«أليكسا»... تتنصّت على مستخدميها منذ زمن بعيد

مساعدات صوتية ومنظمات حرارة ومصابيح ترصد حركات سكان المنازل الذكية

«أليكسا»... تتنصّت على مستخدميها منذ زمن بعيد
TT

«أليكسا»... تتنصّت على مستخدميها منذ زمن بعيد

«أليكسا»... تتنصّت على مستخدميها منذ زمن بعيد

عندما تدير «أليكسا»، الموجودة في المساعد الصوتي الذكي من «أمازون»، أعمال منزلكم، فإن شركة «أمازون» تتعقّبكم بطرق أكثر بكثير مما قد ترغبون. ذلك أن ما يغيب عن معظم الأشخاص أن أليكسا تسجّل كلّ ما يقولونه لها.
عندما يُسأل الناس عمّا إذا كانوا سيسمحون لغريب بالتنصّت على منزلهم والاحتفاظ بالتسجيلات، يجيب معظمهم: «هل أنت مجنون؟» ولكنّ التنصت والتسجيل هو ما كانت أمازون تفعله مع الملايين منّا عبر مساعدها أليكسا والمساعدات الصوتية «إيكو» المجهّزة بالميكروفونات. لقد أصبح الأمر واضحا كما يقول جيفري فاولر المحلل في التكنولوجيا لوسائل الإعلام الأميركية: هدف سيليكون فالي التالي هو التنصّت على منازلنا.

- تنصّت منزلي
قد لا يدرك معظم مالكي مساعدات الصوت الذكية أنّ أمازون تحتفظ بنسخة من كلّ ما تسجّله أليكسا، بعد النطق باسمها. كذلك يحتفظ مساعد «سيري» الصوتي من آبل ومساعد غوغل الصوتي غيابياً بتسجيلات تساعد الشركتين في تدريب تطبيقات الذكاء الصناعي لهذين المساعدين.
يقول فاولر بأنه عندما أستمع إلى أرشيف أليكسا الذي تراكم لديه طوال أربع سنوات، وجد فيه أجزاءً من حياته، مثل طلبات ضبط المؤقت لطهو السباغيتي، وتسجيلات لضيوف يتمازحون، ولمحات عشوائية من سلسلة «داونتاون آبي» التلفزيونية. ووجد أيضاً بعض المحادثات الحسّاسة التي دفعت أليكسا إلى «الاستيقاظ» والبدء بالتسجيل كنقاش بين أفراد عائلته حول أمور طبية.
لهذا السبب، يجب علينا أن نخشى التنصت على منازلنا التي تعتبر الحلقة الأضعف في خصوصيتنا، بقدر ما كنّا نخشى تنصّت التطبيقات الإلكترونية عبر أجهزة الكومبيوتر والهواتف. وقد يسهل على المستخدمين أن يبدّدوا مخاوفهم بمجّرد التفكير أنّ مساعد صوت ذكي أو جهاز واحد ليس كافياً لخرق الخصوصية، ولكنّ مع تزايد أعداد المنازل المتصلة بالإنترنت، تزداد عملية جمع البيانات وقاحة في ظلّ قلة القوانين التنظيمية، والمراقبين، والتطبيقات البديهية لمراقبة هذه الأجهزة.
دعونا لا نكرّر أخطاءنا التي ارتكبناها مع «فيسبوك» في منازلنا الذكية، لأنّ أي بيانات شخصية يتمّ جمعها ستستخدم ضدّنا. ولا شكّ أن أفضل مكان نبدأ منه هو القول: «أليكسا، توقفي عن تسجيل حياتنا».

- مساعد صوت جاسوس
«التنصّت» هو كلمة حسّاسة جداً بالنسبة لشركة أمازون التي حاربت ارتباك الكثير من المستهلكين حول متى وكيف، وحتى من يستمع لهم عندما يستخدمون جهاز أليكسا؟ إلّا أنّ جزءاً كبيراً من هذه المشكلة كان من صنع الشركة نفسها.
ولكن كيف يمكنكم أن توقفوا أليكسا عن التسجيل؟ تعطي شركة أمازون جواب «فيسبوك» نفسه في هذا الشأن: «يملك الزبائن زمام السيطرة ولكنّ الهدف الأساسي من تصميم المنتج هو تلبية جميع حاجاتهم. يمكنكم حذف التسجيلات القديمة يدوياً إن عرفتم أين تبحثون عنها، وتذكّروا أن تعودوا دائماً إلى الوراء. لا يمكنكم منع أمازون من صناعة هذه التسجيلات، أو إسكات ميكروفون «إيكو» (لأنّه يتعارض مع هدفه الأساسي) أو حتى فصل الجهاز عن الكهرباء».
تقول أمازون إنّها تحتفظ بتسجيلات زبائنها لتحسين منتجاتها وليس لبيع تلك التسجيلات (وهذا ما قالته «فيسبوك» أيضاً). ولكنّ هذا لا ينفي الخطورة الدائمة التي تنطوي عليها عملية جمع البيانات الشخصية. هل تذكرون العائلة التي أرسلت أليكسا تسجيلاً لإحدى محادثاتها إلى جهة اتصال عشوائية؟ هذا دون أن ننسى القضاة الذين أصدروا مذكرات بناء على تسجيلات أليكسا.
تصدّر أرشيف أليكسا الصوتي عناوين الصحف أخيراً بعد اكتشاف وكالة بلومبيرغ أن موظفي أمازون يستمعون إلى التسجيلات لتدريب ذكاء الشركة الصناعي. واعترفت أمازون عندها أن بعضاً من موظفيها يحصلون فعلاً على معلومات الموقع الخاصة بالأجهزة التي صنعت هذه التسجيلات.
لا تنحصر ظاهرة تسجيل الأصوات والاحتفاظ بها بأمازون فحسب، إذ تحتفظ شركة آبل، التي تبدي اهتماماً أكبر بالخصوصية في صناعة أجهزة المنازل الذكية، بنسخ من محادثات الزبائن مع المساعد «سيري». تقول آبل إن البيانات الصوتية يشار إليها كـ«معرّف عشوائي غير مرتبط بالأفراد»، ولكنّ كم يمكن لتسجيل بصوتكم أن يكون فعلاً مجهول الهويّة؟ وما لم يفهمه المرء فعلاً هو لماذا لا تمنحنا آبل خيار رفض حفظ تسجيلاتنا.
أمّا مع مساعد غوغل، فيمكنكم منعه من التسجيل من خلال تحويل «نشاط الصوت والتسجيل» (Voice & Audio Activity) إلى وضع «الإيقاف» في «حسابكم.myaccount.google.com-activitycontrols
ولكنّ الريادة غير المتوقّعة في هذه المسألة كانت من نصيب غوغل، حيث اعتادت الشركة تسجيل جميع المحادثات التي تجرى مع مساعدها. إلّا أنّها عمدت العام الماضي وبصمت، إلى تغيير إعداداتها لمنع المساعد من تسجيل ما يسمعه بعد استدعائه بعبارة «مرحباً غوغل». وفي حال كنتم من الأشخاص الذين سبق لهم أنّ أعدوا مساعدا ذكياً من غوغل، ستحتاجون غالباً إلى تعديل إعداداته لـ«إيقاف» التسجيلات.
ويقول فاولر بأنه ليس الوحيد الذي يظنّ أن الاحتفاظ بالتسجيلات أقرب ما يكون إلى التنصّت. حديثا، تقدّمت لجنة الخصوصية في جمعية ولاية كاليفورنيا بقانون مضاد للتنصّت يلزم صانعي المساعدات الصوتية الذكية بالحصول على موافقة الزبائن قبل حفظ تسجيلاتهم. كما مرّر مجلس الشيوخ في ولاية إلينوي أخيراً قانوناً حول المسألة نفسها. ولكن هذه المبادرات ليست إلّا امتداداً لوجوب الحصول على الإذن لتسجيل محادثات شخص ما بشكل سرّي، المنصوص عليها في قوانين الكثير من الولايات.
وفي حال كنتم تستخدمون مكبرات صوت سونوس مع أليكسا، يجب أن تعرفوا أن سونوس تتعقب وتتتبّع الألبومات ولوائح التشغيل والمحطات التي تستمعون إليها، وتشارك هذه المعلومات مع أمازون.

- أجهزة ذكية متجسسة
بعد بحث في أرشيف أليكسا الصوتي، يطرح تساؤل عن النشاطات الأخرى التي يتمّ تسجيلها من قبل شركات التقنية في المنزل الذكي. وتحديدا يمكن رصد وجود كمية من البيانات الشخصية كافية لجعل أجهزة الاستخبارات السرية تشعر بالخجل من بطء جمع المعلومات.
• منظم حرارة ذكي. عندما تستيقظ في منتصف الليل لتناول وجبة خفيفة، تتلقّى غوغل خبراً بهذا الأمر، لأنّ منظّم الحرارة «نست» Nest من غوغل، يرسل تقارير إلى خوادم البيانات في الشركة كل 15 دقيقة يطلعهم فيها على أحوال المناخ بالإضافة إلى أي حركة تحصل في أرجاء المنزل (وفقاً لجهاز استشعار للوجود يستخدم لزيادة الحرارة). يمكنكم حذف حسابكم، وفي حال لم تفعلوا، سيحتفظ «نست» بهذه البيانات إلى أجل غير مسمّى.
• مصابيح ذكية. ثمّ هناك الأضواء التي تكشف مواعيد خلودكم للنوم والكثير من الأشياء الأخرى. إذ تتعقّب مصابيح «فيليبس هيو» Philips Hue وقت تشغيل وإطفاء كلّ واحدة منها، ويتمّ حفظ هذه البيانات بشكل دائم في حال كانت هذه المصابيح متصلة بخدمتها السحابية (التي لا يمكن الاستغناء عنها إن أردتم تشغيل هذه الأضواء عبر أليكسا أو مساعد غوغل).
• قفل مرآب ذكي. يتحوّل كلّ نوع من أنواع الأجهزة اليوم إلى أداة إلكترونية لجمع البيانات. يتيح جهاز «شامبرلين ماي كيو» Chamberlain MyQ لفتح المرآب للشركة المصنعة الاحتفاظ بسجلّ يظهر كلّ مرّة يفتح أو يقفل فيها باب المرآب، ومجدداً إلى أجل غير مسمّى.
• مكبرات صوت ذكية. بدورها، تتعقّب مكبرات صوت سونوس التي تستخدمها غيابياً جميع الألبومات ولوائح التشغيل والمحطات التي تستمع إليها، بالإضافة إلى كلّ مرّة تضغط فيها على زرّ تشغيل، إيقاف، تجاوز أو رفع الصوت. ولكنّ هذه تحتفظ بتاريخك السمعي لمدة ستة أشهر فقط.

- مشاركة البيانات
والآن، حان دور الجزء الأكثر جنوناً: بعد سؤال هذه الشركات حول ممارساتها في مجال جمع البيانات، علم فاولر أنّ معظمها يشارك ما يحصل في منزله مع أمازون أيضاً، إذ تبيّن أن بياناتنا هي الثمن الذي تدفعه هذه الأجهزة للاندماج مع أليكسا. بمعنى آخر، أمازون لا تتنصّت علينا فحسب، بل تتعقّب كلّ ما يحصل في منازلنا أيضاً.
لا يمكنكم منع أمازون من جمع بياناتكم من أجهزة المنزل الذكي المتصلة بأليكسا، ولكن يمكنكم الطلب منها حذف البيانات التي جمعتها عبر موقع amazon.com-alexaprivacy.
وتقرّ شركة أمازون بجمعها للبيانات حول أجهزة الطرف الثالث حتى في حال عدم استخدام أليكسا لتشغيلها. وتقول أيضاً إنّ أليكسا تحتاج للاطلاع على «وضع» أجهزتكم «لتقديم تجربة منزل ذكي أفضل». ولكن الاحتفاظ بسجل من هذه البيانات الشخصية مفيد لهم أكثر مما هو مفيد لنا.
يعمل مساعد غوغل بدوره على جمع البيانات حول وضع الأجهزة المتصلة بالإنترنت في منزلكم. ولكن الشركة تقول إنّها لا تخزّن تاريخ هذه الأجهزة رغم عدم وجود ما يمنعها من فعل ذلك.
وأخيراً، يبدو أنّ آبل تقوم بعمل يستحق التقدير في هذا المجال عبر جمع أقلّ قدر ممكن من البيانات. إذ لا يبلغ برنامج «هوم كيت» الشركة بأي معلومات حول ما يحصل في منزلكم الذكي، بل تتواصل الأجهزة المتوافقة مع البرنامج عبر التشفير مع جهاز الآيفون الخاص بكم، حيث يتمّ الاحتفاظ بالبيانات.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

«نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

يشكل «نوت بوك إل إم» NotebookLM أداة الذكاء الاصطناعي المجانية الأكثر فائدة خلال عام 2025؛ إذ يتميّز بقدرتين رائعتين: أولاً- يمكنك استخدامه للعثور على مجموعة.

جيرمي كابلان (واشنطن)
تكنولوجيا تدعم جميع المتصفحات الإضافات التي تطور من قدراتها عبر نظم التشغيل المختلفة

«جواسيس في متصفحك»: إضافات تعزيز الإنتاجية تتحول إلى كابوس أمني

تُعدّ إضافات المتصفح Browser Extensions اليوم جزءاً لا يتجزأ من تجربة المستخدم الرقمية، حيث تَعِد بتحويل المتصفح البسيط إلى أداة عمل خارقة قادرة على الترجمة .

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا ينتقل الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي من مرحلة التجارب إلى التشغيل واسع النطاق ليصبح جزءاً من البنية الأساسية لاتخاذ القرارات الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي… هل يتحول من أداة مساعدة إلى بنية أساسية؟

يدخل الذكاء الاصطناعي العمل المصرفي بوصفه بنية أساسية، حيث تُدار القرارات آلياً، وتقاس الثقة رقمياً، وتتصاعد تحديات الحوكمة، والبيانات، والاحتيال.

نسيم رمضان (لندن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».