الهند: تحديات اقتصادية لمودي في ولايته الثانية

كثير من الإصلاحات مطلوب لتخفيف الضغوط المعيشية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (رويترز)
TT

الهند: تحديات اقتصادية لمودي في ولايته الثانية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (رويترز)

تولى رئيس الوزراء ناريندرا مودي مهام مسؤولياته الرسمية لفترة الولاية الثانية، بتفويض شعبي كبير، ومن شأن الولاية الثانية أن تتسم بعملية تسريع الإصلاحات الاقتصادية والتركيز على ترسيخ الركائز المالية، في أعقاب التراجع المالي المشهود خلال السنوات الأخيرة.
كانت ولاية مودي الأولى تولي اهتماماً وتركيزاً كبيراً لإصلاح النظام المصرفي المنهك، والاضطلاع بإعادة ضبط الهيكل الاقتصادي في البلاد، مثالاً بضريبة السلع والخدمات، وقانون الإعسار والإفلاس، وقانون تنظيم العقارات، من بين أمور أخرى من التي أرست الأسس الهيكلية الراسخة التي ينبغي لها إعادة الهند إلى وضعية النمو الاقتصادي القوي عبر السنوات العشر المقبلة.
ومن المرجح أن يشهد شهر يوليو (تموز) المقبل طرح الميزانية الكاملة لعام 2019، خلال السنة المالية المتوجة بحلول مارس (آذار) 2020.
- إعادة إحياء الاقتصاد
جمع المستثمرون العالميون، وبشكل ملحوظ، ثروات صافية تقدر بـ216.3 مليار دولار في السندات الهندية، وذلك بعد يوم واحد من فوز مودي في الانتخابات الأخيرة، وهم يراقبون عن كثب كيف يقود مودي والبنك المركزي الهندي عجلة الاقتصاد في البلاد، وسط مخاوف من التباطؤ الممتد.
وقالت لاكشمي آيير، كبيرة مسؤولي الاستثمار لشؤون القروض في شركة «كوتاك ماهنيندرا لإدارة الأصول»: «ليس أمام الصناديق الأجنبية من خيار سوى التطلع إلى الهند. فإذا كانت العقود الآجلة لديك محتملة والعائدات مرتفعة، فهذا هو الوقت الذي تحقق فيه المكاسب الجيدة وربما الممتازة».
ومن شأن العائدات أن تلامس نسبة 7 في المائة إذا كانت سياسة البنك المركزي الهندي خلال شهر يونيو (حزيران) إيجابية بالنسبة للسندات، كما أضافت.
وفي خضم ذلك، منحت الصناعة الهندية لحكومة مودي – التي خرجت ظافرة في الانتخابات العامة الأخيرة – حق تقييم واقع الاقتصاد، وعبرت عن قلقها بشأن التباطؤ الجاري، مع الضغط بشدة لتنفيذ تخفيضات فورية في معدلات ضرائب الشركات وأسعار الفائدة، بغية إنعاش الصناعة في البلاد.
ومن المتوقع للناتج المحلي الإجمالي الهندي أن يصل إلى 6.9 نقطة مئوية، وهو المستوى الأدنى قليلاً من المستوى المتوقع سلفاً بواقع 7 نقاط مئوية كاملة، وفقاً لهيئة التصنيفات والأبحاث الهندية (إندرا)، التي تحاول حض الحكومة الهندية الجديدة على إعادة إحياء اقتصاد البلاد.
ومن واقع التنبؤات، التي ركزت على السنة المالية 2018 - 2019 التي تنتهي بتاريخ 31 يوليو القادم، أكدت هيئة التصنيفات والأبحاث الهندية (إندرا) على أن النمو في الربع الأخير سوف يشهد تراجعاً إلى مستوى 6.3 نقطة مئوية من واقع 6.6 نقطة مئوية المسجلة في الربع الثالث.
ووفقاً للهيئة المذكورة، فإن السنة المالية الجارية تمثل الفترة الثانية على التوالي من التراجع الاقتصادي في البلاد. وسجل الناتج المحلي الإجمالي في الهند نمواً بواقع 7.2 نقطة مئوية خلال السنة المالية 2017 - 2018. وتأتي التوقعات الجديدة قبل تنصيب رئيس الوزراء ناريندرا مودي في ولايته الثانية للبلاد.
تقول هيئة التصنيفات والأبحاث الهندية (إندرا): «إن الحد من التباطؤ وإنعاش الاقتصاد سوف يشكلان التحدي الأول القائم في وجه الحكومة الجديدة. وفي حين يمكن التعامل مع التحديات الدورية عبر الإجراءات قصيرة الأجل، فإن الحاجة الماسة والملحة الآن هي مواجهة التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الهندي».
يقول فيكرام كيرلوسكار، رئيس اتحاد الصناعات الهندية: «ينبغي على الحكومة تخفيض معدلات الضرائب، وتوسيع مجال مخصصات الاستثمار في كافة القطاعات، بما في ذلك قطاع الخدمات، حتى يتسنى إطلاق محركات الأربعة للاستهلاك، والاستثمار، والإنفاق الحكومي، والصادرات دفعة واحدة».
الإصلاحات المطلوبة من مودي
يُنظر إلى ناريندرا مودي من زاوية الزعيم السياسي المناصر للأعمال التجارية، ومنذ توليه المنصب الرفيع في مايو (أيار) لعام 2014، سجلت مؤشرات الأسهم الهندية ارتفاعاً لأكثر من 40 في المائة. كما نجحت حكومة مودي أيضاً في تنفيذ إصلاحات كبرى، من بينها الرعاية الصحية، والنظام الضريبي، والسماح للاستثمارات الأجنبية، التي تشتد الحاجة إليها، بالدخول إلى مشروعات البناء والتشييد المحلية. ومع ذلك، فهناك قائمة مطولة من المشكلات المتعين حلها خلال فترة الولاية الثانية. ومن بين ذلك الامتثال مع العجز المستهدف في الميزانية، ومعدلات البطالة المرتفعة، فضلاً عن العجز التجاري.
بعض المجالات الرئيسية التي تستلزم إجراء الإصلاحات الفورية، إثر التحديات التي تشكلها على اقتصاد الهند:
- إصلاحات الزراعة والعمالة
تعتبر المعاناة الزراعية والريفية من أبرز المشكلات المشهودة في كافة أرجاء البلاد. وبالنسبة لرئيس الوزراء الذي تعهد بمضاعفة دخل المزارع بحلول عام 2022، فإنها سوف تشكل واحدة من أكبر التحديات خلال العام الجاري. فمن ناحية، بسبب الضائقة العميقة الراهنة، ومن ناحية أخرى، لأن التنبؤات الموسمية في العام الجاري لا تبشر بخير بصفة خاصة، ولا يزال جانب كبير من الزراعات الهندية يعتمد بشكل أساسي على الرياح الموسمية. وليس من المتوقع أن تُفلح الحلول قصيرة الأجل في تسوية المشكلات الزراعية في البلاد. وفي حين أن الاستجابة السريعة للجفاف قد تساعد المزارعين، مثل مبادرة «برادهان مانترا كيسان» لمعاونة المزارعين، فإنه يجب إجراء الإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل قبل أن يشهد المزارعون أي زيادة حقيقية في دخولهم.
وكان المزارعون قد ساندوا مودي بقوة على خلفية نظام دعم الدخل الزراعي الذي تعهد به. ويشكل القطاع الزراعي نسبة 21 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2004 - 2005. ولقد انخفضت تلك النسبة إلى نحو 13 في المائة خلال السنوات الـ15 الماضية. ولكن أعداد القوى العاملة في القطاع الزراعي لم تنخفض بوتيرة مماثلة خلال الفترة نفسها.
ويعمل في الزراعة الهندية نحو 55 في المائة من القوى العاملة في البلاد. والرقم يناهز 260 مليون مواطن ممن يعملون في هذا القطاع، مما يشير إلى اعتماد نحو 55 إلى 57 في المائة من سكان البلاد على الزراعة، التي تشهد ضائقة كبيرة وممتدة للغاية.
والسبب المباشر لمعاناة المزارعين الهنود هو تدني أسعار المواد الغذائية في البلاد. وعلى الرغم من تنفيذ الحكومة الهندية لنظام الحد الأدنى لأسعار الدعم، فإن المزارعين لا يحصلون على العائدات المجزية من زراعتهم.
سوف يكون من المناسب أن تضمن الحكومة تدفق الائتمان والاستثمارات في صلب الاقتصاد الزراعي في البلاد، وبالتالي، فإن تسوية مشكلات الشركات المالية غير المصرفية من الضرورات الملحة؛ حيث إنها تضطلع بدور مهم للغاية في توفير الائتمان النهائي في الاقتصاد الريفي.
من شأن توحيد قوانين العمل عبر مختلف اللوائح، حتى مع الحد الأدنى الممكن من التغيير في القواعد الفعلية، أن يساعد القطاع الصناعي في البلاد. واليوم، هناك حالة كبيرة من الالتباس بشأن التعريفات الأساسية ذات الصلة بإدارة رأس المال البشري. ومن شأن المجموعة الموحدة من القوانين التعامل مع اللوائح والقواعد في بعض المجالات المحددة، مثل: العلاقات الصناعية، والضمان الاجتماعي، والأجور، والسلامة في أماكن العمل، والرعاية الاجتماعية.
وهذا التوحيد للقوانين (انتهى جانب كبير من العمل على هذه المسألة خلال فترة ولاية مودي الأولى للبلاد) سوف يساعد بشكل كبير في الحد من تكاليف الامتثال وتكاليف إجراءات التقاضي. وهو في حد ذاته سوف يكون من المكاسب الكبيرة للقطاع الصناعي في البلاد.
- انخفاض الرغبة في الاستثمار
المشكلة الأخرى التي يحتاج رئيس الوزراء ووزيرا المالية والصناعة الانتباه إليها ومحاولة علاجها على نحو عاجل، تتعلق بانخفاض الرغبة في الاستثمار في مشروعات القطاع الخاص الجديدة. وخلال السنوات الخمس الماضية، كانت الاستثمارات الحكومية في مجالات البنية التحتية والإنفاق على خطط القطاع الاجتماعي هي المتصدرة لدفع النمو الاقتصادي إلى حد كبير، إلى جانب الاستهلاك الخاص. وشهدت التجارة والاستثمار في القطاع الخاص تراجعاً كبيراً. ومن الناحية المثالية، فإن هذين المجالين في حاجة ماسة لتعديل الأوضاع حتى تستمر دورة النمو الاقتصادي.
ولكن تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار بالطريقة التي اعتاد العمل وفقاً لها قبل عام 2008، هو من المهام العسيرة على اعتبار انخفاض المعنويات للغاية. وعبر محادثات متعددة مع كبار قادة الشركات الهندية، كانت هناك بعض النقاط المشتركة التي توالى ظهورها واحدة تلو الأخرى.
وبالنسبة إلى رئيس وزراء البلاد، فإن مهمته الرئيسية خلال فترة الولاية الثانية تتمثل في تعزيز ورفع المعنويات، بالنسبة لاستثمارات القطاع الخاص أو الاستهلاك الخاص. ومن شأن هذين المجالين المساعدة في المحافظة على معدلات النمو المرتفعة على المدى الطويل.
- اصنع في الهند
خلال الفترة الأولى من حكومة ناريندرا مودي، أطلقت البلاد برنامج «اصنع في الهند» الطموح، الذي سعى إلى توطين أجزاء من الصناعات التحويلية، والحد من الاعتماد على الواردات، وفي الوقت نفسه، تحفيز عوائد الصادرات. وكانت نتائج التقدم على هذا المسار مختلطة وغير واضحة المعالم. بعض المشروعات المهمة قد انطلقت وواصلت العمل في قطاعات الدفاع والسيارات، وجرى توطين أجزاء من سلاسل الصناعات التحويلية للأجهزة المحمولة في البلاد، ولكن لا يزال هناك كثير مما يمكن القيام به.
وصرح مادان سابنافيس، كبير خبراء الاقتصاد لدى مؤسسة «كير» للتصنيفات: «لا تزال الفرصة كبيرة الآن، مع دخول الولايات المتحدة الأميركية والصين في حرب تجارية مفتوحة. فلم يعرب أي طرف عن نواياه في التراجع عن المواقف المتخذة حتى الساعة. ويمكن للهند استغلال الوضع الراهن في تعزيز الصادرات إلى كل من الولايات المتحدة والصين على حد سواء».
- البطالة
من بين 1.36 مليار نسمة، هو العدد المقدر لسكان الهند، هناك نسبة 67 في المائة تقع ضمن الشريحة العمرية (15 - 64) سنة. ما يضع نسبة السكان الباحثين عن العمل في رقم يفوق 910 ملايين نسمة. ولن يبحث جميعهم عن العمل في الوقت نفسه، ولكن هذا الرقم في حد ذاته يشكل تحدياً كبيراً وضخماً أمام الحكومة.
وأسفر الوعد بتوفير 20 مليون فرصة عمل سنوياً، إلى جانب شعار «أشهي دين» الذي يعني «الأيام الطبية»، عن وصول حكومة مودي الأولى إلى الحكم في عام 2014. ولقد أدت الاضطرابات المزدوجة الناجمة عن: سحب فئات العملات الكبيرة من التداول، والفرض المفاجئ لضريبة السلع والخدمات، الذي أطلقت عليه الحكومة اسم «تصحيح مسار الاقتصاد»، إلى فقدان الوظائف بنسبة كبيرة بدلاً من توفيرها.
وأفاد تقرير عن مركز مراقبة الاقتصاد الهندي، الصادر في يناير (كانون الثاني) من العام الجاري، بأن نحو 11 مليون وظيفة قد فُقدت خلال عام 2018، بسبب الآثار الجانبية الناشئة عن قرار وقف التداول بالعملات ذات الفئات الكبيرة في عام 2016، ثم قرار العمل بضريبة السلع والخدمات في عام 2017.



قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

شهد الاقتصاد العالمي تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، بينما برزت بريطانيا كأكبر خاسر نتيجة إعادة ضبط النظام الجمركي الأميركي.

ويأتي هذا التحول ليقلب موازين القوى التجارية رأساً على عقب؛ حيث وجدت الدول التي كانت هدفاً رئيسياً لترمب نفسها في وضع تنافسي أفضل، في حين تضررت الدول التي كانت تتمتع باتفاقيات تفضيلية سابقة.

ويعود هذا التفوق المفاجئ للهند والصين إلى انخفاض معدلات الرسوم الفعلية عليهما بشكل ملحوظ؛ فبالنسبة للهند، تراجعت الرسوم من مستويات قياسية كانت قد وصلت إلى 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة في أوائل فبراير (شباط)، ثم تلتها تخفيضات أخرى إلى 18 في المائة وعدت بها واشنطن، بعدما أبرم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وترمب اتفاقية تجارية. مباشرة، بعد قرار يوم الجمعة، انخفضت الرسوم إلى 10 في المائة، ثم ارتفعت إلى 15 في المائة يوم السبت، وهو معدل يتجاوز في إيجابيته ما كان مقرراً في الإطار الثنائي السابق.

أما الصين، فقد توقع اقتصاديو «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط الرسوم من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مستفيدة بشكل إضافي من إلغاء رسوم «الفنتانيل» التي أبطلها القضاء، مما منح صادراتها نفَساً جديداً في الأسواق الأميركية، رغم محاولات الإدارة الحفاظ على سياسة التضييق عبر مسارات قانونية أخرى.

ومن جانبها، أشارت تقديرات «بلومبرغ» إلى أن فرض معدل عالمي بنسبة 15 في المائة سيؤدي في المحصلة إلى متوسط رسوم فعالة يبلغ نحو 12 في المائة، وهو المستوى الأدنى منذ بدء تطبيق رسوم «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) الماضي، مما يعيد تشكيل قواعد اللعبة لشركاء أميركا التجاريين.

وفي المقابل، واجهت بريطانيا صدمة اقتصادية قوية جعلتها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة. فبينما كانت لندن تستفيد من معدل تفضيلي بنسبة 10 في المائة، جاء توحيد الرسوم العالمية عند 15 في المائة ليرفع التكاليف على الشركات البريطانية بشكل مفاجئ، وهو ما قد يكلف قطاع الصادرات نحو 4 مليارات دولار، ويهدد مصالح 40 ألف شركة بريطانية.

ويسعى المسؤولون البريطانيون حالياً بشكل عاجل لإقناع الإدارة الأميركية باستثناء بريطانيا من هذه الزيادة.

ولم تكن أوروبا وأستراليا بمنأى عن هذه الأضرار؛ حيث واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، مما دفع الاتحاد الأوروبي للمطالبة بصرامة باحترام الاتفاقيات السابقة، ملوحاً بتجميد المسارات التشريعية لأي اتفاقيات تجارية جديدة مع واشنطن، حتى تتضح الرؤية القانونية والالتزامات الأميركية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها تُجري تقييماً شاملاً لتبعات هذا الحكم القضائي، داعية واشنطن بلهجة حازمة إلى إلغاء كافة التدابير الأحادية التي تنتهك قواعد التجارة الدولية. وحذرت بكين من محاولات إدارة ترمب الالتفاف على قرار المحكمة عبر إطلاق تحقيقات تجارية قطاعية بديلة، مؤكدة أنها ستدافع عن مصالحها الوطنية بكل قوة؛ خصوصاً أن هذه التوترات تتزامن مع التحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ في نهاية مارس (آذار) المقبل، والتي كانت تهدف في الأصل لتهدئة الصراعات التجارية.

وعملياً، بدأت الوكالات الأميركية المعنية بالامتثال للواقع القانوني الجديد؛ حيث أكدت وكالة الجمارك وحماية الحدود أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم التي أُعلنت غير قانونية بدءاً من فجر الثلاثاء، مع تعطيل كافة الرموز التعريفية المرتبطة بقانون الطوارئ.

هذا التوقف يفتح الباب أمام مطالبات استرداد ضخمة قد تصل إلى 175 مليار دولار من خزينة الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا الارتباك الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تتفاعل بحذر؛ حيث تراجع الدولار وانتعشت الأسهم الصينية، بينما تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون هذا الضغط الاقتصادي دافعاً لتعجيل مسارات انتهاء الحرب في أوكرانيا، وتقليل الأعباء المالية التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي المنهك.


ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.


الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعدما رأى المتداولون أن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء سلسلة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عامل داعم للنمو العالمي. غير أن حالة الارتباك المحيطة بالسياسات التجارية، إلى جانب مخاطر تصاعد التوتر مع إيران، أبقت تحركات الأسواق في نطاق حذر.

وارتفع اليورو بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.1820 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني 0.3 في المائة إلى 1.3516 دولار خلال الجلسة الآسيوية، التي اتسمت بهدوء نسبي نتيجة عطلة في اليابان وعطلة رأس السنة القمرية في الصين. في المقابل، تراجع الدولار 0.4 في المائة إلى 154.40 ين ياباني، وفق «رويترز».

كانت المحكمة العليا قد قضت يوم الجمعة، بأن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب تجاوزت صلاحياته القانونية. وردّ ترمب بانتقاد حاد للحكم، معلناً فرض تعريفة جمركية عامة بنسبة 15 في المائة على الواردات، ومؤكداً تمسكه باتفاقيات التعريفات المرتفعة مع الشركاء التجاريين.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي» بسنغافورة، إن هذا التطور «يُضعف الدولار، إذ قد يدعم النمو خارج الولايات المتحدة». وأضاف أن الانعكاسات بعيدة المدى على أسعار الصرف لا تزال غير واضحة؛ إذ قد يؤدي تراجع الإيرادات الأميركية إلى الإضرار بالمركز المالي والدولار، في حين أن تقليص صلاحيات ترمب قد يُنظر إليه بإيجابية من زاوية الحد من تقلبات السياسات.

وارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف ليقترب من مستوى 60 سنتاً أميركياً، بينما تراجع الدولار الأسترالي قليلاً إلى 0.7070 دولار، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت سابقاً تعريفة بنسبة 10 في المائة فقط على السلع الأسترالية. كما صعد الفرنك السويسري، الذي يُعد ملاذاً آمناً، بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.7727 فرنك مقابل الدولار.

وقال جيسون وونغ، الاستراتيجي في «بنك نيوزيلندا» في ويلينغتون، إن الحكم «يمثل خطوة إضافية نحو تقييد سلطة ترمب، وهو ما يُعد إيجابياً للأسواق». لكنه أشار إلى أن المشهد لا يزال معقداً ومتغيراً، ولا يمكن التنبؤ بمساره بسهولة.

وبالإضافة إلى ملف الرسوم الجمركية، تتابع الأسواق عن كثب التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل الضغوط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي، كما تترقب خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ترمب يوم الثلاثاء.

رسوم مؤقتة وغموض قانوني

تسري الرسوم البديلة التي فرضها ترمب لمدة 150 يوماً، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ملزَمة برد الرسوم التي سبق أن دفعها المستوردون، إذ لم يتطرق حكم المحكمة العليا إلى هذه المسألة.

ويتوقع محللون سنوات من التقاضي وموجة جديدة من الضبابية قد تعرقل النشاط الاقتصادي، في وقت يسعى فيه ترمب إلى إيجاد آليات قانونية بديلة لإقرار حزمة رسوم عالمية بصورة دائمة.

وقال تاي هوي، كبير الاستراتيجيين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن التطورات «تعكس اعتماد استراتيجية الإدارة لزيادة الإيرادات على مصادر قد تكون عرضة لقدر كبير من عدم اليقين، في حين يظل الميل إلى الإنفاق مرتفعاً». وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع مستثمري السندات إلى توخي مزيد من الحذر حيال مسار الانضباط المالي.

في سياق متصل، دعت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي، والذي ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، من بينها الطائرات وقطع الغيار. كما يدرس شركاء واشنطن التجاريون في آسيا بحذر تداعيات حالة عدم اليقين الجديدة، شأنهم شأن المستثمرين الذين سبق أن فاجأتهم ردود فعل الأسواق على الرسوم التجارية التي فرضها ترمب، والتي لم تنجح في تقليص العجز التجاري الأميركي.

تحولات في رهانات الدولار

قبل انتخاب ترمب، راهن كثير من المستثمرين على أن الرسوم الجمركية ستدعم الدولار، على أساس أن شركاء الولايات المتحدة سيعمدون إلى خفض قيمة عملاتهم لتعويض تراجع صادراتهم.

غير أن الدولار اتخذ مساراً معاكساً في عام 2025، إذ تراجع مؤشره بأكثر من 9 في المائة، مع تركّز اهتمام الأسواق على توقعات خفض أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأميركي، إضافةً إلى التقلبات المرتبطة بسياسات ترمب.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة «إيه إن زد»، خلال بودكاست خاص بالبنك، إن «الإدارة الأميركية ستكون مقيدة إلى حد كبير في قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية على نطاق واسع». وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الاقتصاد العالمي».