«العسكري» يدعو لحوار يشمل الجميع و«مصالحات» على غرار جنوب أفريقيا ورواندا

ارتفاع القتلى بميدان الاعتصام إلى 110 بعد انتشال 40 جثة من النيل ومطالب بتحقيق دولي... اعتقال عرمان... والمهدي يطالب بتسليم السلطة للمدنيين

محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
TT

«العسكري» يدعو لحوار يشمل الجميع و«مصالحات» على غرار جنوب أفريقيا ورواندا

محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)
محتج أمام أحد الحواجز في الخرطوم حيث بدت الشوارع خالية من المارة (رويترز)

عرض المجلس العسكري الانتقالي، الحاكم في السودان أمس، استئناف المحادثات مع جماعات المعارضة «بلا شرط أو قيد»، و«دون إقصاء لأحد»، ملوحا بغصن زيتون بعد مرور يومين على اقتحام قوات الأمن موقع اعتصام بوسط الخرطوم. ولا تزال حتى مساء أمس، تسمع أصوات عيارات نارية في أنحاء العاصمة، فيما بلغت حصيلة فض الاعتصام 110 قتلى منذ الاثنين، بعد انتشال 40 جثة من النيل، كانت قوات أمنية قد ألقت بهم في عرض النهر بعد الحادثة.
وأصبحت الخرطوم، حاليا، مدينة أشباح، حيث خلت الشوارع من المارة، وباتت مثل سجن كبير... ولا تسمع فيها غير زخات الرصاص بكثافة، فيما تعلوها أدخنة الإطارات التي يحرقها الثوار لسد الطرقات أمام حركة الآليات العسكرية، السماء. وانتشرت قوات الأمن في الطرقات، التي سدت بآلاف الحواجز والمتارس. وفي وقت سابق من الصباح سُمع صوت إطلاق نار في حي الخرطوم 2 الذي يضم كثيرا من السفارات.
وجاء عرض العودة للحوار الذي طرحه الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري بمثابة الرجوع خطوة عن قرار الجيش إلغاء كل الاتفاقات مع تحالف المعارضة بعد الاقتحام، وجاء مع تصاعد الانتقادات الدولية لاستخدام العنف. وأبدى البرهان في لهجة تصالحية، انفتاحه على مفاوضات «لا قيد فيها» حول مستقبل البلاد، مشيداً بـ«الثورة السودانية»، مؤكداً استعداد مجلسه لتسليم السلطة لحكومة منتخبة. وقال: «نتأسف جدا على ما حدث» مبديا استعداده للتفاوض حول مستقبل البلاد. وقال البرهان في خطاب بثه التلفزيون الرسمي «نحن في المجلس العسكري نفتح أيادينا لتفاوض لا قيد فيه إلا لمصلحة الوطن، نكمل من خلاله التأسيس للسلطة الشرعية التي تعبّر عن تطلعات ثورة السودانيين».
وأكد في خطابه التصالحي أن التغيير الذي تشهده البلاد يأتي في «ظروف صعبة»، تستوجب الاحتكام لإرادة الشعب، بقوله: «لا مناص إلا بالاحتكام لإرادة الشعب ورفض الأجندات الخارجية».
وأوضح البرهان أنه وجه القيادة العامة في التحقيق حول الأحداث المؤسفة التي رافقت فض الاعتصام، وتابع: «ستتم محاسبة من تثبت مسؤوليته عن أحداث فض الاعتصام»، ودعا إلى: «طي الصفحة الماضية، وفتح صفحة جديدة للعبور نحو المستقبل»، مشيراً إلى تجربة المصالحات في جنوب أفريقيا ورواندا: «نفتح أيادينا للتفاوض مع القوى كافة».
وفي السياق ذاته، قال نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إن مجلسه لم يأت ليحكم، وتعهد بتسليم السلطة لحكومة منتخبة، تشارك فيها كل الأحزاب السياسية ما عدا المؤتمر الوطني. ونفى حميدتي اشتراك قواته «الدعم السريع» في ترويع المواطنين، وقال إنها «مستهدفة، وهناك من ينتحل صفتها لترويع المواطنين».
لكن قادة المحتجين رفضوا الدعوة للحوار ودعوا مؤيديهم إلى «العصيان المدني الشامل» للإطاحة بالمجلس العسكري. وقال القيادي البارز في تحالف الحرية والتغيير مدني عباس مدني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن المجلس العسكري، لم يعد مصدر ثقة، مؤكدا أن دعوته «مرفوضة... لأنه يقوم بالترويع في الشوارع».
من جهته، نقل القيادي في قوى «إعلان الحرية والتغيير» عمر الدقير في تصريحات صحافية، أن تحالفه كان على وشك توقيع اتفاق نهائي مع المجلس العسكري الانتقالي، يتضمن مجلسا رئاسيا مناصفة ورئاسة دورية، بيد أن عملية فض الاعتصام أعادت الأوضاع إلى نقطة الصفر.
من جانبه، طالب الزعيم السياسي والديني البارز الصادق المهدي، الأمم المتحدة بإجراء تحقيق حول مقتل العشرات من المواطنين في عمليات فض الاعتصام، والمجلس العسكري الانتقالي لمحاسبة كل من شارك في جريمة فض الاعتصام بالقوة.
وقال المهدي في خطبة العيد التي تلاها على حشد من مؤيديه، أمس، إن أمام المجلس العسكري خيارين: «إما أن يمضي في نهج النظام السابق، أو يتحمل المسؤولية في معالجة الأوضاع»، ودعاه للعمل دون إملاءات خارجية.
وأضاف: «فض الاعتصام الوحشي، غير المناخ الوطني كلية»، وتابع: «ما حدث دليل على أن المجلس العسكري قد بدد ما اكتسب من فضيلة برفض فض الاعتصام بالقوة بأمر الطاغية». واعتبر «الهجوم الغادر وغير المبرر» على المتظاهرين «فراقا بين الثورة الشعبية السودانية ومن كانوا وراءه، ودعا قوى الحرية والتغيير وكل القوى الشعبية المؤيدة للثورة لاجتماع عاجل لتحديد كيفية تسلم النظام الانتقالي الجديد».
واشترط المهدي اعتراف المجلس العسكري الانتقالي بالهجوم على المعتصمين وتحمل مسؤوليته، لمواجهة مسؤوليته أمام التاريخ، وقال: «أمام المجلس العسكري في وجه التاريخ خياران، أن يصر على الهجوم وتحمل نتائجه، وبالتالي وضع نفسه في خانة المخلوع نفسها، واستدعاء المواجهة المحتومة للشعب الثائر، أو أن يعلن مسؤوليته عما حدث، ومحاسبة من تورط في الجريمة، والاستعداد لنقل السلطة للنظام المدني الديمقراطي المنشود بالصورة التي يقررها ممثلو الثورة الشعبية».
وفي تصعيد جديد، قال المتحدث باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان مبارك أردول في تصريحات أمس، إن قوات الأمن ألقت القبض على نائب الأمين العام للحركة ياسر عرمان من محل إقامته واقتادته إلى مكان مجهول بعد أن اعتدت عليه بالضرب.
ويقيم القيادي البارز في المعارضة المسلح ياسر سعيد عرمان خارج البلاد منذ اندلاع النزاع المسلح في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2011، وصدر ضده حكم بالإعدام، بيد أن الرجل قرر العودة للبلاد متحدياً حكم الإعدام الصادر ضده.
وقبل أيام أعلن عرمان أن كلا من رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، أبلغاه بمغادرة البلاد لكن رفض طلبها، قبل أن يعلن عن لقاء جمع وفداً برئاسته مع المجلس العسكري الانتقالي الأسبوع الماضي.
وفي غضون ذلك، توقفت حركة الطيران في الأجواء السودانية بشكل كامل جراء إضراب الطيارين وفنيي الملاحة الجوية، ومقدمي خدمات المناولة طوال الثلاثة أيام الماضية، وعلقت شركات الطيران الدولية رحلاتها المتجهة إلى مطار الخرطوم والمطارات السودانية الأخرى.
واتسعت دائرة الاحتجاجات والإضراب لتشمل البلاد كافة، وخرجت «مدن الأبيض وزالنجي غرباً، ومدني وربك في الوسط» ومدن أخرى في الوسط في مسيرات ومواكب معارضة هادرة عقب صلاة العيد، وقال شهود إن «السودان تحول إلى بلد من المتاريس والاحتجاجات في أنحائه كافة».
وفي هذا السياق، قالت مستشفيات الخرطوم إنها تجد صعوبة في استيعاب أعداد الجرحى بعد فض الاعتصام الاثنين. وصرح طبيب يعمل في مستشفيين في المدينة لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن «الوضع صعب للغاية، معظم المستشفيات استقبلت أعدادا من الجرحى أكبر من قدرتها على الاستيعاب».
وأضاف الطبيب الذي طلب عدم الكشف عن هويته أن «هناك نقصا في العاملين الطبيين وكميات الدم، ومن الصعب إجراء الجراحات لأن بعض العمليات الجراحية لا يمكن إجراؤها إلا في مستشفيات معينة». وأضاف أنه «من بين الجرحى أشخاص في حالة حرجة وأتوقع أن يرتفع عدد القتلى».
واتهمت لجنة أطباء السودان قوات الأمن بمهاجمة المستشفيات وموظفيها في أنحاء البلاد. وكثفت قوات الأمن وجودها بعد خروج المصلين في عدد من الأحياء لأداء صلاة عيد الفطر عقب دعوة قادة المحتجين «إلى الصلاة على أرواح الشهداء». وفي أم درمان الواقعة على الضفة المقابلة للخرطوم من نهر النيل، شوهدت قوات الأمن تسيّر دوريات في شاحنات ثبت عليها ما يبدو أنها مدافع مضادة للطائرات وغيرها من الأسلحة ومن بينها قاذفات صواريخ، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
من جهته، نفى المتحدث العسكري شمس الدين الكباشي في تصريحات أمس، أن تكون قوات الجيش قد فضت الاعتصام، وقال إنها تعاملت مع «متفلتين فروا من موقع الاعتصام وأحدثوا فوضى»، وهو التصريح الذي أثار سخرية واسعة بين النشطاء والثوار.
وطالبت القوات المسلحة السودانية، أمس، المواطنين بالابتعاد عن المناطق والمواقع العسكرية ونقاط الارتكاز والقيادات في كل أنحاء البلاد مشاركة منهم في حفظ الأمن الذي هو مسؤولية الجميع. وأكدت القوات المسلحة، في تعميم صحافي أصدرته أمس وبثته وكالة الأنباء السودانية «سونا»، أنها «ستظل على الدوام بتاريخها واحترافيتها المشهودة صمام أمن الوطن وملاذ المواطنين وفية لعهدها ووعدها في حماية الأرواح والممتلكات وبسطاً للأمن والاستقرار». وقالت إنه «لا نكوص عن انحياز القوات المسلحة لرغبة الشعب السوداني وإرادته في التغيير حتى يصل إلى تحقيق مطالبه وطموحاته المشروعة حتى تعبر بلادنا هذه المرحلة الدقيقة إلى آفاق الحرية والعدالة والسلام والاستقرار».
وفي هذا الصدد، يتجه محامون ونشطاء حقوقيون للتنسيق مع منظمات حقوق إنسان دولية، لتوجيه دعوى جنائية دولية ضد قتلة المعتصمين والمحتجين السلميين.
وقال المحامي معز حضرة لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن فريقاً مكوناً من عدد من المحامين والنشطاء في حقوق الإنسان شرع في اتصالات مع منظمات حقوقية دولية من أجل رفع دعوى جنائية دولية لمجلس الأمن، بشأن قتل المعتصمين لتحال إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وأوضح حضرة أن الانتهاكات التي شهدتها البلاد إبان فض الاعتصام والأيام الماضية «ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، تواجه رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ونائبه حميدتي».



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.