الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

امتد إلى خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
TT

الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

لا شك في أن عالمنا المعاصر مبني على القوة والهيمنة. نعم، وحدها القوة تحدد أنماط العلاقات والتوازنات فيه. هذا هو التفسير الأقرب ليس فقط لتجذر ظاهرة الخوف من الآخر وانتشارها، بل إنها أيضاً تشكل أهم العوامل التي تحدث ارتباكاً وخللاً في تقاسم الثروات والكنوز الإنسانية، الاقتصادية منها والمعرفية، الأمر الذي يجعل الحروب تتكاثر وتتشعب، وبالتالي تتوالد الكراهيات، وتتشكل القطائع، وترفع الجدران الفاصلة والحدود الوهمية، بين من يملكون القوة ومن يفتقرون إليها. وتنتج عن ذلك ظواهر كثيرة أتجنب الإسهاب في تحليلها لأنني أركز هنا على الأعطاب الثقافية والاجتماعية والسياسية.
قد يضحي من البديهي أن يُؤدي رد الفعل الطبيعي الذي هو «الخوف من الآخر»، إلى التفكير في إيجاد طرق لحماية الذات، إلا أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى التقوقع عليها، فتتحول حالة الخوف إلى حالة تعصب يتستر بحجة حماية الذات والخشية عليها مما ينعت بالذوبان، أو التفكك، أو التلوث، أو الاحتواء. لا يخفى على متأمل أو مراقب أن الخوف الإبستيمي، الخوف المعرفي، أمسى حالة تاريخية يعيشها الشمال كما يعيشها الجنوب ويحياها الشرق كما يحياها الغرب على حد سواء.
قد نذهب نحو التفكير في أن الخوف الثقافي طقوس لا تمارسها سوى الشعوب التي تعيش حالة من التخلف، وعلى علاقة مضطربة تجاه ما يُسمى بمشكلة الهوية الحضارية أو الوطنية أو القومية، إلا أننا قد نجد من جهة تقابلية أن تجليات الخوف المعرفي وُجدت أيضاً في الغرب المتحضر، بحيث إن الثقافة الغربية أنتجت في أوج حالة توسعها الاستعماري في أفريقيا ما بعد الصحراء، ثقافة الاحتقار حيال ذوي البشرة السوداء، ونعرف أنهم - إلى زمن ليس ببعيد - ظلوا سلعة رخيصة تباع وتُشترى، وتُستغل لخدمة السيد الأبيض، على الرغم من الاستقلالات الوطنية التي حازت عليها كثير من الدول الأفريقية. ولم تتغير النظرة الدونية لهم، إذ بعد وصول جالية من هذه البلدان، على شكل يد عاملة إلى أوروبا، ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم، وبعد توسع خبرات المعرفة والعلوم، فإن مجموعة من الأوروبيين الذين لم يستطيعوا التخلص من نوسطالجيا «الأسود السلعة»، فقد تولدت لديهم بوادر مرض «الزنجوفوبيا» Negrophobie، الذي سيتحول في مرحلة لاحقة مع انحسار الفكر الاستعماري المباشر الكلاسيكي، ليضحي هذا المرض: «فوبيا الآخر»، ويتخذ تجليات وصوراً أخرى كثيرة، تعكس الارتباك وحالة التأزم السياسي والثقافي والاقتصادي، الذي عاشته أوروبا قبل توحيدها، وقد تجلت من خلال كثير من الممارسات التي بدت في الحياة الاجتماعية اليومية، وأفرزت جراء ذلك سلسلة من المفاهيم المعرفية والاصطلاحية كـ«العربوفوبيا» Arabophobie التي محورها الخوف من الإنسان «العربي»، رعب يُغلف عادة بكثير من الأوصاف العنصرية مثل «الخائن»، «الوسخ»، «غير الوفي»، «المخادع»، «العنصري»، «المهووس بالجنس»، «غير الحضاري»، «المنتقم»... ولا يخفى أن هذا مستمد من ثقافة بمرجعيات تحمل مخلفات النظام الاقتصادي الكولونيالي، مستنداً على العنصرية التي تأسس عليها منذ بداية القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التهم والأوصاف الدنيئة الملحقة بالعربي لا تستثني الأمازيغي. إن هذا الاستعمار السابق، الذي كان يملك اليد الطولى المنبسطة على بلدان المغرب الكبير، وبشكل خاص الجزائر، وظل يعمل جاهداً على التفريق العرقي والسياسي بين السكان العرب والأمازيغ قصد تشتيت قواهم في المقاومة وبالتالي ترسيخ هيمنته، فإنه هو ذاته وبعد الاستقلالات الوطنية، لم تعد عينه المصابة بداء «العربوفوبيا»، وبثقافتها العنصرية تفرق بين هذا وذاك، فقد أضحوا كتلة واحدة تصدر ذات الخوف وذات الريبة، ومن ثم تستدعي المحاربة والتهميش، لا فرق بين عربي وأمازيغي.
ثم إن مصطلح «المغربوفوبيا» Maghrébophobie يعرّف الفوبيا التي ينتجها الوجود المغاربي المكثف والواضح داخل الحيز الأوروبي بشكل عام، خصوصاً في بلجيكا وهولندا، وفي فرنسا.
إن الوجود الاجتماعي الواضح، والمكثف la visibilité sociale، بعدد المقيمين المغاربيين الذي يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، أوجد ردة فعل ثقافية سياسية خائفة ورافضة، تتأكد يوميّاً في ثقافة أحزاب اليمين المتطرف، التي أضحت تحقق وجوداً سياسيّاً كبيراً، وتنتقل إلى حقول النخب، بحيث إن بعض بوادر هذه «المغاربوفوبيا» ظهرت في خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية، الأمر الذي يعمق المرض، ويجعل الخوف من المغاربي سلاحاً سياسيّاً في الخطاب الاقتصادي اليميني، وأيضاً في بناء أو خلخلة الاتحاد الأوروبي.
مصطلح آخر وهو «الإسلاموفوبيا» Islamophobie ولعله من بقايا ذاكرة الحروب الصليبية، التي ما فتئت تتجدد سياسيّاً، في العشريتين الأخيرتين وبشكل واضح، وتقننت سياسيّاً وإعلاميا وعسكريّاً خصوصاً بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على المجمع التجاري الأميركي. وشكلت أحداث سبتمبر المفصل التاريخي للإسلاموفوبيا، بحيث أضحى كل ما يمت للإسلام يرتبط مباشرة وعضويّاً بالإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن عدوى «الإسلاموفوبيا» انتقلت من النخب إلى العامة، لتصير وباء اجتماعيّا عاماً متفشياً في مختلف الطبقات الاجتماعية الأميركية والأوروبية، ثم لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المصابين بعلّة الإسلاموفوبيا لا يفرقون بين «العربي» و«الإسلامي»، بحيث لا يتصورون أن هناك عربيّاً مسيحيّاً، أو عربيّاً يهوديّاً، فكل عربي مسلم بالضرورة في مخيال الإسلاموفوبي الأميركي أو الأوروبي، وهو إرهابي بالحتمية الدينية. ولعبت شبكات القنوات التلفزيونية التي أصبحت أجهزة ملحقة بوزارات الدفاع وبالجيوش التي تجوب العالم برّاً وبحراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً... لعبت دورها في تنمية ثقافة «الإسلاموفوبيا» بتناول ظاهرة الإرهاب التي أصبحت المادة الأساسية للإعلام العالمي، ودخلت «الإسلاموفوبيا» في الاجتماع، والدين والسياسة، والإعلام، والثقافة، والسياحة، والمال، والاقتصاد، والأعمال.
أما من جهة الخوف المضاد، فإن الحرب على الإرهاب وما تلاها من تفكك ببنية الدولة المنحدرة من منتصف القرن الماضي، نتاج الآيديولوجيات الوطنية أو القومية التحريرية التي لم تعد تجيب عن جميع أسئلة العمل السياسي ومتطلباته في هذا القرن، أدت إلى ظاهرة ثقافة الاستبداد، التي ولدت الغضب، والرفض، ثم الاحتجاجات والانتفاضات ثم الثورات التي تمثلت فيما سُمي بـ«الربيع العربي» في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والسودان، وتوسّعت مساحة ثقافة «الإسلاموفوبيا»، وبرزت أو تعمقت تنويعات في الدين السياسي. وزاد من حدة الوضع العمليات الإرهابية في أوروبا، وفي فرنسا خاصة - حادثة الهجوم المسلح على مجلة «شارلي إيبدو» واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ثم العملية الإرهابية التي عاشتها مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) 2016 – فلم تعد تنحصر في رقعة الخطاب السياسي لليمين المتطرف، بل تخطته لتصبح مادة في الثقافة والفن والمسرح والإعلام.
قضي الأمر وتعمقت الهوة بين الجنوب والغرب، واستيقظ شعور الخوف من حالة كمونه الطويلة، خوف ورثه الفرد في بلدان الجنوب من أيام الاستعمار ولم يبرح أعماقه، بعضه يجد منبته في المجال السياسي، وبعضه في منحاه الديني، والآخر في اللغوي - الثقافي، وفي اضطراب الهوية.
ويحاول حاملو الذاكرة الاستعمارية الداعون إلى فوبيا الآخر، أن ينقلوا الماضي بحيثياته وحمولة إرثه الثقيل إلى الحاضر، باستعادة هذه الذاكرة لا لنقدها وإدانتها، ثم الانتقال نحو البحث عن علاقة جديدة، مؤسسة على الاحترام المتبادل والاستقلال والشراكة دون إلغاء الذاكرة، وهذا واجب الذاكرة أيضاً، لكن مع الأسف، فإنها تُستدعى لتغليب ثقافة الحذر والتوجس وبالتالي الخوف من هذا الآخر، العدو قديماً، على أنه عدو الأبد. لعل الأمر يبدو طبيعياً في حالة ردة الفعل لدى المستعمَر «سابقاً» لموقفه هو الآخر وفوبياه من الآخر/ الغرب، ويعده غرباً متجانساً لا يزال يتربص به لاحتلاله. الخوف هذا يتغذى من مقولات آيديولوجية جاهزة، مؤداها أن الغرب كله دون تمييز يقف ضد العروبة، ويحاربها ولا يبحث سوى في القضاء عليها واندثارها. وظهرت مصطلحات ترمز لذلك مثل «حزب فرنسا» في الجزائر خاصة، ويرمي إلى نعت من يتربص بالعروبة ومحاربتها من الداخل، ويشير إلى فيلق المثقفين المفرنسين. وكثيراً ما تحقق هذه «الفوبيا» من الآخر أهدافها ببث التفرقة والبلبلة وقطع جسور الحوار بين المثقفين الجزائريين أنفسهم على أساس لغوي من جهة، ومن جهة أخرى بتر كل ما يربط بين الضفة الجنوبية المتميزة بثرائها اللغوي والثقافي والضفة الشمالية، وقطع كل إمكانية تواصل أو أمل في إمكانية التعامل عبر عنصري الثقافة واللغة المشتركة كعامل لتطوير علاقة شراكة وبناء مستقبل مؤسس على كل ما هو إيجابي، وتجاوز كل ما هو سلبي. يبدو لي أن الروائي الجزائري كاتب ياسين تفطن مبكراً إلى هذه العلاقة المرتبكة حين قال عن اللغة الفرنسية إنها «غنيمة حرب». عنصر حساس آخر يُستعمل لإذكاء نار العداوة بين الجنوب والشمال، يتمثل في القضية الفلسطينية التي لا أحد يشكك في عدالتها، يوظفه دعاة فوبيا الخوف من الآخر لغرض تأجيج ثقافة التفرقة وبث الكراهية عن طريق تعميم الأحكام، والزعم بأن الغرب موحَّد في عدائه تجاه هذه القضية العادلة، وهي في جوهرها قضية تصفية استعمار، وحق شعب في استعادة أرضه واستقلاله. هذا الادعاء يكذبه التاريخ، لذلك يجب التذكير بأنه كان للثورة الجزائرية أصدقاء من الأوروبيين، ومن بين الفرنسيين أنفسهم، حتى إن منهم من ضحّى بحياته من أجلها مؤمناً بعدالتها، وكما حدث بالنسبة للصورة الجزائرية فإن للقضية الفلسطينية كذلك رأسمال مهمّاً من أصدقائها في أوروبا وأميركا، يرافعون لأجلها، ولقد حضرتُ شخصياً لقاءات وتجمعات كثيرة في أوروبا إلى جانب شخصيات عربية وشخصيات أوروبية تدافع وبقوة عن القضية الفلسطينية.
إنها بعض من مداخل قراءة الزلزال الذي يضرب الإنسان منذ بداية العشرية الأولى من هذه الألفية، حاولت تقديمها واختصار عناصرها التي تسم زمننا بالصعوبة والعنف وضبابية الأفق. تسمه أيضاً بالخوف والخوف المضاد من الآخر، الأمر الذي يجعل الأمل في السلام يتلاشى، والخوف من بوادر حروب ثقافية وقيمية أخرى، بعضها قائم، والآخر على الأبواب.

- روائية وشاعرة وأكاديمية من الجزائر



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.