تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات

وسط أجواء التوتر الإقليمي المتصاعد

تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات
TT

تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات

تغيير في الخرائط والمواقف العراقية... بعد مرور سنة على الانتخابات

وسط أجواء التوتر المحيطة بالعلاقات الإيرانية - الخليجية، والسجالات الإيرانية - الأميركية، تتجه أنظار عدد من المتابعين السياسيين إلى الوضع في العراق. هذا أمر أكثر من طبيعي، ليس فقط لأن العراق هو البلد العربي الوحيد الذي يحدّ إيران براً، بل لأن في العراق قيادات وتنظيمات على صلة وثيقة بالقيادة الإيرانية، ولكون بغداد بين العواصم العربية الأربع التي تباهى بعض قادة الحرس الثوري الإيراني بأن نظام طهران يسيطر عليها، إلى جانب دمشق وبيروت وصنعاء... وأخيراً وليس آخراً، لأن العراق ما زال يعيش ارتباكاً سياسياً (تقف خلفه الصراعات الحزبية المحتدمة) حال حتى اللحظة دون اكتمال تشكيل حكومته التي يرأسها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.
في العام الماضي، وفي مثل هذه الأوقات، أُجريت الانتخابات العراقية للدورة البرلمانية الرابعة (2018 - 2022). ورافقت تلك الانتخابات عدة مفاجآت لم تكن في معظمها متوقَّعة بالنسبة للطبقة السياسية العراقية التي حكمت البلاد بعد عام 2003.
المفاجأة الأولى كانت نسبة المشاركة المتدنية في تلك الانتخابات، التي لم تزد عن 25 في المائة، وهو ما يعني أن نحو75 في المائة من العراقيين قاطعوا الاقتراع. والمفاجأة الثانية هي النتائج التي أسفرت عنها، إذ على الرغم من نسبة المشاركة المتدنية مثلت النتيجة (يومذاك) صدمة لكثير من الكتل والأحزاب وحتى الشخصيات التي كانت لا تتوقع يوماً أن تكون خارج المشهد. ومن مجموع 329 مقعداً هو عدد مقاعد البرلمان العراقي خرج أكثر من 200 نائب من الدورات الماضية، بينما احتفظ أكثر من 100 نائب فقط من كل الكتل والأحزاب بمقاعدهم.
الأمر نفسه ينطبق على الحراك السياسي الذي مثلته تلك الانتخابات، إذ بالإضافة إلى الجدل الذي رافق النتائج، وإعادة عمليات العد والفرز، والحديث عن شبهات الفساد التي رافقت الانتخابات وما ترتب عليها من حرق للصناديق، وغيرها من الممارسات غير الطبيعية، فإن الخريطة السياسية انشطرت طولياً لا عرضياً. وبعدما كانت تلك الخريطة طوال الدورات البرلمانية الماضية تستند إلى البيوت «المكوّناتية» (بيت شيعي - بيت سني - بيت كردي) فإن الذي حصل هو انشطار هذه البيوت عرضياً بعد ما بدا أنه انشقاقات داخل التحالفات «المكوّناتية». ذلك أن البيت الشيعي أصبح عدة بيوت هي عبارة عن كتل مختلفة وبزعامات مختلفة، وكذلك الأمر مع البيتين السنّي والكردي. وللعلم، كل هذه الكتل ضمها تحالفان برزا بعد الانتخابات... بهدف تشكيل الحكومة، هما «تحالف الإصلاح والإعمار» و«تحالف البناء».

أزمة الكتلة الأكبر
بعد نهاية سلسلة المفاجآت التي رافقت انتخابات 2018، التي مرّ عليها عام كامل حتى الآن، ما زالت لم تكتمل الحكومة، إذ ما زال ينقصها أربع وزارات رئيسية وحساسة هي الدفاع والداخلية والعدل والتربية... وكذلك معظم اللجان البرلمانية.
وأيضاً، بعد نهاية مسلسل المفاجآت عاشت الكتل السياسية أزمة أخرى ذات طابع دستوري، وهي أزمة تحديد «الكتلة الأكبر»... التي لها أن ترشح من بين أعضائها المكلف بتشكيل الحكومة. الخبير القانوني أحمد العبادي يشرح السياق الدستوري فيما يتعلق بإشكالية «الكتلة الأكبر» التي كادت تؤدي إلى أزمة سياسية صعبة حتى اليوم.
العبادي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قال إنه «طبقاً للتباين بين الرقمين، فإن كتلة (الإصلاح والإعمار) كانت قد جمعت 177 نائباً عن طريق تواقيع رؤساء كتلهم، واستندت في ذلك إلى تفسير المحكمة الاتحادية لعام 2010، وطبقاً للمادة 76 من الدستور العراقي. لكن تحالف البناء يستند إلى تواقيع النواب أنفسهم، ما يعني أنهم لم يتمكنوا من جمع مقاعد أكثر من هذا العدد في وقتها». وأضاف العبادي أن «التفسير الذي كانت قدمته المحكمة الاتحادية لا يزال ساري المفعول، علماً بأن قرارات الاتحادية ملزمة وقاطعة».
ولأن الخلاف لم يُحسم منذ سنة بالطرق القانونية، وطبقاً لما ذكره النائب السابق في البرلمان العراقي صلاح الجبوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الجلسة الأولى للبرلمان جلبت معها كل الخلافات التي عانينا منها طوال السنوات الـ15 الماضية على كل الصعد؛ إذ تستمر المفاوضات لأجل المفاوضات دون رؤية واضحة لكيفية بناء الدولة». وبشأن الخلاف حول الكتلة الأكبر قال الجبوري، إن «تحالف (الإصلاح والبناء) يستند إلى تفسير المحكمة الاتحادية لعام 2010 الذي لا يزال هو السائد، بينما الطرف الآخر يقول بالتواقيع، وهو ما يعني استمرار الخلافات، ما سينعكس بالضرورة على الأداء الحكومي المقبل الذي ما زلنا نتمنى أن يكون أفضل».

فرضية «العراق الأكبر»
وبما أن التحالفين فشلا وما عاد ممكناً الاستمرار مع احتمالات الوقوع في الفراغ الدستوري، اتفق الأفرقاء، خصوصاً زعيمي أبرز كتلتين، وهما مقتدى الصدر زعيم «التيار الصدري» وراعي كتلة «سائرون» التي حلت بالمرتبة الأولى في الانتخابات بواقع 54 مقعداً، وهادي العامري زعيم كتلة «الفتح» التي حلّت ثانية بعدما حصلت على 47 مقعداً برلمانياً، على الخروج باتفاق ما زال ساري المفعول، وهو أن العراق أكبر من «الكتلة الأكبر».
على أثر ذلك، جرى التوافق على اختيار رئيس وزراء توافقي هو الدكتور عادل عبد المهدي. لكن طبقاً لسياق الأحداث وتداعياتها، منذ تشكيل الحكومة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 وحتى اليوم، فإن مفهوم «العراق الأكبر» لم يُترجم على مستوى مواقف الكتل والأحزاب لجهة رفضها التنازل عمّا تعده استحقاقات لها بينما بدأت الخرائط السياسية تتغيّر بشكل أو بآخر. التجلي الأكبر لهذا التغير هو عجز أكبر كتلتين («الفتح» و«سائرون») ضمن تحالفي «الإصلاح» و«البناء» عن حسم حقيبتي الدفاع (التي هي من حصة السنّة) والداخلية (التي هي من حصة الشيعة). أيضاً، لم تتمكن الكتلتان من حسم حقيبتي العدل (التي هي من حصة الأكراد) والتربية (التي هي من حصة السنّة). ولكي نترجم ما تبدو كأنها أحجية (أو حزورة)، فإن الخلاف حول حقيبة وزارة الداخلية تمحور طوال عدة شهور حول شخصية المرشح من قبل تحالف «البناء» للمنصب، وهو فالح الفياض، مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة «الحشد الشعبي» الذي كان أقاله رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وأعادته المحكمة الإدارية. الرافض الأكبر لترشيح الفياض إلى فترة قريبة هو مقتدى الصدر... وكان تم الاتفاق على استبعاد الفياض وترشيح آخرين بدلاً منه يمكن أن تعرض أسماؤهم خلال الفترة القريبة المقبلة. وعليه فإن الخلاف حول حقيبة الداخلية خلاف شيعي - شيعي.
أما فيما يتعلق بوزارة الدفاع، فإنها من حصة العرب السنّة. ولأن السنّة منقسمون إلى سنّيي «الإصلاح» وسنّيي «البناء»، فإن الخلافات بينهم لا تزال قائمة، رغم ترشيح عدة أسماء ظل التوافق بشأنها بعيداً عن الحسم، وخصوصاً الآن، بعد المتغيّرات التي حصلت بعد إعادة رسم الخريطة السنية، عقب الإشكاليات التي رافقت انتخاب محافظ نينوى.
الأمر نفسه ينطبق على وزارة التربية، التي هي أيضاً من حصة السنّة، حيث ما زال أمرها غير محسوم بدرجة كبيرة، وكذلك وزارة العدل - التي هي من حصة الأكراد - والخلاف بشأنها مرتبط بمدى ما يحققه الحزبان الكرديان الرئيسان (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) على صعيد تشكيل حكومة إقليم كردستان.

نينوى تعيد رسم الخريطة السنّية
لم تكن عملية اختيار محافظ لنينوى، التي كانت بوابة سلسلة الانهيارات التي حصلت في العراق بعد احتلال «داعش» لها خلال شهر يونيو (حزيران) عام 2014 وما رافقها من إشكاليات، إلا قطعة من جبل الجليد المتراكم طوال سنة من الجدل والخلافات بين القوى والأحزاب والكتل والمكونات.
الخلاف حول نينوى بدأ وظل عابراً، لكونها إحدى المحافظات السنّية الغربية والشمالية، بل، ولأنها بوابة استقرار العراق أيضاً. لذا فإنه بمجرد انتهاء الإعلان عن انتخاب منصور المرعيد، المقرب من رئيس هيئة «الحشد الشعبي» ومستشار الأمن الوطني فالح الفياض، محافظاً لنينوى... بدأت الهزات الارتدادية لما بدا أنه زلزال ضرب هذه المحافظة، وذلك بدءاً من الخلافات التي رافقت عملية حل مجلس المحافظة من قبل البرلمان العراقي.
حل مجلس المحافظة اتخذ سياقاته الدستورية، لكنه تحول (مع ذلك) إلى قضية سياسية لها علاقة بالتوازنات لصالح قوى مؤثرة في بغداد أكثر مما لها علاقة بالتوازنات داخل المحافظة. الزعامات السنّية، سواء في بغداد أو نينوى (عاصمتها مدينة الموصل) لها رؤيتها لطبيعة المشهد المعقد في نينوى... الذي يمكن أن ينعكس على المشهد السياسي العام في بغداد.
وفي هذا الإطار، علّق عضو البرلمان العراقي عبد الله الخربيط لـ«الشرق الأوسط» متهِماً أن «خميس الخنجر (زعيم «المشروع العربي») هو من رتّب هذه الصفقة لصالح انتخاب المرعيد، وهو استمرار لأسلوبه في تمثيل المظلومية السنّية وتهميشهم، حيث حاول الحصول على كسب من الخارج تحت هذه الذريعة». وأضاف أن «النواب السنّة الذين انتموا إلى المحور الوطني، لم يكونوا في الواقع على قناعة بوجود الخنجر، لكن وجود شخص رئيس البرلمان محمد الحلبوسي بوصفه الضامن لاستمرارية التحالف أبقى له تسمية رئيس التحالف، التي ترجمها الخنجر باحتراف إلى أموال من قطر وتركيا».
وتابع الخربيط أن «إصرار الخنجر على التدخل في عملية تنصيب، بل شراء منصب، محافظ نينوى، أثار نواب المحافظة بقوة وتضامن معهم الآخرون. لذلك عاد تحالف (القوى العراقية) إلى الحياة، وانتهى (المحور الوطني)».

رأي أثيل النجيفي
من جهته، يرى أثيل النجيفي، القيادي البارز في كتلة «القرار العراقي»، ومحافظ نينوى الأسبق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا تغيير داخل سنّة الإصلاح بل سيشمل التغيير سنّة البناء لأن الانشقاق الذي حصل هو بينهم فقط». وأردف أن «هذا الانشقاق سيؤدي إلى بقاء خميس الخنجر وأحمد الجبوري ضمن كتلة البناء، بينما باقي القيادات عادت إلى صيغة تحالف القوى العراقية... وهو ما يعني أنه سيتم التقارب أكثر بين تحالف القوى وسنّة الإصلاح بصورة عامة». ومن ثم، أوضح النجيفي: «من الواضح أن هناك اختلافاً سياسياً بينهم... ليس فقط موضوع الموصل، وإنما التوجه العام بينهم بدأ يختلف. وهو ما يعني أن الحلبوسي والكربولي سيتقاربان أكثر مع سنّة الإصلاح». وبشأن استمرار الصراعات داخل نينوى وتأثيراتها المستقبلية، قال النجيفي إن «الصراعات داخل نينوى تبدو محلية في ظاهرها، ولكن كل جهة من أطراف الصراع مدعومة من أحد أطراف الصراع الدولي الأميركي - الإيراني»، مشيراً إلى أن «أحد الطرفين من مصلحته أن تكون نينوى هي ساحة الصراع بين الطرفين».
ورداً على سؤال بشأن أسباب اشتداد الصراع حول الموصل، تحديداً قال النجيفي إن «مشكلة الموصل أنها هشة سياسياً... وبالتالي، فإن أهلها يشعرون بالضعف، وهناك عدة أطراف تحتاج إلى حماية، لا سيما الأطراف التي كانت متهمة بالقرب من (داعش)»، وبيّن أن «هذه الأطراف مستعدة لتقديم الولاء لأي طرف يدعمها ويحميها، وهذا بالإضافة إلى وجود صراعات متشابكة بعضها بين المكوّنات وبعضها الآخر داخل المكوّنات ويسهل استثمارها من أي طرف من أطراف الصراع».
أما حيدر الملا، القيادي ضمن تحالف «الإصلاح» والنائب السابق في البرلمان العراقي، فأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تشكيل ما يُعرف بالمحور الوطني كان تشكيل (جمع المتناقضات)، ولقد فرضته طبيعة الواقع السياسي العراقي لمرحلة ما بعد الانتخابات، وكيفية توزيع السلطة وتشكيل الحكومة... وبالتالي، لم يكن ممكناً استمراره». واستطرد أن «الإرادة الخارجية الإقليمية، وتحديداً الإيرانية، تدخلت باتجاه تشكيل المحور الوطني. واليوم نرى أن المعادلة الإقليمية آخذة بالتغير». واعتبر الملا أن «حل (المحور الوطني) يُعد خطوة جيدة... حلّ هذا التشكيل لأن العملية السياسية باتت أمام مفترق طرق بين مَن يؤمن بالإرادة الوطنية ويرفض الإملاءات الخارجية ومَن هو أسير تلك الإملاءات».

الظهور المريب لـ«البغدادي»

أول ظهور لتنظيم «داعش» أبوبكر البغدادي كان في الموصل بعد أيام قليلة من احتلالها من قبل تنظيمه في يونيو 2014. ومن الجامع النوري الكبير أعلن «دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام» المزعومة، التي اختُزلت بمفردة «داعش». أما الظهور الثاني فجاء بعد نحو 5 سنوات من أول ظهور، لكن، هذه المرة، في منطقة غير معروفة، وبملامح بدت مختلفة، ووسط أحداث متشابكة على كل المستويات.
البغدادي، الذي رفعت الولايات المتحدة الأميركية جائزة القبض عليه إلى 25 مليون دولار أميركي، أراد إبلاغ الجميع أنه موجود، وأنه يؤسس لولايات جديدة في مناطق أخرى من العالم، لكنه فقد ما يسميه «داعش» بـ«أرض التمكين في العراق وسوريا»، إذ طُرد التنظيم من العراق عسكرياً أواخر عام 2017.
الأحداث الآن تبدو في غاية التشابك والخطورة، سواء على صعيد الداخل العراقي حيث تعاود خلاياه النائمة الظهور بين آونة وأخرى في مناطق مختلفة من البلاد، أو الخارج حيث اشتداد حدة النزاع الأميركي - الإيراني واحتمال بلوغه الحرب.
وفي تفسير هجمات «داعش» وظهور البغدادي، يقول الدكتور هشام الهاشمي، مستشار مركز النهرين والخبير بشؤون الجماعات المسلحة لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الهجمات محاولة من تنظيم (داعش)، بعد نهاية أرض التمكين والاحتلال العسكري لإثبات وجوده، في حين أنه يعلم جيداً أن مثل هذه العمليات ليس لها تأثير فعلي على أرض الواقع». وأضاف أن «الأميركان ورغم قيادتهم تحالفاً دولياً ضد (داعش)، وإعلان (الرئيس دونالد) ترمب قبل مدة نهايته... فإنهم في الواقع لم يقضوا تماما عليه، وهم يعرفون ذلك. بل إنهم قطعوا ساق الشجرة الخبيثة ولم يجتثوا جذورها التي لاتزال قادرة على النمو والتمدد هنا وهناك كلما أتيحت لها الفرصة»، ثم بيّن أنه «مع ما يمكن أن يقوم به التنظيم من هجمات هنا وهناك، يختار لها أحياناً مناطق بعناية لإحداث رد فعل أكبر، فإن التحدي الذي كان يمثله أصبح أقل بكثير مما باتت تمثله إيران من تحدٍّ بالنسبة للأميركان».

العراق بين السندان الإيراني والمطرقة الأميركية
> حول التداعيات المحتملة لتصنيف الولايات المتحدة الأميركية للحرس الثوري الإيراني بوصفه منظمة إرهابية وما يمكن أن تؤدي إليه على صعيد زيادة التوتر بين الطرفين، قال الدكتور هشام الهاشمي، مستشار مركز النهرين والخبير بشؤون الجماعات المسلحة، إن «قرار الإدارة الأميركية تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، وإن كان غير مُلزماً لمؤسسات الدولة العراقية، فقد يشير إلى أن العراق - الذي أخذ قراره بالحياد (لا صدام ولا مسايرة) مع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران - سيواجه تحديات لا تبدو هينة على البعد الاقتصادي والدبلوماسي خلال المرحلة المقبلة».
وأضاف الهاشمي أنه «بسبب ملف العقوبات والتصعيد الأميركي المحرج للعراق، فإن العراق قد يواجه نوعين من التهديدات الساخنة، وتعني كل التهديدات المرتبطة بالجانب العملياتي العسكري وردات الفعل التي قد تصدر بالضد من مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في العراق، من قبل البعض من أفراد من الفصائل المسلحة العراقية، مثل عمليات خطف واغتيالات وعمليات نوعية مباشرة تشبه تلك كانت بين 2003 و2011». وتابع: «يمكن أن تتحدّد التهديدات الساخنة للعراق في أزمة ملف العقوبات الأميركية بالضد من إيران، باستهداف السفارة والقنصليات الأميركية ورعايا الولايات المتحدة في العراق من العسكريين والمدنيين. وبالتالي، العراق سيكون جزءاً من تلك التوترات والصراعات الكامنة بين إيران وأميركا».
والواقع أن الولايات المتحدة، في سياق تحسبها لما يمكن أن يحصل على صعيد مستقبل الصراع مع إيران، اتخذت أخيراً سلسلة من الإجراءات، أهمها إبلاغ الموظفين من غير العاملين بشؤون الطوارئ في سفارتها ببغداد وقنصليتها في أربيل بمغادرة العراق. كذلك منعت مواطنيها من السفر إلى العراق.
والواقع أن هذه الإجراءات أدت إلى زيادة الإرباك السياسي داخل العراق، لا سيما حدة التناقض في المواقف السياسية التي يمكن أن تترتب على أي مواجهة إيرانية - أميركية. ففي نهاية المطاف، فإنه بالقدر الذي تتغير فيه الخرائط طولاً وعرضاً... فإن المواقف التي يمكن أن يتبناها هذا الطرف أو ذاك، أو هذه الجهة أو تلك، هي الأخرى عرضة للتغير تحت حجج وذرائع وربما قناعات مختلفة.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.