قوى التغيير السودانية ترفض مقترح «العسكري» تقاسم السيادة

لوحت بإضراب سياسي وعصيان مدني مفتوح لتنفيذ مطالبها

محتجون من تحالف الحرية والتغيير يتظاهرون في أحد شوارع الخرطوم (رويترز)
محتجون من تحالف الحرية والتغيير يتظاهرون في أحد شوارع الخرطوم (رويترز)
TT

قوى التغيير السودانية ترفض مقترح «العسكري» تقاسم السيادة

محتجون من تحالف الحرية والتغيير يتظاهرون في أحد شوارع الخرطوم (رويترز)
محتجون من تحالف الحرية والتغيير يتظاهرون في أحد شوارع الخرطوم (رويترز)

عادت حركة السير تدريجياً إلى شوارع الخرطوم ومدن السودان المختلفة، بعد رفع إضراب عام شل الحياة لمدة يومين.
وعاد الموظفون والعاملون بالدولة والقطاع الخاص لممارسة عملهم المعتاد، فيما قدم المجلس العسكري الانتقالي مقترحاً جديداً لحل الخلاف بينه وقوى إعلان الحرية والتغيير لتقاسم السلطة في مجلس السيادة المقترح.
وقال عضو وفد قوى إعلان الحرية والتغيير المفاوض صديق يوسف في تصريحات، إن المجلس العسكري الانتقالي، وافق مبدئياً على مناصفة المجلس السيادي، مشترطاً أن تؤول له رئاسة المجلس طوال الفترة الانتقالية البالغة ثلاث سنوات. بيد أن يوسف أبلغ الصحافيين أن قيادة الحراك رفضت المقترح وتمسكت برئاسة مدنية للمجلس، وأضاف: «المجلس متمسك بالاستمرار في السلطة، ولا يرغب في التنازل عنها للمدنيين، كما ظل يدعي دائماً»، وتابع: «العسكري أجرى وساطات طوال اليومين الماضيين، لتوافق قوى الحرية والتغيير على مقترح تقاسم نسب المجلس السيادي».
بدورها كشفت قوى الحرية والتغيير عن نجاح الإضراب الذي نظمته يومي الثلاثاء والأربعاء حقق نسبة نجاح بلغت 90 في المائة، ولوحت بمواصلة التصعيد السلمي، للوصول للإضراب السياسي الشامل والعصيان المدني المفتوح، دون أن تحدد موعداً لتلك الخطوة. ومن جانبه، نفى القيادي بالحراك بابكر فيصل حدوث أي اتصالات على مستوى اللجان السياسية مع المجلس العسكري، وقال إن اللجان الفنية تواصل عملها في صياغة الاتفاقات التي تم التوصل إليها.
وقطع فيصل بأن تحالفه يرفض تلميحات المجلس العسكري باستعداده لإجراء انتخابات عامة خلال ثلاثة أشهر، مؤكداً صعوبة قيام انتخابات في الأوضاع التي تشهدها البلاد، وقال: «الانتخابات المبكرة إجهاض لمسيرة التفاوض، وما تم الاتفاق عليه بين الطرفين».
ووزعت قوى الحرية والتغيير جدول المقاومة الأسبوعي الذي درجت على نشره كل خميس منذ قبل سقوط نظام عمر البشير، حددت فيه مواعيد لمواكب تنطلق من الأحياء والمناطق إلى ساحات الاعتصام في العاصمة ومدن الولايات، فضلاً عن وقفات احتجاجية للقطاعات المهنية والفعاليات المختلفة لحشد التأييد للخطوة المقبلة.
وتعثرت المحادثات بين قادة المحتجين والمجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير الشهر الماضي منذ الاثنين 20 مايو (أيار) إثر خلاف حول تشكيلة المجلس السيادي الذي سيدير شؤون البلاد. ويطالب تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، الذي يضم عددا من الجماعات الاحتجاجية والمعارضة، بمنح المدنيين رئاسة المجلس السيادي، الذي سيختص بالإشراف على مرحلة انتقالية للتحول الديمقراطي مدتها ثلاث سنوات. لكن الجماعة الرئيسية في التحالف، وهي تجمع المهنيين السودانيين، ترى أن الجيش لا يزال يصر على قيادة المرحلة الانتقالية وأن تكون الأغلبية للعسكريين داخل المجلس السيادي وكذلك الرئاسة. وقال التجمع في بيان سابق بأن «السلطة المدنية تعني أن تكون هياكلها مدنية بالكامل وبأغلبية مدنية في جميع مفاصلها».
من جهته، شدد الاتحاد الأوروبي على أهمية استكمال المفاوضات بين العسكري والحرية والتغيير بحسن نية وبدون أي تهديد، أو استخدام العنف للوصول إلى تسوية وانتقال السلطة لقيادة مدنية. وقال الاتحاد الأوروبي في بيان أمس إنه يتابع الأوضاع المتوترة في السودان بعد توقف المفاوضات السياسية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وأكد استعداده لتوفير الدعم السياسي والمادي للسودان حال انتقال السلطة للمدنيين، بقوله: «حال انتقال السلطة إلى المدنيين، فإن الاتحاد الأوروبي، جاهز لتوفير الدعم السياسي والمادي للسودان».
والتقت لجنة العلاقات الخارجية بتجمع المهنيين السودانيين أول من أمس، سفراء الاتحاد الأوروبي ودول الترويكا؛ وأكدت لهم موقف الحراك المتمسك بمجلس سيادي بطبيعة مدنية وعدم تنازلها عن هذا الطلب على الإطلاق.
وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج حثت الأسبوع الماضي، على التوصل سريعا إلى اتفاق بين المتظاهرين السودانيين والمجلس العسكري الحاكم حول الانتقال إلى حكم مدني في البلاد معتبرة أن عدم القيام بذلك سيجعل من الصعب عليها العمل مع السلطات الجديدة. وقالت الترويكا الغربية التي سبق أن قامت بوساطة في نزاعات السودان، في بيان «يحتاج السودان وعلى وجه السرعة إلى اتفاق بين الأطراف ينهي هذه الفترة من عدم اليقين وعدم الاستقرار وبناء توافق وطني في الآراء بشأن المستقبل». وأضافت في البيان الذي نشر على صفحة السفارة الأميركية في الخرطوم على «فيسبوك» أن «أي نتيجة لا تؤدي إلى تشكيل حكومة بقيادة مدنية وتضع سلطة الحكم الأساسية مع المدنيين، لن تستجيب لإرادة الشعب السوداني المعبر عنها بوضوح للانتقال إلى حكم مدني».
وأوضحت أن ذلك «سيؤدي هذا إلى تعقيد التعامل الدولي، وسيجعل من الصعب على بلداننا العمل مع السلطات الجديدة لدعم التنمية الاقتصادية في السودان». وتابعت الدول الثلاث «نحث الأطراف على استئناف المحادثات بسرعة والتوصل إلى اتفاق يعكس إرادة الشعب ويساعد في تسهيل الدعم الدولي».
وسبق أن دعت واشنطن باستمرار إلى حكم مدني في السودان منذ أن أطاح الجيش بالبشير في 11 أبريل (نيسان) بعد أشهر من مظاهرات عمت مختلف أنحاء البلاد طالبت بإنهاء حكمه.
بدوره، جدد الاتحاد الأفريقي في بيان صدر بعد يوم واحد من لقاء بين رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان ومفوض السلم والأمن الأفريقي بأديس أبابا أول من أمس، رفضه التام لما أسماه في بيان «سياسة عدم التسامح مطلقاً مع جميع أشكال التغييرات الدستورية للحكومات، ولا سيما الانقلابات العسكرية».
وقام البرهان بعدة زيارات الأسبوع الماضي لدول الإقليم، شملت كلا من «مصر، دولة الإمارات العربية المتحدة، جنوب السودان، إثيوبيا»، قدم لقادتها شرحاً لتطور الأوضاع في السودان ومساعي إكمال عملية الانتقال في البلاد.
وأثناء ذلك التقى وفد من قيادات من الحركة الشعبية الشمال – جناح عقار المجلس العسكري الانتقالي أمس، وبحث معه استكمال الاتفاق بين العكسري وقوى الحرية والتغيير، بأسرع ما يمكن وإقامة حكومة مدنية ذات صلاحيات فعلية. وأكد اللقاء على تواصل الحوار بين الطرفين، وبحث قضايا الحرب والسلام باعتبارها جزءا لا يتجزأ من ترتيبات الفترة الانتقالية، وترأس وفد الحركة الشعبية نائب الرئيس ياسر سعيد عرمان، فيما ترأس جانب المجلس العسكري رئيس اللجنة السياسية المتحدث باسمه شمس الدين كباشي.
من جهة أخرى، دعت قوى سياسية للقاء مسيرة «مليونية» وتنظيم إفطار رمضاني وسط الخرطوم اليوم الجمعة، تطلق فيه «مبادرة» لتفويض المجلس العسكري الانتقالي تشكيل حكومة كفاءات، مع ضمان ألّا يقصى حزب أو تيار سياسي خلال الفترة الانتقالية حتى قيام الانتخابات. وتسعى القوى السياسية التي تناوئ قوى الثورة السودانية، وتقودها تيارات سلفية متشددة ورموز من الإسلاميين الموالين للنظام المعزول، لقطع الطريق أمام الاتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي والقوى التي قادت الثورة، وتعمل تحت لافتة «تيار نصرة الشريعة ودولة القانون».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.