1 مليار متر مكعب، وفق التقرير الإحصائي السنوي لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول عام 2012.
يذكر أن حقول النفط المكتشفة والمنتجة تتركز في المربع الشمالي الشرقي من سوريا الذي ينتهي جنوباً عند خطوط نقل النفط العراقي وغرباً عند خط طول حقل المدورة ما بين البلعاس وخناصر، وتجمع كلها في خمسة تشكيلات. وأقيمت مصفاتان للنفط لتأمين حاجة سوريا من المشتقات النفطية، الأولى في حمص وتبلغ استطاعتها نحو ستة ملايين طن سنويا، والثانية في بانياس وتبلغ استطاعتها نحو 6.3 مليون طن سنوياً.
وبحسب التقرير، فإن هناك إجماعا من قبل الخبراء بأنه لم يجري التحقق من وجود النفط والغاز والثروة المعدنية في سوريا لأكثر من 50% من أراضيها وطبقاتها الباطنية، أي أنه ما زال هناك متسع وميدان كبير وواسع جدا للعمل الجدي في استكمال استكشاف باقي الأراضي وطبقاته العميقة.
ويقترح التقرير خطط العمل المطلوبة، وما هو الدور المطلوب من الدول الصديقة والمؤسسات الدولية ورجال الأعمال السوريين والأجانب، لما لقطاع النفط والغاز من أهمية. ويفيد بان سوريا ستكون بحاجة في الفترة المقبلة "لحشد مواردها الذاتية، لعمليات إعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد والمجتمع السوريين، ويكتسي قطاع النفط أهمية خاصة في هذه الوضعية، لما يمكن أن يحققه من إيرادات ومداخيل خلال فترة زمنية قصيرة، بعد عملية إعادة تأهيل وعودة الشركات العاملة إلى سوريا في أسرع وقت ممكن". ويشدد على أن "الحلول ليست على سوية واحدة، فما هو مطلوب بشكل إسعافي ومتوسط الأجل يختلف عن الرؤية والحلول الطويلة الأجل نسبيا".
يذكر أن "مجموعة عمل اقتصاد سوريا"، مؤسسة غير ربحية تضم فريقا اقتصاديا مستقلا، اعتمدتها مجموعة أصدقاء الشعب السوري المعنية بإعادة إعمار وتنمية سوريا بقيادة الإمارات وألمانيا، كشريك اقتصادي أساسي وممثّلٍ للجانب السوري في التخطيط لمستقبل الاقتصاد السوري.
وتسعى المجموعة إلى كتابة الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة في أكثر من 15 قطاعاً حيوياً، من قبل باحثين سوريين، صدر منها إلى الآن سبعة تقارير، وهذا التقرير هو التاسع، لتكون بمثابة المشروع الوطني الذي يقدّم بعد انتهاء الأزمة، لتبيان الإمكانيات الكامنة للاقتصاد السوري وسبل النهوض به.



أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

وصل الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 2.4 تريليون دولار، في وقت أكدت فيه المؤشرات تنامي الثقل الاستثماري الخليجي عالمياً، مع وصول حجم صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى نحو 5 تريليونات دولار، بما يمثل 30.3 في المائة من إجمالي الصناديق السيادية في العالم، وهو ما يعزز حضور دول المجلس في الأسواق والاستثمارات الدولية.

وأظهر تقرير صادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، يوم الاثنين، بمناسبة ذكرى التأسيس، أن القطاع غير النفطي في الدول الست نما بنسبة بلغت 5.3 في المائة خلال عام 2025، في وقت تجاوزت فيه مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي نسبة 78 في المائة.

وفي القطاع المالي، واصلت دول المجلس الست تعزيز استقرارها المالي، إذ بلغت أصول البنوك التجارية نحو 3.9 تريليون دولار بنمو بلغ 11.9 في المائة بين عامي 2024 و2025، بينما وصلت الودائع لدى البنوك التجارية إلى 2.3 تريليون دولار بمعدل نمو بلغ 10.6 في المائة، الأمر الذي يعكس قوة السيولة المصرفية والثقة المتزايدة في القطاع المالي الخليجي، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس).

وعلى صعيد التجارة، سجلت دول المجلس حجم تبادل تجاري بلغ 1.6 تريليون دولار، بنمو نسبته 7.4 في المائة مقارنة بعام 2023، بينما بلغت الصادرات السلعية الخليجية نحو 849.6 مليار دولار، ما يعكس استمرار الحضور الخليجي في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

وفي قطاع الطاقة، حافظت دول مجلس التعاون على موقعها المحوري في سوق الطاقة العالمية، بإنتاج نفطي بلغ 16.6 مليون برميل يومياً، يمثل نحو 22.2 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط الخام.

وعلى مستوى التكامل الخليجي، سجلت السوق الخليجية المشتركة نمواً متواصلاً؛ حيث بلغت التجارة البينية نحو 146 مليار دولار بنمو قدره 2.85 في المائة مقارنة بعام 2012، بينما ارتفع إجمالي رؤوس أموال الشركات المساهمة إلى 549 مليار دولار بنمو استثنائي بلغ 237.6 في المائة مقارنة بعام 2007.

وفي القطاع السياحي، بلغت الإيرادات السياحية الخليجية نحو 132.3 مليار دولار، بما يعكس تنامي جاذبية الوجهات الخليجية وقدرتها على استقطاب الحركة السياحية العالمية.


«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة 14 في المائة، جراء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح استعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل. في حين يقدّر وزير المال ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 في المائة، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.

في نهاية العام الماضي، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 في المائة، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي انفجرت في خريف عام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 في المائة من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الانهيار الاقتصادي.

وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الاقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وانهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعيّة واحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والاعتماد على الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة.

وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلا أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.

وفي البعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف شهر مايو (أيّار)، وتُستكمل جولاتها بنهايته وبداية الشهر المقبل.

خيام زرقاء لإيواء النازحين الفارّين من منازلهم وقراهم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب على طول واجهة العاصمة (د.ب.أ)

ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحد من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ احتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يواصل تهديد الاقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.

أمّا في البعد الاقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، واضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الاستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ولا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، مع الإشارة إلى أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.

ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الاجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً باستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.

ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرواقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.

ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً للانكماش الاقتصادي الكبير منذ عام 2019، وتفاقم التحديات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب اندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.

وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ شهر مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.

أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً لمخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.

ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب؛ إذ كان يتحمّل جزءاً كبيراً من الانتقادات المتعلقة بارتفاع أسعار الرهن العقاري وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لكن مع تعيين رئيس جديد هو كيفين وارش على رأس البنك المركزي، وإكمال ترمب لنفوذه على أعلى مستويات صنع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة، يتغيّر هذا المشهد بشكل واضح.

ففي السابق، كان بإمكان ترمب إرجاع مسؤولية تعيين باول إلى مستشاريه خلال ولايته الأولى، ومن بينهم وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين. أما اليوم، فإن وارش يُعدّ اختياراً مباشراً لترمب، ما يعني أن نتائج السياسات والأداء الاقتصادي ستُحسب بشكل أكبر على الإدارة الحالية نفسها، وليس على أطراف أخرى.

وللتأكيد على حجم الرهان، استضاف ترمب وارش في حفل أداء اليمين في البيت الأبيض يوم الجمعة، بحضور وزراء حكومته وقضاة من المحكمة العليا وكبار مستشاري البيت الأبيض، في أجواء أقرب إلى تجمع تحفيزي، حيث قال في كلمته إنه يريد من وارش «أن يقوم بعمله بطريقته الخاصة، وأن ينجح بشكل كبير»، وفق «رويترز».

وقال ترمب: «كيفين يفهم أنه عندما يكون الاقتصاد مزدهراً فهذا أمر جيد... نريد أن يزدهر... لا نريد أن نراه مكبوحاً».

جيروم باول يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية... 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

رهانات مرتفعة قبل الانتخابات النصفية

بعد حملته الانتخابية وفوزه بولاية ثانية على وعود بخفض الأسعار ومعالجة قضايا «القدرة على تحمل التكاليف» للأسر الأميركية، تراجع معدل تأييد ترمب للأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ.

وأظهر استطلاع لثقة المستهلك نُشر قبل نحو 90 دقيقة من مراسم أداء اليمين لوارش مزاجاً متشائماً على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك تراجع الثقة الاقتصادية لدى المستقلين -وهم كتلة انتخابية رئيسية في الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس»- وحتى لدى الجمهوريين إلى أدنى مستوياتها في الولاية الثانية لترمب.

وارتفع معدل الفائدة على الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مجدداً فوق 6.5 في المائة، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر، مما يواصل الضغط على سوق الإسكان الضعيف.

كما استمرت الأسعار في الارتفاع خلال عهد ترمب، رغم وعود حملته بأنها ستنخفض منذ «اليوم الأول» من رئاسته. فمنذ مارس (آذار) 2025، ارتفع مؤشر التضخم الذي يستخدمه «الفيدرالي» لاستهداف معدل 2 في المائة من 2.3 في المائة سنوياً إلى 3.5 في المائة.

وبلغ سعر غالون البنزين في المتوسط 4.55 دولار يوم الجمعة، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل أن يبدأ ترمب حملته ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

ولا يزال مدى تأثير أداء وارش على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية غير واضح، لكنه محفوف بالمخاطر.

فالتضخم المرتفع عادة ما يضر بالأحزاب الحاكمة مع تزايد قلق الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، لكن مكافحته تتطلّب إجراءات صعبة غالباً ما تكون في شكل رفع أسعار الفائدة، وهي إجراءات غير شعبية سياسياً، ولا يرحب بها ترمب بالتأكيد.

علاوة على ذلك، يظل «الاحتياطي الفيدرالي» مؤسسة متعددة الأوجه، حيث سيحتاج الرئيس الجديد إلى بناء سلطته تدريجياً، في وقت يراقب فيه العالم مدى تأثير ترمب.

وقال ريتشارد ستيرن، الذي يدرس السياسات الاقتصادية في مؤسسة «أدفانسينغ أميركان فريدوم» المحافظة: «كان باول كبش فداء مثالياً لترمب في قضايا لا علاقة لها بباول». وأضاف: «الآن أصبح الأمر اقتصاد ترمب... مشكلة ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة لن تختفي لسنوات عديدة... وهذا مستقل عن أي شيء يمكن لترمب أو وارش القيام به».

قيادة نظام معقد

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، وهو محامٍ ومستثمر عمل عضواً في مجلس محافظي «الفيدرالي» بين 2006 و2011، قضى السنوات اللاحقة في تعزيز فرص عودته إلى المنصب.

وقد شملت خلفياته المهنية شخصيات بارزة مثل الاقتصادي النقدي الشهير ميلتون فريدمان، ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتز. كما ساعده عمله مع المستثمر الكبير ستانلي دراكنميلر على تحقيق ثروة كبيرة، بالإضافة إلى ثروة زوجته المرتبطة بحصة في شركة «إستي لودر» لمستحضرات التجميل.

لكن علاقاته السياسية والاجتماعية مع ترمب كانت العامل الحاسم في اختياره؛ إذ كان الرئيس قد أعرب عن أسفه لتجاوز وارش في تعيينات عام 2017 لصالح باول.

إدارة نظام غير منضبط

اختار باول، في ظل محاولات ترمب للتأثير على استقلالية «الفيدرالي»، البقاء عضواً في مجلس المحافظين، وهو أمر غير معتاد في بداية ولاية رئيس جديد لـ«الفيدرالي»، الذي يُعد أقوى بنك مركزي في العالم والمصدر الرئيسي للسيولة بالدولار عالمياً.

ورغم أن بعض رؤساء «الفيدرالي»، مثل بول فولكر وآلان غرينسبان، مارسوا تأثيراً حاسماً، فإن البنك المركزي الأميركي مصمم ليكون مؤسسة غير مركزية، تضم مجلس محافظين من سبعة أعضاء في واشنطن، بالإضافة إلى 12 رئيس بنك احتياطي إقليمي يشاركون في صنع القرار.

وفي السنوات الأخيرة، اتجهت عملية صنع القرار نحو التوافق بقيادة الرئيس. لكن وورش قال إنه يفضّل أسلوب نقاش أكثر حدة و«دون قيود»، مع قبول أكبر للاختلافات الداخلية، واستعداد لإرباك الأسواق عبر قرارات أقل اعتماداً على التوجيه المسبق الذي أصبح شائعاً في السنوات الأخيرة.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ب)

ويبقى السؤال ما إذا كانت الأسواق العالمية مستعدة لهذا النهج.

لكن المؤشرات الأخيرة من اجتماعات «الفيدرالي» توحي بأن الخلافات الداخلية قد تتصاعد. فقد شهد اجتماع أبريل (نيسان) أكبر عدد من الاعتراضات منذ أكثر من 30 عاماً. كما أظهر محضر الاجتماع أن أغلبية مسؤولي وارش الجدد يرون أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع، وهو عكس ما كان ترمب يتوقعه وما كان وارش نفسه يدعو إليه سابقاً.

وتضم هذه المجموعة من المسؤولين اقتصاديين حاصلين على دكتوراه يتمتعون بخبرة فنية مختلفة عن وارش، إلى جانب خبراء استثمار ذوي خبرة مماثلة في الأسواق، بالإضافة إلى الرئيس السابق باول نفسه.

ومن بين المحافظين الستة الآخرين، تم تعيين ثلاثة من قِبل الرئيس السابق جو بايدن، بينهم ليزا كوك التي يحاول ترمب إقالتها.

ومع استمرار النقاش حول الخطوات المقبلة، يبدو أن المستثمرين قد حسموا موقفهم بأن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع في ظل استمرار التضخم.

وفي أسواق السندات طويلة الأجل التي تحدد تكلفة الاقتراض للمستهلكين، بدأت العوائد بالفعل الارتفاع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended