المنافسة الحامية بين «غوغل» و«أمازون»

المنافسة الحامية بين «غوغل» و«أمازون»
TT

المنافسة الحامية بين «غوغل» و«أمازون»

المنافسة الحامية بين «غوغل» و«أمازون»

على مدى سنوات، ظلت «غوغل» و«أمازون» ملتزمتين بمجالات أعمالهما. وكان احتكار «غوغل» لخدمات البحث على الإنترنت وجملة من الخدمات الإلكترونية الأخرى تشكل تداخلاً طفيفاً مع ما تقدمه «أمازون» وإمبراطوريتها التجارية الإلكترونية المعروفة.
لكن ومع توسع طموحات كل من الشركتين العملاقتين، صار من الحتمي الذي لا مفر منه أن عمالقة التكنولوجيا يسيران على مسار التصادم الذي لا رجعة عنه.
وكشفت «غوغل»، خلال مؤتمرها السنوي للتسويق، اللثام عن قائمة من المنتجات الجديدة الموجهة لمساعدة الشركة، أن تتحول لمقصد من مقاصد التسوق على أمل الوصول إلى المستهلكين أصحاب القرارات المتعلقة بالإنفاق.
وتأتي خطوة «غوغل» الأخيرة من الطرق على أبواب تجارة التجزئة، وهي مجال الأعمال الرئيسي لشركة «أمازون»، إثر المكاسب التي شرعت «أمازون» في تحقيقها من الولوج إلى عالم أعمال غريمتها «غوغل» من الطرق على أبواب الإعلانات الرقمية.
وكما أن التجارة عبر الإنترنت قد صارت مرادفاً أثيراً لشركة «أمازون»، يبدأ المتسوقون البحث عن منتجاتهم المرغوبة عبر محرك البحث الخاص بموقع الشركة بدلاً من البحث على «غوغل» - ومحرك بحثها الشهير لكل ما يتعلق بالإنترنت - وصار المسوقون ينفقون أموال الإعلانات هناك لدى «أمازون».
وفي عام 2015، كانت نسبة 54 في المائة من إجمالي البحث على المنتجات تجري على محرك «غوغل»، ونسبة 46 في المائة فقط موجهة لموقع «أمازون». وبحلول عام 2018، تبودلت الأرقام بين الشركتين وفقاً لشركة (جامبستارت) للتحليل التسويقي.
«غوغل إكسبريس»
وربما يكون اسم «غوغل» مرادفاً للعديد من الأشياء - مثل البحث، والإعلانات، والبريد الإلكتروني، وحتى الذكاء الصناعي - ولكن التسوق عبر الإنترنت ليس واحداً من هذه الأشياء. ولا يعني هذا القول بأن الشركة لم تحاول الولوج إلى هذا المجال من قبل.
وبزيارة موقع «غوغل إكسبريس» المخصص لتسويق المنتجات، نجد أنه يشبه واجهة شركة «أمازون» المألوفة على الإنترنت. وسواء ابتاع أحد الأشخاص منتجاً من (99 رانش ماركت) أو من (1800 فلاوزر)، فإن المنتجات تظهر على الموقعين بنفس الأسلوب، وتجري معالجة المدفوعات عبر خدمة «غوغل باي»، وهي نظام السداد الرقمي للشركة. ويتعين على العملاء الوفاء بالحد الأدنى من الإنفاق للحصول على خدمة التسليم المجاني المقتصرة على عملاء الولايات المتحدة الأميركية فقط.
ولا تفصح التقارير المالية الخاصة بشركة «غوغل» عما تحققه الشركة من أرباح من التجارة الإلكترونية، كما لن تفصح الشركة أيضاً عن عدد العملاء الذين يستخدمون موقع «غوغل إكسبريس»، ولكن المحللين يفترضون أنها تمثل شريحة لا بأس بها من إجمالي أرباح الإعلانات التي تحققها الشركة سنوياً بقيمة 116 مليار دولار.
وحققت «أمازون»، على الناحية الأخرى، مبيعات بإجمالي 277 مليار دولار عبر الإنترنت خلال العام الماضي وحده، وهو ما يقدره المحللون بأن يحتل ما بين ثلث إلى نصف إجمالي مبيعات التجارة الإلكترونية. والقطاع الآخر من أعمال شركة أمازون، والذي تقول الشركة إنه يتعلق حصراً بالإعلانات، قد ولّد أرباحاً بقيمة 10.8 مليار دولار خلال الاثني عشر شهرا المنقضية، وهو مبلغ ضئيل إذا ما قورن بأعمال الإعلانات الإلكترونية التي تسيطر عليها شركتا «غوغل» و«فيسبوك»، بيد أنه في نمو مطرد.
يقول جوزاس كازيوكيناس، مؤسس شركة «ماركتبليس بولس» البحثية: «تصل تلك الشركات جميعها إلى نفس النتيجة ولكن من زوايا مختلفة. بالنسبة إلى (أمازون)، فإن الأمر منطقي من منطلق (ولم لا؟) ولديهم حركة المرور المتوفرة على الإنترنت، وكل الاهتمام الواجب من مختلف العلامات التجارية».
ولم تستجب شركة «أمازون» لطلبات التعليق على خطط «غوغل» الجديدة بشأن التسوق.
المصالح المتداخلة بين «غوغل» و«أمازون»
والشركتان، اللتان تتنافسان على هامش ضئيل من أعمالهما الواسعة عبر سنوات، صارت لديهما الآن مجموعة من المصالح المتداخلة.
وتنافس خدمة «غوغل كلاود» خدمات «أمازون ويب» في مجال الحوسبة السحابية. وصارت خدمة «تويتش» بديلاً يحظى بالشهرة والشعبية لخدمة «يوتيوب» بالنسبة للمحتويات المرئية على الإنترنت. وتعتبر سماعة «غوغل هوم» وسماعة «أمازون إيكو» محل تنافس كبير بين الشركتين في مجال السماعات الذكية.
وقالت شركة «غوغل» مؤخراً إنها تخطط للتوسع في مجال التجارة الإلكترونية مع خدمة التسوق التي تسمح للناس بإجراء المشتريات مباشرة من عمليات البحث، والصور، وفيديوهات «يوتيوب». وعن طريق النقر على الإعلان في هذه الإعدادات، يمكن للمتسوق شراء المنتجات مباشرة من خلال «غوغل».
وبالنسبة إلى المستخدمين المخزنة بيانات بطاقاتهم الائتمانية وبيانات الشحن خاصتهم لدى «غوغل»، والتي ترفض الشركة الإفصاح عن عددهم، فسوف تقوم الشركة بملء تلك البيانات بالنيابة عنهم بهدف تسريع عملية الشراء. وقالت الشركة أيضا إنها ترغب في تيسير الأمر قدر الإمكان على المتسوقين عند الشراء من تجار التجزئة الذين قد لا يعرفونهم جيداً، وذلك من خلال القيام بدور الوسيط الإلكتروني الذي يضمن للمتسوق سياسة الاسترجاع الموثوق منها وخدمة العملاء الجيدة.
كما تعتزم شركة «غوغل» أيضاً استحداث خدمة الاستكشاف (ديسكفري) في الإعلانات على «يوتيوب»، واكتشاف ملقمات الأخبار، التي تظهر أسفل شريط البحث في تطبيق «غوغل» والموقع الإلكتروني بالأجهزة المحمولة، وضمن خدمات البريد الإلكتروني (جي - ميل) في وقت لاحق من العام الجاري. والغاية من ذلك هي استهداف الجمهور عبر مختلف المنصات الخاصة بشركة «غوغل» باستخدام ما تعرفه الشركة بالفعل عن المستخدمين بناء على بيانات عمليات البحث التي يقومون بها على الإنترنت، ونوعية الفيديوهات التي يشاهدوها على «يوتيوب»، والمواقع التي يتصفحون بشأنها، والتطبيقات التي يحاولون تحميلها.
الخوف من تباطؤ الإيرادات
يقول براد بيندر، نائب الرئيس لشؤون إدارة المنتجات في شعبة الإعلانات بشركة غوغل: «إننا نحاول طرح المزيد من المحتوى القابل للتسويق عبر منصاتنا المختلفة».
وبذلت شركة «غوغل» جهوداً بغية إبطاء اندفاع «أمازون» في مضمار التجارة الإلكترونية، ولكن مع نجاح طفيف محقق. وكانت الشركة قد طرحت خدمات التسوق للمرة الأولى في عام 2013. وقدمت في بداية الأمر خدمات التسليم المجاني في نفس اليوم قبل أن تقوم بإيقافها. كما حاولت شركة «غوغل» تجربة خدمة توصيل البقالة، ولكنها عادت فتخلت عن تلك الفكرة في وقت لاحق.
وفي الآونة الأخيرة، قضت «غوغل» عدة سنوات في إعداد وبناء موقع «غوغل إكسبريس»، الذي يضم أكثر من ألف من تجار التجزئة، بما في ذلك شركات «بيست باي»، و«كوستكو»، و«تارجت». وفي جزء من حملة التسويق الجديدة لدى الشركة، قالت «غوغل» إنها تعتزم إنشاء صفحة للتسوق مخصصة على نحو شخصي للمستخدمين.
وتضيف «غوغل» الإعلانات ومنتجات التسوق الجديدة حال محاولتها القضاء على المخاوف المتعلقة بأن نمو إيرادات الشركة بدأ في التباطؤ.
وفي الشهر الماضي، أعلنت شركة (ألفابيت)، الشركة الأم لـ«غوغل»، عن نتائج الأرباح الفصلية التي لم ترق إلى مستوى توقعات وول ستريت، الأمر الذي أسفر عن هبوط سعر أسهم الشركة. وإحدى المخاوف التي أثارها المحللون تتعلق بأن الإعلانات على موقع «غوغل» و«يوتيوب» قد حققت نمواً بنسبة 39 في المائة، وهو أدنى من الزيادات السابقة المحققة بنسبة 50 إلى 60 في المائة في النتائج الفصلية السابقة.
حتى بعدما صارت شركة «أمازون» عملاق المبيعات على الإنترنت، لم تشهد الصحوة الإعلانية المنشودة إلا في الآونة الأخيرة. ويرى العديد من المحللين الإعلانات باعتبارها ركيزة النمو الثالثة لدى الشركة، إلى جانب مبيعات التجزئة وخدمات الحوسبة السحابية في الشركة. وفي تحليل صادر مؤخراً، قدرت مؤسسة مورغان ستانلي أن أعمال الإعلانات لدى «أمازون» تبلغ قيمتها نحو 85 مليار دولار في وول ستريت.
وظلت الشركة تعمل على بناء المزيد من الأدوات للعلامات التجارية لوضع الإعلانات داخل وخارج موقعها على الإنترنت، كما أضافت الشركة مساحات أكبر للإعلانات عندما يبحث الناس عن المنتجات.
وربما يرجع الناس إلى «غوغل» لإعادة البحث عما يريدون، ولكن خدمات «أمازون» تدور حول الشراء الفعلي للسلع، كما يقول براين ويزر، المحلل الإعلامي لدى شركة «غروب إم»، التي تدير أكثر من 48 مليون دولار من الإعلانات في كل عام بالنيابة عن العلامات التجارية. وقال مضيفا: «أنت تقوم فعلاً بالشراء، وليس فقط مجرد التفكير في الشراء، الأمر الذي يجعل من التجربة أكثر فائدة بكثير».
ويكمن جوهر عروض «أمازون» في قوائم «المنتجات المرعية»، والتي توجه المتسوقين إلى السلع المعينة استناداً إلى الكلمات الدليلية المستخدمة في البحث. ويوجد الآن في أعلى صفحات البحث مساحة إعلانية مستطيلة الشكل، تسمى (العلامة التجارية المرعية)، والتي تذهب بالمتسوقين إلى صفحة الشركة أو إلى مواد أو سلع معينة.
وكانت «أمازون» تعمل على إعداد الأدوات لمساعدة العلامات التجارية على عرض الفيديوهات وعرض الإعلانات على المستهلكين على المواقع الأخرى بناء على البيانات الهائلة التي يحتفظون بها عن العملاء. على سبيل المثال، يمكن لأحد الأشخاص الذي يستخدم بطاقة ائتمانية من أحد المصارف لسداد مشترياته من موقع «أمازون» أن يرى الإعلانات لبطاقات ائتمانية من مصارف أخرى أثناء متابعة الأخبار على الإنترنت.
وتسمح الخطوة الأخيرة التي اتخذتها «غوغل» للشركة ببيع الإعلانات والخدمات الأكثر اتصالاً وارتباطاً بالمعاملات الفعلية، والتي يمكن للشركة فرض المزيد من الرسوم عليها.
يقول السيد كازيوكيناس إن خطط «غوغل» في الوقت الراهن لا تشكل أي مخاطر من أي نوع على الإطلاق بالنسبة لشركة «أمازون». والسبب أن «أمازون» تملك ميزة كبيرة أكثر من غيرها من تجار التجزئة بعد مرور عشر سنوات كاملة من بناء البنية التحتية الخاصة بسرعة شحن المواد والسلع وبشكل موثوق منه، في حين أن «غوغل» لا تزال تعتمد على التجار في تلبية أوامر الشراء من تلقاء أنفسهم.
وأضاف السيد كازيوكيناس أخيراً: «حاولت (غوغل) في الماضي ألا تفعل شيئاً في العالم المادي الملموس، ومن الواضح أن الأمر كان مربحاً للغاية بالنسبة إليهم».
-خدمة «نيويورك تايمز»



من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)

لم تكن موجة الهبوط العنيفة التي ضربت «وول ستريت» مجرد رد فعل عابر على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية؛ بل كشفت عن تصدعات في الرهان الأكبر الذي قاد صعود الأسهم خلال العام الحالي: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أشهر من الارتفاعات القياسية، وجد المستثمرون أنفسهم أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرة شركات التكنولوجيا على تحقيق عوائد تبرر إنفاقها الضخم، في وقت باتت فيه التكاليف التمويلية والضغوط السياسية تهدد بإبطاء التوسع في البنية التحتية لهذه التكنولوجيا.

ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، محا الهبوط نحو 3.2 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم الأميركية في جلسة واحدة، بعدما تحوّل فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي إلى شرارة أشعلت موجة بيع واسعة، في سوق كانت تعاني أصلاً من تراكم مراكز استثمارية ضخمة ومخاوف متزايدة بشأن تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك 100»، المثقل بأسهم التكنولوجيا، قد هبط بأكثر من 6 في المائة الخميس، قبل أن يسترد جزءاً من خسائره في جلسة الجمعة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً 4.9 في المائة.

ولم يكن العامل السياسي وحده وراء هذا التحول؛ فقد تزايدت مخاوف المستثمرين من أن يؤدي صعود الديمقراطيين إلى تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات، سواء على المستوى الفيدرالي أو في الولايات، بما يهدد خطط التوسع التي تستند إليها توقعات نمو شركات التكنولوجيا. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تقديرات بوصول الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى تريليون دولار خلال العام المقبل.

متداول يعمل في بورصة نيويورك وخلفه شاشات تعرض تحرك الأسهم (أ.ب)

ونقلت الصحيفة عن لودوفيك سوبرا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أليانز» الألمانية، أن نتائج الانتخابات أنهت افتراض أن قطاع الذكاء الاصطناعي سيحصل على تمويل مفتوح بلا قيود، مشيراً إلى أن الأسواق بدأت تدرك أن توقعات النمو غير المحدود لا تصلح وحدها أساساً لتقييم الشركات.

وتزامن ذلك مع ضغوط مالية كانت تتراكم قبل الانتخابات؛ فقد أثارت نتائج الربع الثالث تساؤلات بشأن التوازن بين الإنفاق الرأسمالي الهائل لشركات التكنولوجيا الكبرى، ونمو إيرادات أنشطتها الأساسية، بينما غذّت خسائر أدوات الدين المرتبطة بشركات متخصصة في توفير البنية التحتية السحابية مخاوف من اتساع مشكلات التمويل في القطاع.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تكن ترفع أسعار الأسهم من خلال أرباح شركات تصنيع الرقائق والمعدات ومراكز البيانات فحسب؛ بل كانت تعزز أيضاً توقعات النمو الاقتصادي الأميركي. وبالتالي، فإن أي تباطؤ في الإنفاق قد يضغط في الوقت نفسه على أرباح الشركات وعلى التوقعات الاقتصادية، بما يضعف أحد أبرز محركات صعود الأسواق.

انسحاب المستثمرين يضخم الخسائر

لكن ما حوّل المخاوف إلى موجة بيع واسعة كان التراجع المتزامن للمستثمرين الأفراد وصناديق التحوط عن مراكزهم في الأسهم؛ فبعد أن اعتاد المستثمرون الأفراد شراء الأسهم عند كل تراجع سعري، سجلوا هذه المرة عمليات بيع صافية في الأسهم الفردية بلغت 388 مليون دولار خلال أول ساعتين من التداول الخميس، وفق بيانات «فاندا ريسيرش».

ومع تسارع الهبوط، اضطرت صناديق التحوط إلى تقليص مراكزها الاستثمارية الممولة بالاقتراض، في عملية تعرف في الأسواق باسم خفض الرافعة المالية، بهدف الحد من المخاطر وتوفير السيولة. وأدى هذا الانسحاب المتزامن إلى زيادة ضغوط البيع، بعدما تحولت المراكز الاستثمارية التي عززت المكاسب خلال فترة الصعود إلى مصدر إضافي للخسائر.

وأبلغ «جي بي مورغان» عملاءه بأن الخميس كان أسوأ يوم لصناديق التحوط من حيث الخسائر اليومية منذ تداعيات الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أبريل (نيسان) من العام الماضي، مشيراً إلى أن تقليص الصناديق لاقتراضها وخروجها من المراكز الاستثمارية بلغ أقوى مستوياته خلال فترة 20 يوماً منذ موجة البيع التي صاحبت جائحة «كوفيد-19».

وفي مؤشر إضافي إلى عمق الاضطراب، أعلنت مجموعة «والي» لصناديق التحوط إغلاق جزء من أنشطة الاستثمار في الأسهم وإعادة بعض الأموال إلى المستثمرين.

هل انتهت طفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم الارتداد الجزئي لأسهم التكنولوجيا الجمعة، لا يزال المستثمرون منقسمين بشأن ما إذا كانت موجة البيع تمثل تصحيحاً مؤقتاً للمراكز الاستثمارية المزدحمة، أم بداية تحول أعمق في تقييم آفاق الذكاء الاصطناعي؛ فبعضهم يرى أن المخاوف السياسية مبالغ فيها، خصوصاً أن كثيراً من مشروعات مراكز البيانات دخل بالفعل مرحلة الإنشاء، ما يجعل وقفها بالكامل أمراً مستبعداً. كما عززت بيانات الوظائف الأميركية هذه النظرة، بعدما أظهرت إضافة 165 ألف وظيفة في أكتوبر (تشرين الأول)، متجاوزة توقعات الأسواق.

لكن في المقابل، يرى مستثمرون أن الاضطراب الأخير قد يكون مؤشراً إلى بلوغ طفرة الذكاء الاصطناعي ذروتها، وأن الأسواق بدأت تعيد النظر في افتراضاتها بشأن حجم الإنفاق والعوائد المستقبلية.

تُعرض معلومات السوق على شاشة في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

وتنقل «فاينانشال تايمز» عن نيكيل سرينيفاسان، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق «بنزايتن ماكرو»، اعتقاده بأن الأسواق قد تواصل التراجع، حتى لو شهدت ارتدادات مؤقتة خلال الفترة المقبلة، في إشارة إلى أن إعادة تقييم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد لا تكون انتهت بعد.

ما التوقعات؟

على صعيد توقعات التداول، لا تبدو الأسواق مقبلة على استعادة سريعة للاستقرار مع بداية الأسبوع الجديد، رغم الارتداد الجزئي الذي سجلته أسهم التكنولوجيا في جلسة الجمعة. ونقلت «رويترز» عن محللين، أن عمليات التخلص من المراكز الاستثمارية المموّلة بالاقتراض قد تستمر، بما يبقي التقلبات مرتفعة، فيما لا تزال الأسئلة المتعلقة بتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي والعوائد المنتظرة منها دون إجابات واضحة.

وفي حين يرى بعض المستثمرين أن موجة البيع ربما تجاوزت حدودها، يحذّر آخرون من اعتبار التراجع قد بلغ نهايته، مشيرين إلى أن الأسواق لم تستوعب بعد التداعيات المحتملة للتحولات السياسية والتنظيمية في الولايات المتحدة.

وسيكون اختبار الأسواق الأبرز الثلاثاء، مع صدور بيانات التضخم الأميركية، التي قد تؤثر في توقعات أسعار الفائدة، خصوصاً أن العقود الآجلة كانت تسعّر احتمالاً بنحو 80 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في اجتماعه خلال ديسمبر (كانون الأول).

كما ستتجه الأنظار إلى نتائج «كور ويف»، المتخصصة في الحوسبة السحابية، و«أبلايد ماتيريالز» و«سيسكو»، للحصول على مؤشرات بشأن قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على مواصلة التوسع وتوفير التمويل اللازم لمشروعاتها.


تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

رغم موجة التراجع الحادة التي ضربت أسواق الأسهم الأميركية والآسيوية على وقع المخاوف من تضخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتداعيات التحولات السياسية في واشنطن، واصل المستثمرون ضخ أموالهم في صناديق الأسهم العالمية للأسبوع السابع على التوالي، في مفارقة تعكس استمرار شهية الاستثمار خارج بؤر الاضطراب، بالتزامن مع توجه متزايد نحو أدوات السيولة، والأصول الأكثر أماناً. ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي ليبر»، بلغت التدفقات الصافية إلى صناديق الأسهم العالمية 38.63 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) ، مسجلة أعلى مستوى أسبوعي منذ سبتمبر (أيلول).

وأبقى الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، في حين لمح الأخير إلى احتمال رفعها مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

واستقطبت صناديق الأسهم الأوروبية صافي تدفقات بقيمة 13.25 مليار دولار، وهو أكبر حجم من التدفقات الأسبوعية منذ 12 أغسطس (آب). كما جذبت صناديق الأسهم الآسيوية تدفقات صافية بلغت 8.34 مليار دولار.

وساهم تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي، التي كانت قد رفعت معدلات التضخم في أوروبا منذ اندلاع الحرب مع إيران، في تعزيز الطلب على الأسهم، والصناديق الاستثمارية الأوروبية. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنحو 15.6 في المائة خلال الأسبوع.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة طفيفة بلغت 0.05 في المائة منذ بداية الأسبوع، رغم تراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول بنسبة 2.91 في المائة، وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسواق آسيا والمحيط الهادئ -باستثناء اليابان- بنسبة 4.69 في المائة.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

وفي المقابل، تراجع الطلب على صناديق قطاع التكنولوجيا إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع، مع تسجيلها صافي تدفقات داخلة أسبوعية بقيمة 623.61 مليون دولار. وفي قطاعي الرعاية الصحية والخدمات المالية، بلغت التدفقات الداخلة 1.33 مليار دولار و1.2 مليار دولار على التوالي.

وسجلت صناديق السندات العالمية صافي مشتريات بقيمة 9.91 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول). واستقطبت صناديق السندات الحكومية تدفقات بقيمة 3.07 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. كما سجلت صناديق السندات مرتفعة العائد، والسندات المقومة باليورو، والسندات قصيرة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.02 مليار دولار، وملياري دولار، و1.52 مليار دولار على التوالي.

أما صناديق أسواق النقد العالمية، فقد اجتذبت تدفقات ضخمة بلغت 172.71 مليار دولار، وهي الأكبر منذ أبريل (نيسان) 2020.

صناديق السلع الأولية

وفيما يتعلق بصناديق السلع الأولية، سجلت صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تدفقات داخلة بقيمة 269.79 مليون دولار، ما عوّض جزئياً التدفقات الخارجة البالغة 1.54 مليار دولار في الأسبوع السابق. كذلك سجلت صناديق الطاقة تدفقات داخلة للأسبوع الثالث على التوالي، بلغت 327.31 مليون دولار.

وفي الأسواق الناشئة، سجلت صناديق الأسهم صافي مشتريات أسبوعية بقيمة 1.91 مليار دولار، للأسبوع الخامس على التوالي من التدفقات الداخلة. في المقابل، شهدت صناديق السندات تدفقات خارجة بقيمة 299.07 مليون دولار، وفقاً للبيانات التي شملت 29229 صندوقاً.

وعلى صعيد الولايات المتحدة، سجلت صناديق أسواق النقد أكبر تدفقات نقدية داخلة في ستة أشهر خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر، مع تنامي الحذر قبيل انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد المخاوف بشأن ارتفاع إنفاق شركات التكنولوجيا العملاقة على الذكاء الاصطناعي، واستنزافها للسيولة، ما عزز الطلب على الأصول الآمنة.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي ليبر» أن المستثمرين ضخّوا صافي 117.97 مليار دولار في صناديق أسواق النقد الأميركية خلال الأسبوع، وهو أكبر استثمار أسبوعي منذ 6 مايو (أيار).

صناديق الأسهم الأميركية

وفي المقابل، استقطبت صناديق الأسهم الأميركية صافي تدفقات داخلة بقيمة 14.81 مليار دولار، معوضة التدفقات الخارجة الصافية البالغة 6.54 مليار دولار في الأسبوع السابق، بدعم من تراجع أسعار الطاقة، وانخفاض عوائد سندات الخزانة عن مستوياتها المرتفعة المسجلة في أكتوبر.

وفاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي جرت الثلاثاء، ما أثار مخاوف من أن يؤدي تشديد الرقابة التنظيمية إلى الحد من التوسع السريع لقطاع الذكاء الاصطناعي.

وأثرت هذه المخاوف سلباً على الأسواق يوم الخميس، إذ تراجعت مؤشرات «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» الصناعي بنسبة 5.52 في المائة و4.36 في المائة و3.44 في المائة على التوالي.

وعلى مستوى فئات الأسهم الأميركية، اشترى المستثمرون صافي 10.35 مليار دولار من صناديق الشركات الكبرى، و1.64 مليار دولار من صناديق الأسهم متعددة الأحجام، و422.77 مليون دولار من صناديق الشركات الصغيرة، في حين سحبوا صافي 1.07 مليار دولار من صناديق الشركات المتوسطة.

صناديق التكنولوجيا

وسجلت صناديق التكنولوجيا والصناعة وخدمات الاتصالات تدفقات خارجة بلغت 160.23 مليون دولار و624.67 مليون دولار و965.68 مليون دولار على التوالي. في المقابل، استقطبت صناديق القطاعين المالي والصحي تدفقات داخلة بقيمة 1.3 مليار دولار و1.09 مليار دولار على التوالي.

كما سجلت صناديق السندات الأميركية تدفقات داخلة صافية بقيمة 7.31 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. واستقطبت صناديق الدخل الثابت -الخاضعة للضرائب المحلية العامة- وصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة طويلة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.72 مليار دولار و2.66 مليار دولار على التوالي. كذلك اشترى المستثمرون ما قيمته 794.32 مليون دولار من صناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة قصيرة ومتوسطة الأجل.


صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إن البنوك المركزية حول العالم ستحتاج إلى أخذ أي تباطؤ في النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي في الحسبان، لدى تقييم الخطوات اللازمة لمكافحة التضخم.

وأوضحت غورغييفا أن المخاوف بشأن الاعتماد على طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وارتفاع تقييمات الشركات المرتبطة به، بدأت تؤثر في الأسواق حول العالم.

وقالت خلال فعالية في مقر صندوق النقد الدولي بواشنطن: «الأمور تشهد صعوداً وهبوطاً، ومن المرجح أن يستمر ذلك»، مضيفة أن التقلبات ستزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد استقرار الأسعار.

وجاءت تصريحاتها غداة موجة هبوط حادة ضربت أسهم شركات التكنولوجيا، الخميس، وامتدت تداعياتها إلى الأسواق العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، إلى تشديد الرقابة التنظيمية على الذكاء الاصطناعي وإبطاء التوسع في إنشاء مراكز البيانات، ما دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى السندات باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً.

وتأتي هذه المخاوف السياسية في وقت تواجه فيه الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ضغوطاً متزايدة، بسبب التساؤلات بشأن العوائد المحتملة من الإنفاق الضخم على البنية التحتية اللازمة لهذه التكنولوجيا. وأدت موجة التراجع الأخيرة إلى تفعيل طلبات تغطية الهامش، وأثارت قلق المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط.

وقالت غورغييفا إن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدعم النمو الاقتصادي في بعض البلدان، وتساعد في تعويض الآثار السلبية لصدمة نقص إمدادات النفط الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغوط التضخمية ومخاطر الاستقرار المالي.

وكان صندوق النقد قد حذّر الشهر الماضي، من مخاطر كبيرة تهدد النمو والاستقرار المالي إذا انتهت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاطر أخرى من بينها استمرار الحرب في الشرق الأوسط لفترة طويلة.

وأشار الصندوق حينها إلى أن التراجع الحاد في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى هبوط كبير في أسعار الأصول، بما قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.1 في المائة بحلول عام 2028، بما في ذلك تراجع الناتج الأميركي بنسبة 1.8 في المائة.

ولم تكرر غورغييفا هذه التوقعات السلبية في تصريحاتها الجمعة، لكنها أقرت بتزايد التقلبات في الأسواق، وقالت إن «حدوث تباطؤ في الزخم الذي يوفره النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي، سيشكل عاملاً يتعين أخذه في الحسبان، بينما تقيّم البنوك المركزية الخطوات اللازمة لمواجهة التضخم المستعصي».

وفي سياق متصل، أفادت «رويترز»، الجمعة، بأن الديمقراطيين يعتزمون طرح حزمة واسعة من التشريعات الجديدة التي تستهدف أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطوير مراكز البيانات، فور توليهم السيطرة على الكونغرس الأميركي في يناير (كانون الثاني).

ويمثل ذلك تحولاً واضحاً عن نهج الكونغرس السابق الذي قاده الجمهوريون؛ إذ ركز المشرعون إلى حد كبير على تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي، وامتنعوا عن إقرار تشريعات تفرض قيوداً على هذه التكنولوجيا.