الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

امتد إلى خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
TT

الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

لا شك في أن عالمنا المعاصر مبني على القوة والهيمنة. نعم، وحدها القوة تحدد أنماط العلاقات والتوازنات فيه. هذا هو التفسير الأقرب ليس فقط لتجذر ظاهرة الخوف من الآخر وانتشارها، بل إنها أيضاً تشكل أهم العوامل التي تحدث ارتباكاً وخللاً في تقاسم الثروات والكنوز الإنسانية، الاقتصادية منها والمعرفية، الأمر الذي يجعل الحروب تتكاثر وتتشعب، وبالتالي تتوالد الكراهيات، وتتشكل القطائع، وترفع الجدران الفاصلة والحدود الوهمية، بين من يملكون القوة ومن يفتقرون إليها. وتنتج عن ذلك ظواهر كثيرة أتجنب الإسهاب في تحليلها لأنني أركز هنا على الأعطاب الثقافية والاجتماعية والسياسية.
قد يضحي من البديهي أن يُؤدي رد الفعل الطبيعي الذي هو «الخوف من الآخر»، إلى التفكير في إيجاد طرق لحماية الذات، إلا أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى التقوقع عليها، فتتحول حالة الخوف إلى حالة تعصب يتستر بحجة حماية الذات والخشية عليها مما ينعت بالذوبان، أو التفكك، أو التلوث، أو الاحتواء. لا يخفى على متأمل أو مراقب أن الخوف الإبستيمي، الخوف المعرفي، أمسى حالة تاريخية يعيشها الشمال كما يعيشها الجنوب ويحياها الشرق كما يحياها الغرب على حد سواء.
قد نذهب نحو التفكير في أن الخوف الثقافي طقوس لا تمارسها سوى الشعوب التي تعيش حالة من التخلف، وعلى علاقة مضطربة تجاه ما يُسمى بمشكلة الهوية الحضارية أو الوطنية أو القومية، إلا أننا قد نجد من جهة تقابلية أن تجليات الخوف المعرفي وُجدت أيضاً في الغرب المتحضر، بحيث إن الثقافة الغربية أنتجت في أوج حالة توسعها الاستعماري في أفريقيا ما بعد الصحراء، ثقافة الاحتقار حيال ذوي البشرة السوداء، ونعرف أنهم - إلى زمن ليس ببعيد - ظلوا سلعة رخيصة تباع وتُشترى، وتُستغل لخدمة السيد الأبيض، على الرغم من الاستقلالات الوطنية التي حازت عليها كثير من الدول الأفريقية. ولم تتغير النظرة الدونية لهم، إذ بعد وصول جالية من هذه البلدان، على شكل يد عاملة إلى أوروبا، ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم، وبعد توسع خبرات المعرفة والعلوم، فإن مجموعة من الأوروبيين الذين لم يستطيعوا التخلص من نوسطالجيا «الأسود السلعة»، فقد تولدت لديهم بوادر مرض «الزنجوفوبيا» Negrophobie، الذي سيتحول في مرحلة لاحقة مع انحسار الفكر الاستعماري المباشر الكلاسيكي، ليضحي هذا المرض: «فوبيا الآخر»، ويتخذ تجليات وصوراً أخرى كثيرة، تعكس الارتباك وحالة التأزم السياسي والثقافي والاقتصادي، الذي عاشته أوروبا قبل توحيدها، وقد تجلت من خلال كثير من الممارسات التي بدت في الحياة الاجتماعية اليومية، وأفرزت جراء ذلك سلسلة من المفاهيم المعرفية والاصطلاحية كـ«العربوفوبيا» Arabophobie التي محورها الخوف من الإنسان «العربي»، رعب يُغلف عادة بكثير من الأوصاف العنصرية مثل «الخائن»، «الوسخ»، «غير الوفي»، «المخادع»، «العنصري»، «المهووس بالجنس»، «غير الحضاري»، «المنتقم»... ولا يخفى أن هذا مستمد من ثقافة بمرجعيات تحمل مخلفات النظام الاقتصادي الكولونيالي، مستنداً على العنصرية التي تأسس عليها منذ بداية القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التهم والأوصاف الدنيئة الملحقة بالعربي لا تستثني الأمازيغي. إن هذا الاستعمار السابق، الذي كان يملك اليد الطولى المنبسطة على بلدان المغرب الكبير، وبشكل خاص الجزائر، وظل يعمل جاهداً على التفريق العرقي والسياسي بين السكان العرب والأمازيغ قصد تشتيت قواهم في المقاومة وبالتالي ترسيخ هيمنته، فإنه هو ذاته وبعد الاستقلالات الوطنية، لم تعد عينه المصابة بداء «العربوفوبيا»، وبثقافتها العنصرية تفرق بين هذا وذاك، فقد أضحوا كتلة واحدة تصدر ذات الخوف وذات الريبة، ومن ثم تستدعي المحاربة والتهميش، لا فرق بين عربي وأمازيغي.
ثم إن مصطلح «المغربوفوبيا» Maghrébophobie يعرّف الفوبيا التي ينتجها الوجود المغاربي المكثف والواضح داخل الحيز الأوروبي بشكل عام، خصوصاً في بلجيكا وهولندا، وفي فرنسا.
إن الوجود الاجتماعي الواضح، والمكثف la visibilité sociale، بعدد المقيمين المغاربيين الذي يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، أوجد ردة فعل ثقافية سياسية خائفة ورافضة، تتأكد يوميّاً في ثقافة أحزاب اليمين المتطرف، التي أضحت تحقق وجوداً سياسيّاً كبيراً، وتنتقل إلى حقول النخب، بحيث إن بعض بوادر هذه «المغاربوفوبيا» ظهرت في خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية، الأمر الذي يعمق المرض، ويجعل الخوف من المغاربي سلاحاً سياسيّاً في الخطاب الاقتصادي اليميني، وأيضاً في بناء أو خلخلة الاتحاد الأوروبي.
مصطلح آخر وهو «الإسلاموفوبيا» Islamophobie ولعله من بقايا ذاكرة الحروب الصليبية، التي ما فتئت تتجدد سياسيّاً، في العشريتين الأخيرتين وبشكل واضح، وتقننت سياسيّاً وإعلاميا وعسكريّاً خصوصاً بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على المجمع التجاري الأميركي. وشكلت أحداث سبتمبر المفصل التاريخي للإسلاموفوبيا، بحيث أضحى كل ما يمت للإسلام يرتبط مباشرة وعضويّاً بالإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن عدوى «الإسلاموفوبيا» انتقلت من النخب إلى العامة، لتصير وباء اجتماعيّا عاماً متفشياً في مختلف الطبقات الاجتماعية الأميركية والأوروبية، ثم لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المصابين بعلّة الإسلاموفوبيا لا يفرقون بين «العربي» و«الإسلامي»، بحيث لا يتصورون أن هناك عربيّاً مسيحيّاً، أو عربيّاً يهوديّاً، فكل عربي مسلم بالضرورة في مخيال الإسلاموفوبي الأميركي أو الأوروبي، وهو إرهابي بالحتمية الدينية. ولعبت شبكات القنوات التلفزيونية التي أصبحت أجهزة ملحقة بوزارات الدفاع وبالجيوش التي تجوب العالم برّاً وبحراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً... لعبت دورها في تنمية ثقافة «الإسلاموفوبيا» بتناول ظاهرة الإرهاب التي أصبحت المادة الأساسية للإعلام العالمي، ودخلت «الإسلاموفوبيا» في الاجتماع، والدين والسياسة، والإعلام، والثقافة، والسياحة، والمال، والاقتصاد، والأعمال.
أما من جهة الخوف المضاد، فإن الحرب على الإرهاب وما تلاها من تفكك ببنية الدولة المنحدرة من منتصف القرن الماضي، نتاج الآيديولوجيات الوطنية أو القومية التحريرية التي لم تعد تجيب عن جميع أسئلة العمل السياسي ومتطلباته في هذا القرن، أدت إلى ظاهرة ثقافة الاستبداد، التي ولدت الغضب، والرفض، ثم الاحتجاجات والانتفاضات ثم الثورات التي تمثلت فيما سُمي بـ«الربيع العربي» في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والسودان، وتوسّعت مساحة ثقافة «الإسلاموفوبيا»، وبرزت أو تعمقت تنويعات في الدين السياسي. وزاد من حدة الوضع العمليات الإرهابية في أوروبا، وفي فرنسا خاصة - حادثة الهجوم المسلح على مجلة «شارلي إيبدو» واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ثم العملية الإرهابية التي عاشتها مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) 2016 – فلم تعد تنحصر في رقعة الخطاب السياسي لليمين المتطرف، بل تخطته لتصبح مادة في الثقافة والفن والمسرح والإعلام.
قضي الأمر وتعمقت الهوة بين الجنوب والغرب، واستيقظ شعور الخوف من حالة كمونه الطويلة، خوف ورثه الفرد في بلدان الجنوب من أيام الاستعمار ولم يبرح أعماقه، بعضه يجد منبته في المجال السياسي، وبعضه في منحاه الديني، والآخر في اللغوي - الثقافي، وفي اضطراب الهوية.
ويحاول حاملو الذاكرة الاستعمارية الداعون إلى فوبيا الآخر، أن ينقلوا الماضي بحيثياته وحمولة إرثه الثقيل إلى الحاضر، باستعادة هذه الذاكرة لا لنقدها وإدانتها، ثم الانتقال نحو البحث عن علاقة جديدة، مؤسسة على الاحترام المتبادل والاستقلال والشراكة دون إلغاء الذاكرة، وهذا واجب الذاكرة أيضاً، لكن مع الأسف، فإنها تُستدعى لتغليب ثقافة الحذر والتوجس وبالتالي الخوف من هذا الآخر، العدو قديماً، على أنه عدو الأبد. لعل الأمر يبدو طبيعياً في حالة ردة الفعل لدى المستعمَر «سابقاً» لموقفه هو الآخر وفوبياه من الآخر/ الغرب، ويعده غرباً متجانساً لا يزال يتربص به لاحتلاله. الخوف هذا يتغذى من مقولات آيديولوجية جاهزة، مؤداها أن الغرب كله دون تمييز يقف ضد العروبة، ويحاربها ولا يبحث سوى في القضاء عليها واندثارها. وظهرت مصطلحات ترمز لذلك مثل «حزب فرنسا» في الجزائر خاصة، ويرمي إلى نعت من يتربص بالعروبة ومحاربتها من الداخل، ويشير إلى فيلق المثقفين المفرنسين. وكثيراً ما تحقق هذه «الفوبيا» من الآخر أهدافها ببث التفرقة والبلبلة وقطع جسور الحوار بين المثقفين الجزائريين أنفسهم على أساس لغوي من جهة، ومن جهة أخرى بتر كل ما يربط بين الضفة الجنوبية المتميزة بثرائها اللغوي والثقافي والضفة الشمالية، وقطع كل إمكانية تواصل أو أمل في إمكانية التعامل عبر عنصري الثقافة واللغة المشتركة كعامل لتطوير علاقة شراكة وبناء مستقبل مؤسس على كل ما هو إيجابي، وتجاوز كل ما هو سلبي. يبدو لي أن الروائي الجزائري كاتب ياسين تفطن مبكراً إلى هذه العلاقة المرتبكة حين قال عن اللغة الفرنسية إنها «غنيمة حرب». عنصر حساس آخر يُستعمل لإذكاء نار العداوة بين الجنوب والشمال، يتمثل في القضية الفلسطينية التي لا أحد يشكك في عدالتها، يوظفه دعاة فوبيا الخوف من الآخر لغرض تأجيج ثقافة التفرقة وبث الكراهية عن طريق تعميم الأحكام، والزعم بأن الغرب موحَّد في عدائه تجاه هذه القضية العادلة، وهي في جوهرها قضية تصفية استعمار، وحق شعب في استعادة أرضه واستقلاله. هذا الادعاء يكذبه التاريخ، لذلك يجب التذكير بأنه كان للثورة الجزائرية أصدقاء من الأوروبيين، ومن بين الفرنسيين أنفسهم، حتى إن منهم من ضحّى بحياته من أجلها مؤمناً بعدالتها، وكما حدث بالنسبة للصورة الجزائرية فإن للقضية الفلسطينية كذلك رأسمال مهمّاً من أصدقائها في أوروبا وأميركا، يرافعون لأجلها، ولقد حضرتُ شخصياً لقاءات وتجمعات كثيرة في أوروبا إلى جانب شخصيات عربية وشخصيات أوروبية تدافع وبقوة عن القضية الفلسطينية.
إنها بعض من مداخل قراءة الزلزال الذي يضرب الإنسان منذ بداية العشرية الأولى من هذه الألفية، حاولت تقديمها واختصار عناصرها التي تسم زمننا بالصعوبة والعنف وضبابية الأفق. تسمه أيضاً بالخوف والخوف المضاد من الآخر، الأمر الذي يجعل الأمل في السلام يتلاشى، والخوف من بوادر حروب ثقافية وقيمية أخرى، بعضها قائم، والآخر على الأبواب.

- روائية وشاعرة وأكاديمية من الجزائر



الموسيقى تمنح الطعام مذاقاً ألذ

الموسيقى قد تؤثر في إدراك مذاقات معينة (جامعة كوبنهاغن)
الموسيقى قد تؤثر في إدراك مذاقات معينة (جامعة كوبنهاغن)
TT

الموسيقى تمنح الطعام مذاقاً ألذ

الموسيقى قد تؤثر في إدراك مذاقات معينة (جامعة كوبنهاغن)
الموسيقى قد تؤثر في إدراك مذاقات معينة (جامعة كوبنهاغن)

كشفت دراسة دنماركية أن الاستماع إلى الموسيقى أثناء تناول الطعام قد يعزز استجابة الدماغ للمذاق، في إشارة إلى أن إدراك النكهة لا يعتمد على حاسة التذوق وحدها.

وأوضح باحثون من جامعة كوبنهاغن أن هذه النتائج تسلط الضوء على دور الأصوات في تشكيل إدراك النكهات، ونُشرت الدراسة، الخميس، بدورية «Scientific Reports».

ولا يقتصر إدراك مذاق الطعام على براعم التذوق في اللسان، بل يتشكل من خلال معالجة الدماغ للإشارات الحسية المختلفة، بما فيها المعلومات المرتبطة بالرائحة والصوت. وقد تؤثر الموسيقى في هذه العملية، فتُعزز الإحساس ببعض النكهات، مثل الحلاوة.

ولفهم كيفية تفاعل حاستي السمع والتذوق، اعتمد الباحثون على تصوير نشاط الدماغ لدى المشاركين في ظروف تجريبية مختلفة. فاستمع المشاركون إلى الموسيقى وحدها في بعض التجارب، وتذوقوا محاليل ذات نكهات محددة في تجارب أخرى، بينما جمعت تجارب ثالثة بين الاستماع والتذوق في الوقت نفسه.

واستخدم الفريق تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، التي تتيح رصد نشاط مناطق الدماغ من خلال قياس التغيرات في تدفق الدم، لمقارنة الاستجابات العصبية للموسيقى والمذاق كلٌّ على حدة، ثم عند اجتماعهما.

وأظهرت النتائج نشاطاً أكبر في مناطق محددة من الدماغ عندما استمع المشاركون إلى الموسيقى أثناء تذوق أحد المحلولين المستخدمين في التجربة، مقارنة بتذوق المحلول نفسه دون موسيقى.

ووفقاً للباحثين، فإن النكهة ليست مجرد خاصية في الطعام، بل تجربة حسية يُكوّنها الدماغ من خلال دمج المعلومات الواردة من الحواس المختلفة.

وتضيف هذه النتائج، حسب الباحثين، دليلاً بيولوجياً إلى أبحاث سابقة أشارت إلى أن الموسيقى قد تؤثر في إدراك مذاقات معينة. فقد وجدت دراسات سابقة، على سبيل المثال، أن الاستماع إلى موسيقى البوب البطيئة ذات النغمات المتناغمة قد يعزز الإحساس بالحلاوة.

لكن الأبحاث السابقة اعتمدت على تقييم المشاركين لمذاق الطعام في وجود الموسيقى وغيابها، في حين تتيح الدراسة الجديدة رصد التغيرات المرتبطة بتفاعل الحواس داخل الدماغ مباشرة، باستخدام تقنيات التصوير العصبي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تمهد للاستفادة من الموسيقى في تحسين تجارب تناول الطعام في أماكن مختلفة، مثل المطاعم والمقاصف والمستشفيات، وقد يكون لهذا النهج أهمية خاصة لدى الأشخاص المعرضين لخطر سوء التغذية؛ إذ يمكن أن تسهم الموسيقى في جعل تناول الطعام أكثر متعة، دون الحاجة بالضرورة إلى تغيير مكوناته.

ومع ذلك، أشاروا إلى أن النتائج لا تعني أن الموسيقى تجعل جميع الأطعمة ألذ بالضرورة؛ إذ تقتصر الدراسة على رصد استجابات الدماغ عند الجمع بين الموسيقى والتذوق، وقد يختلف التأثير باختلاف نوع الموسيقى والمذاق وطبيعة التجربة الحسية.


42 فناناً مصرياً يرسمون «الثرثرة» في معرض «اللقطة الواحدة»

معرض «ثرثرة» ينطلق من مساحات تجريبية حول الكلام (الشرق الأوسط)
معرض «ثرثرة» ينطلق من مساحات تجريبية حول الكلام (الشرق الأوسط)
TT

42 فناناً مصرياً يرسمون «الثرثرة» في معرض «اللقطة الواحدة»

معرض «ثرثرة» ينطلق من مساحات تجريبية حول الكلام (الشرق الأوسط)
معرض «ثرثرة» ينطلق من مساحات تجريبية حول الكلام (الشرق الأوسط)

ينطلق معرض «ثرثرة» لمجموعة «اللقطة الواحدة» بمصر من فكرة «الرغي البصري» بوصفه مرتكزاً فنياً وجمالياً يعتمده كل فنان في تقديم رؤيته وفق طريقته وأسلوبه الخاص، ليعبِّر عن معنى الثرثرة سواء بالألوان أو التكوينات أو الدراما المليئة بالشخوص.

المعرض الذي يستضيفه متحف محمود مختار (وسط القاهرة) يضم 90 عملاً لعدد 42 فنانة وفناناً شاركوا في المعرض رقم 48 للمجموعة الفنية «اللقطة الواحدة» ويستمر حتى الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تتنوع مجالات أعمال المعرض بين التصوير والرسم بمختلف الخامات والتقنيات، مما يعكس تباين المدارس والاتجاهات الفنية التي تنتمي إليها المجموعة، ويخلق حواراً بصرياً غنياً ومتنوعاً للجمهور، يعبِّر عن فكرة «الثرثرة» بطرق متنوعة ولكن تظلُّ سيطرة الألوان وتنويعاتها وتوظيفها في التعبير هي الأكثر وضوحاً.

اعتادت مجموعة «اللقطة الواحدة» بقيادة الدكتور عبد العزيز الجندي، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة، أن تختار موضوعاً معيناً (لقطة واحدة)، ويشرع كل فنان في التعبير عن هذه اللقطة، وأحياناً ما كانت المجموعة تخوض مغامرات ميدانية في شوارع القاهرة التاريخية أو في الشوارع عموماً لتعبِّر عن لقطتها الخاصة الواحدة بطرق وأساليب شتى.

وعن اختيار فكرة «ثرثرة» عنواناً لمعرضهم الأحدث يقول الجندي: «في البداية اتفقنا على الرغي... الرغي البصري! كثرة العناصر وازدحامها وكأنها شخوص تتحدَّث وتثرثر بصخب يملأ العين».

جانب من أعمال المعرض (مجموعة اللقطة الواحدة)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «اخترنا هذه الفكرة لكونها موضوعاً ثرياً بعناصره وتراكيبه، كما أنه يتيح خيارات جمالية متنوعة في اختيار العناصر بين الأماكن والجمادات والبشر، وتبيان العلاقات المتشابكة المترابطة حيناً، وفي أحيان أخرى رصد تحاور هذه العناصر معاً عبر الفراغ».

وتابع في كلمة عن المعرض: «رسمنا الباعة والمارة مختلطين بالمباني القديمة عند باب زويلة وفي الجمالية... وكان رغي الزخارف والوحدات والقطع الفريدة الملهمة وعلاقاتها وحواراتها، حينما استلهمناها، من المفردات الساحرة الكائنة بمتحف الفن الإسلامي».

وخلال التجهيز للمعرض تجوَّل رفاق اللقطة بين الأحياء والطرقات، ومروا على الحدائق ليسجِّلوا «رغي» الجذوع والفروع وأوراق الشجر، وختموا أسابيعهم باقتحام تدريبات الأوركسترا، وما فيها من حوارات لا تخلو من ثرثرة بين الآلات الموسيقية وأصحابها.

تظهر في لوحات المعرض تيمات المناطق الشعبية والتراثية، كما يظهر البشر في تكوينات متنوعة تعبِّر عن الفكرة، وتبرز بعض الأعمال امتزاج اللحن المسموع بالأداء المرئي والمعزوف، لنصل إلى ما يصفه الفنان بأنه «ثرثرة بصرية في تجمعات الفريق، وتداخلات وتوحد وتجميع لكل النغمات في إطار معزوفة واحدة ذات بناء واحد وكيان متماسك متعدد التفاصيل واللمسات».

جانب من اللوحات (قطاع الفنون التشكيلية)

وبعد هذه الجولات غادر الرفاق أماكنهم الغنية بالعناصر الثرثارة، واستعدوا ليجمعوا إنتاجهم الذي كان من قبل حبيساً في أعماق وجدانهم فاستدعوه واستنفروا قواهم الإبداعية وشحذوا إمكاناتهم الأدائية ليخرج الوليد في النهاية إلى النور في هذا المعرض.

وتُعدُّ مجموعة فناني «اللقطة الواحدة» من المجموعات الفنية النادرة في مصر، وقد انطلقت عام 2002 وبدأت في اللقاء يوم الجمعة من كل أسبوع لاختيار لقطة واحدة يتناولها كل فنان برؤيته الخاصة دون قيود على أسلوبه الفني، وبدأت المجموعة بنحو 15 فناناً شاباً ثم توسَّعت مع الوقت ليصل عدد فنانيها المشاركين في المعرض الأحدث إلى 42 فنانة وفناناً.

من أعمال المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

وحتى الآن تحرص المجموعة على الخروج أسبوعياً لممارسة الرسم والتواصل الاجتماعي في شوارع القاهرة وحاراتها القديمة الثرية بالجوانب التراثية والشعبية الأصيلة، أو في المناطق الغنية بالطبيعة المصرية الساحرة. وقد خرجوا منها أحياناً أيضاً ليبحثوا عن الجمال في مناطق أخرى ذات طابع متميز كالإسكندرية والفيوم.


«حلم والله حلم»... فضل شاكر يطوي 14 عاماً من الغياب في الرياض

TT

«حلم والله حلم»... فضل شاكر يطوي 14 عاماً من الغياب في الرياض

قدّم شاكر باقة من أغنياته التي طبعت وجدان محبّيه على مدى عقود (بنش مارك)
قدّم شاكر باقة من أغنياته التي طبعت وجدان محبّيه على مدى عقود (بنش مارك)

«حلم والله حلم... الله حقّق لي هو بالرياض»، بهذه الكلمات العفوية، اختصر الفنان فضل شاكر مشاعره وهو يعتلي المسرح في حفله الأول، معلناً عودته رسمياً إلى الأضواء ومسارح الغناء بعد غياب دام 14 عاماً. وجاء ذلك خلال حفل «عودة الغايب»، الذي أُقيم برعاية «الهيئة العامة للترفيه»، ليكون إحدى أبرز الفعاليات التي افتُتح بها «موسم الرياض 2026».

ليلة وفاء لأغنيات الزمن الجميل

على مسرح ضجَّ بالتصفيق وهتافات الترحيب من آلاف الحضور، استعاد فضل شاكر ذكريات الأغنية العربية الأصيلة، مقدّماً باقة من أعماله التي طبعت وجدان محبّيه على مدى عقود. وأشعل حماسة الجمهور بأداء حيّ لأبرزها، بينها «يا غايب»، و«معقول أنساك»، و«الحب وبس»، و«يا حياة الروح»، و«بياع القلوب»، و«أنا اشتقتلك»، و«فين لياليك»، قبل أن يختتم الأمسية بأغنية «أحلى رسمة» في لحظة مؤثّرة.

ولم تكن الليلة عادية في تفاصيلها التنظيمية والجماهيرية؛ إذ حملت «عودة الغايب» مفاجأتين فنّيتَيْن أضفتا مزيداً من الحميمية على الأجواء. وتمثّلت الأولى في ظهور نجله، الفنان محمد شاكر، على المسرح، في مشهد جمع الأب بابنه فنياً وإنسانياً، وسط تفاعل واسع من الجمهور الذي احتفى بهذا الظهور المشترك.

أما المفاجأة الأخرى فكانت إطلالة الفنانة نوال، التي أعادت إلى الأذهان ذكريات دويتو شهير جمعها بفضل شاكر قبل نحو عقدين.

ووجّهت نوال رسالة محمّلة بالمشاعر إلى زميلها العائد، قائلةً من على المسرح: «بتكلم عني وعن الجمهور... قرّت عيننا بشوفتك، وسعيدة إني أكون معاك في أول حفل لك بعد عودتك للمسرح»، ومنحته لقب «صوت العشاق»، تعبيراً عن المكانة التي يحتلّها صوته في قلوب المستمعين.

وتحمل هذه العودة دلالات تتجاوز كونها مجرّد حفل فني؛ فهي توثّق استئناف التواصل المباشر بين فضل شاكر وجمهوره العربي، وتفتح فصلاً جديداً في مسيرته الفنية انطلاقاً من العاصمة السعودية، التي باتت حاضنة للأحلام الفنية الكبرى ومنصّة لالتقاء نجوم الطرب بجمهورهم.

ويأتي تنظيم هذا الحفل ضمن أجندة «موسم الرياض»، الذي انطلق بنسخته السابعة، متضمّناً فعاليات وتجارب ترفيهية، وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروضاً مسرحية متنوّعة. وتواكب هذه الفعاليات النهضة الفنّية التي تشهدها المملكة، وتتكامل مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» الرامية إلى تعزيز جودة الحياة، وتنشيط قطاع الترفيه، وجعل الرياض وجهة إقليمية وعالمية لصنّاع الفنّ والثقافة.