حالة استقطاب هندية غير مسبوقة محورها مودي

الأحزاب السياسية تهمل أصوات المسلمين باستثناء الدوائر التي يشكلون فيها أغلبية

تشير غالبية استطلاعات الرأي إلى إعادة انتخاب  رئيس الوزراء ناريندرا مودي (رويترز)
تشير غالبية استطلاعات الرأي إلى إعادة انتخاب رئيس الوزراء ناريندرا مودي (رويترز)
TT

حالة استقطاب هندية غير مسبوقة محورها مودي

تشير غالبية استطلاعات الرأي إلى إعادة انتخاب  رئيس الوزراء ناريندرا مودي (رويترز)
تشير غالبية استطلاعات الرأي إلى إعادة انتخاب رئيس الوزراء ناريندرا مودي (رويترز)

«ماذا سيحدث في اعتقادك في الانتخابات؟ من سيشكل الحكومة المقبلة؟»، هكذا تبدأ غالبية المحادثات حول الأوضاع السياسية في الهند هذه الأيام، وذلك بعد انتهاء ماراثون الانتخابات الوطنية الهندية، المؤلف من سبع مراحل لتشكيل البرلمان الـ17 بالبلاد. واليوم، تشير غالبية التوقعات إلى إعادة انتخاب رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
ورغم تنوع حصيلة الأصوات التي فاز بها من ولاية لأخرى، توقعت غالبية استطلاعات الرأي فوز «التحالف الديمقراطي الوطني» الذي يقوده حزب «بهاراتيا جاناتا» الذي ينتمي إليه مودي، في الانتخابات، بأغلبية أقل عن الانتخابات السابقة، لكنها ستظل أغلبية لا بأس بها. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن «التحالف الديمقراطي الوطني» سيفوز بما يتراوح بين 267 و350 مقعداً، وأن الاحتمال الأكبر أنه سيتجاوز النصف، والبالغ 272 مقعداً.
كان الاستطلاع الذي أجرته مؤسستا «إيه بي بي» و«نيلسن» الوحيد الذي توقع فوز التحالف بـ267 مقعداً، ما يقل قليلاً عن نصف المقاعد. جدير بالذكر أنه في عام 2014، فاز «بهاراتيا جاناتا» بـ282 مقعداً، بينما فاز «التحالف الديمقراطي الوطني» بـ336 مقعداً.
وجاءت التوقعات الأخيرة لاستطلاعات الرأي مخيبة للآمال بشدة بالنسبة لأحزاب المعارضة. وتبعاً لأحدث الاستطلاعات، لم يتحسن أداء حزب «المؤتمر»، رغم الجهود التي بذلها الحزب العريق لتطوير أدائه، ومنها الدفع بشقيقة رئيسة حزب «المؤتمر»، بريانكا غاندي، إلى حلبة التنافس السياسي.
من جهته، قال شاشي تهارور، عضو البرلمان عن حزب «المؤتمر»، «أعتقد أن استطلاعات الرأي جميعها خاطئة. في أستراليا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ثبت خطأ 66 استطلاعاً للرأي. وفي الهند، لا يخبر الكثير من الناس، القائمين على استطلاعات الرأي، بالحقيقة خوفاً من أن يكونوا تابعين للحكومة. لذا، سيتعين علينا الانتظار حتى يوم 23 للتعرف على النتيجة الحقيقية».
وكرر الرأي ذاته المتحدث الرسمي باسم حزب «المؤتمر»، ساجاي جهاي، الذي قال: «الناخب الصامت سيكون الملك المتوج في 23 مايو (أيار) 2019. أما نتائج استطلاعات الرأي فتثير السخرية».

استقطاب الناخبين وصدع مستقبلي
وسيجري غداً الكشف عن الفائز الحقيقي، لكن عدداً من المعلقين السياسيين يدعون أن هذه كانت واحدة من الانتخابات الأكثر استقطاباً. والملاحظ أن انتخابات عام 2019 لاختيار أعضاء البرلمان الهندي شهدت حملات انتخابية ومناخاً سياسياً عامة مختلفين تماماً عما ساد أثناء الانتخابات التي جاءت بمودي إلى سدة الحكم منذ خمسة أعوام.
من جهته، قال روشير شارما، مؤلف كتاب «الديمقراطية على الطريق: صعود وسقوط الأمم والأمم الطارئة»، الذي قام برحلات في مختلف أرجاء الهند على امتداد الأعوام الـ30 الماضية خلال فترات الانتخابات: «لا أتذكر وقتاً كانت الهند على هذه الدرجة من الاستقطاب أثناء الانتخابات خلال الأعوام الـ30 الماضية. اليوم، انقسم الهنود بين من يحب مودي ومن يكرهه. وأصبح هذا الشعور السائد بمعظم أرجاء البلاد. ولا أعتقد أن البلاد سبق وكانت على هذه الدرجة من الاستقطاب على مستوى الطبقات أو الدين أو الإقليم أو القيادة مثلما هي اليوم».
وتعمد الناخبون انتقاء القضايا التي تلائم تحيزاتهم، وقال شارما: «الشخص الذي صوت لصالح (بهاراتيا جاناتا) سيخبرك عن مدى روعة أدائهم خلال السنوات الخمس الماضية. وسيقول إنهم وفروا خدمات صرف صحي وكهرباء وطرق أفضل، وعززوا الأمن الوطني. اطرح السؤال ذاته على آخرين، وستحصل على إجابات مناقضة تماماً. لذا يظهر السؤال: أين الحقيقة؟ هذا ما أجده مذهلاً في هذه الانتخابات، فهي لم يكن بها قضايا، لأن القضايا حسمت نتائجها الطبقة والديانة».
جدير بالذكر أن استراتيجية «بهاراتيا جاناتا» القائمة على العمل على تعزيز أصوات الهندوس، أتت بنتائج إيجابية للحزب عام 2014. ومع انقسام أصوات المسلمين بين الكثير من الأحزاب، حصل «بهاراتيا جاناتا» على تفوق غير مسبوق. وبفضل التغطية الإعلامية الحماسية، تحولت الانتخابات الوطنية الحالية إلى معركة انتخابية حامية الوطيس، على غرار ما شهدته الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، مع التركيز بصورة خاصة على التشاحن بين ناريندرا مودي وراهول غاندي. وفي خضم هذا الخطاب، وجد المرشحون المحليون أنفسهم ضائعين.
من جانبه، قال الناشط الاجتماعي فيشال شارما، إن الحملات الانتخابية لانتخابات عام 2019 ملأت البلاد بقدر بالغ من السلبية، لدرجة أن أقرب الأصدقاء انفصلوا إلى كتلتين: معسكر مؤيد لمودي وآخر معادٍ له.
وقال شارما إنه رغم انتهاء التصويت في 19 مايو، فإن الضرر الذي ألحقته هذه الانتخابات بنسيج المجتمع الهندي سيبقى لسنوات، وربما عقود، حال عدم التحرك فوراً لكبح جماح مثل هذه السياسات السلبية.
بوجه عام، يجري النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها تصويتاً على شعبية مودي. والملاحظ أن حملة «بهاراتيا جاناتا» الانتخابية ركزت هي الأخرى على مودي، وليس شخص المرشح المحلي.
تمكن المقارنة بين مودي ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو من حيث القدرة على الهيمنة على النقاشات السياسية الجارية على الساحة، تبعاً لما ذكره هارش بانت بروفسور العلاقات الدولية في «كينغز كوليدج» بلندن. وأضاف بانت: «يهيمن مودي على الرسالة السياسية على نحو استثنائي. ويتبعه الشباب لانبهارهم بقصته، وشعورهم بأنه إذا كان قد نجح في إنجاز ما أنجزه، فإنهم أيضاً قادرون. إن لديه هالة تشبه الهالة المميزة لشخصية نهرو. في العادة، ثمة معارضة قوية لفكرة إعادة انتخاب الحزب الحاكم في الهند، لكن ليس هناك اليوم مؤشرات على أن الناس ينسحبون بعيداً عنه». ومع هذا، يرى بانت وآخرون أن التأثير الحقيقي لمودي سينكشف فقط عندما ينجز فترة ثانية في السلطة.

المسلمون والمعضلة الصعبة
على ما يبدو، هناك حالة من تسلط الأغلبية تزحف على المشهد السياسي الهندي بمختلف أرجاء البلاد، إذ كان من شأن الحشد المتنامي للهندوس تحت راية «بهاراتيا جاناتا» أن يفاقم الشعور بعدم الأمان في أوساط الهنود المسلمين. وثمة جدال قوي بين المسلمين حول من سيحكم البلاد خلال الفترة المقبلة، واللافت أنه رغم امتلاك المسلمين الأعداد اللازمة لحسم نتائج الانتخابات حول 100 مقعد بمختلف أرجاء البلاد، فإنهم يلتزمون الصمت حيال اختياراتهم الانتخابية. واليوم، يشعر المسلمون بأنهم أصبحوا منبوذين ومحاصرين ما بين العداء الصريح من جانب اليمين المتطرف ومخاوف التيار العلماني.
وعلى الصعيد الخاص، بدأ بعض المسلمين في وصف أنفسهم بالمنبوذين السياسيين الجدد، ذلك أنه لم يسع أحد من الأحزاب السياسية لكسب أصواتهم علانية، فيما عدا الدوائر الانتخابية التي يشكلون فيها الأغلبية الحاسمة. ونظراً لإدراكها لحالة الحشد في صفوف الهندوس، سعت الكثير من أحزاب المعارضة لاتباع صورة أكثر اعتدالاً من الخطاب الموالي للهندوسية سعياً لكسب أصوات الهندوس. وعليه، تراجعت القضايا محل اهتمام المسلمين إلى الخلفية خلال الانتخابات.
في هذا الصدد، قال آثار حسين، مدير مركز البحث والتطوير الموضوعي: «خلال السنوات الخمس الماضية، جرى النظر إلى الآيديولوجية المهيمنة على الخطاب السياسي باعتبارها تنشر الكراهية. ويتمثل التحدي القائم أمام المسلمين اليوم في كبح جماح هذه الآيديولوجية، وليس التمكين السياسي».
وتتمثل المعضلة الكبرى أمام المسلمين خلال انتخابات عام 2019 في ندرة الخيارات، فالحزب الحاكم «بهاراتيا جاناتا» ربما لا يرغب في أصواتهم، بينما يعلم حزب «المؤتمر» أن المسلمين كمجتمع أقلية لا ملجأ أمامهم سواه.
يذكر أنه عام 2014، جرى انتخاب 23 مسلماً في البرلمان، في واحد من أدنى مستويات التمثيل لهم منذ عام 1952. وأعقب ذلك تهميش متنامٍ للنواب المسلمين. وبينما لا توفر الأحزاب التي تشكل التيار الرئيس فرصاً كافية أمام المسلمين للمنافسة في الانتخابات عبر قوائمها، يجري تصوير الهوية المسلمة باعتبارها متعارضة مع الخطاب القومي الحالي.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟