حفتر يتعهد مواصلة {تحرير طرابلس}... ويهاجم «انحياز» المبعوث الأممي

معارك عنيفة بين الجيش الوطني والقوات الموالية للسراج جنوب العاصمة

جانب من المواجهات الدائرة بين الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق جنوب العاصمة الليبية (ا.ف.ب)
جانب من المواجهات الدائرة بين الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق جنوب العاصمة الليبية (ا.ف.ب)
TT

حفتر يتعهد مواصلة {تحرير طرابلس}... ويهاجم «انحياز» المبعوث الأممي

جانب من المواجهات الدائرة بين الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق جنوب العاصمة الليبية (ا.ف.ب)
جانب من المواجهات الدائرة بين الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق جنوب العاصمة الليبية (ا.ف.ب)

أعلن المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي، أنه «لن يسمح بتقسيم ليبيا ما دام على قيد الحياة»، فيما ازدادت حدة القتال الشرس في العاصمة طرابلس بعدما سعت قوات الجيش لتحقيق اختراق جديد إلى وسط المدينة، على حساب قوات حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، عبر طريق يمتد من مطار طرابلس الدولي المهجور، يقع بالضاحية الجنوبية.
وقال المشير حفتر، في مقابلة مع صحيفة «جورنال دو ديمانش» الفرنسية، إنه «من أجل العودة إلى حل سياسي، يجب علينا أولاً إنهاء الميليشيات»، مؤكداً أن «المشكلة في العاصمة طرابلس هي الأمن».
وبعدما أكد أن «الحل يتمثل في بسط السلم والأمن في طرابلس وإزالة العبء الذي تشكله الميليشيات، وفي حال سلمت هذه الميليشيات أسلحتها، لن تكون هناك حتى حاجة لوقف إطلاق النار»، قال حفتر: «لا نريد لهذه الحرب أن تستمر، ونأمل في حل سريع»، كما أوضح أن تنظيم انتخابات يبقى «هدفه (...) لكن يجب أن تكون نزيهة وشفافة». وأوضح أن الهجوم على طرابلس لن يتوقف ولا يمكن استئناف المفاوضات السياسية حتى يتم نزع سلاح المسلحين في البلاد، لافتاً إلى أنه أمر قوات الجيش بالتحرك نحو العاصمة بعد فشل 6 جولات من المفاوضات مع حكومة السراج المعترف بها دولياً.
وقال حفتر إن السراج غير قادر على اتخاذ القرارات بسبب أنه تحت سيطرة المسلحين، وأضاف: «في الجولة الأخيرة من المفاوضات أدركت أنه ليس هو من يأخذ القرارات، وبالتأكيد فإن الحل السياسي يبقى هو الهدف، ولكن للعودة إلى السياسة يجب القضاء على المسلحين مرة واحدة ونهائياً». وأضاف: «ما دامت الميليشيات والجماعات الإرهابية مستمرة، فلا يمكن حلها، كان علينا استخدام الوسائل العسكرية لفتح طريق سياسي».
ورأى حفتر أن طلب السراج سحب قوات الجيش، التي تنفذ منذ الرابع من الشهر الماضي عملية عسكرية لتحرير طرابلس، هو أمر «غير واقعي للغاية»، موضحاً أن «أولئك الذين يوافقون على الاستسلام سيبقون آمنين وسالمين، الذين يوافقون على رفع العلم الأبيض، وإعادة الأسلحة والعودة إلى ديارهم سيبقون في أمان وسالمين».
أما بالنسبة لخطر تقسيم ليبيا، الذي أشار إليه رئيس بعثة الأمم المتحدة غسان سلامة، فقد قال حفتر إنه لا يصدق ذلك، وأضاف: «قد يكون تقسيم ليبيا هو ما يريده خصومنا، لكن طالما بقيت على قيد الحياة، فلن يحدث ذلك أبداً».
وفي أعنف هجوم علني ضد المبعوث الأممي، رأى حفتر أن سلامة تحوَل «من وسيط نزيه وغير متحيز إلى وسيط منحاز»، وانتقد مواصلة سلامة الإدلاء بما وصفه بـ«تصريحات غير مسؤولة»، قائلاً: «لم يكُن هكذا من قبل، لقد تغيّر وأصبح يتحدث بنفس طريقة أولئك الذين يتحدثون عن تقسيم ليبيا أو أن الصراع قبلي». لكنه شدد على أن «هذا التقسيم مستحيل، لأن الليبيين سيظلون موحدين، وستظل ليبيا شعباً واحداً، الباقي مجرد وهم»، على حد قوله.
ميدانياً، هدأت حدة القتال في مختلف المحاور أمس بعد اندلاع مواجهات مسلحة أول من أمس بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، هي الأعنف منذ بدء شهر رمضان قبل نحو أسبوعين، بين قوات الجيش وميلشيات موالية لحكومة السراج حيث دارت معركة شرسة حول معسكر «النقلية» في محور طريق المطار، جنوبي العاصمة طرابلس.
وقال مصدر في الجيش الوطني لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن الجيش ألحق ما وصفه بخسائر كبيرة بصفوف الميليشيات الموالية لحكومة السراج في محور عين زارة وخلة الفرجان وقصر بن غشير ومطار طرابلس. وأضاف المصدر، الذي طلب عدم تعريفه: «الجيش لم يقرر بعد دخول طرابلس، وما زال يستخدم أسلوب استنزاف الميليشيات على تخومها، وهذا يعنى أن الجيش مسيطر على عدة مناطق تقع على خط واحد على الخريطة حول طرابلس». وتابع: «تركيز الجيش الآن هو على حماية خطوط المواصلات واستنزاف الميليشيات خارج طرابلس أو على تخومها ليضعف مقاومتهم لاقتحام طرابلس».
في المقابل، قالت القوات الموالية للسراج إنها شنت ضربات جوية استهدفت مواقع تتمركز بها قوات الجيش، وأوضحت عملية «بركان الغضب» في بيان لها مساء أول من أمس أن سلاح الجو التابع لها نفذ 6 طلعات قتالية، استهدفت فلولاً هاربة من الجيش في محور الأحياء البرية، جنوب طرابلس. وأضافت أنها عززت تقدمها في محيط معسكري النقلية واليرموك، جنوب العاصمة، واستحوذت على 3 آليات ودمرت دبابة.
وطبقاً لإيجاز صحافي قدّمه في ساعة مبكرة من صباح أمس محمد قنونو، الناطق الرسمي باسم قوات السراج، فقد اعتبرت عملية «بركان الغضب»، أن طرابلس ما زالت صامدة بعد 52 يوماً مما وصفته العدوان عليها، مشيراً إلى أن ما أسماه بطيران العدو واصل استهدافه للمرافق العامة والأحياء بالعاصمة طرابلس.
وادّعى أن «قوات السراج استدرجت قوات الجيش إلى كمين محكم، ومكّنتهم من التسلل إلى معسكر النقلية قبل أن تنقض عليهم من الأرض والجو»، وأضاف: «ما زالت قواتنا في المحور الجنوبي تجوب الصحراء، ووصلت دورياتها إلى منطقة الشويرف حيث مشّطتها وقبضت على متورطين».
ولم تعلن أي جهة رسمية عن حجم ضحايا هذه الاشتباكات، لكن مقربين من حكومة السراج نعوا أمس 8 من عناصر الميليشيات الموالية لها، بينما لم يعلن الجيش الوطني عن أي خسائر في صفوف قواته.
من جانبها، بثّت شعبة الإعلام الحربي التابعة للجيش الوطني تسجيلاً لما قالت إنه اختراق لمحادثات تمت عبر أجهزة الاتصال اللاسلكي بين بعض عناصر ميليشيات طرابلس، مشيرة إلى أن التسجيل الذي يحمل عنوان «كشف اللِثام عن حقيقة حشد اللئِام» يوضح حقيقة من يقاتل ضد قوات الجيش في العاصمة طرابلس، وتأكيداً على مشاركة عدد من الإرهابيين المطلوبين لدى الأجهزة الأمنية بسبب ارتكابهم جرائم ضد المدنيين في مدينة بنغازي ودرنة، وبسبب مشاركتهم وتحالفهم مع تنظيم «داعش» في المعارك ضد القوات المسلحة.
وكان الجيش الوطني اعتبر أن الاتهامات التي وجّهتها له حكومة السراج بشأن قصفه أحد فنادق طرابلس، الذي يستخدمه أعضاء في البرلمان موالون لحكومة السراج، مجرد «كذبة واتهام وتلفيق».
وقال المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة التابعة للجيش، في بيان له، إن فندق ريكسوس ليس هدفاً عسكرياً، مشيراً إلى أن كل ما تم استهدافه من قبل طيران الجيش أهداف عسكرية لمخازن ذخيرة أو تجمع لآليات عسكرية، تم تحذيرهم أكثر من مرة بترك أسلحتهم والتسليم دون جدوى. ولفت إلى أن دقة إصابات طيران سلاح الجو الليبي تحدث عنها من يُدعى فتحي باش أغا وزير داخلية السراج، موضحاً أن حكومة السراج التي وصفها بالحكومة غير الشرعية، واجهة تنظيم «الإخوان» الإرهابي وعصاباته، هي المسؤولة عن ذلك. وأشار إلى أن «المطلوبين جنائياً ومرتكبي الجرائم المنتمين للتنظيمات المؤدلجة والمصنفة على أنها تنظيمات إرهابية تتوالى أسماؤهم بعد القضاء عليهم على أيدي الجيش، وضربات قواتنا الجوية».
وجاءت هذه التطورات فيما نفى ناطق باسم قيادة القوات الأميركية العاملة في أفريقيا «أفريكوم» لـ«الشرق الأوسط» ما تردد عن احتمال توجيه الجيش الأميركي ضربات جوية لمجموعات مسلحة إرهابية تقاتل إلى جانب حكومة السراج في معارك طرابلس. وقال نيت هيرينج، الناطق باسم «أفريكوم» التي تتخذ من مدينة شتوتغارت الألمانية مقراً لها: «في هذا الوقت، لم تتلق القيادة الأميركية الأفريقية طلباً للحصول على دعم عسكري في ليبيا».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.