الجيش السوداني وقادة الحراك ينهون الجفوة ويشرعون في تفاوض «ماراثوني»

بعد تحديد نقاط الخلاف بينهما... تزايد المساعي لحسمها خلال ثلاثة أيام

سودانيات يجهزن طعام الافطار للمعتصمين امام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم (أ.ف.ب)
سودانيات يجهزن طعام الافطار للمعتصمين امام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني وقادة الحراك ينهون الجفوة ويشرعون في تفاوض «ماراثوني»

سودانيات يجهزن طعام الافطار للمعتصمين امام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم (أ.ف.ب)
سودانيات يجهزن طعام الافطار للمعتصمين امام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم (أ.ف.ب)

أعلنت قوى «إعلان الحرية والتغيير»، التي تقود الاحتجاجات الشعبية في السودان التي أطاحت نظام عمر البشير، أن المجلس العسكري الانتقالي دعاها لاستئناف المفاوضات التي توقفت لعدة أيام بسبب خلافات بين الطرفين على صلاحيات وسلطات «مجلس السيادة» المقتَرَح. وقبلت قوى «الحرية والتغيير» دعوة المجلس العسكري، لكنها اشترطت تفاوضاً «ماراثونياً» لمدة 72 ساعة، يتحدد بعده مصير الأوضاع في البلاد.
وقالت في بيان، صدر أمس، إنها تلقت اتصالات من المجلس العسكري لاستئناف التفاوض، وإنها ستسلم ردها على مذكرة المجلس كتابةً، بعد أن حصرت نقاط الخلاف بينها وبينه، مشترطة الدخول في تفاوض مباشر، دون وساطة، يستمر طوال 72 ساعة، بعيداً عما سمته «التراشقات الإعلامية»، ثم بعدها «يصير شعبنا على بينة من أمره».
وتطالب قوى «إعلان الحرية والتغيير» بنقل السلطة لحكومة مدنية من ثلاثة مستويات: «مجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري، ومجلس وزراء مكون من كفاءات مستقلة غير حزبية، ومجلس تشريعي انتقالي». غير أن العسكريين يرفضون قبول «مجلس سيادي مدني»، ويصرون على وجودهم بنسبة غالبة في مجلس السيادة، وهي النقطة الأساسية في مثار الخلاف بين الطرفين.
وذكرت قوى «التغيير» أنها أبلغت المجلس العسكري بأن منهج التفاوض القديم لا يتسق مع مطالب الشعب السوداني. وجاء في بيانها: «تلقينا اتصالاً من المجلس العسكري لاستئناف التفاوض، وقد أبلغناهم بأن المنهج القديم لا يتسق مع مطالب الشعب السوداني، في الخلاص والوصول بالثورة لمراميها بالسرعة المطلوبة». وأضاف البيان أن ردها يأتي من إيمانها بأن «بداية عهد جديد تتطلب عدم التأخير في تهيئة مناخ الاستقرار، لأن الأزمة السياسية المستمرة تنعكس على الشعب السوداني، في شكل أزمات اقتصادية طاحنة وتعطيل للحياة وتذبذب في الخدمات الضرورية».
وقالت المجموعة التي تقود الثورة السودانية إنها انتظمت في اجتماعات داخل هيئاتها، وتوصلت إلى أنها سترد كتابة على المجلس العسكري، بعد أن حددت نقاط الخلاف بينها وبينه، موضحة أن «النقاش سيدور حول هذه النقاط بصورة حاسمة. فهدفنا من أي لقاء أن ندخل في نقاش مباشر حول هذه النقاط دون توقف، لنفرغ منها خلال 72 ساعة». واشترط البيان عقد الاجتماع «في مكان مناسب، لإنجاز أعماله بعيداً عن التراشقات الإعلامية». وفي الوقت ذاته، أكد أن التحالف وافق على مواصلة الخطوات التصعيدية مع استمرار الاعتصام أمام قيادة الجيش ووزارة الدفاع في الخرطوم «باعتبارها الضامن الوحيد لتحقيق أهداف الثورة».
وأسقطت ثورة شعبية نظام المعزول عمر البشير المستند إلى «الحركة الإسلامية»، وهو الاسم المرحلي لحركة «الإخوان المسلمين»، في 11 أبريل (نيسان) الماضي، بإعلان الجيش انحيازه للشعب.
ومنذ ذلك الحين يسيطر مجلس عسكري انتقالي، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على السلطة، لفترة انتقالية مدتها عامان. ورغم تعهد المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين، فإن المفاوضات بين الطرفين على مؤسسات الحكم خلال المرحلة الانتقالية لم تصل لاتفاق بنقل السلطة للمدنيين.
وأعلنت هيئة قيادة الجيش السوداني انحيازها للاحتجاجات الشعبية التي استمرت زهاء 4 أشهر، وكلفت وزير الدفاع السابق عوض بن عوف رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، لكن المحتجين رفضوه واعتبروه امتداداً للنظام السابق، وأحد رموزه، فاضطر للاستقالة مع نائبه كمال عبد المعروف، ثم تم اختيار المفتش العام السابق للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليصبح رئيساً للمجلس. ومنذ عزل البشير، فإن وتيرة التفاوض بين الطرفين شهدت حالات مدّ وجزر، بلغت مداها بإعلان قوى «الحرية والتغيير» قبل نحو أسبوعين تعليق التفاوض، لكنها عادت إليه مجدداً، ثم توقف التفاوض مرة أخرى، الأسبوع الماضي، قبل أن يُعلن أمس عن معاودته مرة إضافية.
وهدّد أحد قادة الاحتجاجات، خالد عمر يوسف، بعصيان مدني، في مواجهة ما اعتبره الائتلاف تعطيل نقل السلطة إلى المدنيين، و«إطالة أمد التفاوض» من جانب المجلس العسكري الذي يواجه أيضاً ضغوطاً من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي للتقدم في اتجاه انتقال السلطة بشكل سلس. وكان نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان قد أجرى اتصالاً هاتفياً يوم الأربعاء برئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق البرهان في هذا الشأن، وطلب منه «التحرك بشكل عاجل نحو حكومة انتقالية بقيادة مدنية»، وكذلك التوصّل إلى اتفاق مع «قوى الحرية والتغيير».
ورغم درجات الحرارة التي تفوق الأربعين درجة مئوية وبداية الصوم في شهر رمضان، يواصل آلاف المتظاهرين اعتصامهم أمام مقرّ القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية في الخرطوم، مصممين على التوصل إلى نظام مدني.
ويعتزم المحتجّون إقناع المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة لمجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري محدود. وقال إيمان حسين أحد المشاركين المنتظمين في الاعتصام المستمرّ منذ 6 من أبريل أمام مقرّ الجيش: «إما أن نحصل على السلطة المدنية التي نريدها، أو سنظل هنا». وبعد قرابة 4 أشهر من الاحتجاجات في البلاد التي بدأت بعد زيادة سعر الخبز في إطار أزمة اقتصادية ونقص في المواد الأولية، تجمّع المتظاهرون في البداية أمام مقرّ الجيش مطالبين الجنرالات بإنهاء نظام البشير. وفي 11 أبريل أرغم الجيش رئيس البلاد على تسليم السلطة.
واعتقل البشير ووضع في سجن كوبر مع مسؤولين آخرين في نظامه، كما وعد القضاء بملاحقة المسؤولين عن مقتل أشخاص في المظاهرات التي بدأت في 19 ديسمبر (كانون الأول).



مقر اتحاد الأدباء اليمنيين في مرمى الاستيلاء الحوثي

عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)
عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)
TT

مقر اتحاد الأدباء اليمنيين في مرمى الاستيلاء الحوثي

عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)
عنصر حوثي يرفع مسدساً خلال حشد للجماعة بصنعاء (رويترز)

واجه اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، أحد أقدم الكيانات الثقافية والنقابية في البلاد، محاولة جديدة لانتزاع مقره المركزي في العاصمة المختطفة صنعاء، بعد صدور أمر قضائي حوثي بإخلاء المبنى، بدعوى انتقال ملكيته إلى أحد الأشخاص، في خطوة أثارت مخاوف واسعة من امتداد إجراءات الجماعة إلى ما تبقى من المؤسسات الثقافية والمهنية المستقلة.

وفُوجئ الوسط الثقافي اليمني بوصول أشخاص إلى مقر الأمانة العامة للاتحاد في حي الرقاص وسط صنعاء، حيث طلبوا من حارس المبنى تسليم أمر قضائي صادر عن إحدى المحاكم الخاضعة للحوثيين، يقضي بإخلاء المقر، في حين رفض الحارس التوقيع على تسليم الوثيقة أو تسلّم الأوراق، وفق ما أفادت به قيادة الاتحاد.

وأبلغت هدى أبلان، الأمينة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، المقيمة حالياً في القاهرة، أعضاء الأمانة العامة والمجلس التنفيذي بالواقعة، وسط مخاوف من أن يكون الإجراء مقدمة للسيطرة على مقر المؤسسة وممتلكاتها ومكتبتها وأرشيفها.

جانب من مقر الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين (إعلام محلي)

وتأتي هذه الخطوة في وقت تقول فيه أوساط ثقافية يمنية إن جماعة الحوثي عملت منذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014 على تضييق المجال العام وتجفيف مصادر النشاط الثقافي والفكري، عبر إغلاق أو تعطيل مؤسسات ومنابر كانت تشكّل متنفساً للكتاب والمثقفين والفنانين.

نصف قرن من الذاكرة

لا يمثّل المبنى المستهدف مجرد مقر إداري للاتحاد، إذ ارتبط على مدى عقود بنشاط ثقافي ومهني جمع أجيالاً من الأدباء والكتاب اليمنيين، فيما يعود تأسيس الاتحاد إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1970، ليكون واحداً من أقدم المؤسسات الثقافية والمهنية الجامعة في اليمن.

وتقول قيادة الاتحاد إن المقر المركزي في صنعاء تم شراؤه عام 1993، وكان يتألّف في ذلك الوقت من طابقَين، قبل أن يشتري الاتحاد مبنى شعبياً ملاصقاً له ويهدمه، لتشييد قاعة مركزية على نفقة الوزير الراحل أحمد جابر عفيف.

وفي عام 1998، تولى رئيس الوزراء الأسبق محسن العيني، وصديقه السفير محمد القوسي، تكاليف تشييد طابق إضافي للمبنى وتجهيزه وتأثيثه، ليضم مكتبة مركزية للاتحاد، إلى جانب مكاتب إدارية لقيادته وموظفيه.

وقفة تضامنية في باريس مع الصحافيين اليمنيين في سجون الحوثيين (إعلام محلي)

وتؤكد هذه الوقائع، وفق الاتحاد، أن المقر سبق سيطرة الحوثيين على العاصمة بسنوات طويلة، وأن وجوده ارتبط بتاريخ المؤسسة التي تمكنت، قبل أكثر من عقدَين من الوحدة اليمنية عام 1990، من جمع أدباء وكتاب شمال البلاد وجنوبها في إطار ثقافي واحد.

وخلال أكثر من نصف قرن، تحول الاتحاد إلى مساحة جامعة للمثقفين والأدباء على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية، واضطلع بدور في دعم حرية الإبداع والتعبير والتعدد والحوار، حسب نقابة الصحافيين اليمنيين.

ويخشى مثقفون يمنيون من أن يؤدي فقدان المقر إلى ضياع جزء من أرشيف الاتحاد ومقتنياته ومكتبته، فضلاً عن تقويض ما تبقى من رمزية المؤسسات الثقافية المستقلة في المناطق الخاضعة للحوثيين.

نقابة الصحافيين تحذّر

دخلت نقابة الصحافيين اليمنيين على خط الأزمة، معبّرة عن «قلق بالغ» إزاء ما وصفته بمحاولة استهداف مقر الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

وحذّرت النقابة من أن الاستيلاء على مقر الاتحاد وممتلكاته قد يمثّل امتداداً لمسار يستهدف مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية والثقافية في مناطق سيطرة الحوثيين.

وقالت إن المساس بالمقر أو مكتبته أو أرشيفه ومقتنياته لا يقتصر على الجانب العقاري، بل يمس جانباً من الذاكرة الثقافية والوطنية لليمن، باعتبار الاتحاد مؤسسة لعبت دوراً بارزاً في الحياة الثقافية والفكرية طوال أكثر من خمسة عقود.

العمل النقابي في اليمن يقتصر نشاطه في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية (إعلام محلي)

وطالبت النقابة سلطات الأمر الواقع في صنعاء بوقف أي إجراءات تستهدف مقر الاتحاد أو ممتلكاته، واحترام شخصيته الاعتبارية وحقوقه القانونية، داعية المثقفين والصحافيين والأدباء والكتاب ومنظمات المجتمع المدني داخل اليمن وخارجه إلى التضامن مع الاتحاد.

إغلاق المنابر الثقافية

تشير الأوساط الثقافية إلى أن محاولة إخلاء مقر اتحاد الأدباء تأتي بعد سنوات من القيود التي فرضتها الجماعة على المشهد الثقافي في مناطق سيطرتها، شملت المكتبات والمسارح ودور السينما وغيرها من المساحات التي كانت توفّر للقراء والفنانين والمثقفين مجالاً للنشاط والتعبير.

فقد أغلقت الجماعة الحوثية، وفق إفادات محلية، مكتبات كانت توفر للقراء الكتب والمطبوعات، كما ضيّقت على الغناء والموسيقى والمسرح، وأغلقت دار السينما الوحيدة التي كانت لا تزال تعمل في صنعاء.

وامتدت القيود إلى المؤسسات التعليمية، مع فرض إجراءات تحدّ من الاختلاط في الجامعات ومعاهد تعليم اللغات، في إطار إجراءات اجتماعية وثقافية أوسع تقول أوساط يمنية إنها أسهمت في تقليص المجال العام.

القبضة الأمنية الحوثية تسببت في توقف الأنشطة النقابية (إ.ب.أ)

وبالتوازي، فقدت النقابات والمنظمات المستقلة قدرتها على العمل من صنعاء، ومن بينها نقابة الصحافيين اليمنيين، التي بات نشاطها يتركز في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية.

ويخشى مثقفون من أن يتحول إخلاء مقر اتحاد الأدباء إلى نموذج جديد للتعامل مع المؤسسات التي احتفظت، رغم الحرب والانقسام، بقدر من الاستقلال عن أطراف الصراع.

وفي هذا السياق، وجّه عشرات الكتاب والأدباء مناشدة إلى من وصفوهم بـ«العقلاء» داخل جماعة الحوثي التدخل ووقف إجراءات إخلاء مقر الاتحاد، محذرين من تداعيات المساس بالمؤسسة التي جمعت الأدباء والكتاب اليمنيين على مدى أكثر من خمسة عقود.

ودعا الموقعون الأدباء والكتاب داخل اليمن، واتحاد الأدباء والكتاب العرب، والمثقفين في اليمن والوطن العربي، إلى التحرك للدفاع عن مقر الاتحاد، باعتباره أحد أقدم المؤسسات الثقافية والنقابية التي حافظت على حضورها في الحياة اليمنية منذ سبعينات القرن الماضي.


المخا تحت القصف الحوثي والحكومة اليمنية تتوعد برد رادع

صورة ليلية تظهر مدينة المخا خلال الهجمات الصاروخية الحوثية (أ.ب)
صورة ليلية تظهر مدينة المخا خلال الهجمات الصاروخية الحوثية (أ.ب)
TT

المخا تحت القصف الحوثي والحكومة اليمنية تتوعد برد رادع

صورة ليلية تظهر مدينة المخا خلال الهجمات الصاروخية الحوثية (أ.ب)
صورة ليلية تظهر مدينة المخا خلال الهجمات الصاروخية الحوثية (أ.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران هجماتها على مدينة وميناء المخا، غرب محافظة تعز اليمنية، في موجة قصف متواصلة بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والزوارق المفخخة، ما أسفر عن إصابة عمال، وأفراد أمن، وإلحاق أضرار بالرصيف، والمنشآت، فضلاً عن احتراق قوارب مدنية، في تطور يهدد أحد الموانئ اليمنية التي تشكل منفذاً مهماً لتدفق السلع والمساعدات والوقود إلى المناطق الساحلية.

وأصابت أحدث الهجمات، مساء الجمعة، ميناء المخا، ومبنى القطاع الأمني التابع لقوات المقاومة الوطنية الحكومية في المدينة. وقال المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي إن الحوثيين أطلقوا ستة صواريخ باليستية على الميناء، مؤكداً أن القوات الحكومية لن تسمح بتحويل المنشآت المدنية ومصالح اليمنيين إلى أهداف مستباحة.

وفي حصيلة أولية للهجوم، أفادت مصادر طبية بإصابة ثمانية أشخاص، بينهم ستة من عمال الميناء، واثنان من أمنه، فيما لم تكن حصيلة الضحايا النهائية قد حُسمت، وسط مخاوف من سقوط ضحايا آخرين في البحر. وأفادت مصادر محلية بأن الصواريخ سقطت بصورة متلاحقة على رصيف الميناء، بينما أصاب أحدها مبنى القطاع الأمني، متسبباً في أضرار مادية.

صاروخ حوثي لحظة إطلاقه لاستهداف ميناء المخا في جنوب البحر الأحمر (رويترز)

وأدت إحدى الهجمات إلى اندلاع حريق في عدد من قوارب الصيادين الراسية قرب الميناء، وفق وضاح الدبيش، المتحدث باسم القوات في الساحل الغربي. وقال إن القوارب المتضررة مملوكة لمدنيين، وتشكل مصدر الدخل الأساسي لأصحابها، وأسرهم، وإن قيمة بعضها تصل إلى ملايين الريالات.

استهداف البنية المدنية

تأتي الهجمات الأخيرة في سياق تصعيد حوثي مستمر منذ نحو أسبوعين، شمل مواقع عسكرية، ومنشآت حيوية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة، بالتزامن مع تصاعد العمليات على جبهات عدة.

وقال اللواء الركن صادق دويد، المتحدث باسم قوات «المقاومة الوطنية»، إن الجماعة أطلقت خلال الأيام الأخيرة عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مدينة المخا، ومينائها، والمنشآت المحيطة به. وذكر في تدوينة على منصة «إكس» أن العدد بلغ، وفق ما أورده، 40 صاروخاً باليستياً، و46 طائرة مسيّرة، إضافة إلى الزوارق المفخخة.

ميناء المخا اليمني تعرض لأضرار كبيرة جراء الاعتداءات الحوثية (أ.ف.ب)

وفي إفادة أخرى للإعلام العسكري اليمني، قيل إن الحوثيين أطلقوا 36 صاروخاً باليستياً، و42 مسيّرة على الساحل الغربي خلال أيام. ويعكس اختلاف الأرقام بين الإفادات العسكرية طبيعة الحصر الميداني المستمر، لكنه يؤكد، في جميع الأحوال، اتساع نطاق الهجمات، وكثافتها خلال فترة زمنية قصيرة.

ويرى دويد أن الجماعة لجأت إلى استهداف البنية التحتية المدنية بعد تكبدها خسائر في جبهات القتال، في حين تقول القوات الحكومية إن الهجمات الأخيرة تستهدف إضعاف النشاط الاقتصادي، وحرمان السكان من الخدمات، ومصادر الدخل.

وأدى تتابع الضربات إلى صعوبة وصول فرق الإسعاف والفرق الميدانية إلى الميناء في وقت مبكر، بحسب الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، الذي أشار إلى أن كثافة القصف أعاقت عمليات إخماد الحرائق، وحصر الأضرار، والخسائر.

وقال مدير ميناء المخا عبد الملك الشرعبي إن نحو 1300 عامل فقدوا أعمالهم نتيجة القصف المتكرر، والأضرار التي لحقت بالرصيف، والمنشآت الحيوية، موضحاً أن الميناء كان يشهد نشاطاً تجارياً، وحركة ملاحية متنامية قبل أن تنعكس الهجمات بصورة مباشرة على العاملين، وأسرهم.

تداعيات إنسانية وبحرية

تنظر الحكومة اليمنية إلى التصعيد في المخا باعتباره يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، نظراً لموقع الميناء على الساحل الغربي، وقربه من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وأكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي أن ميناء المخا منشأة مدنية، ومرفق اقتصادي وملاحي يخدم حركة التجارة، وتدفق الغذاء والسلع الأساسية إلى اليمنيين، محذراً من أن استهداف الموانئ والمنشآت الاقتصادية يفاقم الأزمة الإنسانية، ويهدد الأمن الغذائي.

ضحايا يتلقون العلاج جراء القصف الحوثي على مدينة المخا اليمنية ومينائها (أ.ب)

وقال مصدر مسؤول في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إن الهجمات الحوثية على المنشآت والموانئ والأعيان المدنية والاقتصادية وخطوط الملاحة الدولية لن تمر دون رد، محملاً الجماعة المسؤولية عن النتائج المترتبة على هذا التصعيد.

وأكد المصدر أن الدولة ستتعامل مع الهجمات من موقع مسؤوليتها الدستورية، والسيادية، وأن القوات المسلحة ستتخذ الإجراءات التي تراها لازمة لردع مصادر التهديد، مع التشديد على حماية المدنيين، والمصالح الحيوية.

وحذر المصدر من أن الهجمات العابرة للحدود التي تنفذها الجماعة تمثل، من وجهة نظر الحكومة، محاولة لجر اليمن إلى صراعات إقليمية تخدم أجندة إيران، فضلاً عن تهديد أمن دول الجوار، والملاحة الدولية.

قوات الحكومة اليمنية تتصدى بشكل يومي للهجمات الحوثية على خطوط التماس (إعلام عسكري)

ودعا إلى موقف إقليمي ودولي جماعي لحماية الموانئ التجارية، وسفن الشحن، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، وباب المندب، معتبراً أن حماية هذه الممرات لا تقع على عاتق اليمن وحده، بل تتطلب تعاون الدول المشاطئة، والقوى الدولية المعنية بأمن التجارة العالمية.

من جهتها، أدانت السلطة المحلية في تعز الهجوم، وقال المحافظ نبيل شمسان إن قصف الميناء والمنشآت المدنية يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، والقواعد التي توفر الحماية للأعيان المدنية، والمنشآت الحيوية، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه التصعيد، وحماية المدنيين، والمنشآت.

المخا في حسابات الأمن البحري

تربط الحكومة اليمنية بين تصعيد الحوثيين في الساحل الغربي وأهمية المنطقة في حماية الملاحة الدولية، والحد من عمليات تهريب الأسلحة إلى الجماعة.

وقالت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة إن إصرار الحوثيين على استهداف المخا، والساحل الغربي يخدم، بحسب تقديرها، أجندة طهران، ويستهدف أحد شرايين حياة اليمنيين، مشددة على أن باب المندب ومقدرات اليمن وممراته البحرية لن تكون ورقة ضغط بيد إيران.

وأضافت أن استهداف هذه المنطقة يكشف أهمية الدور الذي تؤديه القوات الحكومية، والقوات التابعة للمقاومة الوطنية في تأمين الساحل، والحد من خطوط تهريب السلاح، مؤكدة أن تمكين الدولة وقواتها البحرية وخفر السواحل من أداء مهامها يمثل استثماراً في أمن اليمن، والمنطقة، والتجارة الدولية.

ويأتي ذلك بينما يشهد اليمن تصعيداً ميدانياً متزامناً في عدد من الجبهات، وسط تحذيرات أممية حديثة من أن تكثيف النشاط العسكري والهجمات على خطوط التماس يهدد بإعادة البلاد إلى نطاق أوسع من الحرب بعد سنوات من التهدئة النسبية.

ويزيد استهداف المخا من تعقيد المشهد، إذ لا تقتصر تداعياته على الحسابات العسكرية بين الحوثيين والقوات الحكومية، وإنما تمتد إلى المدنيين، والعاملين في الميناء، والصيادين، والنشاط التجاري، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة في منطقة باب المندب.

وبينما تتوعد الحكومة برد «رادع وقاسٍ»، تؤكد أن الهدف يتجاوز الرد العسكري إلى حماية المنشآت الحيوية، والمصالح الاقتصادية، ومنع الحوثيين من فرض قواعد اشتباك جديدة. وفي المقابل، يثير استمرار القصف مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مزيداً من البنى التحتية المدنية، في وقت يواجه فيه اليمن أزمة إنسانية واقتصادية عميقة.


زيارة كوشنر المرتقبة للمنطقة تعزز رهان «وسطاء غزة» على ضغوط واشنطن

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

زيارة كوشنر المرتقبة للمنطقة تعزز رهان «وسطاء غزة» على ضغوط واشنطن

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

زيارة مرتقبة للمبعوث الأميركي جاريد كوشنر إلى المنطقة هذا الأسبوع لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وسط تعثر في التنفيذ بعد رفض إسرائيلي للمضي نحو المرحلة الثانية، إثر خريطة طريق طرحها الوسطاء ولاقت قبول حركة «حماس» نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتأتي الزيارة وسط تحركات واتصالات مكثفة للوسطاء (مصر وقطر وتركيا) لدفع واشنطن للضغط على إسرائيل، وتحمل فرصاً كبيرة لحلحلة الأزمة، بحسب ما أكده خبير مصري لـ«الشرق الأوسط».

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة، نهاية يوليو الماضي، مع تفاهمات جديدة بين الوسطاء وحركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بشأن ترتيبات لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في أكتوبر الماضي، وتعثر تنفيذه مع اندلاع «حرب إيران»، وفي ظل توالي خروقات إسرائيل.

ورحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقتها بما تم التوصل إليه واعتبره «اتفاقاً تاريخياً»، فيما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التفاهمات الجديدة قبل نحو أسبوع قائلاً: «إسرائيل ترفض الاتفاق، ولن تنسحب على الإطلاق حتى يتم نزع سلاح (حماس) بشكل حقيقي، ونحن نناقش هذا الأمر حالياً مع الأميركيين».

وبحسب ما نقل موقع «أكسيوس» الأميركي، الجمعة، فإن مسؤولاً أميركياً أكد تفهم واشنطن لاحتياجات نتنياهو السياسية، ما دام أنه يواصل تنفيذ المطالب الأميركية، خاصة فيما يتعلق بتقييد الهجمات على غزة، وبالتالي فإنه لا يتم النظر إلى رفضه الخطة على أنه موقف نهائي.

زيارة مرتقبة

ونقلت «الصحافة الفرنسية» عن مسؤول أميركي، الخميس، قولة إن الولايات المتحدة تنظر في إرسال كوشنر إلى إسرائيل، بعد ساعات من حديث موقع «أكسيوس»، أن صهر ترمب ووسيطه في الشرق الأوسط وروسيا سيتوجه إلى إسرائيل ومصر هذا الأسبوع لإجراء محادثات حول الوضع في غزة.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ونقلت قناة «آي نيوز 24» العبرية، الجمعة، عن مصدر في مجلس السلام تأكيداً بأن الزيارة لإسرائيل والقاهرة ستكون هذا الأسبوع، وسيكون مع كوشنر وملادينوف، عضو المجلس توني بلير؛ بهدف «تعزيز خريطة الطريق لخطة النقاط الـ15».

المصدر ذاته أوضح للصحيفة العبرية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتفقان على الهدف النهائي للخطة، وهو نزع سلاح «حماس»، مضيفاً: «سنستمع إلى المخاوف التي أُثيرت وسنناقش الخطوات التالية، ما هو مهم أن الجانبين متفقان على النتيجة المطلوبة ويعملان لإيجاد طرق لتسريع التقدم».

وبعد الزيارة إلى إسرائيل، سيواصل كوشنر، برفقة ملادينوف وبلير، إلى القاهرة، حيث من المقرر عقد اجتماعات مع الوسطاء. وقال المصدر العبري إن «الاجتماعات ستحدد بشكل ملموس الخطوات التالية لتنفيذ خريطة الطريق».

إشارات إيجابية

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، الدكتور طارق فهمي، أن تحركات واشنطن و«مجلس السلام» في هذا التوقيت تحمل إشارة إيجابية لعدم انهيار التفاهمات التي يرغب ترمب بإتمامها، لافتاً إلى أن واشنطن قد تزيد الضغوط الفترة المقبلة حال ماطلت إسرائيل، «ولن يتورع الرئيس الأميركي أن يلتقي منافسي نتنياهو مثل نفتالي بينيت أو آيزنكوت أو يائير لابيد في البيت الأبيض لتحقيق ما يريد».

ويتوقع فهمي أن الفريق الأميركي لن يقبل بتعديل مسار الخطة الأميركية، أو طرح بديل، لكن وارد أن يتم دمج واختصار بعض البنود بعد جلسات الاستماع مع الأطراف بهدف إنجاز الخطوة قبل الدخول في مستنقع الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها ثم تشكيل الحكومة، وهذا مسار يستغرق شهوراً.

وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في مؤتمر صحافي مع نظيره التركي هاكان فيدان بمدينة العلمين المصرية، مساء الخميس، على ضرورة التزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، مشدداً على تعويل بلاده على الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويؤكد فهمي أن الموقف المصري، والتوافق التركي معه، يؤكد أن الجميع يعول على التحرك الأميركي ونتائجه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مسار الاتفاق.

وفي 9 أغسطس (آب)، أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن القاهرة تجري اتصالات مكثفة مع الوسطاء والشركاء لإنقاذ الاتفاق، وخاصة أن نتنياهو يضع عراقيل، وليس لديه تصور سوى التصعيد لضمان فوزه بالانتخابات المقبلة.