المعارضة تطالب بإعادة انتخابات إسطنبول «كاملة» واقتراعي الرئاسة والبرلمان

غل وداود أوغلو اعتبرا قرار اللجنة العليا للانتخابات «انتهاكاً للإرادة الشعبية»

مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو
مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو
TT

المعارضة تطالب بإعادة انتخابات إسطنبول «كاملة» واقتراعي الرئاسة والبرلمان

مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو
مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو

قدّم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، طلبا رسميا إلى اللجنة العليا للانتخابات لإلغاء نتائج الانتخابات المحلية في عموم إسطنبول التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي ونتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة التي أجريت في 24 يونيو (حزيران) 2018.
وجاء طلب الإعادة، الذي تقدّم به الحزب أمس (الأربعاء) بعد أن أصدرت اللجنة العليا للانتخابات، قرارا يوم الاثنين الماضي بإلغاء نتائج التصويت على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى فقط، بموجب طلب من حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وقال الحزب في طلب الإلغاء إنه في حال وُجدت مخالفات قانونية في الانتخابات المحلية بإسطنبول، فإن تلك المخالفات يجب أن تشمل التصويت على رئاسة البلدية والأقضية وأعضاء مجالس البلديات، على اعتبار أن جميع البطاقات الانتخابية توضع في ظرف واحد، ومن ثم تلقى في الصندوق الانتخابي.
كما طلب الحزب إلغاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة التي أجريت في 24 يونيو الماضي، استنادا إلى أن المسؤولين عن الصناديق في الانتخابات المحلية هم أنفسهم الذين أشرفوا على الصناديق في الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
وأبدت المعارضة التركية دهشتها من إلغاء الانتخابات بالنسبة لمنصب رئيس البلدية فقط، الذي فاز به مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو على منافسه مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم.
وسادت توقعات بأن ترفض اللجنة العليا للانتخابات طلب حزب الشعب الجمهوري بإعادة الانتخابات في إسطنبول بالكامل وإعادة الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة، استنادا إلى الرفض المباشر للجنة لطلب مماثل قدمه حزب «الجيد» الذي تتزعمه السياسية ميرال أكشنار، أول من أمس. وكانت أكشنار انتقدت قرار إعادة الانتخابات على رئاسة بلدية إسطنبول، واعتبرته «انقلابا مدنيا راحت ضحيته الإرادة الوطنية، وتاريخا لمهانة الأمة التركية في العالم».
والاثنين الماضي، قررت اللجنة العليا للانتخابات، إلغاء انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، وإعادة إجرائها في 23 يونيو المقبل. وتعهدت المعارضة بالفوز بالانتخابات من جديد، وسط اتّساع مساحة التعاطف مع أكرم إماما أوغلو الذي تسلّم منصبه رئيسا للبلدية في 17 أبريل (نيسان) الماضي بعد أعمال مراجعة وفحص وتدقيق وإعادة فرز في أنحاء إسطنبول بموجب طعون من حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في نتائج الانتخابات والتشكيك فيها والادعاء بحدوث تلاعب، في ظل استنكار شعبي ودولي واسع لرفض الحزب الحاكم قبول نتائج الانتخابات، ومحاولة القفز على إرادة الناخبين.
وعبّر رئيس الجمهورية السابق عبد الله غل عن رفضه قرار اللجنة العليا للانتخابات، في تغريدة نشرها على حسابه الشخصي بموقع «تويتر»، قال فيها: «شعرت إزاء قرار اللجنة العليا للانتخابات بالمشاعر نفسها التي انتابتني إزاء قرار المحكمة الدستورية الذي صدر عام 2007، وألغى الجولة الأولى من انتخابي رئيسا للدولة».

وكان غل هنّأ إمام أوغلو عند تسلمه منصبه رئيسا لبلدية إسطنبول الكبرى، الذي فاز به في الانتخابات المحلية الأخيرة قبل قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الانتخابات على المنصب ذاته، كما أصدر قبل ذلك بيانا عبّر فيه عن رفضه التشكيك في نتائج الانتخابات في إسطنبول. وكان هذا البيان أول تصريحات يدلي بها غل في شأن عام بالدولة منذ شهر يناير (كانون الثاني) 2018، الذي شهد خلافات بينه وبين إردوغان رفيق دربه في تأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم حول أحد القوانين التي تضمنت مواد تبقي على بعض أحكام الطوارئ في البلاد.
وجاءت هذه الانتقادات وسط مزاعم بدأت تتردد في الأروقة السياسية خلال الأشهر الماضية، حول اتجاه غل وعدد من قيادات حزب العدالة والتنمية، من بينهم رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان الذي يعد مهندس الطفرة الاقتصادية في تركيا في السنوات العشر الأولى لحكم العدالة والتنمية، لتأسيس حزب سياسي جديد.
في السياق ذاته، أعرب داود أوغلو، عن استنكاره قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع على منصب رئيس بلدية إسطنبول الكبرى. وقال في سلسلة تغريدات على حسابه الشخصي بموقع «تويتر»، إن من اتخذوا هذا القرار بعد مرور نحو 36 يوماً على إجراء الانتخابات المحلية الأخيرة «أصابوا قيمنا الأساسية في مقتل».
وشدّد على ضرورة التمسك بشرعية الصناديق، قائلا إنه رغم وجود كل أوجه القصور في الديمقراطية والحياة السياسية بتركيا، فإن قوتنا في شرعية الصناديق، فدائماً ما كانت إرادة شعبنا من خلال الصناديق هي من تخرجنا من جميع الأزمات الصعبة والمنعطفات الحرجة.
وأضاف أن «القيمة الأساسية لتقاليدنا السياسية جوهرها أن إرادة الأمة تظهر من خلال صندوق الاقتراع، بغض النظر عن مبرراتهم وأعذارهم، فإن ما حدث بعد انتخابات 31 مارس (آذار) الماضي وقرار اللجنة العليا للانتخابات إلغاء نتيجة الانتخابات بإسطنبول أدى إلى تدمير هذه القيمة الأساسية».
وأكد داود أوغلو أن القرار الذي أعلنته اللجنة العليا للانتخابات، الاثنين: «يجب التغلب عليه بالمشاركة الإيجابية، والتصويت بنضج؛ حفاظاً على الديمقراطية»، موضحا أن «أكبر خسارة يمكن أن تمنى بها الحركات السياسية هي فقدان الضمير الاجتماعي والتفوق الأخلاقي... ما يجب فعله الآن، هو إجراء عملية تصويت بنضج يليق ببلادنا، لتجنب التوتر والاستقطاب ومنع المزيد من تآكل ديمقراطيتنا». وأكد أن «الكلمة الأخيرة هي لإرادة الأمة التي تظهر من خلال صندوق الاقتراع».
ويعد هذا ثاني تعليق من داود أوغلو، الذي لايزال نائبا بالبرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، على شأن عام في تركيا، بعد بيان أصدره يوم 22 أبريل الماضي، شن فيه هجوما حادا على ممارسات إردوغان، على خلفية مماطلته، وإصراره على عدم الاعتراف بهزيمته في الانتخابات المحلية.
ولفت داود أوغلو، في البيان الذي عنونه بأنه توصيات واستنتاجات حول الانتخابات المحلية والأوضاع في تركيا جاءت فيما يقرب من 20 صفحة، إلى دخول إردوغان في سجالات سياسية حادة أغلب الوقت، وظهوره كأحد الأطراف، على الرغم من أنه يتعين عليه الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، لكونه رئيسا للجمهورية، موضحا أن ذلك تسبب في قطيعة نفسية بين الرئاسة ونصف المجتمع على الأقل.
على صعيد آخر، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن بلاده سترسل سفينة تنقيب ثانية، إلى شرق البحر المتوسط، وأنها لا تبالي بتهديدات قبرص، في تحد جديد للرفض الدولي لإطلاق تركيا أعمال تنقيب عن النفط والغاز في منطقة غرب قبرص تقول حكومتها إنها تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لها.
ولفت جاويش أوغلو، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القرغيزي جنكيز أيداربيكوف، مساء أول من أمس، إلى تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن ضرورة تقاسم احتياطات النفط والغاز حول الجزيرة بين شعبيها (القبارصة اليونانيين والأتراك). وجاء ذلك ردا على سؤال بشأن تقديم الحكومة القبرصية شكوى إلى الأمم المتحدة، على خلفية بدء تركيا أعمال تنقيب شرق المتوسط وتهديدها بإصدار مذكرات اعتقال دولية بحق عاملي سفينة الفاتح التركية للتنقيب. وأضاف: «سنرسل سفينة أخرى إلى المنطقة، وسنبدأ التنقيب، لقد انتهت مرحلة المسح الزلزالي، وبدأ عهد التنقيب، وعازمون على إرسال سفينتا الثانية... لا نبالي بمثل هذه التهديدات، فليفعلوا ما بوسعهم، فلم نتنازل يوما أمام هذه المراوغات والخطابات، وسنفعل ما نراه ضروريا».
وأعربت واشنطن، الأحد الماضي، عن قلقها من نيات تركيا إجراء عمليات تنقيب عن النفط والغاز، قبالة سواحل قبرص. كما صدرت تحذيرات عن الاتحاد الأوروبي ومصر وروسيا من الاستفزاز التركي في المنطقة.
وعلّق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، على هذه الدعوات والتحذيرات، أول من أمس، قائلا إن تركيا ستواصل تنفيذ برنامجها الخاص بها، وإنها لا تأبه بتعليمات أو تقييمات بعض الدوائر.
كما أعربت الخارجية التركية عن رفضها للانتقادات الفرنسية لأنشطة أنقرة في شرق المتوسط، قائلة إن الأنشطة التركية المتعلقة بالتنقيب عن الموارد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط، تستند إلى حقوق تركيا المشروعة النابعة من القانون الدولي.
ويعتزم رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس والرئيس القبرصي نيكوس أناستاسياديس إخطار قادة الاتحاد الأوروبي بشأن أنشطة الحفر غير القانونية التي تقوم بها تركيا في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص في شرق البحر المتوسط، خلال القمة الأوروبية غير الرسمية التي تعقد اليوم (الخميس) في بوخارست.
ووصف أناستاسياديس أعمال الحفر التركية بأنها غزو ثان بعد احتلال القوات التركية للجزيرة القبرصية عام 1974.
وتناول الرئيس القبرصي، في لقاء مع وزير الدفاع اليوناني إيفانجيلوس أبوستولاكيس، أمس، تطورات الوضع غير المستقر الذي تسببت فيه تركيا في شرق البحر المتوسط، بعد انتهاكها للقانون الدولي وتنقيبها غير القانوني في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، بحسب وكالة الأنباء القبرصية.
وتمركزت سفينة الحفر التركية «الفاتح»، التي ترافقها 3 سفن خدمات، على بعد 40 ميلا بحريا تقريبا إلى الغرب من شبه جزيرة أكاماس القبرصية و83 ميلا بحريا من السواحل التركية.



بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.