خيري رمضان: الإعلام توحد لـ«إنقاذ الوطن» من حكم الإخوان

كشف في حوار مع {الشرق الأوسط} عن لقاءات لم تنشر مع خيرت الشاطر استمرت 11 ساعة

خيري رمضان: الإعلام توحد لـ«إنقاذ الوطن» من حكم الإخوان
TT

خيري رمضان: الإعلام توحد لـ«إنقاذ الوطن» من حكم الإخوان

خيري رمضان: الإعلام توحد لـ«إنقاذ الوطن» من حكم الإخوان

قال الإعلامي المصري خيري رمضان إن غالبية وسائل الإعلام في بلاده توحدت أثناء حكم جماعة الإخوان المسلمين لـ«إنقاذ الوطن» من مخططات الجماعة بقيادة رئيس الدولة في ذلك الوقت محمد مرسي. ويقدم رمضان برنامجا بعنوان «ممكن» على فضائية «سي بي سي» التي يساهم فيها بنسبة خمسة في المائة.
وتحدث رمضان في حوار مع «الشرق الأوسط» عما سماه فترة الاضطراب الإعلامي عقب ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأيام التوحد ضد حكم مرسي، ثم العودة مرة أخرى إلى عدم وضوح الرؤية حتى الآن في المرحلة الجديدة. وقال إن الإعلام المصري عاد مرة أخرى إلى تبادل الاتهامات وإلى حالة الفوضى والتقسيمات.
وكشف رمضان عن لقاءين مع الرجل القوي في جماعة الإخوان، خيرت الشاطر، نائب مرشد الجماعة، الذي لم يتمكن من الترشح للرئاسة في انتخابات عام 2012، وقال إنه لن يتحدث عن تفاصيل هذين اللقاءين اللذين استمرا لمدة 11 ساعة، إلى أن يسمح الشاطر بذلك، لكنه كشف عن أن الأخير طلب منه العمل معه في الحزب والرئاسة. والشاطر مسجون حاليا في سجن في جنوب القاهرة مع قيادات إخوانية أخرى رهن التحقيق في عدة قضايا منذ الإطاحة بمرسي في يوليو (تموز) الماضي.
وأضاف الإعلامي المصري قائلا إن ما يحكم عمله هو التوازن بين الجانب المهني والجانب الوطني وأنه عندما يتعارض المهني مع الوطني ينحاز إلى الوطني. وتابع قائلا عن أزمة قناة «سي بي سي» مع الإعلامي الساخر باسم يوسف، إنه كان ضد وقف برنامج «البرنامج» الذي كان يقدمه يوسف، لأنني كإعلامي ضد وقف أي برنامج.
وإلى أهم ما جاء في الحوار..
* ماذا عن أداء الإعلام المصري منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 حتى وقتنا هذا؟
- بعد ثورة يناير أصبح الإعلام مضطربا ولا يعلم أين يتوجه، بل يعرف شيئا واحدا وهو أن هناك حالة من البركان والغليان في الشارع المصري وهو جزء منها، وهناك كثير من الإعلاميين أصيبوا بـ«رذاذ» وحجارة البركان وبعضهم أخذ حجرا في رأسه وتمت إصابته ووقع، وبرر إصابته بأنه أصيب أثناء الثورة، وهذا لم يحدث، على الرغم من أنه كان ضد الثورة في البداية وليس من مسبباتها. وكانت المحصلة أن الإعلام كان شخصيا جدا ولم يكن هناك مشروع حقيقي للإعلاميين جميعا، فالكل عمل في اتجاهات مختلفة، إما أن يقولوا إننا ثوريون ونحن الأبطال ونحن المخلصون وانحزنا لإرادة الشعب. وكان هناك اتجاه آخر انشغل بالنفي عن نفسه أنه كان منتميا كليا للنظام السابق. وآخرون انشغلوا في صد اتهامهم أنهم ضد الثورة أو «فلوليون (أي من مناصري الرئيس الأسبق مبارك)»، فكان توجه الإعلام هو «الأنا» وليس أي مصلحة أخرى، غابت الحقيقة، ولم نر شيئا. والجميع منشغل ولا يوجد صوت عقل ومحاولة الحيادية كانت مدعاة وغير حقيقية وهذه هي الأسباب التي «توّهت» ثورة يناير وأضاعت الكثير من ملامحها.
* وماذا عن شكل الإعلام في فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ما بين عهد مبارك وعهد مرسي؟
- كانت هناك مزايدات كبيرة في الإعلام من الثوريين الذين هم محسوبون على الثورة وحاولوا أن يكملوا المشوار الذي بدأوه، ومجموعة أخرى حاولت تملق المجلس العسكري ومن كان ينتقد المجلس في هذه الفترة يعتبر خائنا للوطن، وبدأ الصراع بين جبهتين من الإعلام؛ جبهة تمجد في المجلس، وجبهة أخرى تنتقده، مع تبادل الاتهامات بالتخوين، فكانت فترة ضبابية، ما عدا القنوات الدينية وقنوات الإخوان حيث كانت بعيدة عن المشهد، وكان الإعلام في هذه الفترة مفككا وبعيدا عن التوحد والاندماج، لكنه توحد فيما بعد.
* متى كان ذلك؟
- توحد الإعلام عندما رأى الجميع أن الوطن يضيع، وهي فترة حكم الإخوان المسلمين، فالجميع بدأ يعمل بعيدا عن المصالح الشخصية وليس لحساب تيار معين، بل عمل الجميع لحساب الوطن، حتى سقط حكم الإخوان في 30 يونيو (حزيران)، ثم عاد الإعلام إلى أدائه السابق الذي كان عليه بعد ثورة يناير في تبادل الاتهامات والتخوين، بل عدنا لحالة الفوضى وإلى التقسيمات، فيوجد من ينافق الجيش والذي يختلف معه يتهم بأنه خائن، بعيدا عن الإخوان المسلمين؛ فهم خرجوا من الحسبة وأصبحوا معادلة بذاتها.
* أين كنت أنت في كل هذه التقسيمات؟
- في الفترة الأولى، وهي فترة يناير، حدث لي حالة الاضطراب التي حدثت للجميع، دائما في عملي أركز على الجانب المعارض في شكل محترم ولدي مقالاتي وحواراتي المحترمة في ذلك الوقت، وأتحدى أي أحد أن يأتي بجملة واحدة نافقت فيها النظام القائم، ولم أنضم لأي حزب ولا تيار بعينه، ولكن شاءت الأقدار أن تقوم الثورة وأن أعمل في التلفزيون المصري وكانت في هذه الفترة تهمة لا تغتفر، وعملت يوم 25 يناير (كانون الأول) 2011، ويوم 26 يناير ثم توقفت عن العمل ولم أخرج إلا بعد موقعة الجمل في الثاني من فبراير (شباط) 2011 لطلب الفريق أحمد شفيق وهو كان رئيسا للوزراء في ذلك الوقت أن أجري معه حوارا، وقمت بذلك وشهد الجميع أن هذه الحلقة أعادت للتلفزيون بعض الحضور والحيادية، ولكنهم تعاملوا معي بعدها على أنني رجل «فلول».
* إلى أي مدى أزعجك أن يقال عنك إنك «فلول»؟
- لم أهتم بهذه الكلمة، لكن اعتراضي كان على معناها «السيف المكسور»، ولكني أنا سيف لم ولن ينكسر.. بدليل أنني موجود حتى الآن، فأنا لست ثوريا ولم أنزل في مظاهرات، ولم أكن أفهم ما كان يحدث في الشارع في ذلك الوقت، فكنت في حالة من الارتباك مثل كل الإعلام في تلك الفترة، ولكنني استطعت أن أجلس مع نفسي وأعيد حساباتي وبدأت مرحلة جديدة انحزت فيها إلى ما هو منضبط وانحزت إلى صالح البلد بعيدا عمن أمامي سواء كان عسكريا أم مدنيا. والإعلام لا يجوز أن يكون في اتجاه واحد وأيقنت ذلك عندما وجدت أن الوطن يتعرض لمؤامرة «إخوانية» فكان قراري أن أخوض المعركة حتى النهائية.
* لكنك دافعت عن الإخوان في أكثر من واقعة، منها قضية أسامة نجل مرسي؟
- أنا لم أدافع عن الإخوان.. وأسامة نجل مرسي هو الذي طلب عمل مداخلة معي لتوضيح حقيقة علاقته بـ«الغنوشي (زعيم حركة النهضة التونسية)»، وأنا قمت بتأدية عملي واستمعت إلى وجهة نظره في هذا الموضوع، وتحدث أسامة وقال لي إنه يحترمني وطلب عمل مداخلة معي بالتحديد، وأنا كنت أتمني نجاح مرسي وأن يعمل لصالح مصر وليس لصالح الجماعة وكنت أتمني أن يحكموا مصر لصالح مصر، وكانت تربطني صداقة مع بعضهم منهم عصام العريان.
* هل كانت تربطك صداقة بهم من قبل أم خلال حكمهم للبلاد فقط؟
- أنا التقيت خيرت الشاطر وحسن مالك في 2005 قبل القبض عليهما في ذلك الوقت، وصليت معهما وجرى سؤالي في أمن الدولة عما إذا كنت أنتمي لجماعة الإخوان ولكني لم أتاجر بذلك للظهور كبطل، والتقينا أثناء الحكم مع مرسي في حوارات إعلامية وقابلته في الرئاسة ووجهت له سؤالا: ماذا ستفعل لو طلب ملف الإخوان بالخارج وعرفت أن هناك إخوانا مراقبين في دول عربية، سوف تحتفظ بالمعلومات كرئيس مصر، أم سترسلها إلى المرشد لاتخاذ التدابير اللازمة هناك. وتهرب من الإجابة.
* هل جمعتك جلسات سرية معهم؟
- نعم.. جمعتني جلسات سرية مع خيرت الشاطر مرتين وعلى مدار 11 ساعة في أحد بيوت الأصدقاء. وجلسنا، بناءً على طلبه، ولكني لم أتحدث عن تفاصيل المقابلة؛ إذ لم يسمح هو بذلك وإن سمح لي سأتحدث عن تفاصيلها فهو من حقه أن يرد على كلامي إذا كذبت، ولكني أستطيع أن أقول إنه طلب مساعدتي، وقال إنهم جهلاء في الإعلام وطلب مني أن أعمل معه في الحزب والرئاسة ولكني رفضت ذلك، وقلت له إنني مختلف معكم تماما وأفكاري بعيدة عنكم ولم أر نفسي بينكم، فطلب مني أن أرشح شخصا آخر، وكان الرد أن الذين أعرفهم يرفضون العمل معكم. وبعد ذلك دار حوار بيننا روى فيه تفاصيل ما دار في ثورة يناير حتى حكموا وتفاصيل مليئة بالأسرار واتهامات لأشخاص موجودين الآن ولكن الأمانة تقتضي ألا أبيح بهذه التفاصيل.
* هل لديك محاذير في أدائك المهني كإعلامي؟
- ليس لدي محاذير ولكني أفكر في جانبين هما الجانب المهني والجانب الوطني. وعندما يتعارض المهني مع الوطني أنحاز إلى الوطني على الرغم من أنني أحاول قدر المستطاع أن أكون مهنيا، ولكني أتعامل مع الوطن إذا جاءتني حقائق يمكن أن تؤدي إلى أزمة كبيرة وهي ليست في صالح الوطن لن أقوم بها حتى لو على سبيل الانفراد، وليس كل ما يعرف يقال خاصة من خلال وسيلة إعلامية كبيرة كالتي أعمل بها.
* هل كانت مصادفةً التوحد الذي رأينا في الإعلام قبيل ثورة 30 يونيو 2013؟
- بالتأكيد مصادفة. ولم يتدخل أي شخص في هذا التوحد، جميعنا اتفقنا دون جلسات ودون سابق إنذار أن نعمل من أجل الوطن، وأرفض اتهامات البعض أن المجلس العسكري له دور في ذلك فلم نتقابل مع المجلس إلا بعد الثورة وكنا في حينها نتحدث عن الوضع الراهن وعن الوطن.
* هل تتدخل في إدارة «سي بي سي» بحكم أنك مساهم فيها؟
- إطلاقا.. أنا أتعامل مثلي مثل أي زميل إعلامي في هذه القناة. ولا أتدخل على الإطلاق في شيء يخص الإدارة فأنا مساهم بنسبة خمسة في المائة ويخصم من أجري 50 في المائة لسداد الأقساط.
* وماذا عن أزمة باسم يوسف؟
- أنا دائما أتدخل في أي أزمة لباسم يوسف مع القناة بحكم علاقتي الطيبة به، والذي حدث بينه وبين الإدارة مشاكل فنية وتجارية، لذلك قرر مجلس الإدارة وقف البرنامج ورغم كل ذلك أنا كإعلامي ضد وقف أي برنامج وقمت بعمل بيان رسمي متضامنا معه.
* من الإعلامي الذي تقتدي به؟
- أعشق محمد التابعي وكامل الشناوي، وأحترم مصطفي أمين، وأقدر عبقرية هيكل، ويعجبني مقالات سلامة أحمد سلامة ومكرم محمد أحمد، وأحترم تجربة إبراهيم عيسى ومجدي الجلاد.
* ماذا عن الكتب التي تقرأها؟
- أقرأ في كل المجالات، ولكنني أقرأ الآن كتب نزار قباني.
* هل تتذكر أول موضوع صحافي قمت بكتابته؟
- قمت بكتابة موضوع في أخبار الحوادث في «الأهرام» بعنوان «النداهة» وأنا طالب في المرحلة الثانوية وهو يتحدث عن فلاحة جاءت من الريف إلى المدينة واختفت.



«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.