الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

امتد إلى خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
TT

الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

لا شك في أن عالمنا المعاصر مبني على القوة والهيمنة. نعم، وحدها القوة تحدد أنماط العلاقات والتوازنات فيه. هذا هو التفسير الأقرب ليس فقط لتجذر ظاهرة الخوف من الآخر وانتشارها، بل إنها أيضاً تشكل أهم العوامل التي تحدث ارتباكاً وخللاً في تقاسم الثروات والكنوز الإنسانية، الاقتصادية منها والمعرفية، الأمر الذي يجعل الحروب تتكاثر وتتشعب، وبالتالي تتوالد الكراهيات، وتتشكل القطائع، وترفع الجدران الفاصلة والحدود الوهمية، بين من يملكون القوة ومن يفتقرون إليها. وتنتج عن ذلك ظواهر كثيرة أتجنب الإسهاب في تحليلها لأنني أركز هنا على الأعطاب الثقافية والاجتماعية والسياسية.
قد يضحي من البديهي أن يُؤدي رد الفعل الطبيعي الذي هو «الخوف من الآخر»، إلى التفكير في إيجاد طرق لحماية الذات، إلا أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى التقوقع عليها، فتتحول حالة الخوف إلى حالة تعصب يتستر بحجة حماية الذات والخشية عليها مما ينعت بالذوبان، أو التفكك، أو التلوث، أو الاحتواء. لا يخفى على متأمل أو مراقب أن الخوف الإبستيمي، الخوف المعرفي، أمسى حالة تاريخية يعيشها الشمال كما يعيشها الجنوب ويحياها الشرق كما يحياها الغرب على حد سواء.
قد نذهب نحو التفكير في أن الخوف الثقافي طقوس لا تمارسها سوى الشعوب التي تعيش حالة من التخلف، وعلى علاقة مضطربة تجاه ما يُسمى بمشكلة الهوية الحضارية أو الوطنية أو القومية، إلا أننا قد نجد من جهة تقابلية أن تجليات الخوف المعرفي وُجدت أيضاً في الغرب المتحضر، بحيث إن الثقافة الغربية أنتجت في أوج حالة توسعها الاستعماري في أفريقيا ما بعد الصحراء، ثقافة الاحتقار حيال ذوي البشرة السوداء، ونعرف أنهم - إلى زمن ليس ببعيد - ظلوا سلعة رخيصة تباع وتُشترى، وتُستغل لخدمة السيد الأبيض، على الرغم من الاستقلالات الوطنية التي حازت عليها كثير من الدول الأفريقية. ولم تتغير النظرة الدونية لهم، إذ بعد وصول جالية من هذه البلدان، على شكل يد عاملة إلى أوروبا، ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم، وبعد توسع خبرات المعرفة والعلوم، فإن مجموعة من الأوروبيين الذين لم يستطيعوا التخلص من نوسطالجيا «الأسود السلعة»، فقد تولدت لديهم بوادر مرض «الزنجوفوبيا» Negrophobie، الذي سيتحول في مرحلة لاحقة مع انحسار الفكر الاستعماري المباشر الكلاسيكي، ليضحي هذا المرض: «فوبيا الآخر»، ويتخذ تجليات وصوراً أخرى كثيرة، تعكس الارتباك وحالة التأزم السياسي والثقافي والاقتصادي، الذي عاشته أوروبا قبل توحيدها، وقد تجلت من خلال كثير من الممارسات التي بدت في الحياة الاجتماعية اليومية، وأفرزت جراء ذلك سلسلة من المفاهيم المعرفية والاصطلاحية كـ«العربوفوبيا» Arabophobie التي محورها الخوف من الإنسان «العربي»، رعب يُغلف عادة بكثير من الأوصاف العنصرية مثل «الخائن»، «الوسخ»، «غير الوفي»، «المخادع»، «العنصري»، «المهووس بالجنس»، «غير الحضاري»، «المنتقم»... ولا يخفى أن هذا مستمد من ثقافة بمرجعيات تحمل مخلفات النظام الاقتصادي الكولونيالي، مستنداً على العنصرية التي تأسس عليها منذ بداية القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التهم والأوصاف الدنيئة الملحقة بالعربي لا تستثني الأمازيغي. إن هذا الاستعمار السابق، الذي كان يملك اليد الطولى المنبسطة على بلدان المغرب الكبير، وبشكل خاص الجزائر، وظل يعمل جاهداً على التفريق العرقي والسياسي بين السكان العرب والأمازيغ قصد تشتيت قواهم في المقاومة وبالتالي ترسيخ هيمنته، فإنه هو ذاته وبعد الاستقلالات الوطنية، لم تعد عينه المصابة بداء «العربوفوبيا»، وبثقافتها العنصرية تفرق بين هذا وذاك، فقد أضحوا كتلة واحدة تصدر ذات الخوف وذات الريبة، ومن ثم تستدعي المحاربة والتهميش، لا فرق بين عربي وأمازيغي.
ثم إن مصطلح «المغربوفوبيا» Maghrébophobie يعرّف الفوبيا التي ينتجها الوجود المغاربي المكثف والواضح داخل الحيز الأوروبي بشكل عام، خصوصاً في بلجيكا وهولندا، وفي فرنسا.
إن الوجود الاجتماعي الواضح، والمكثف la visibilité sociale، بعدد المقيمين المغاربيين الذي يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، أوجد ردة فعل ثقافية سياسية خائفة ورافضة، تتأكد يوميّاً في ثقافة أحزاب اليمين المتطرف، التي أضحت تحقق وجوداً سياسيّاً كبيراً، وتنتقل إلى حقول النخب، بحيث إن بعض بوادر هذه «المغاربوفوبيا» ظهرت في خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية، الأمر الذي يعمق المرض، ويجعل الخوف من المغاربي سلاحاً سياسيّاً في الخطاب الاقتصادي اليميني، وأيضاً في بناء أو خلخلة الاتحاد الأوروبي.
مصطلح آخر وهو «الإسلاموفوبيا» Islamophobie ولعله من بقايا ذاكرة الحروب الصليبية، التي ما فتئت تتجدد سياسيّاً، في العشريتين الأخيرتين وبشكل واضح، وتقننت سياسيّاً وإعلاميا وعسكريّاً خصوصاً بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على المجمع التجاري الأميركي. وشكلت أحداث سبتمبر المفصل التاريخي للإسلاموفوبيا، بحيث أضحى كل ما يمت للإسلام يرتبط مباشرة وعضويّاً بالإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن عدوى «الإسلاموفوبيا» انتقلت من النخب إلى العامة، لتصير وباء اجتماعيّا عاماً متفشياً في مختلف الطبقات الاجتماعية الأميركية والأوروبية، ثم لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المصابين بعلّة الإسلاموفوبيا لا يفرقون بين «العربي» و«الإسلامي»، بحيث لا يتصورون أن هناك عربيّاً مسيحيّاً، أو عربيّاً يهوديّاً، فكل عربي مسلم بالضرورة في مخيال الإسلاموفوبي الأميركي أو الأوروبي، وهو إرهابي بالحتمية الدينية. ولعبت شبكات القنوات التلفزيونية التي أصبحت أجهزة ملحقة بوزارات الدفاع وبالجيوش التي تجوب العالم برّاً وبحراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً... لعبت دورها في تنمية ثقافة «الإسلاموفوبيا» بتناول ظاهرة الإرهاب التي أصبحت المادة الأساسية للإعلام العالمي، ودخلت «الإسلاموفوبيا» في الاجتماع، والدين والسياسة، والإعلام، والثقافة، والسياحة، والمال، والاقتصاد، والأعمال.
أما من جهة الخوف المضاد، فإن الحرب على الإرهاب وما تلاها من تفكك ببنية الدولة المنحدرة من منتصف القرن الماضي، نتاج الآيديولوجيات الوطنية أو القومية التحريرية التي لم تعد تجيب عن جميع أسئلة العمل السياسي ومتطلباته في هذا القرن، أدت إلى ظاهرة ثقافة الاستبداد، التي ولدت الغضب، والرفض، ثم الاحتجاجات والانتفاضات ثم الثورات التي تمثلت فيما سُمي بـ«الربيع العربي» في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والسودان، وتوسّعت مساحة ثقافة «الإسلاموفوبيا»، وبرزت أو تعمقت تنويعات في الدين السياسي. وزاد من حدة الوضع العمليات الإرهابية في أوروبا، وفي فرنسا خاصة - حادثة الهجوم المسلح على مجلة «شارلي إيبدو» واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ثم العملية الإرهابية التي عاشتها مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) 2016 – فلم تعد تنحصر في رقعة الخطاب السياسي لليمين المتطرف، بل تخطته لتصبح مادة في الثقافة والفن والمسرح والإعلام.
قضي الأمر وتعمقت الهوة بين الجنوب والغرب، واستيقظ شعور الخوف من حالة كمونه الطويلة، خوف ورثه الفرد في بلدان الجنوب من أيام الاستعمار ولم يبرح أعماقه، بعضه يجد منبته في المجال السياسي، وبعضه في منحاه الديني، والآخر في اللغوي - الثقافي، وفي اضطراب الهوية.
ويحاول حاملو الذاكرة الاستعمارية الداعون إلى فوبيا الآخر، أن ينقلوا الماضي بحيثياته وحمولة إرثه الثقيل إلى الحاضر، باستعادة هذه الذاكرة لا لنقدها وإدانتها، ثم الانتقال نحو البحث عن علاقة جديدة، مؤسسة على الاحترام المتبادل والاستقلال والشراكة دون إلغاء الذاكرة، وهذا واجب الذاكرة أيضاً، لكن مع الأسف، فإنها تُستدعى لتغليب ثقافة الحذر والتوجس وبالتالي الخوف من هذا الآخر، العدو قديماً، على أنه عدو الأبد. لعل الأمر يبدو طبيعياً في حالة ردة الفعل لدى المستعمَر «سابقاً» لموقفه هو الآخر وفوبياه من الآخر/ الغرب، ويعده غرباً متجانساً لا يزال يتربص به لاحتلاله. الخوف هذا يتغذى من مقولات آيديولوجية جاهزة، مؤداها أن الغرب كله دون تمييز يقف ضد العروبة، ويحاربها ولا يبحث سوى في القضاء عليها واندثارها. وظهرت مصطلحات ترمز لذلك مثل «حزب فرنسا» في الجزائر خاصة، ويرمي إلى نعت من يتربص بالعروبة ومحاربتها من الداخل، ويشير إلى فيلق المثقفين المفرنسين. وكثيراً ما تحقق هذه «الفوبيا» من الآخر أهدافها ببث التفرقة والبلبلة وقطع جسور الحوار بين المثقفين الجزائريين أنفسهم على أساس لغوي من جهة، ومن جهة أخرى بتر كل ما يربط بين الضفة الجنوبية المتميزة بثرائها اللغوي والثقافي والضفة الشمالية، وقطع كل إمكانية تواصل أو أمل في إمكانية التعامل عبر عنصري الثقافة واللغة المشتركة كعامل لتطوير علاقة شراكة وبناء مستقبل مؤسس على كل ما هو إيجابي، وتجاوز كل ما هو سلبي. يبدو لي أن الروائي الجزائري كاتب ياسين تفطن مبكراً إلى هذه العلاقة المرتبكة حين قال عن اللغة الفرنسية إنها «غنيمة حرب». عنصر حساس آخر يُستعمل لإذكاء نار العداوة بين الجنوب والشمال، يتمثل في القضية الفلسطينية التي لا أحد يشكك في عدالتها، يوظفه دعاة فوبيا الخوف من الآخر لغرض تأجيج ثقافة التفرقة وبث الكراهية عن طريق تعميم الأحكام، والزعم بأن الغرب موحَّد في عدائه تجاه هذه القضية العادلة، وهي في جوهرها قضية تصفية استعمار، وحق شعب في استعادة أرضه واستقلاله. هذا الادعاء يكذبه التاريخ، لذلك يجب التذكير بأنه كان للثورة الجزائرية أصدقاء من الأوروبيين، ومن بين الفرنسيين أنفسهم، حتى إن منهم من ضحّى بحياته من أجلها مؤمناً بعدالتها، وكما حدث بالنسبة للصورة الجزائرية فإن للقضية الفلسطينية كذلك رأسمال مهمّاً من أصدقائها في أوروبا وأميركا، يرافعون لأجلها، ولقد حضرتُ شخصياً لقاءات وتجمعات كثيرة في أوروبا إلى جانب شخصيات عربية وشخصيات أوروبية تدافع وبقوة عن القضية الفلسطينية.
إنها بعض من مداخل قراءة الزلزال الذي يضرب الإنسان منذ بداية العشرية الأولى من هذه الألفية، حاولت تقديمها واختصار عناصرها التي تسم زمننا بالصعوبة والعنف وضبابية الأفق. تسمه أيضاً بالخوف والخوف المضاد من الآخر، الأمر الذي يجعل الأمل في السلام يتلاشى، والخوف من بوادر حروب ثقافية وقيمية أخرى، بعضها قائم، والآخر على الأبواب.

- روائية وشاعرة وأكاديمية من الجزائر



أداة ذكية تتنبأ بالربو المزمن لدى الأطفال

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)
TT

أداة ذكية تتنبأ بالربو المزمن لدى الأطفال

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)

أظهرت دراسة أميركية أن أداة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكنها مساعدة أطباء الأطفال على التنبؤ بدقة أكبر بخطر إصابة الأطفال بالربو المزمن.

وأوضح باحثون من معهد ريجينستريف البحثي في الولايات المتحدة أن الأداة توفر وسيلة عملية منخفضة التكلفة لتعزيز التشخيص المبكر للربو لدى الأطفال، دون الحاجة إلى إجراء فحوصات إضافية أو تحميل الأطباء والمرضى أعباءً جديدة، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Scientific Reports».

والربو المزمن لدى الأطفال هو مرض التهابي طويل الأمد يصيب الشعب الهوائية، ويؤدي إلى تضيقها وتكرار نوبات السعال والصفير وضيق التنفس، خصوصاً أثناء الليل، أو مع المجهود البدني، أو التعرض للمحفزات، مثل مسببات الحساسية والالتهابات الفيروسية.

ويُعدّ المرض من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة، ولا يزال التنبؤ بالأطفال الذين ستتطوَّر لديهم أعراض الصفير أو مشكلات التنفس إلى ربو مزمن يمثل تحدياً للأطباء؛ إذ تختفي هذه الأعراض لدى بعض الأطفال مع التقدُّم في العمر، بينما يحتاج آخرون إلى متابعة وعلاج مستمرين؛ ما يجعل التقييم المبكر للمخاطر أمراً بالغ الأهمية.

وخلال الدراسة، اختبر الباحثون أداة لدعم القرار السريري تُعرف باسم «Passive Digital Marker»، وتعتمد على خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الصحية الروتينية للأطفال، وتصنيفهم إلى فئتين؛ مرتفعي الخطورة ومنخفضي الخطورة للإصابة بالربو المستمر.

ولا تتطلب الأداة جمع أي بيانات جديدة من المريض؛ إذ تعتمد على المعلومات المسجلة مسبقاً في السجل الصحي الإلكتروني، مثل أعراض الجهاز التنفسي، والحساسية، وتاريخ استخدام الأدوية، والإصابات السابقة بعدوى الجهاز التنفسي، إضافة إلى التاريخ المرضي للعائلة. وبعد تحليل هذه البيانات، تقدم للطبيب تقييماً مبسطًا يحدد ما إذا كان الطفل معرضاً لخطر مرتفع أو منخفض للإصابة بالربو المزمن.

وأظهرت نتائج التجربة السريرية العشوائية، التي أُجريت باستخدام حالات سريرية معيارية، أن أطباء الأطفال الذين استخدموا الأداة تمكنوا من التنبؤ بالإصابة المستقبلية بالربو بدقة بلغت 83 في المائة، مقارنة بـ61 في المائة لدى الأطباء الذين اعتمدوا على التقييم التقليدي فقط. ويعزى هذا التحسن بشكل رئيسي إلى زيادة القدرة على تحديد الأطفال الذين تطور لديهم الربو المستمر لاحقاً.

وأكد الباحثون أن الأداة صُممت لدعم القرار الطبي وليس لاستبدال الطبيب؛ إذ تساعد على جمع وتحليل سنوات من البيانات الصحية المخزَّنة في السجل الصحي الإلكتروني، وتحويلها إلى تقييم واضح وسهل التفسير، بما يوفر للطبيب مصدراً إضافياً لاتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن خطر إصابة الطفل بالربو، ويدعم التشخيص المبكر والتدخل العلاجي في الوقت المناسب.

وشدد فريق الدراسة على أن التجربة أُجريت باستخدام سيناريوهات سريرية معيارية، وليس في ممارسات طبية فعلية، لذلك لا تزال هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتقييم مدى قدرة الأداة على تحسين نتائج المرضى في العيادات والمستشفيات في الواقع العملي.


نتائج واعدة لدواء جديد ضد سرطان الجلد

علاج سرطان الجلد الميلانيني يعتمد على مرحلة تقدم المرض (جامعة فلوريدا)
علاج سرطان الجلد الميلانيني يعتمد على مرحلة تقدم المرض (جامعة فلوريدا)
TT

نتائج واعدة لدواء جديد ضد سرطان الجلد

علاج سرطان الجلد الميلانيني يعتمد على مرحلة تقدم المرض (جامعة فلوريدا)
علاج سرطان الجلد الميلانيني يعتمد على مرحلة تقدم المرض (جامعة فلوريدا)

كشف باحثون من معهد هانتسمان للسرطان بجامعة يوتا الأميركية عن نتائج واعدة لدواء تجريبي أظهر فعالية كبيرة في مكافحة سرطان الجلد الميلانيني، أحد أكثر أنواع سرطان الجلد عدوانية.

وأوضح الباحثون أن الدواء، المعروف باسم «داراكسونراسيب (Daraxonrasib)»، قد يفتح الباب أمام خيار علاجي جديد للمرضى الذين يفتقرون إلى علاجات موجهة فعالة، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «Cancer Research».

وينشأ سرطان الجلد الميلانيني في الخلايا الصبغية (الميلانينية) المسؤولة عن إنتاج صبغة الميلانين التي تمنح الجلد لونه. ورغم أنه أقل شيوعاً من الأنواع الأخرى لسرطان الجلد، فإنه الأكثر قدرة على الانتشار إلى أعضاء الجسم، إذا لم يُكتشف ويُعالج مبكراً. وتشمل عوامل الخطر التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية، وحروق الشمس المتكررة، والتاريخ العائلي للمرض، إضافة إلى بعض الطفرات الجينية، مثل «BRAF» و«NRAS».

ويعتمد علاج سرطان الجلد الميلانيني على مرحلة تقدم المرض، وقد يشمل الجراحة أو العلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.

وركزت الدراسة على سرطان الجلد الميلانيني الناجم عن طفرات في جين «NRAS»، وهو نوع يمثل نحو 25 في المائة من حالات المرض، ويتميز بصعوبة علاجه بعد فشل العلاج المناعي.

ويعمل «داراكسونراسيب» على تثبيط بروتين «RAS»، المسؤول عن تحفيز نمو الخلايا السرطانية عند تعرضه للطفرات، بما في ذلك بروتين «NRAS».

واختبر الباحثون الدواء في مجموعة واسعة من النماذج قبل السريرية، شملت عينات أورام مأخوذة من مرضى، وأظهرت النتائج استجابة قوية في جميع النماذج التي تحمل طفرات «NRAS»، مع حدوث انكماش واضح في الأورام، وهي نتيجة نادرة في هذا النوع من السرطان.

وأشار الفريق إلى أن الدواء يكتسب أهمية إضافية بعدما أظهر سابقاً نتائج مشجعة في تجربة سريرية من المرحلة الثالثة لعلاج سرطان القنوات البنكرياسية الغدي النقيلي؛ إذ أسهم في مضاعفة متوسط العمر المتوقع للمرضى.

وقال الباحثون إن نجاح الدواء في استهداف السرطانات المرتبطة بطفرات «RAS» يشير إلى بداية مرحلة جديدة في علاج هذه الأورام، مؤكدين أن النتائج تدعم إمكانية استخدامه مستقبلاً لعلاج مرضى سرطان الجلد الميلانيني.

وأضافوا أن المرحلة المقبلة ستركز على تطوير علاجات مركبة تعتمد على «داراكسونراسيب» إلى جانب أدوية أخرى للحد من مقاومة العلاج، وتعزيز قوة الاستجابة، وإطالة مدتها، تمهيداً لإطلاق تجارب سريرية تستهدف المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو الذين لم يستجيبوا له.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو توفير أول علاج موجه فعال لمرضى سرطان الجلد الميلانيني المرتبط بطفرات «NRAS»، بما قد يسهم في توسيع الخيارات العلاجية وتحسين فرص البقاء على قيد الحياة لدى هذه الفئة من المرضى.


هاي سوب سين: «نصف القمر» يرصد جوهر الأمومة خارج روابط الدم

استوحى المخرج الفيلم من مشاهدته لفيلم وثائقي (الشركة المنتجة)
استوحى المخرج الفيلم من مشاهدته لفيلم وثائقي (الشركة المنتجة)
TT

هاي سوب سين: «نصف القمر» يرصد جوهر الأمومة خارج روابط الدم

استوحى المخرج الفيلم من مشاهدته لفيلم وثائقي (الشركة المنتجة)
استوحى المخرج الفيلم من مشاهدته لفيلم وثائقي (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكوري السويسري هاي-سوب سين إن فيلمه القصير «نصف القمر» (Ban Dal – Half-Moon) جاء بعد مشاهدته فيلماً وثائقياً على التلفزيون السويسري عن طفلة كورية جرى تبنّيها، ثم عادت والدتها البيولوجية لزيارتها بعد سنوات، لافتاً إلى أن أكثر ما أثار فضوله آنذاك لم يكن اللقاء نفسه، وإنما المشاعر التي يُمكن أن تعيشها الأم التي قامت بتربية الطفلة عندما تجد نفسها وجهاً لوجه أمام الأم البيولوجية.

وأضاف سين، في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أنه لم يرغب في إعادة تقديم القصة التي شاهدها، وإنما اكتفى باستلهام فكرتها الأساسية، قبل أن يُعيد كتابة الشخصيات والأحداث بالكامل وفق رؤيته الخاصة، مشيراً إلى أن ما جذبه منذ البداية هو مفهوم الأمومة بوصفه تجربة إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في رابطة الدم، وإنما تتداخل فيها مشاعر الرعاية والذاكرة والتضحية، ما دفعه إلى كتابة قصة جديدة تمنح هذا السؤال مساحة أوسع للتأمل.

المخرج الكوري السويسري هاي-سوب سين (الشركة المنتجة)

ويُعرض فيلم «نصف القمر» (Ban Dal – Half-Moon) ضمن برنامج «إطارات المستقبل: الجيل القادم من السينما الأوروبية» (Future Frames: Generation NEXT of European Cinema) في النسخة الحالية من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداث الفيلم حول «أنيت» التي تسافر مع ابنها بالتبني «جويل» إلى كوريا الجنوبية للقاء والدته البيولوجية للمرة الأولى، في رحلة تتحول إلى مواجهة إنسانية معقدة تفرضها اختلافات اللغة والثقافة، في حين تكشف المشاعر المكبوتة والصمت الطويل عن أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء ومعنى الأمومة.

وأوضح المخرج الشاب أن معظم الأفلام التي تناولت التبني ركزت على الأبناء الذين يعودون للبحث عن جذورهم، في حين شعر بأن هناك زاوية أخرى تستحق أن تُروى، وهي مشاعر الأم البيولوجية والأم التي قامت بالتربية، ووجد أن الاقتراب من مشاعر كل أم منهما يمنحه مساحة أوسع للحديث عن الحب والخوف والفقد دون الادعاء بأنه يعرف ما يشعر به الشخص المتبنى.

وأكد أن «الفيلم لا يبحث عن أم جيدة وأخرى سيئة، ولا يحاول تحميل طرف واحد مسؤولية ما حدث، بل يطرح القضية بوصفها مساحة للتأمل»، لافتاً إلى أن «التبني الدولي يُثير بطبيعته أسئلة أخلاقية معقدة، فحتى العائلة التي تتبنى طفلاً بدافع الحب قد تضعه في بيئة تختلف كلياً عن جذوره وثقافته ولغته، وهو ما يجعل القضية أكبر من مجرد تحديد من أخطأ ومن أصاب».

وقال المخرج الكوري إن «الفيلم يعتمد بصورة كبيرة على الصمت»، موضحاً أنه ينتمي إلى الجيل الثاني من الكوريين المقيمين في الخارج، ويتحدث أكثر من لغة، ما جعله يدرك كيف يمكن للحواجز اللغوية أن تؤثر في العلاقات الإنسانية، لافتاً إلى أن الكلمات ليست دائماً الوسيلة الأفضل للتواصل؛ لذلك اختار أن يجعل الصمت لغة مشتركة بين الشخصيات، لأنه اللغة الوحيدة التي يستطيع الجميع فهمها، خصوصاً عندما تعجز الكلمات عن التعبير أو تصبح الترجمة غير قادرة على نقل المشاعر كما هي.

لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

وكشف سين أن أصعب التحديات التي واجهته أثناء تنفيذ الفيلم تمثّلت في تصويره داخل كوريا الجنوبية، رغم أنه مشروع تخرج في جامعة زيوريخ للفنون (ZHdK) في سويسرا، ففريق العمل الأساسي الذي سافر معه اقتصر على المنتجة والممثلة السويسرية ذات الأصول التركية، لاله يافاش، التي أدت دور الأم السويسرية، في حين جرى الاعتماد على فريق محلي في كوريا لاختيار بقية الممثلين وتشكيل الطاقم الفني، ما تطلب تنسيقاً كبيراً بين فريقين يعملان في بيئتين مختلفتين.

وأضاف أن تنفيذ مشروع تخرج خارج البلد الذي يدرس فيه يحمل تحديات إنتاجية مضاعفة، لأن الفريق لا يستفيد من الإمكانات التقنية أو المعدات التي توفرها الجامعة عادة لطلابها، كما أن جميع أفراد الطاقم المحلي كانوا محترفين، وهو ما فرض ميزانية أكبر من المعتاد، مشيراً إلى أن الدعم الذي حصل عليه الفيلم من «هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية» (SRF Swiss Radio and Television) أسهم في تغطية هذه التكاليف الإضافية، وساعد على إنجاز المشروع بالصورة التي كان يطمح إليها.

ولفت إلى أن التحدي لم يكن إنتاجياً فقط، وإنما شخصي أيضاً، لأنه خاض للمرة الأولى تجربة التمثيل، مؤدياً بنفسه شخصية الابن «جويل»، رغم أنه ليس ممثلاً محترفاً، ولذلك وجد نفسه مطالباً في الوقت نفسه بالتركيز على الإخراج ومتابعة تفاصيل التصوير والإشراف على أداء بقية الممثلين، مع الحفاظ على حضوره داخل الشخصية أمام الكاميرا. ووصف هذه التجربة بأنها كانت من أصعب ما مر به خلال صناعة الفيلم، لكنها منحته فهماً أعمق للعلاقة بين الممثل والمخرج، وجعلته أكثر إدراكاً للتحديات التي يواجهها الطرفان داخل موقع التصوير.

وأشار إلى أن عرض الفيلم في مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» يُمثل محطة مهمة في مسيرته، لأنها تتيح للأصوات السينمائية الجديدة فرصة الوصول إلى جمهور أوسع، والالتقاء بصناع أفلام ونقاد ومنتجين من مختلف أنحاء العالم.