قراصنة يستخدمون أدوات سيبرانية أميركية لـ«شل» مدن وخدمات

جهات كورية وروسية وصينية استغلت برنامجاً طورته وكالة الأمن القومي

مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)
مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)
TT

قراصنة يستخدمون أدوات سيبرانية أميركية لـ«شل» مدن وخدمات

مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)
مقر وكالة الأمن القومي في ماريلاند (نيويورك تايمز)

على امتداد نحو ثلاثة أسابيع، رزحت بالتيمور تحت وطأة هجوم سيبراني من جانب مبتزين جمدوا آلاف الكومبيوترات وأغلقوا عناوين بريد إلكتروني وأوقفوا مبيعات عقارات وسداد فواتير مياه وخدمات الإخطارات الصحية والكثير من الخدمات الأخرى.
إلا أن أكثر ما أصاب موظفي المدينة بالإحباط، ولا يعلمه سكان المدينة بعد، هو أن عنصراً محورياً في البرنامج الخبيث الذي استغله المجرمون السيبرانيون في الهجوم جرى تطويره بأموال دافعي الضرائب على مسافة قصيرة من «بالتيمور - واشنطن باركواي» في وكالة الأمن القومي، وفقاً لما ذكره خبراء أمنيون مطلعون على القضية.
منذ عام 2017. عندما فقدت وكالة الأمن القومي السيطرة على الأداة، التي تحمل اسم «إترنال بلو»، التقطها قراصنة يعملون لحساب حكومتي كوريا الشمالية وروسيا، والصين حديثاً. وسعى هؤلاء القراصنة لإثارة حالة من الفوضى عبر العالم، وخلفوا وراءهم خسائر تقدر بمليارات الدولارات. إلا أنه على مدار العام الماضي، عاود هذا السلاح السيبراني الظهور، وبدأ الآن يستهدف جهات في الفناء الخلفي لوكالة الأمن القومي.
ولا يقتصر الأمر على بالتيمور، وإنما أفاد خبراء أمنيون أن هجمات «إترنال بلو» وصلت لمستوى مرتفع غير مسبوق، وأن مجرمين سيبرانيين يستهدفون مدناً أميركية مختلفة، من بنسلفانيا حتى تكساس، وتسببوا في إصابة حكومات محلية بالشلل ودفعوا التكاليف نحو ارتفاع شديد.
لم يُكشف النقاب عن صلة وكالة الأمن القومي بالهجمات التي تعرضت لها مدن أميركية من قبل، الأمر الذي يرجع لأسباب عدة بينها رفض الوكالة مناقشة الأمر أو الاعتراف بخسارة هذا السلاح السيبراني والذي جرى طرحه عبر شبكة الإنترنت في أبريل (نيسان) 2017 من جانب مجموعة لم تتضح هويتها حتى الآن تطلق على نفسها اسم «ذي شادو بروكرز».
وبعد سنوات، لم تنجح الوكالة ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) في توضيح ما إذا كانت «ذي شادو بروكرز» مجموعة جواسيس أجانب أو عناصر داخلية تشعر بالسخط. من جهته، وصف توماس ريد، خبير أمن سيبراني بجامعة «جونز هوبكينز»، الهجمات التي شنتها مجموعة «ذي شادو بروكرز» بأنها «الاختراق الأكثر تدميراً والأفدح تكلفة في تاريخ وكالة الأمن القومي». وأكد أنها ألحقت أضراراً أكبر عن تسريبات عام 2013 الشهيرة التي قادها إدوارد سنودين، المقاول السابق لدى وكالة الأمن القومي.
وأضاف: «رفضت الحكومة تحمل المسؤولية، أو حتى الإجابة على الأسئلة الأساسية. الواضح أن الرقابة التي يمارسها الكونغرس أخفقت في مهمتها. والآن، يستحق الشعب الأميركي الحصول على إجابة».
في المقابل، رفض كل من وكالة الأمن القومي و«إف بي آي» التعليق. فمنذ وقوع التسريبات، عمدت وكالات استخبارات أجنبية وعناصر مارقة إلى استغلال «إترنال بلو» لنشر البرنامج الخبيث الذي أصاب مستشفيات ومطارات وسككاً حديدية وشركات شحن وأجهزة صرف آلي ومصانع تنتج لقاحات بالغة الأهمية، بالشلل. والآن، بدأ هذا السلاح في ضرب الولايات المتحدة في أكثر منطقة حساسة، أي الحكومات المحلية المعتمدة على بنى تحتية متهالكة وموارد قليلة للدفاع عن نفسها.
وقبل تسريبه، كان «إترنال بلو» واحداً من أنجح أدوات الترسانة السيبرانية لدى وكالة الأمن القومي. وطبقاً لما ذكره ثلاثة موظفين سابقين لدى الوكالة اشترطوا عدم كشف هويتهم، قضى محللون قرابة عام للتوصل إلى نقطة ضعف في برنامج لـ«مايكروسوفت» ووضعوا شفرة لاستهدافها.
في البداية، أشاروا للأداة الجديدة باسم «إترنال بلوسكرين» (أي الشاشة الزرقاء) لأنها غالباً ما كانت تؤدي لانهيار الكومبيوترات، مخاطرة قد تكشف عن أهدافهم. إلا أنه بمرور الوقت، تحول إلى أداة قوية وجرى استغلالها عدة مرات في مهام جمع الاستخبارات ومكافحة الإرهاب.
وذكر مسؤولون سابقون بوكالة الأمن القومي أن «إترنال بلو» كان على درجة كبيرة من الأهمية، لدرجة أن الوكالة لم تفكر بجدية قط في تنبيه «مايكروسوفت» حيال الثغرات التي اكتشفتها، واستمرت في التكتم على الأمر لأكثر من خمس سنوات قبل أن يجبرها الاختراق الأخير على ذلك.
وجاء هجوم بالتيمور في 7 مايو (أيار) بمثابة هجوم فيروسي كلاسيكي. وفجأة ساد اللون الأسود شاشات موظفي المدينة وظهرت رسالة بإنجليزية ركيكة تطالب بنحو 100 الف دولار في صورة «بتكوين» لتحرير الملفات التي جرت قرصنتها. وقالت الرسالة التي حصلت «ذي بالتيمور صن» على نسخة منها: «نحن نراقبك منذ أيام. ولن نتحدث بعد الآن، كل ما نعرفه هو المال! أسرع!»
قبل يومين، كانت بالتيمور ما زالت تعاني من الشلل مع رفض مسؤولي المدينة دفع المبلغ المطلوب، وإن كانت بعض الخدمات قد جرت استعادتها. من دون «إترنال بلو»، لم يكن الضرر ليكون على هذه الدرجة من الضخامة، حسبما ذكر خبراء، إذ إنه يستغل نقطة ضعف في برنامج يسمح للقراصنة بنشر برنامجهم الخبيث بسرعة أكبر، وعلى مساحة أوسع.
وكانت كوريا الشمالية أول دولة تستغل الأداة في هجوم شنته عام 2017 أُطلق عليه اسم «وانا كراي»، وتسبب في إصابة نظام الرعاية الصحية البريطاني بالشلل، وكذلك خطوط السكك الحديدية الألمانية ونحو 200 ألف منظمة عبر العالم. وجاءت بعدها روسيا، التي استغلت الأداة في شن هجوم أطلق عليه اسم «نوت بتيا» استهدف أوكرانيا، لكنه انتشر عبر شركات كبرى تعمل بالبلاد. وكبد الهجوم «فيدكس» أكثر من 400 مليون دولاراً، وكذلك «ميرك» الشركة العملاقة بمجال الأدوية، 670 مليون دولار.
ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، فعلى امتداد العام الماضي استغل ذات القراصنة الروس الذين استهدفوا الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 «إترنال بلو» في إسقاط شبكات «واي فاي» بأحد الفنادق. كما استغله قراصنة إيرانيون في نشر برنامج خبيث والقرصنة ضد شركات خطوط جوية في الشرق الأوسط، تبعاً لما أفاد به باحثون في شركتي «سيمانتيك» و«فاير آي» الأمنيتين.
من ناحيته، قال فيكرام ثاكور، مدير شؤون الاستجابات الأمنية في «سيمانتيك» إنه «من المتعذر تصديق أن أداة كانت تستخدمها وكالات استخباراتية أصبحت اليوم متاحة علانية، ويجري استغلالها على نطاق واسع».
جدير بالذكر أنه بعد شهر من شروع «ذي شادو بروكرز» في نشر أدوات وكالة الأمن القومي عبر الإنترنت عام 2017، تواصلت الوكالة مع «مايكروسوفت» وعدد من الشركات التكنولوجية لإخطارها بعيوب البرنامج الخاص بها. وأصدرت «مايكروسوفت» أداة حماية، لكن تبقى مئات الآلاف من الكومبيوترات عبر العالم دونما حماية.
وعلى ما يبدو، وجد القراصنة في بالتيمور وألينتاون وسان أنتونيو وحكومات محلية أميركية أخرى نقاط ضعف تسهل مهاجمتها. في هذه الحكومات، غالباً ما يتولى موظفون عموميون الإشراف على شبكات معقدة تعتمد على برامج عفا عليها الدهر. في يوليو (تموز) الماضي، أصدرت وزارة الأمن الداخلي تحذيراً شديداً من أن حكومات ولايات وحكومات محلية تتعرض لهجمات باستخدام فيروس مدمر، بدأ في الاعتماد الآن على «إترنال بلو» للانتشار.
من ناحيتها، رفضت «مايكروسوفت» التي تتولى متابعة استخدام «إترنال بلو»، الكشف عن أسماء المدن المتضررة بدعوى حماية خصوصية المستخدم. إلا أن خبراءً آخرين مطلعين على الهجمات أكدوا أن القراصنة اعتمدوا على «إترنال بلو».
من جانبه، قال أميت سيربر، رئيس شؤون أبحاث الأمن لدى مؤسسة «سايبر سيزون»، إن المؤسسة التي يعمل بها استجابت لهجمات استخدم بها «إترنال بلو» في ثلاث جامعات أميركية مختلفة.
من ناحية أخرى، قد تكبد مثل هذه الهجمات تكاليف يصعب على الحكومات المحلية تحملها. فعلى سبيل المثال، تسبب هجوم ألينتون في فبراير (شباط) الماضي في تعطل خدمات المدينة لأسابيع وكلفت جهود إصلاح العطب نحو مليون دولاراً، إلى جانب 420 ألف دولاراً سنوياً لبناء دفاعات جديدة، حسبما ذكر ماثيو ليبرت، المسؤول الأول بالمدينة عن المعلومات.
وذكر مصدران مطلعان أن الفيروس الذي ضرب سان أنتونيو سبتمبر (أيلول) الماضي، أصاب كومبيوتر داخل مكتب عمدة مقاطعة بيكسار وحاول الانتشار عبر الشبكة باستخدام «إترنال بلو». وفي الأسبوع الماضي، اكتشف باحثون بشركة «بالو ألتو نتوركس» الأمنية أن مجموعة تابعة للدولة الصينية تدعى «إميساري باندا» اخترقت أجهزة تخص حكومات في الشرق الأوسط بالاعتماد على «إترنال بلو».
من جانبه، قال جين ميلر أوزبورن، نائب مدير شؤون استخبارات التهديدات لدى «بالو التو نتوركس»: «ليس من الضروري لدى انتهاء الموجة الأولى من الهجمات، أن تختفي الأداة. نتوقع أن يستمر استغلال «إترنال بلو» إلى الأبد لأن المهاجمين وجدوا فيها نظاماً قوياً ومفيداً».
* خدمة «نيويورك تايمز»



قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.


قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
TT

قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ، اليوم (السبت)، إلى نيودلهي، للمشاركة إلى جانب قادة الهند وروسيا وإيران في قمة لمجموعة بريكس تتصدرها ملفات النزاعات والتجارة والطاقة.

ويتوقع أن تهيمن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 2022، وما نتج عنهما من الاضطرابات في التجارة العالمية وأسعار النفط، على محادثات القمة التي تنطلق السبت وتستمر يومين.

ويشكل حضور شي بحد ذاته حدثاً مهماً؛ إذ ستكون هذه أول زيارة له إلى البلاد منذ 2019، وهي تمثل خطوة كبيرة في مسار التقارب البطيء بين البلدين المتنافسين، بعد 6 سنوات من المواجهة العسكرية الدامية التي دارت بينهما على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهيمالايا.

أعلام دول «بريكس» في مركز المؤتمرات «بهارات ماندابام» بنيودلهي (أ.ب)

وشهدت العلاقات بين العملاقين الآسيويين المسلّحين نووياً تحسناً تدريجياً عقب موافقتهما على استئناف الرحلات الجوية والاتصالات رفيعة المستوى ومنح التأشيرات، وأكدت بكين الجمعة، أن «الصين مستعدة للعمل مع الهند من خلال تعزيز التواصل وتوطيد التعاون والتعامل مع الاختلافات وفق الأصول».

ومع ذلك، لا يزال انعدام الثقة يخيم إلى حد كبير على العلاقات، على وقع استمرار الخلافات الحدودية، مع احتفاظ البلدين بانتشار عسكري على طول الحدود الممتدة بينهما نحو 3500 كيلومتر عند أطراف منطقة التبت الصينية.

ويجري شي السبت، محادثات مباشرة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب «الخارجية» الهندية.

وتظاهر عشرات التبتيين في نيودلهي الجمعة، رافعين لافتات ضدّ زيارة شي، بحسب مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وهم يعيشون في المنفى مثل زعيمهم الروحي الدالاي لاما الذي انتقل إلى الهند للفرار من حملة قمع صينية عام 1959.

* «بريكس» منذ 2009

أُسس منتدى «بريكس» عام 2009 ليجمع الاقتصادات الناشئة الكبرى؛ البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليه سريعاً جنوب أفريقيا، وذلك خارج إطار التكتلات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والقوى الغربية، مثل مجموعة السبع.

وتوسع التكتل بعد ذلك ليشمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران، وغيرها.

دورية للشرطة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وقبل انعقاد القمة، استقبل مودي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي قال: «حين يتعرض بلد لضغوط سياسية واقتصادية على تجارته وطاقته وبناه التحتية ونظامه المالي، فإن العواقب تتخطى حدوده».

وتغلق إيران منذ اندلاع الحرب مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط. وتخطى سعر برميل برنت مجدداً هذا الأسبوع عتبة 100 دولار.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقاء سابق عقد في روسيا يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 (رويترز)

وتثير هذه الحرب انقساماً بين أعضاء «بريكس»؛ إذ تواصل روسيا والصين تعاملهما التجاري مع إيران على الرغم من العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على طهران والدول المتعاملة معها في إطار حملة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

وقال هارش بانت المحلل في مركز «أوبزيرفر ريسيرتش فاونديشن» للدراسات القريب من الحكومة الهندية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذا النزاع سيكون خط الانقسام الرئيسي خلال القمة».

ومن جهة أخرى، التقى مودي الجمعة فلاديمير بوتين، بعد 6 أشهر على آخر زيارة للرئيس الروسي إلى الهند، وأكدت نيودلهي أنهما «تبادلا وجهات النظر» بشأن الشرق الأوسط وأوكرانيا، مشيرة إلى أن مودي «أكد مجدداً أن النزاعات لا تحلّ إلا بالحوار والدبلوماسية».

وتعدّ الهند حليفاً تقليدياً لموسكو وواصلت استيراد النفط الروسي رغم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، بذريعة أن المداخيل النفطية تسمح لموسكو بتمويل حربها على أوكرانيا.

وساعد ذلك نيودلهي في تجاوز أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.


البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن مسؤولاً روسياً سيحضر اجتماعاً للطاقة خاصاً بمجموعة العشرين في هيوستن الأسبوع المقبل.

ورحبت الولايات المتحدة الشهر الماضي بحضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف اجتماعاً لدول مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية، في المرة الأولى التي يحضر فيها وزير المالية الروسي المنتدى شخصياً منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.

وسيُعقد الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين بشأن وفرة الطاقة من يوم الاثنين إلى الأربعاء بحضور مسؤولين أميركيين، منهم وزير الداخلية دوغ بورغم، ووزير الطاقة كريس رايت، والمسؤول في البيت الأبيض جارود أجين. ولم يذكر البيت الأبيض بعد من سيحضر اجتماع الأسبوع المقبل من الجانب الروسي، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومن المتوقع أيضاً حضور مسؤولين بقطاع الطاقة من أوروبا وآسيا. وقالت محكمة تدقيق الحسابات الأوروبية هذا الشهر إن جهود الاتحاد الأوروبي للتحرر من الاعتماد على النفط والغاز الروسيين تتعثر في وقت يقترب فيه الشتاء مع وجود مخزونات غاز منخفضة بنحو غير معتاد.

وعلى الرغم من اسم الاجتماع، فإن الحربين الدائرتين في أوكرانيا وإيران جعلتا أمن الطاقة مبعث قلق للعديد من الدول، إذ سجل سعر الديزل في الولايات المتحدة رقماً غير مسبوق تجاوز ستة دولارات للغالون هذا الأسبوع، وأُغلق مضيق هرمز أيضاً بنحو شبه كامل أمام شحنات النفط والغاز الطبيعي، ويشكل بناء مراكز البيانات الأميركية ضغطاً على إمدادات الكهرباء.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إنه أجرى محادثة «رائعة» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من الأسبوع، وإن الزعيم الروسي يرغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وعلى الرغم من أحدث الزيارات التي قام بها مبعوثون أميركيون إلى موسكو وكييف، يشكك مسؤولو المخابرات في الولايات المتحدة وأوكرانيا وأنحاء أوروبا في جدية بوتين في إنهاء الحرب.

ومن المرجح أن يصوت مجلس النواب الأميركي على فرض عقوبات جديدة على روسيا خلال اجتماع مجموعة العشرين، لكن من غير المؤكد ما إذا كان مشروع القانون سيتم إقراره في ذلك المجلس مثلما حدث في مجلس الشيوخ الأميركي.

وفرضت إدارة ترمب لأول مرة عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إذ حجبت المعاملات وجمدت أصول أكبر شركتين نفطيتين فيها، وهما «روسنفت» و«لوك أويل».