الحوثيون يطلقون «تهديدات إرهابية» رداً على التدابير الاقتصادية للشرعية

البنك المركزي في عدن يتحول إلى ضابط وحيد لإيقاع حركة الأموال

TT

الحوثيون يطلقون «تهديدات إرهابية» رداً على التدابير الاقتصادية للشرعية

أدت التدابير الاقتصادية التي أقدمت عليها الحكومة اليمنية ممثلة في اللجنة الاقتصادية العليا والبنك المركزي اليمني في عدن، إلى رفع حدة الذعر والغضب لدى الميليشيات الحوثية بعد أن باتت الجماعة الموالية لإيران عاجزة عن تهريب الأموال أو النفط الإيراني عبر المصارف الخاضعة لها في صنعاء. وفي حين قادت هذه الإجراءات الحكومية والتسهيلات التي قدمتها للمصارف المحلية وكبار المستوردين وفتح الاعتمادات لدى البنك المركزي في عدن، لتغطية فواتير استيراد السلع والبضائع بما في ذلك الوقود، إلى سحب البساط من تحت أقدام الميليشيات، دفع ذلك الجماعة الحوثية في صنعاء لإطلاق «تهديدات إرهابية» وصفتها بـ«الخيارات المؤلمة»، دون أن تفصح عنها بعدما اعتبرت التدابير الحكومية حرباً موجهة ضدها.ويرجح الكثير من المراقبين أن الجماعة ليس في يدها شيء غير التهديد الإرهابي بتفجير المخزون النفطي المجمد في الخزان العائم (صافر) الموجود في ميناء رأس عيسى النفطي الخاضع للجماعة منذ الانقلاب على الشرعية وتدمير البيئة في البحر الأحمر، أو استهداف الملاحة التجارية في البحر وتهديد تدفق الشحنات التجارية عبر باب المندب.

اتهامات حكومية للجماعة
بتدمير الاقتصاد
وكانت اللجنة الاقتصادية اليمنية اتهمت في بيانات سابقة الميليشيات الحوثية بأنها تسببت في انهيار الوضع الاقتصادي والإنساني في البلاد، جراء جرائمها المتواصلة بحق الاقتصادي الوطني، وقالت إن الجماعة الحوثية «تتاجر سياسياً بمعاناة المواطنين، بهدف تعزيز إيراداتها وبناء شبكتها الاقتصادية، وذلك عن طريق تدابير تعسفية عدة».
كما اتهمت اللجنة الحكومية الميليشيات بأنها تعمل على إعاقة حركة التجارة، ونقل البضائع والأموال، وذلك من خلال استحداث النقاط والموانئ الجمركية، ومنع دخول الشاحنات إلى المدن، واصطناع أزمات الوقود والتسبب فيها.
وأوضحت اللجنة أن الميليشيات فرضت طبقة جديدة من التجار التابعين لها، ومنحتهم حصة أكبر من السوق، بالإضافة إلى تحصيلها الإيرادات، وعدم صرف الرواتب، والتدخل في أعمال النقابات والجمعيات المهنية التجارية والمصرفية.
وقالت إن الجماعة الحوثية تتحمل مسؤولية الانهيار في قيمة العملة الوطنية، وذلك بسبب مضاربتها بالأموال العائدة من تجارة المشتقات النفطية، وتعزيزها للسوق السوداء.
وأكدت اللجنة الاقتصادية أن الميليشيات منعت البنوك من ممارسة مهامها أو الاستفادة من الامتيازات والفرص التي يوفرها البنك المركزي في عدن، علاوة على سجن الموظفين المخالفين لها في القطاع الاقتصادي وأقاربهم.
وفي حين لجأت الجماعة الحوثية أخيراً إلى تطبيق ما أطلقت عليه «الريال الإلكتروني» قالت اللجنة الحكومية: إن الميليشيات تطبق التداول النقدي الإلكتروني، من دون ضوابط قانونية، أو غطاء مالي حقيقي، وتستغله وسيلةً لنهب أموال التجار ومستحقات الموظفين.
واتهمت اللجنة الميليشيات الحوثية بمخالفة الضوابط والإجراءات القانونية، الحكومية الخاصة بالضبط والتنظيم الفني والمهني الهادف إلى إنقاذ الاقتصاد الوطني، وأكدت أن الجماعة، أجبرت المصارف والتجار على تعهدات غير قانونية، تبيح لها أموال التجار والشركات، واستخدامها غطاءً للصفقات والعمل التجاري الدولي.
وكانت اللجنة الاقتصادية اليمنية في عدن أقدمت أخيراً على سحب «السويفت» الخاص ببنك التسليف التعاوني الزراعي (حكومي يخضع للميليشيات في صنعاء)؛ ما حرم الجماعة من تهريب الأموال وتمويل الصفقات الخاصة بقادتها عبر نظام الحوالات الدولية.

تدابير حكومية لحماية
المصارف المحلية
ولأن الميليشيات الحوثية تمنع التجار والمستوردين والمصارف المحلية من التعامل مع البنك المركزي في عدن، وتضع قيوداً مشددة تحول دون نقل السيولة النقدية إليه أو التعامل بالفئات النقدية المطبوعة حديثاً، أعلن البنك هذا الأسبوع اتخاذ عدد من الإجراءات لحماية البنوك التجارية العاملة في صنعاء، التي تعاني ضغوطاً وإجراءات تعسفية من قبل ميليشيات الحوثي الانقلابية المدعومة من إيران.
وجاء ذلك خلال اجتماع عقده البنك في مقره بالعاصمة المؤقتة عدن، ضم رؤساء البنوك الأهلية، والغرف التجارية، وعدداً من رجال المال والأعمال.
وأوضح البنك أنه يهدف من خلال هذه الإجراءات إلى فتح قنوات بعيدة عن رقابة الميليشيات الحوثية، لتمكينها من فتح اعتمادات مالية وتغطية احتياجاتها من العملة الصعبة.
وأكد محافظ البنك المركزي اليمني حافظ فاخر معياد، في الاجتماع الأخير أن البنك نفذ كل ما سبق الإعلان عنه من مصارفة وتغطية احتياجات التجار من العملات الأجنبية بسعر 506 ريالات للدولار الواحد فيما يخص المشتقات النفطية والسلع من غير الأساسية المدعومة من الوديعة السعودية.
وأوضح معياد، أن «المركزي اليمني» اقترح آلية لتغطية أرصدة بعض البنوك في الخارج أطلق عليها «خمسين خمسين» لتغطية الاعتمادات في المناطق غير المحررة، وقال: إنها جاءت استجابة من الحكومة والبنك المركزي لإيصال السلع الأساسية في جميع المناطق دون استثناء.
وتقوم الآلية على توريد 50 في المائة من قيمة الاعتماد نقداً إلى البنك المركزي في عدن عبر بنك المستورد و50 في المائة من قيمة الاعتماد يتم الاحتفاظ بها في البنك نفسه في حساب خاص لتستخدم هذه الأموال للدفع للمنظمات الدولية الإغاثية العاملة في المناطق غير المحررة بحيث تقوم تلك المنظمات بمصارفة قيمة المساعدات لدى البنك المركزي وبسعر السوق في تاريخ المصارفة وتحويل المبالغ بالريال إلى حساب المنظمات في البنوك التي يتعاملون معها.
وجدد محافظ البنك المركزي اليمني تأكيده على استعداد البنك لتغطية احتياجات التجار من العملات الأجنبية لأغراض الاستيراد من خلال الحوالات البنكية أو الاعتمادات ودون الحاجة لقيام التاجر بالشراء المباشر من سوق العملة.

ضبط استيراد الشحنات النفطية
من جهتها، كانت اللجنة الاقتصادية العليا أعلنت عن إنهائها منح وثائق الموافقة للاستيراد والشحن إلى ميناء الحديدة، لجميع شحنات المشتقات النفطية بحسب ما جاء في بلاغ رسمي اطلعت عليه «الشرق الأوسط».
وقالت اللجنة إن منح الموافقة شمل جميع شحنات المشتقات النفطية الملتزمة بالضوابط والشروط وفقاً لآلية ضبط وتنظيم تجارة المشتقات، حيث تم منح بعضها استثناءات غير مخلة بأهداف الآلية في سياق السعي لحل أزمة المشتقات التي افتعلتها الميليشيات الحوثية بإجبارها التجار بعدم تقديم الطلبات للجنة أو الالتزام بضوابط الآلية الحكومية بموجب القرار 75.
ودعت اللجنة جميع تجار المشتقات المؤهلين والموردين إلى ميناء الحديدة للاستمرار في الاستيراد والشحن وفقاً لضوابط الآلية وشروطها وبشكل عاجل ومستمر لتعزيز مخزون مادة البنزين بالتحديد.
وطلبت اللجنة من التجار تقديم طلبات الحصول على وثيقة الموافقة وجميع الوثائق المطلوبة والمرفقة بها حسب النظام إلى المكتب الفني للجنة الاقتصادية مباشرة.
وحمّلت اللجنة الاقتصادية اليمنية الميليشيات الحوثية الانقلابية مسؤولية أي إجراء قد يعطل من تدفق الوقود إلى تلك المناطق بانسيابية والتسبب بأي أزمة وقود مستقبلاً سواء بإجبار التجار مرة أخرى بعدم الالتزام بتلك الضوابط أو منع البنوك من تقديم خدماتها للتجار أو بالمضاربة على العملة، والتسبب في انهيار قيمتها باستخدام إيرادات بيع المشتقات في السوق الرسمية والسوداء في المناطق الخاضعة لها.
وتسببت هذه التحركات الحكومية في إثارة هلع الميليشيات وغضبها في الوقت نفسه؛ ما جعلها تعتقد اجتماعاً لكبار قادتها المسؤولين عن ملفها الاقتصادي، حيث وصفت هذه التدابير بأنها «حرب اقتصادية» تستهدف انقلابها.
وعلى الرغم من عدم اعتراف الجماعة بالبنك المركزي في عدن، فإنها قالت: إن ما يقوم به ينافي مبدأ «تحييد الاقتصاد»، مشيرة في بيان لها تداولته وسائل إعلامها إلى أنها «تدرس كافة خيارات الرد وبطرق فعّالة ومزعجة»، بحسب تعبيرها.
وهددت الميليشيات الحوثية في بيانها بـ«خطوات وردود وخيارات» قالت إنه سيكون لها «آثار وتداعيات وتبعات»، محمّلة الولايات المتحدة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولية ذلك.

مناورة حوثية لاقتسام
عائدات النفط
وأخيراً، لجأت الميليشيات الحوثية إلى مناورة جديدة عرضت خلالها اقتسام عائدات النفط اليمني مع الحكومة الشرعية، بما في ذلك نحو مليون برميل مجمدة في الخزان العائم (صافر) في رأس عيسى.
وجاء العرض الحوثي على لسان القيادي البارز في الجماعة محمد علي الحوثي، في حين يرجح مراقبون أن هذا العرض يسعى إلى تعويض موارد الجماعة التي ستتأثر بفعل تضييق الخناق على النفط الإيراني المهرب وانتهاء الاستثناءات الأميركية بالنسبة للعقوبات المفروضة على طهران.
وسبق أن لوح القيادي في الجماعة ورئيس ما تسمى باللجنة الثورية العليا محمد علي الحوثي بتفجير خزان النفط العائم في رأس عيسى والتسبب في كارثة بيئية في البحر الأحمر، بعد أن عجزت الجماعة في مساعيها لبيع المخزون المجمد منذ انقلابها على الشرعية وتوقف ضخ الخام اليمني إلى ميناء رأس عيسى.
وحمل العرض الحوثي الذي جاء في تغريدة على «تويتر» دعوة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لوضع «آلية تقوم على بيع النفط الخام اليمني ومنها نفط خزان صافر العائم مقابل توفير واستيراد البترول والديزل والغاز المنزلي كونها مواد ضرورية للمواطنين»، بحسب ما زعمه الحوثي.
كما تضمن العرض أن يتم توريد العائدات من البيع إلى البنك المركزي اليمني في عدن وإلى النسخة الحوثية من البنك في صنعاء، على أن يتولى الحوثي صرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرته وتتولى الشرعية صرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها.
وترجح مصادر يمنية في صنعاء أن الجماعة الحوثية بدأت تستشعر خطر نقص الموارد التي كانت تحصل عليها من مبيعات النفط الإيراني المجاني، بخاصة من قرار الحكومة الشرعية 75 القاضي بمنع استيراد النفط إلا عبر البنك المركزي في عدن والذي سيتولى تعزيز المصارف الأجنبية بقيمة النفط المستورد بعد أن يحصل من المستوردين على القيمة بالعملة المحلية (الريال). ويرجح مراقبون يمنيون أن الجماعة الحوثية لم يعد أمامها من خيار إلا الرضوخ لتدابير الحكومة الشرعية في الشأن الاقتصادي، إلا أنها ستبدأ البحث عن مصادر تمويل جديدة عقب تجفيف مواردها من النفط الإيراني المهرب.
وكان تقرير الخبراء الأمميين التابعين للجنة العقوبات في مجلس الأمن الدولي أشاروا في أحدث تقرير لهم هذا العام إلى إنشاء الميليشيات الحوثية شركات وهمية لاستيراد النفط وتهريبه من إيران بأوراق مزورة.
ويقدر اقتصاديون يمنيون أن أرباح الميليشيات اليومية من بيع الوقود المهرب تصل إلى مليونَي دولار في اليوم الواحد، وبخاصة مع قيامها برفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة وتحويل أغلب الشحنات للبيع في السوق السوداء.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.