عصيان في الخرطوم بعد مقتل معتصمين... و«العسكري» يأسف

الكباشي أعلن الحرص على سلامة المواطنين ودعا لاستئناف المفاوضات... و{قوى التغيير} ترفض إشراك الجيش في الحكم

محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)
محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)
TT

عصيان في الخرطوم بعد مقتل معتصمين... و«العسكري» يأسف

محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)
محتجون يغلقون أحد شوارع الخرطوم أمس (رويترز)

عاشت الخرطوم يوماً دامياً أمس، إثر قيام قوات الأمن السودانية بفض اعتصام المحتجين الموجودين أمام مقر قيادة الجيش في وسط الخرطوم، منذ السادس من أبريل (نيسان)؛ ما أدى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى، بحسب قادة حركة الاحتجاج الذين أكدوا وقف المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، وأعلنوا عن إضراب عام شامل وعصيان مدني متزامنين، اعتباراً من يوم أمس (الاثنين)، أصابا الشلل التام في العاصمة السودانية وبعض المدن.
وعبّر المجلس العسكري عن أسفه لوقوع ضحايا مدنيين في العملية العسكرية التي وقعت في ميدان الاعتصام، أمس، والتي «استهدفت خارجين عن القانون»، نافياً في الوقت نفسه أن يكون أقدم على فض الاعتصام في الخرطوم «بالقوة»، مؤكداً حرصه التام على أمن الوطن وسلامة المواطنين. ودعا المجلس في الوقت نفسه إلى استمرار عملية التفاوض، مع قوى الحرية والتغيير.
وقال المتحدث باسم المجلس، الفريق ركن شمس الدين كباشي، إن «قوة مشتركة من القوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الشرطة وبإشراف وكلاء النيابة، قامت بتنفيذ عملية مشتركة ومطاردة عدد من المتفلتين، ومعتادي الإجرام، في بعض المواقع المتاخمة لشارع النيل (كولمبيا) وتم القبض على بعضهم». وأضاف: «أثناء تنفيذ الحملة احتمت مجموعات كبيرة منهم بميدان الاعتصام مما دفع القادة الميدانيين وحسب تقديرات الموقف بملاحقتهم؛ مما أدي إلى وقوع خسائر وإصابات».
وقال الكباشي في بيان نشر على موقع المجلس في «تويتر»، إنه «منذ اندلاع ثورتكم المباركة في أبريل انحازت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى لإرادة التغيير، وظلت تعمل جاهدة للوصول إلى اتفاق حول الترتيبات للفترة الانتقالية، وقد حققت تقدماً ملموساً في هذا الإطار». وتابع: «تصاعدت وتيرة الأحداث، وأفرزت واقعاً مغايراً عقد المشهد، ومثل تصعيداً أمنياً يتنافى مع غايات الثورة السلمية... أفضى إلى ظهور مناطق خارجة عن القانون تمارس فيها كل الأفعال المخالفة للقانون؛ مما دعي شركاء التغيير إلى التوافق على استنكار ورفض ما يحدث في تلك المنطقة لحسم هذا المشهد». وأضاف البيان: «المجلس العسكري الانتقالي إذ يعبّر عن أسفه تجاه تطور الأوضاع بهذه الصورة يؤكد حرصه التام علي أمن الوطن وسلامة المواطنين، واتخاذ التدابير اللازمة للوصول إلى هذه الغاية ويجدد الدعوة إلى التفاوض في أقرب وقت بغية التوصل إلى التحول المنشود لبلادنا».
ودخلت الخرطوم منذ صباح أمس في إضراب سياسي وعصيان مدني مفتوح، دعت له قوى الحرية والتغيير، كما خرجت مظاهرات حاشدة في أحياء الخرطوم، وأغلقت الشوارع والجسور المؤدية إلى الولايات الأخرى، بشكل تام. وتوقفت حركة الطيران الداخلية والخارجية، حيث ألغيت الرحلات القادمة إلى مطار الخرطوم من خارج السودان إلى جانب إلغاء الرحلات الداخلية. وأضحت الحياة في شلل تمام بعد أن توقفت خطوط النقل العامة داخل العاصمة والعاملة بين الخرطوم ومدن الولايات المختلفة، «وبخاصة مدينة مدني والقضارف وكوستي وبورتسودان». كما توقف الإنترنت عن العمل منذ ظهر أمس.

وأعلنت شركة «طيران الإمارات»، التي تتخذ من دبي مقراً لها، تعليق رحلاتها إلى الخرطوم، بسبب الاضطرابات السياسية في السودان. وقال متحدث باسم الشركة للصحافيين إنه «تم تعليق رحلات الناقلة بين الخرطوم ودبي، بسبب الاضطرابات السياسية في السودان». وأضاف: «نراقب الموقف عن كثب، وسنقوم بتحديث المعلومات مع تطور الوضع، وتعتذر الناقلة عن أي إزعاج وتؤكد أن سلامة ركابها وأفراد طاقمها تحتل قمة أولوياتها على الدوام».
وأظهرت لقطات تلفزيونية دخاناً يتصاعد من خيام أحرقت فيما يبدو أثناء مداهمة قوات الأمن. وتدفق المحتجون على شوارع الخرطوم ومدينة أم درمان على الضفة الأخرى لنهر النيل بعد أن انتشرت أنباء الهجوم. وقال شهود إن المحتجين أغلقوا طرقاً بالحجارة والإطارات المشتعلة. ورشق محتجون بعضهم يلوح بأعلام السودان، قوات الأمن بالحجارة وسط دوي إطلاق مكثف للنيران. وتم إغلاق الجسور على النيل التي تربط مناطق عدة بالعاصمة السودانية.
من جانبه، قال تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» في بيانات متتالية: إن المجلس العسكري «غدر بالآلاف من المعتصمات والمعتصمين من أبناء وبنات شعبنا الثوار بمحيط القيادة العامة للجيش، مطلقاً الرصاص عليهم». ووصف ما «تعرض له الثوار المعتصمون» بـ«مجزرة دموية». وفي بيان آخر، قال التحالف إن عدد القتلى وصل حتى مساء أمس، إلى نحو 30 قتيلاً ومئات الجرحى والمصابين.
من جهته، قال القيادي في قوى الإجماع الوطني المعارض عضو قوى الحرية والتغيير، ساطع الحاج، لـ«الشرق الأوسط»: إن قوى الحرية والتغيير ترتب حالياً لإعلان السلطة المدنية، مشيراً إلى أن السودان أصبح أمام واقع جديد. وقال الحاج إن المجلس العسكري «أصبح غير مؤهل لقيادة المرحلة القادمة»، حسب تعبيره. وأضاف: «هذه جريمة جنائية ولا بد من محاسبة المتورطين في هذه الجريمة البشعة ولا بد من دفع الثمن»، معتبراً أن المجلس العسكري أطلق الرصاص على نفسه بعدما أصدر تعليماته بفض الاعتصام بالقوة المفرطة.
ودعت «قوى إعلان الحرية والتغيير» إلى إقامة متاريس في كل الشوارع بالعاصمة والأقاليم، والخروج في مسيرات سلمية ومواكب بالأحياء والمدن والقرى. كما أعلنت «الإضراب السياسي والعصيان المدني الشامل والمفتوح اعتباراً من يوم أمس، الثالث من يونيو (حزيران) لحين إسقاط النظام».
وقال القيادي في قوى الحرية والتغيير نائب رئيس حزب الأمة، الدكتور إبراهيم الأمين، في تصريحات: إن إطلاق النار في ساحة الاعتصام صباح أمس «عملية إجرامية»، وأضاف: «كنا نتحدث عن المفاوضات حتى وقت قريب لتشكيل الحكومة الانتقالية وحسم مجلس السيادة لكن المجلس العسكري كان يعد العدة لشيء آخر، وقام بهذه الخطوة الاستباقية خلاف ما تم الاتفاق عليه». وقال الأمين إن المجلس العسكري يريد أن يحكم منفرداً وبأي ثمن، مشيراً إلى أن أنصار نظام الرئيس المخلوع عمر البشير أصبحوا حلفاء مع المجلس العسكري بغرض إبعاد السودان من تحقيق الدولة الديمقراطية. وطالب «بمحاكمة الذين شاركوا في هذه الجريمة التي كانت بعيدة عن القانون والأخلاق». من ناحيته، قال القيادي في المؤتمر الشعبي الذي كان مشاركاً في حكومة الرئيس المعزول عمر البشير، كمال عمر لـ«الشرق الأوسط»: إن كافة القوى السياسية والسودانيين توصلوا إلى هدف محدد وهو إسقاط المجلس العسكري، وأضاف: «أمام المجلس العسكري خيار واحد، تسليم السلطة كاملة إلى المدنيين خلال 72 ساعة، ولن يسمح لهم بالمشاركة في أي من هياكل السلطة، أو حتى الحصول على نسبة في المجلس السيادي».
واتهم النظام السابق بالمشاركة مع القوات التي قامت «بالمجزرة» لكي تعيد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وقال إن {على الحركة الإسلامية أن تراجع نفسها بعد تجربتهم الفاشلة وأن يستعدوا حتى للمحاسبة}.
وقال عمر: إن قوى الحرية والتغيير وصلت إلى طريق مسدودة مع المجلس العسكري، وأضاف: «لقد تواصلنا مع قوى الحرية والتغيير، والوضع يتطلب أن تتحد القوى السياسية كلها وترفض التواصل مع هذا المجلس»، لكنه لم يمانع بأن تتدخل دول الترويكا الغربية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج) برعاية أي مفاوضات في المرحلة المقبلة بعد أن فقدت القوى السياسية الثقة في المجلس العسكري.
وكان الاعتصام الذي أقيم قرب مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم بدأ في السادس من أبريل للمطالبة بإسقاط الرئيس عمر البشير. وأطاح الجيش في 11 أبريل بالبشير الذي حكم السودان لمدة ثلاثين عاماً. وشكّل الجيش مجلساً عسكرياً انتقالياً يحكم منذ ذلك الوقت. لكن المعتصمين واصلوا تحركهم، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين. وعلّقت المفاوضات بين المجلس العسكري والمتظاهرين في 21 مايو (أيار) بسبب عدم التوصل إلى اتفاق حول تشكيلة مجلس سيادة قرروا إنشاءه على أن يتألف من عسكريين ومدنيين، ويتولى قيادة الفترة الانتقالية في السودان.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.