باسل بن جبر... السعودي الذي فتحت له الملكة قلعتها

درس في الإبداع وفي تاريخ العرب مع العطور

باسل بن جبر
باسل بن جبر
TT

باسل بن جبر... السعودي الذي فتحت له الملكة قلعتها

باسل بن جبر
باسل بن جبر

من كان يتصور أن يغزو سعودي محلات واحدة من أهم المؤسسات البريطانية التجارية، ألا وهي محلات «سيلفريدجز»؟ ومن كان يتصور أن تفتح له الملكة أبواب قلعتها التاريخية «تاور أوف لندن»، حيث تُحفظ الرموز الملكية، من التاج الملكي والصولجان، في ليلة من ليالي شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ليعرض عطوراً يمكن اعتبارها هي الأخرى من «الجوالي» والنفائس؟ لكن هذا ما حدث مع باسل بن جبر الذي تشهد أرقام المبيعات في محلات «سيلفريدجز» أنه يحقق أعلاها، متفوقاً على عطور تنتجها بيوت أزياء معروفة وشركات متمرسة في هذا المجال منذ عقود.
اختياره «تاور أوف لندن» لتقديم 3 عطور جديدة له عدة دلالات، على رأسها أنه يلعب مع الكبار، وأن طموحاته تتعدى العادي. فقد تكون القلعة سياحية في النهار، إلا أنها لا تفتح أبوابها مساء سوى للنخبة، وقد كانت مناسبة جداً بالنسبة للعطار السعودي الشاب. فاسم العلامة التي أطلقها منذ بضع سنوات فقط (ثمين) اختاره ليعكس مفهومه للعطور: أن تكون فريدة من نوعها مكونة من أغلى وأنقى الخلاصات، بغض النظر عن سعر هذه المكونات. فهو يعتبر كل عطر قطعة مجوهرات ثمينة. وفي لقاء خاص، يقول إنه منذ البداية كان يعرف أنه لا يمكن أن يتباخل على مشروعه هذا. فالسوق مُتخم بالعطور التي تظهر بين كل شهر وآخر تقريباً، وما كان يحتاجه كعطار سعودي هو التميز والتفرد حتى يرسخ مكانته بين الكبار. ويشرح: «ليس مهماً بالنسبة لي أن أدخل هذا المجال فقط للوجود فيه... كانت فكرتي دائماً تدور حول عطور فريدة تخاطب الذواقة، أولاً وأخيراً». ويتذكر كيف كان يرافق والده وهو صغير إلى سوق العطارين لشراء الورد، وتحديداً ورد الطائف الذي كان والده يعشقه ويبحث عنه داخل السعودية وخارجها «إلى حد أن تجار العطور باتوا يعرفونه، ويتصلون به عندما يحصلون على الجيد والفريد منه». كبر الطفل، وكبر معه شغفه، وأصبح هو الآخر يجول العالم باحثاً عن خلاصات ومكونات جديدة مثلما يبحث تاجر الماس أو الزمرد عن الأحجار النادرة حول العالم. وأعطى شغفه ثماره سريعاً، بدليل أنه غزا السوق البريطانية من أبواب «سيلفريدجز» التي تفوز لسنوات بالمرتبة الأولى كأحسن محل تجاري عالمي. ومع ذلك يوضح، بتواضع شديد، أن المسألة لم تكن تحتاج إلى عبقرية بقدر ما كانت تحتاج إلى شغف وحب، مشيراً إلى أن «ثقافة العطور وصناعتها متجذرة في الحضارة العربية، وتسري في المسام والوجدان على حد سواء». لكنه يؤكد أن نظرته وطموحاته عالمية، ولا يريد أن يضع نفسه في تلك الصورة النمطية لدى الغرب، من أن العرب يعشقون فقط العطور القوية، وتلك التي يدخل فيها العود «رغم أن أكثر من روج للعود على المستوى العالمي هو توم فورد، عندما استعمله أول مرة وحقق نجاحاً هائلاً فتح العيون على أهميته كمكون فاخر». لكن ليس كل عطر دخل فيه العود نجح. فهناك أصول يجب احترامها، ولا يتقنها سوى قلة، حسب رأيه. المشكلة في الغرب أنه ظل ينظر طويلاً إلى الشرق على أنه مُستهلك أكثر منه مُبدع أو منتج في هذا المجال، رغم أن التاريخ يقول العكس تماماً. فقد حققت الحضارة الإسلامية ثورة في تاريخ العطور، عبر ابتداع وسيلة التقطير والعمليات الكيميائية العلمية التي لا تزال تعتمد إلى الآن بآليات أكثر تطوراً. صحيح أن الحضارة الإسلامية ورثت الكثير عن الحضارة الإغريقية، إلا أن العرب هم أول من استخدم تاج الزهرة لاستخراج ماء الزهور منذ 1300 عام، ولم يستعمل العرب تاج الأزهار كعطرٍ فقط، بل استعملوها كدواء أيضاً.
كما لا تزال الأزهار، مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها، من المصادر المهمة لاستخراج العطور عند العرب، ولكن جوهر العطر يستخرج من مصادر أخرى غير الأزهار، كالخشب، ولا سيما خشب الأرز وخشب الصندل، ومن الأوراق، مثل النعناع والغرنوق والخزامى، ومن جذور معينة مثل الزنجبيل والسوسن. كل هذا يؤكد أن العرب ليسوا دخلاء على هذه المهنة. الفرق أنها ظلت لقرون محلية «وهذا ما يجعلني سعيداً أن تحقق عطوري النجاح التجاري الذي تحققه على المستوى العالمي حالياً». الفضل يعود أيضاً إلى نظرته واستراتيجيته على حد سواء. فهو لم يضعها في خانة محددة، ولم يسوقها كعربية أو سعودية، بل «هي عالمية، من ناحية أنها مسجلة في بريطانيا، ومكوناتها من ألمانيا، وعطاريها من فرنسا». الجديد أن عربياً سعودياً هو المايسترو في هذه الخلطة.

العطور لدى العرب
- تعددت أسماؤه، من الطيب، والشذا، والرائحة، والعرف، والعبق، والضوع، والفوح، والأريج، إلى العبير.
- اشتُقت كلمة «عطر» في اللغة الإنجليزية «perfume» من العبارة اللاتينية «per» بمعنى «خلال»، و«fumus» التي تعني «دخان». وبعد ذلك أطلق الفرنسيون الاسم «parfum» على الروائح اللطيفة التي تنتقل عبر الهواء من البخور المحترق.
- اكتشفه قدماء العراقيين في حضارة ما بين النهرين قبل نحو 4 آلاف سنة، حيث كانوا يحرقون أنواعاً من الراتنج والأخشاب في مراسيم دينية.
- كان العرب أول من استخدم تاج الزهرة لاستخراج ماء الزهور منذ 1300 عام، للتعطير والتطبيب أيضاً.
- رغم أن الأزهار، مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها، من المصادر المهمة لاستخراج العطور عند العرب، فإن الأخشاب، مثل خشب الأرز وخشب الصندل، إلى جانب أوراق النعناع والغرنوق والخزامى، كانت تحظى بالأهمية نفسها.
- وصل حب العرب للعطور إلى تأليف عدة كتب عن هذه الصناعة. وأبرز هذه المؤلفات كانت لإبراهيم بن العباس، والحبيب العطار، والكندي.
- لا يمكن الحديث عن العطر دون العودة لشخصيتين مهمتين ساهمتا في ابتكار طرق جديدة لصناعتها، هما أبو الكيمياء جابر بن حيان والكندي. فقد كان الفضل في اكتشاف طرق فصل المواد الكيميائية، مثل التقطير الخالص والتبخير والترشيح، يعود إلى جابر بن حيان. واعتبر ابن الجوزي «عطر الغالية» الذي صنعه الكندي من النفائس التي كان الأمير العباسي المقتدر مسرفاً في اقتنائها. أما يعقوب بن إسحاق الكندي فيُعد المؤسس الحقيقي لصناعة العطور، حسب البعض، حيث أجرى تجارب مكثفة ناجحة لدمج عطور النباتات المختلفة مع مواد وخامات أخرى، وله مخطوط قديم بعنوان «الترفق في العطر»، يحتوي على 10 أبواب (صنعة المسك، وصنعة العنبر، وصنعة الزعفران، وصنعة الورس، وصنعة الغوالي، وباب آخر، والأدهان، وعمل الكافور، وصنعة السك والرامك، وعمل التصعيدات).
- كانت مهنة العطارة عند عرب الجزيرة من المهن الرفيعة التي لا يمارسها إلا علية القوم. وكانوا يحفظونه في قوارير من زجاج، ويصدرونه عبر البحر إلى السند والهند، وعن طريق البر إلى فارس وبلاد الروم. وبالإضافة إلى المسك والعنبر والعود والصندل، اشتهر عرب الجزيرة باستخدام أنواع أخرى من الطيب استعملوها في تطييب ثيابهم، مثل المر والصبر والكافور واللبان.
- تنقسم العطور في العصور الوسطى إلى 3 أنواع: عطور نباتية، يكون مصدرها النبات، مثل العود والصندل والكافور والزعفران والقرنفل والسنبل والياسمين؛ والثاني عطور حيوانية، وهي عبارة عن إفرازات غددية تتألف من دهون وزيوت يتم الحصول عليها من أجسام الحيوانات، ومنها العنبر والمسك؛ أما النوع الثالث فهو مزيج من العطور النباتية والحيوانية المركبة تركيباً كيميائياً باستخدام التقطير والتخمير، ومضافاً إليها بعض المثبتات.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.