استراتيجية أميركية جديدة في سوريا لـ«الضغط» على روسيا و «مواجهة» إيران

صورة أرشيفية لعربة أميركية شمال سوريا (أ.ب)
صورة أرشيفية لعربة أميركية شمال سوريا (أ.ب)
TT

استراتيجية أميركية جديدة في سوريا لـ«الضغط» على روسيا و «مواجهة» إيران

صورة أرشيفية لعربة أميركية شمال سوريا (أ.ب)
صورة أرشيفية لعربة أميركية شمال سوريا (أ.ب)

أظهرت وثيقة أميركية لـ«استراتيجية جديدة» تحول سوريا إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي خصوصاً ما يتعلق بـ«تقليص» نفوذ إيران والتجاذب الأميركي - الروسي، مع تراجع البحث الجدي عن حل سياسي وفق صيغته السابقة القائمة على «الانتقال السياسي» أو «تلبية تطلعات الشعب السوري».
وإذ يواصل المبعوث الدولي غير بيدرسن مساعيه لإبقاء عجلة البحث عن تسوية سياسية من بوابة مسار جنيف عبر تشكيل لجنة دستورية والاتفاق على قواعد العمل وتقديم مقاربة شاملة لتنفيذ القرار 2254، فما زال اعتقاد اللاعبين الدوليين والإقليميين بضرورة ترك المسار السياسي حياً إلى حين نضوج المحاصصة الخارجية في المسرح السوري المرتبط أصلاً بعلاقات استراتيجية أكبر بين اللاعبين. وحاول بيدرسن البناء على ذلك عبر اقتراح تشكيل منصة جديدة تجمع «ضامني آستانة» (روسيا وإيران وتركيا) مع «المجموعة الصغيرة» التي تضم أميركا وبريطانيا وفرنسا ودولا عربية بعد إضافة الصين، لكنه صدم بالتوتر بين أميركا وإيران.
كان لافتاً أن رسالة رفعها 400 عضو (من أصل 535 عضوا) من مجلس النواب والشيوخ «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» إلى الرئيس دونالد ترمب لإقرار «استراتيجية جديدة» حول سوريا تبين مدى تراجع الاهتمام بالشأن الداخلي السوري، بل إن الرسالة التي تقع في ثلاث صفحات خلت من أي إشارة إلى القرار 2254 أو الحل السياسي. وجاء في الرسالة: «يتسم الصراع السوري بدرجة كبيرة من التعقيد، كما أن الحلول المحتملة المطروحة لا تتسم بالمثالية، ما يبقي خيارنا الوحيد هو تعزيز السياسات التي من شأنها الحد من التهديدات المتصاعدة ضد مصالح الولايات المتحدة، وإسرائيل، والأمن والاستقرار على الصعيد الإقليمي في المنطقة، وتتطلب هذه الاستراتيجية توافر القيادة الأميركية الحازمة... مع التهديدات التي يجابهها بعض من أوثق حلفائنا في المنطقة».

أربعة تهديدات
ما التهديدات الآتية من سوريا بحسب رسالة غالبية أعضاء الكونغرس؟
أولا، الإرهاب، جاء في الرسالة أن «جيوب المساحات غير الخاضعة لحكومة من الحكومات سمحت لكثير من الجماعات الإرهابية، مثل (داعش) و(القاعدة) وما يتفرع عنهما من جماعات أخرى، بالاحتفاظ بأجزاء من الأراضي السورية تحت سيطرتهم». ورغم أن الهدف المعلن الرئيسي لعناصر هذه التنظيمات هو القتال داخل سوريا، فإنهم «يحافظون على قدراتهم وإرادتهم للتخطيط وتنفيذ الهجمات الإرهابية المروعة ضد الأهداف الغربية، وضد حلفائنا وشركائنا، وضد الولايات المتحدة الأميركية نفسها».
ثانياً؛ إيران، إذ أشار المشرعون إلى أن منطقة الشرق الأوسط «تشهد زعزعة لاستقرارها وأمنها بسبب تصرفات النظام الإيراني الباعثة على التهديد. حيث تعمل إيران في سوريا جاهدة على إقامة وجود عسكري دائم من شأنه أن يهدد حلفاءنا في المنطقة»، إضافة إلى «استمرار إيران في برنامجها الهادف إلى إقامة طريق سريعة مباشرة من إيران (عبر سوريا والعراق) حتى لبنان. ومن شأن تلك الطريق أن تسهل على إيران إمداد (حزب الله) اللبناني، وغيره من الميليشيات الموالية لإيران، بالأسلحة والذخائر الفتاكة». كما أشارت إلى أن «النظام الحاكم في طهران يواصل توسيع نفوذه محاولا زعزعة استقرار وأمن دول الجوار لخدمة أغراضه ومصالحه الخاصة».
ثالثاً؛ روسيا، إذ نصت الرسالة على أنها على غرار إيران «تواصل العمل كذلك على تأمين وجودها الدائم في سوريا، لما وراء القاعدة البحرية التي تسيطر عليها في طرطوس. وتمكنت روسيا من تغيير قوس الحرب الأهلية في سوريا على حساب الشعب السوري صاحب الأرض مستعينة في ذلك بالقوات والطائرات الروسية، وبالحماية الدبلوماسية الرامية إلى ضمان بقاء نظام الأسد على رأس السلطة». واعتبرت أن تزويد دمشق بالأسلحة المتطورة مثل منظومة «إس - 300» «يعقد القدرات الإسرائيلية للدفاع عن نفسها ضد الأعمال العدائية المنطلقة من الأراضي السورية، وإن الدور الروسي المزعزع للاستقرار يكمل نظيره الإيراني سواء بسواء - حيث إنه لا يبدو لدى روسيا أي استعداد يذكر لاستبعاد القوات الإيرانية خارج سوريا».
رابعاً؛ «حزب الله»، إذ إنه يشكل، بحسب الرسالة «أبلغ التهديدات على أمن إسرائيل. ووجه (حزب الله)، انطلاقا من لبنان، أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة ضد إسرائيل من الأنواع التي تتميز بالدقة الفائقة والمدى الطويل، الأمر الذي يمنح الحزب القدرة على توجيه الضربات في أي مكان داخل إسرائيل»، إضافة إلى أنه «متهم بقتل خمسة جنود أميركيين في العراق، ويعمل الآن على إنشاء شبكة على الحدود بين إسرائيل وسوريا».

ثلاث خطوات
وبعد تحديدها لـ«التهديدات» الآتية من سوريا، فإن الرسالة «حثت» الرئيس ترمب على تبني «استراتيجية» تتضمن ثلاثة عناصر، هي:
أولا: «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس»، إذ أشارت إلى أنه «نظرا للأوضاع شديدة التقلب في الشرق الأوسط، فلا يزال من الأهمية بمكان التأكيد للصديق والعدو في المنطقة أننا لا نزال ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس»، إضافة إلى تنفيذ «مذكرة التفاهم ذات العشر سنوات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والرامية إلى ضمان وصول إسرائيل إلى الموارد والمواد التي تحتاج إليها للدفاع عن نفسها في وجه التهديدات التي تجابهها على طول حدودها الشمالية».
ثانياً: الضغط على إيران وروسيا في سوريا، واقترحت «الخطة» الأولية على إدارة ترمب «العمل مع حلفائنا وشركائنا لزيادة الضغوط على إيران وروسيا بغية تقييد أنشطتهما المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة» وبين ذلك مواصلة الجهود الاقتصادية والدبلوماسية لـ«مواجهة الدعم الإيراني لـ(حزب الله)، والجماعات الإرهابية الأخرى، فضلا عن الدعم الروسي المباشر لنظام (الرئيس) بشار الأسد الاستبدادي». وتابعت أن التصرفات الأميركية الواضحة والمستدامة «جنبا إلى جنب مع التنسيق المكثف مع الحلفاء والشركاء، من شأنه أن يبعث برسالة قوية ومهمة حول العزم الأميركي ضد الجهات المستفيدة من ضرب الأمن والاستقرار في المنطقة».
ثالثاً: زيادة الضغط على «حزب الله»، عبر التنفيذ الكامل والقوي لقانون منع التمويل الدولي للحزب الصادر عام 2015، ومذكرته التعديلية الصادرة عام 2018، بحسب الرسالة، التي أضافت أن «العقوبات التي تستهدف (حزب الله) ومن يشرفون على تمويله تمكن (واشنطن) من الإقلال من قدراته على تهديد وتحدي إسرائيل والضغط على (قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان) (يونيفيل) لتنفيذ تفويض مجلس الأمن الدولي بالتحقيق في والإبلاغ عن الأسلحة والأنفاق التي يُعثر عليها عبر الحدود اللبنانية مع إسرائيل».

عشرة إجراءات
بحسب مصادر دبلوماسية غربية، فإن الخطة التي تتبناها الإدارة الأميركية التنفيذية حالياً، تتضمن عشر خطوات تنفيذية بهدف الوصول إلى «حكم جديد في سوريا بسياسة جديدة مع شعبه ومع جواره»، وتتضمن: أولا، البقاء في شمال شرقي سوريا عبر التنسيق مع دول أوروبية بحيث يكون الانسحاب الأميركي وتقليص عدد الألفي جندي متزامنا مع نشر قوات أوروبية تعوض النقص. ثانيا، منع إيران من ملء الفراغ في شرق نهر الفرات حيث تقيم «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية التي تضم 60 ألف مقاتل بغطاء من التحالف الدولي الذي يضم 79 دولة. ثالثاً، تمديد اتفاق مذكرة «منع الصدام» بين الجيشين الأميركي والروسي في أجواء سوريا. رابعا، دعم الحملة الإسرائيلية في ضرب «مواقع إيران» و«حزب الله» لالتزام «الخطوط الحمر» في سوريا، خامساً، التنسيق الأميركي - الأوروبي في فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السورية ومؤسساتها وشخصيات مقربة منها. سادساً، الضغط على الدول العربية لمنع التطبيع الثنائي (بين الدول) والجماعي (عبر الجامعة العربية) مع دمشق. سابعاً، تجميد المساهمة في تمويل إعمار سوريا قبل تحقيق المعايير السابقة (المبادئ ومعالجة التهديدات) وفرض عقوبات على رجال أعمال سوريين منخرطين في مشاريع الأعمار (كما حصل في القائمة الأوروبية الأخيرة، حيث ستصدر قائمة جديدة قريبا). سابعاً، منع إعطاء شرعية إلى الحكومة السورية في المؤسسات الدولية والدول الغربية والعربية. ثامناً، الضغط على الدول المجاورة لسوريا لعدم التعاون مع خطة روسيا لإعادة اللاجئين قبل توفر ظروف عودتهم. تاسعاً، توجيه ضربات مركزة على مواقع حكومية سورية في حال استعمال السلاح الكيماوي، واعتبار الكلور سلاحاً كيماوياً.



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.