السفير الفرنسي لدى السعودية: زيارة الأمير سلمان تظهر عمق العلاقات الاستثنائية بين فرنسا والسعودية

قال لـ {الشرق الأوسط} إن ملف تسليح الجيش اللبناني سينجز سريعا.. وشدد على أهمية التشاور والتنسيق بصدد الملفات الإقليمية

برتراند بيزانسينو
برتراند بيزانسينو
TT

السفير الفرنسي لدى السعودية: زيارة الأمير سلمان تظهر عمق العلاقات الاستثنائية بين فرنسا والسعودية

برتراند بيزانسينو
برتراند بيزانسينو

عد سفير فرنسا لدى المملكة العربية السعودية برتراند بيزانسينو أن الزيارة الرسمية لولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز لباريس التي تبدأ اليوم، متعددة الأغراض والأهداف، وتعكس عمق علاقات الصداقة بين البلدين وشراكتهما الاستراتيجية.
وفي حديث شامل مع «الشرق الأوسط»، عرض بيزانسينو تفاصيل الزيارة والملفات التي من المرتقب أن تتناولها إن كان فيما خص العلاقات الثنائية والمشاريع المشتركة ورغبة الطرفين في تعميقها وتطويرها وترجمتها إلى اتفاقات وإنجازات، أو بصدد تعاونهما الوثيق بشأن الأزمات الإقليمية التي تضرب الشرق الأوسط، ومنها العراق.
وفيما يلي نص الحديث:
* ماذا تمثل زيارة الأمير سلمان إلى باريس بالنسبة لفرنسا وبالنسبة للعلاقات السعودية - الفرنسية؟
- ولي العهد وزير الدفاع السعودي، الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي يرأس غالبا اجتماعات مجلس الوزراء السعودي، شخصية لها دور محوري في المملكة العربية السعودية، كما أنه صديق لفرنسا منذ فترة طويلة.
وبصفته وزيرا للدفاع، فإنه مسؤول عن قطاع لفرنسا والسعودية فيه تعاون وثيق منذ سنوات طويلة.
خلال زيارة الرئيس هولاند إلى السعودية في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وجه الرئيس هولاند لولي العهد دعوة لزيارة فرنسا، واقترحنا أن تجري الزيارة الرسمية في 2014، ثم حصل اتفاق بين الطرفين على اعتماد بداية سبتمبر (أيلول) موعدا للزيارة.
أما هدف الزيارة، فإن الأمور واضحة لنا: نريد إظهار نوعية العلاقات الاستثنائية بين البلدين التي تتحلى بالثقة والصداقة بين بلدينا. صحيح أن العلاقات التقليدية بين باريس والرياض جيدة، لكن من الواضح أنه منذ عدة أشهر، عرفت هذه العلاقات تطورات إيجابية ملموسة تعود لتطابق المواقف بشأن مجموعة من الملفات السياسية الإقليمية. وهذا التقارب برز كذلك عبر رغبة السلطات في البلدين على أعلى مستوى بتوثيق وتعميق العلاقات الثنائية، وهذا ما برز خلال زيارة الرئيس هولاند للمملكة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012.
والخلاصة أننا عملنا بشكل جدي على الترجمة العملية لهذا التفاهم، وكانت النتيجة أن عام 2013 كان استثنائيا في مجال العقود الثنائية بين الطرفين؛ إذ إن قيمة العقود التي حصلت عليها الشركات الفرنسية في المملكة زادت قيمتها على 6.5 مليار يورو، نصفها عقود مدنية والنصف الآخر عقود دفاعية وأمنية. والجميع يعرف القطاعات والمشاريع المعنية، مثل مترو الأنفاق في الرياض وتتمات صفقة الصواري وغيرهما.
من الواضح إذن بالنسبة إلينا أن الغرض من الزيارة التأكيد على هذه العلاقة الثنائية المندرجة في إطار الشراكة الاستثنائية بين البلدين من جهة، ومن جهة ثانية تكريم الأمير سلمان ولي العهد الذي هو شخصية تلعب دورا بالغ الأهمية، والذي بين دائما تعلقه بالعلاقات السعودية - الفرنسية.
* ما الذي يمكن توقعه من هذه الزيارة فيما خص الملفات الإقليمية؟
- هذا يشكل الوجه الثاني المهم من الزيارة؛ إذ إن منطقة الشرق الأوسط تجتاز مرحلة دقيقة وخطيرة وهي تثير قلق دول المنطقة كما تثير قلقنا. ولذا، فإن زيارة الأمير سلمان ستكون بالتأكيد مناسبة لتعميق المناقشات والمشاورات بين باريس والرياض حول الملفات الأساسية، وهي الإرهاب وكيفية الوقوف بوجهه، والوضع في سوريا والعراق ولبنان، فضلا عن الملف الإيراني وملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي وكل أوجه الملفات الإقليمية الساخنة. والجانب الفرنسي حريص على التشاور مع السلطات السعودية حول هذه الملفات والاستماع لتحليلاتها وتوقعاتها، فضلا عما يمكن أن نقوم به من عمل ومبادرات مشتركة.
* هل يتعين توقع الإعلان عن أشياء مهمة في ما خص العلاقات الثنائية؟
- خلال زيارة الرئيس هولاند إلى المملكة في شهر ديسمبر الماضي تم الاتفاق على مجموعة من التوجهات، أولها مساعدة الجيش اللبناني عبر هبة سعودية قيمتها 3 مليارات دولار تخصص لشراء أسلحة فرنسية من أجل مساعدته على حماية الأراضي اللبنانية، وثانيها توسيع الاستثمارات السعودية في فرنسا، وثالثها البدء بالتحضير لإطلاق مشروع بحري عسكري واسع، وآخرها الاتفاق على عقد اجتماع أول للجنة المشتركة حول النووي المدني. وفعلا، عقد الاجتماع الأول نهاية مارس (آذار) في باريس، وسيكون للجنة اجتماع ثان قبل نهاية العام في الرياض، الأمر الذي يظهر أن مشاريع التعاون المشتركة تتقدم بسرعة في القطاع النووي المدني. ومن المرجح أن يكون هذا القطاع من أهم مجالات التعاون للسنوات المقبلة.
إن زيارة ولي العهد ستشكل فرصة لتقويم ما توصلنا إليه حتى الآن. ومن المقرر أن نتوصل سريعا إلى الانتهاء من ملف تقديم المساعدة العسكرية للجيش اللبناني. ومن جانب آخر، نريد أن نقوم ما آلت إليه المناقشات بين وزير الخارجية الفرنسي ووزير المال السعودي حول تشجيع الاستثمارات السعودية في فرنسا التي تتناول التسهيلات للتصدير وإقامة شركات مشتركة في قطاع الصناعات الرائدة وغيرها من المجالات.
المناقشات جارية حاليا، ونود أن نتوصل، مع نهاية العام الجاري، إلى التوقيع على أول شريحة من الاتفاقات. فضلا عن ذلك، سنقوم بمناقشة تفصيلية حول ما نريد القيام به معا بشأن البرنامج البحري العسكري المشترك وحول مشاريع تعاون أخرى في مجال الدفاع الجوي والأقمار الصناعية وغيرها. ولذا، وباختصار، فإن هذه الزيارة مهمة من جهة لإبراز تقديرنا للمملكة السعودية ولولي عهدها. وهي مهمة سياسيا لما توفره من فرصة للتشاور حول المسائل الإقليمية والعمل المشترك. كما أنها مهمة لتقويم ما تحقق منذ زيارة الرئيس هولاند للسعودية العام الماضي وإعطاء دفعة جديدة للمشاريع الكثيرة التي نريد أن نحققها معا. وأريد أن أضيف أن فرنسا مهتمة للغاية بمشاريع أخرى لم آت على ذكرها مثل الطاقة الشمسية والنقل الجوي، والسكك الحديدية أو مترو الأنفاق والصحة، حيث سيوقع قريبا جدا اتفاق مع معهد باستور المتخصص أو بالنسبة للصناعات الغذائية، حيث يدور البحث حول مجموعة واسعة من المشاريع. وأعود لأذكر رغبتنا المشتركة في التعاون في القطاع النووي المدني.
* جئت على ذكر التعاون السعودي - الفرنسي بالنسبة لتسليح الجيش اللبناني. لماذا التأخير الحاصل في هذا القطاع علما بأن الجيش اللبناني يعاني من نقص التسليح وهو بحاجة للسلاح الفرنسي من الهبة السعودية؟
- لا يمكن أن نقول إنه لم يحصل شيء خلال الأشهر الثمانية الماضية، أي منذ أن أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عن تقديم الهبة للجيش اللبناني لشراء أسلحة فرنسية.
لقد جرت، في مرحلة أولى، مناقشات مستفيضة بين الخبراء في البلدان الثلاثة المعنية لتحديد الحاجات اللبنانية من السلاح التي يمكن أن تشملها الهبة السعودية. وفي مرحلة ثانية، قامت اتصالات مع الشركات الدفاعية الفرنسية والحصول منها على مقترحات لأسعار نريدها الأفضل للبنان، ثم هناك الجوانب القانونية إذ إننا أمام شيء جديد، حيث هناك هبة سعودية لصالح الجيش اللبناني من أجل شراء أسلحة فرنسية. إنها، من جهة، عملية مجددة على المستوى القانوني، كما أنها تحتاج لوقت من أجل تحديد الحاجات العسكرية اللبنانية والتوصل إلى اتفاق مع الشركات المصنعة وعلى المهل للتسليم، كما أن هناك المشروع الأوروبي لمساعدة الجيش اللبناني. وواضح أن ذلك كله يحتاج للوقت اللازم. ويمكنني أن أقول إننا قريبون جدا من الانتهاء من هذا الملف الذي أعده مهما لأنه مؤشر قوي لدعم المؤسسات والجيش اللبناني؛ ولأنه يظهر كم أن المملكة السعودية وفرنسا متمسكتان بسيادة لبنان واستقراره، فضلا عن أنه برهان ساطع على حقيقة الشراكة الاستراتيجية القائمة بين بلدينا.
* هل الشراكة الاستراتيجية تنسحب أيضا على الأزمة العراقية؟ هل للطرفين المقاربة نفسها بالنسبة لهذه الأزمة؟
- بالطبع. ثمة مشاورات مستمرة ومعمقة بين وزيري خارجية البلدين وتبين بوضوح أننا معا نعد، من جهة، أن التهديد الذي يمثله داعش هو تهديد جدي وخطير، وأنه، من جهة ثانية، نتيجة لما حصل أو لم يحصل في سوريا، كما أنه نتيجة للسياسة السيئة التي اتبعها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي «نجح» في تنفير قطاعات واسعة من الشعب العراقي، ومنها السنة والأكراد.
اليوم، السعودية وفرنسا رحبتا بتعيين رئيس وزراء جديد وهما تتمنيان قيام حكومة اتحاد وطني تضم كل الأطراف لأنه الطريقة المثلى لطمأنة فرقاء شعروا وعانوا التهميش لفترات طويلة. وهذا التطور، إن حصل، سيدفع من دعم داعش أو من غض النظر عن تقدمه إلى إعادة النظر في موقفه والتصرف بشكل مختلف، بداياته الرغبة في المشاركة في حكومة اتحاد وطني حقيقية تكون قادرة على إعادة بناء الدولة العراقية، وبذلك التمكن من إبعاد تهديد «داعش» ليس فقط في العراق وإنما في سوريا أيضا. وأود أن أذكر مجددا أن السعودية وفرنسا منذ البداية كانتا واضحتين بالنسبة لنقطة جوهرية، وهي أن ترك الوضع السوري يتأكّل ويهترئ، والامتناع عن مساعدة المعارضة المعتدلة بشكل جدي يساعد، من جهة، النظام السوري المجرم، ومن جهة ثانية يدفع السكان إلى أحضان منظمات جهادية متطرفة.
اليوم، يبدو واضحا لنا أنه من الضروري زيادة الدعم للمعارضة السورية المعتدلة من أجل إبعاد التهديد الذي يمثله «داعش» أو نظام بشار الأسد.
* هل شعر الغرب بأنه في وضع حرج لأنه يجد نفسه في مواجهة داعش الذي يقاتله النظام السوري أيضا؟ هل يمكن لحظ تحولات في السياسات الغربية بسبب هذا الوضع الجديد؟
- لا أعتقد ذلك أبدا. نحن نرى أن صعود داعش جاء نتيجة لسياسة العنف والقتل التي ينتهجها النظام السوري ونتيجة للتعاون الضمني بين هذا النظام وداعش. لذا، لا أرى كيف يمكن أن تكون هناك مناسبة للتقارب مع النظام السوري لأننا نحارب داعش.
* لكن النظام السوري يعرض خدماته على الغرب!
- النظام يحاول استغلال هذا الوضع لإعادة تأهيل نفسه وإظهار أنه «مفيد». هناك وعي قوي قوامه أنه إذا أردنا محاربة داعش يتعين أيضا محاربة نظام الأسد. وأريد أن أذكر هنا أن الوزير فابيوس كان من الأوائل الذين وضعوا الإصبع على التواطؤ بين الأسد وتنظيم داعش.
من الواضح اليوم أن سياسة فرنسا والسعودية التي قامت على دعم المعارضة المعتدلة ضد نظام الأسد كانت أيضا سياسة تهدف إلى منع العناصر المعتدلة التي تحارب النظام من الالتحاق بالمنظمات الجهادية وأولها داعش. لذا، فإن النظرة المشتركة بين باريس والرياض لجهة ضرورة دعم هذه المعارضة سياسيا وماليا وعسكريا، يبدو اليوم صوابها على ضوء التطورات الأخيرة. نحن نرى أن ضعف المساعدات للمعارضة المعتدلة هو الذي جعل داعش وغيره يستقوي وخطره يزداد. كما أننا متيقنون من أنه إذا أردنا التخلص من داعش يتعين التوصل إلى حكومة وحدة وطنية في العراق ومساعدة من يقاتل ميليشيات هذه الدولة.
وللتذكير أشير إلى أننا ساهمنا بذلك إلى جانب آخرين عبر توفير السلاح للأكراد. ولا شك لدينا أن الجانب السعودي سيقوم بدوره. واليوم، لم يعد هناك مناص من تقوية المعارضة السورية المعتدلة وتمكينها من الوسائل العسكرية الضرورية التي تحتاجها والتي لم تتوقف عن المطالبة بها.
* يعني أن هناك مسؤولية غربية فيما آلت إليه الأمور في سوريا والعراق؟
- بالطبع هناك مسؤولية تتحملها الأسرة الدولية. ولكن علينا أن نشدد على أن المسؤولية الكبرى تقع أولا على عاتق من دعم النظام السوري وعلى رأسهم إيران. وفي الوقت عينه، لا يمكن التغاضي عن أننا افتقدنا إرادة التدخل رغم أن الحرب في سوريا أزهقت أرواح 160 ألف شخص.
أعتقد أنه حان الوقت لاستخلاص النتائج وتمكين المعارضة الديمقراطية السورية من الوقوف على قدميها والتخلص من نظام الأسد، وأن تقوم حكومة اتحاد وطني في العراق من أجل التخلص من الورم السرطاني الذي يمثله داعش.



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».