عصيان في الخرطوم بعد مقتل معتصمين... و«العسكري» يأسف

الكباشي أعلن الحرص على سلامة المواطنين ودعا لاستئناف المفاوضات... و{قوى التغيير} ترفض إشراك الجيش في الحكم

محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)
محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)
TT

عصيان في الخرطوم بعد مقتل معتصمين... و«العسكري» يأسف

محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)
محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)

عاشت الخرطوم يوماً دامياً أمس، إثر قيام قوات الأمن السودانية بفض اعتصام المحتجين الموجودين أمام مقر قيادة الجيش في وسط الخرطوم، منذ السادس من أبريل (نيسان)؛ ما أدى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى، بحسب قادة حركة الاحتجاج الذين أكدوا وقف المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، وأعلنوا عن إضراب عام شامل وعصيان مدني متزامنين، اعتباراً من يوم أمس (الاثنين)، أصابا الشلل التام في العاصمة السودانية وبعض المدن.
وعبّر المجلس العسكري عن أسفه لوقوع ضحايا مدنيين في العملية العسكرية التي وقعت في ميدان الاعتصام، أمس، والتي «استهدفت خارجين عن القانون»، نافياً في الوقت نفسه أن يكون أقدم على فض الاعتصام في الخرطوم «بالقوة»، مؤكداً حرصه التام على أمن الوطن وسلامة المواطنين. ودعا المجلس في الوقت نفسه إلى استمرار عملية التفاوض، مع قوى الحرية والتغيير.
وقال المتحدث باسم المجلس، الفريق ركن شمس الدين كباشي، إن «قوة مشتركة من القوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الشرطة وبإشراف وكلاء النيابة، قامت بتنفيذ عملية مشتركة ومطاردة عدد من المتفلتين، ومعتادي الإجرام، في بعض المواقع المتاخمة لشارع النيل (كولمبيا) وتم القبض على بعضهم». وأضاف: «أثناء تنفيذ الحملة احتمت مجموعات كبيرة منهم بميدان الاعتصام مما دفع القادة الميدانيين وحسب تقديرات الموقف بملاحقتهم؛ مما أدي إلى وقوع خسائر وإصابات».
وقال الكباشي في بيان نشر على موقع المجلس في «تويتر»، إنه «منذ اندلاع ثورتكم المباركة في أبريل انحازت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى لإرادة التغيير، وظلت تعمل جاهدة للوصول إلى اتفاق حول الترتيبات للفترة الانتقالية، وقد حققت تقدماً ملموساً في هذا الإطار». وتابع: «تصاعدت وتيرة الأحداث، وأفرزت واقعاً مغايراً عقد المشهد، ومثل تصعيداً أمنياً يتنافى مع غايات الثورة السلمية... أفضى إلى ظهور مناطق خارجة عن القانون تمارس فيها كل الأفعال المخالفة للقانون؛ مما دعي شركاء التغيير إلى التوافق على استنكار ورفض ما يحدث في تلك المنطقة لحسم هذا المشهد». وأضاف البيان: «المجلس العسكري الانتقالي إذ يعبّر عن أسفه تجاه تطور الأوضاع بهذه الصورة يؤكد حرصه التام علي أمن الوطن وسلامة المواطنين، واتخاذ التدابير اللازمة للوصول إلى هذه الغاية ويجدد الدعوة إلى التفاوض في أقرب وقت بغية التوصل إلى التحول المنشود لبلادنا».
ودخلت الخرطوم منذ صباح أمس في إضراب سياسي وعصيان مدني مفتوح، دعت له قوى الحرية والتغيير، كما خرجت مظاهرات حاشدة في أحياء الخرطوم، وأغلقت الشوارع والجسور المؤدية إلى الولايات الأخرى، بشكل تام. وتوقفت حركة الطيران الداخلية والخارجية، حيث ألغيت الرحلات القادمة إلى مطار الخرطوم من خارج السودان إلى جانب إلغاء الرحلات الداخلية. وأضحت الحياة في شلل تمام بعد أن توقفت خطوط النقل العامة داخل العاصمة والعاملة بين الخرطوم ومدن الولايات المختلفة، «وبخاصة مدينة مدني والقضارف وكوستي وبورتسودان». كما توقف الإنترنت عن العمل منذ ظهر أمس.

وأعلنت شركة «طيران الإمارات»، التي تتخذ من دبي مقراً لها، تعليق رحلاتها إلى الخرطوم، بسبب الاضطرابات السياسية في السودان. وقال متحدث باسم الشركة للصحافيين إنه «تم تعليق رحلات الناقلة بين الخرطوم ودبي، بسبب الاضطرابات السياسية في السودان». وأضاف: «نراقب الموقف عن كثب، وسنقوم بتحديث المعلومات مع تطور الوضع، وتعتذر الناقلة عن أي إزعاج وتؤكد أن سلامة ركابها وأفراد طاقمها تحتل قمة أولوياتها على الدوام».
وأظهرت لقطات تلفزيونية دخاناً يتصاعد من خيام أحرقت فيما يبدو أثناء مداهمة قوات الأمن. وتدفق المحتجون على شوارع الخرطوم ومدينة أم درمان على الضفة الأخرى لنهر النيل بعد أن انتشرت أنباء الهجوم. وقال شهود إن المحتجين أغلقوا طرقاً بالحجارة والإطارات المشتعلة. ورشق محتجون بعضهم يلوح بأعلام السودان، قوات الأمن بالحجارة وسط دوي إطلاق مكثف للنيران. وتم إغلاق الجسور على النيل التي تربط مناطق عدة بالعاصمة السودانية.
من جانبه، قال تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» في بيانات متتالية: إن المجلس العسكري «غدر بالآلاف من المعتصمات والمعتصمين من أبناء وبنات شعبنا الثوار بمحيط القيادة العامة للجيش، مطلقاً الرصاص عليهم». ووصف ما «تعرض له الثوار المعتصمون» بـ«مجزرة دموية». وفي بيان آخر، قال التحالف إن عدد القتلى وصل حتى مساء أمس، إلى نحو 30 قتيلاً ومئات الجرحى والمصابين.
من جهته، قال القيادي في قوى الإجماع الوطني المعارض عضو قوى الحرية والتغيير، ساطع الحاج، لـ«الشرق الأوسط»: إن قوى الحرية والتغيير ترتب حالياً لإعلان السلطة المدنية، مشيراً إلى أن السودان أصبح أمام واقع جديد. وقال الحاج إن المجلس العسكري «أصبح غير مؤهل لقيادة المرحلة القادمة»، حسب تعبيره. وأضاف: «هذه جريمة جنائية ولا بد من محاسبة المتورطين في هذه الجريمة البشعة ولا بد من دفع الثمن»، معتبراً أن المجلس العسكري أطلق الرصاص على نفسه بعدما أصدر تعليماته بفض الاعتصام بالقوة المفرطة.
ودعت «قوى إعلان الحرية والتغيير» إلى إقامة متاريس في كل الشوارع بالعاصمة والأقاليم، والخروج في مسيرات سلمية ومواكب بالأحياء والمدن والقرى. كما أعلنت «الإضراب السياسي والعصيان المدني الشامل والمفتوح اعتباراً من يوم أمس، الثالث من يونيو (حزيران) لحين إسقاط النظام».
وقال القيادي في قوى الحرية والتغيير نائب رئيس حزب الأمة، الدكتور إبراهيم الأمين، في تصريحات: إن إطلاق النار في ساحة الاعتصام صباح أمس «عملية إجرامية»، وأضاف: «كنا نتحدث عن المفاوضات حتى وقت قريب لتشكيل الحكومة الانتقالية وحسم مجلس السيادة لكن المجلس العسكري كان يعد العدة لشيء آخر، وقام بهذه الخطوة الاستباقية خلاف ما تم الاتفاق عليه». وقال الأمين إن المجلس العسكري يريد أن يحكم منفرداً وبأي ثمن، مشيراً إلى أن أنصار نظام الرئيس المخلوع عمر البشير أصبحوا حلفاء مع المجلس العسكري بغرض إبعاد السودان من تحقيق الدولة الديمقراطية. وطالب «بمحاكمة الذين شاركوا في هذه الجريمة التي كانت بعيدة عن القانون والأخلاق». من ناحيته، قال القيادي في المؤتمر الشعبي الذي كان مشاركاً في حكومة الرئيس المعزول عمر البشير، كمال عمر لـ«الشرق الأوسط»: إن كافة القوى السياسية والسودانيين توصلوا إلى هدف محدد وهو إسقاط المجلس العسكري، وأضاف: «أمام المجلس العسكري خيار واحد، تسليم السلطة كاملة إلى المدنيين خلال 72 ساعة، ولن يسمح لهم بالمشاركة في أي من هياكل السلطة، أو حتى الحصول على نسبة في المجلس السيادي».
واتهم النظام السابق بالمشاركة مع القوات التي قامت «بالمجزرة» لكي تعيد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وقال إن {على الحركة الإسلامية أن تراجع نفسها بعد تجربتهم الفاشلة وأن يستعدوا حتى للمحاسبة}.
وقال عمر: إن قوى الحرية والتغيير وصلت إلى طريق مسدودة مع المجلس العسكري، وأضاف: «لقد تواصلنا مع قوى الحرية والتغيير، والوضع يتطلب أن تتحد القوى السياسية كلها وترفض التواصل مع هذا المجلس»، لكنه لم يمانع بأن تتدخل دول الترويكا الغربية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج) برعاية أي مفاوضات في المرحلة المقبلة بعد أن فقدت القوى السياسية الثقة في المجلس العسكري.
وكان الاعتصام الذي أقيم قرب مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم بدأ في السادس من أبريل للمطالبة بإسقاط الرئيس عمر البشير. وأطاح الجيش في 11 أبريل بالبشير الذي حكم السودان لمدة ثلاثين عاماً. وشكّل الجيش مجلساً عسكرياً انتقالياً يحكم منذ ذلك الوقت. لكن المعتصمين واصلوا تحركهم، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين. وعلّقت المفاوضات بين المجلس العسكري والمتظاهرين في 21 مايو (أيار) بسبب عدم التوصل إلى اتفاق حول تشكيلة مجلس سيادة قرروا إنشاءه على أن يتألف من عسكريين ومدنيين، ويتولى قيادة الفترة الانتقالية في السودان.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.