منطقة الشهباء... مختبر سوري لصفقات «ضامني» عملية آستانة

«الشرق الأوسط» تستطلع خطوط التماس بين روسيا وتركيا وإيران شمال حلب... وأوضاع نازحي عفرين الكردية

TT

منطقة الشهباء... مختبر سوري لصفقات «ضامني» عملية آستانة

أمام مركز المصالحة الروسية في قرية كشتعار التابعة لبلدة تل رفعت على بعد 35 كلم شمال حلب، يتجمع حشد شعبي يقدر عددهم بنحو 5 آلاف شخص تتقدمهم أمهات وذوو المقاتلين الذين سقطوا في المعارك التي خاضتها «وحدات حماية الشعب» الكردية في عفرين قبل عام. رفع محتجون لافتة كبيرة كتب عليها بالخط العريض: «لا للصمت الدولي على الاحتلال التركي للشمال السوري»، فيما كتبت لافتات ثانية بلغات عربية وإنجليزية وتركية وكردية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوضع حد للنزاع الدائر في الشمال السوري.
أمام باب المبنى كان يقف جنود من القوات النظامية السورية، بينما تمركز جنود روس في نقاط مراقبة فوق المكان وفرضوا طوقاً أمنياً على المنطقة. يخرج ضابط سوري برتبة عقيد ويطلب من المحتشدين أن يدخل مجموعة من الأشخاص ليسلموا مطالبهم للجانب الروسي.
يدخل 4 أشخاص؛ سيدتان ورجلان من ذوي ضحايا «الوحدات». يرفض الجنرال الروسي السماح لزواره بدخول المبنى بحجة أنها نقطة عسكرية لا يسمح لأحد من غيرهم بدخولها. يعقد الجانبان اجتماعهم واقفين على أقدامهم في ساحة المركز. يترأس الاجتماع جنرال رفيع المستوى بحضور ضباط سوريين أحدهم كان برتبة عقيد.
شازيه؛ امرأة متقدمة بالعمر قتل ابنها ويدعى علي ذو 20 عاماً قبل عام وشهرين في المعارك التي دارت في مسقط رأسها. كانت إحدى المشاركات في الاجتماع، ونقلت أنّ مركز المصالحة الروسية تواصلوا معهم قبل أسبوع وطلبوا اجتماعاً الذي كان الرابع من نوعه يعقد خلال شهرين.
ولدى حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قالت: «الروس فضلوا الاستماع. قلنا لهم إن تركيا دخلت بضوء أخضر روسي، واعتبرنا خيانة روسيا أكبر من التدخل التركي، طلبنا منهم الاعتراف بخيانتهم تجاه الشعب الكردي، بسببهم سقط أكثر من ألف ضحية بعفرين».
استمر الاجتماع ساعة و20 دقيقة، الجنرال الروسي دوّن كل كلامهم ومطالبهم على دفتره الخاص، أكد أنه سينقلها للقيادة الروسية، وتضيف شازيه: «قال لنا إن عفرين لن تسترجع عسكرياً، ولكن سياسياً بالإمكان التفاوض لاستعادتها، ولن يخرج الجيش الحر إلا بتوافق دولي وإقليمي وبموافقة الجانب التركي»، وتابعت: «عرض علينا فكرة سفر وفد من أهالي عفرين إلى موسكو وعقد لقاءات رسمية مع القيادة الروسية».
وبحسب شازيه، أكدوا للوفد الروسي والضباط السوريين، «أن عفرين جزء من سوريا، وغوطة دمشق جزء من سوريا، كيف تكونون جزءاً من سياسة التغير الديموغرافي بترحيل سكان الغوطة وإسكانهم في عفرين، والسكوت عن تهجير أهالي عفرين الكردية؟»، على حد تعبيرها.
أما حسن بركو أحد المشاركين في الاجتماع مستبعداً وثوقه بالجانب الروسي، فذكر أن اللقاء كان الرابع وفي كل مرة يكفي الجانب الروسي بالوعود، «قلنا لهم إننا نستشعر بالخطر للتطورات الميدانية في مدينة إدلب وإمكانية شن عملية عسكرية هناك، نخشى أن يتفق الروس والأتراك على إخراج نازحي عفرين من بلدة تل رفعت».
بدوره، شدّد الجنرال الروسي على أن تركيا كانت مصممة على اجتياح عفرين، وهي دولة في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأنهم في مواجهة مع «الناتو»، وبحسب حسن: «قاطعته وقلت له عندما وافقتم على دخول الجيش التركي إلى عفرين كان الهدف كسب تركيا لانسحابها من حلف الناتو، مقابل انسحاب المعارضة من غوطة دمشق وتسليمها للنظام السوري»، وتابع كلامه: «قلنا لهم وبشكل رسمي؛ في حال لم تتحرك روسيا لإخراج الجيش التركي والفصائل المسلحة التابعة لها وإخراجهم من عفرين، سنطلب من (قوات سوريا الديمقراطية) تحرير عفرين عسكرياً ومساعدتنا لاستردادها».
ينتهي الاجتماع وتفض المظاهرة ويتوعد المحتجون باستمرار الاحتجاجات حتى تلبية مطالبهم ومعرفة مصير مدينتهم عفرين.

- ذكريات وصور
في معسكر العودة الذي بني لنازحي مدينة عفرين في بلدة تل رفعت. تلبس أمينة ذات الـ30 عاماً زياً كردياً فلكلورياً؛ ثوباً ملوناً طويلاً وإيشارباً بلون فاتح، علامات التقدم بالسن بدت على وجهها بسبب الظروف والمصاعب التي مرت بها على حد قولها، تروي كيف ودعت أبويها في منتصف شهر مارس (آذار) العام الماضي، ولم تعلم أن الفراق سيطول، حيث رحلت برفقة زوجها وأطفالها الصغار مع قوافل المهجرين من مدينتهم متوجهين إلى مناطق الشهباء.
انتهى بها المطاف اليوم للعيش مع أسرتها في خيمة في معسكر العودة في بلدة تل رفعت، تكاد تكون مساحتها نحو 30 متراً، لكنّ خبراً مفرحاً وصلها قبل أيّام: «منذ ذلك الوقت فقدت أرقام الهواتف ومعظم أقربائنا هاجروا كحالنا، عن طريق الصدفة تعرفت على شخص أهله يسكنون بالقرب من ضيعتنا وعرفوا أهلي، تواصلت معهم على الفور، وحصلت على رقم والديّ ووصلت إلي صورتهما على تطبيق واتساب».
عندما شاهدت أمينة صورتهما وكيف غزا الشيب شعر أبويها اللذين لم يتجاوزا 60 عاماً، شعرت بحزن عميق، وقالت: «قرأت الكثير في عيونهم ووجوههم، حزناً ووحدة وقهراً لفقدان جميع الأبناء والبنات»، رفعت يديها إلى السماء وقالت: «يا ربي ماذا فعلت بنا هذه الحرب، ومتى تنتهي؟»، فوالدتها فقدت نظرها جراء مرض السكري، «بعد خروجنا جميعاً لم تتحمل الوضع وبسبب بكائها فقدت نظرها، عندما اتصلت بها قالت لي: أنتظر عودتكم ليعود لي نظري وأشوفكم من جديد، أو تفضل الموت على هذه الحياة».
وبحسب إدارة مخيم العودة، يسكن الكامب نحو 500 عائلة ويبلغ عدد قاطنيه نحو 3 آلاف نازح، من بين 5 مخيمات منتشرة في مناطق الشهباء، يسكنها ثلث أهالي عفرين النازحين الذين يتجاوز عددهم 130 ألفاً.
تروي زنارة (25 سنة) المتحدرة من ناحية جنديرس التابعة لمدينة عفرين وتعيش في مخيم العودة، أنها لن تنسى طوال حياتها يوم 18 مارس وتسرد تفاصيله كأنها حدثت قبل قليل. ارتسمت علامات الحزن على وجهها لتقول: «يومذاك صعدنا إلى جبل الأحلام غرب عفرين 3 مرات هرباً من الجيش التركي والفصائل، آنذاك كنت حاملاً بطفلتي، وها هي اليوم أصبح عمرها 10 أشهر ولا نزال ننتظر لحظة العودة».
آنذاك كان المشهد مقيتاً بعد صعود معظم أهالي عفرين إلى جبل الأحلام، ووصفته قائلاً: «كأنه يوم الحشر، كل الناس كانوا ينظرون بحرقة إلى مدينتهم وكيف تسقط بيد الجيش التركي والمعارضة، بكيت كثيراً لأنني فقدت كل شيء، منزلي وأحلامي ومن تبقى من أهلي».
تنهدت واغرورقت عيناها بالبكاء، لتضيف: «فقدنا أخي كان عمره 5 سنوات، ضاع من والدتي وبحثنا عنه كثيراً دون جدوى، ولم يكن بمقدورنا العودة لعفرين للبحث عنه، حتى اليوم لا نعلم عنه أي شيء. والديّ يبكيان عليه يومياً».
أما نارين التي دخلت عقدها الخامس وتخشى أن تمضي بها الحياة وتبقى في مخيمات النزوح والتشرد، لم تتوقع أن ينتهي بها الأمر لتشارك ابنها وزوجته في خيمة صغيرة بكامب لا يبعد سوى 20 كلم عن مسقط رأسها. كانت تحمل بيدها جوالها المحمول تشاهد صور منزلها الكائن في ناحية بلبلة، لتقول وهي تشير إلى درج مرتفع ومنزل قديم: «هذا مدخل منزلي تحيطه أشجار الورد والزيتون، في مثل هذه الأيام من الربيع يصبح المكان جميلاً للغاية». توقفت عن الكلام وهي تقلب الصور لتسترجع الذكريات، وأضافت بصوت منخفض مكسور بدا عليه التعب والحزن: «أحد جيراننا قال لنا قبل أيام قطع مسلحون أشجار الزيتون وعبثوا بأشجار الورد في منزلنا، أخشى أن أموت هنا بعيدة عن منزلي وأهلي ويبقى هؤلاء الغرباء يعبثون بممتلكاتنا».

- احتجاجات ونداءات
في قرية صوغانكه التابعة لناحية شيراوا جنوب شرقي مدينة عفرين الواقعة شمال سوريا، اعتصم آلاف النازحين الذين أجبروا على ترك ممتلكاتهم قبل عام حاملين لافتات منددة بالتدخل التركي، وسكوت المجتمع الدولي على عمليات التهجير والتغيير الديموغرافية لمدينتهم ذات الغالبية الكردية. المعتصمون اتخذوا موقعاً قريباً يقابل قرى كيمار وبراد وباصلة التي خضعت منذ مارس (آذار) 2018 لنفوذ فصائل سورية معارضة مدعومة من الجيش التركي، وعلى مرمى نظرهم كانوا يشاهدون أشجار الزيتون وحقول القمح وقمة جبل سمعان الخضراء.
على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية وأعمارهم وانتماءاتهم السياسية، شارك المحتجون بقناعة أنهم إذا استطاعوا مجرد الوقوف هناك لوقت كافٍ فسوف تتحقق مطالبهم ومناشداتهم بالعودة إلى مسقط رأسهم. وعفرين شهدت معارك عنيفة بين شهري يناير (كانون الثاني) ومارس استمرت شهرين؛ تسببت في فرار مئات الآلاف من أبناء القومية الكردية خشية من الملاحقة والزج في السجون والمعتقلات.
يعتقدون أن اعتصامهم السلمي في هذه البقعة الجغرافية يمكن أن يدفع الدولة نفسها والجهات العسكرية على التنحي ومغادرة المدينة الملاصقة للحدود مع تركيا، ورغم كل ما بينهم من تباينات واختلافات ومناطق مختلفة بالسكن، لم يتطلب الأمر من المحتجين الذين كان يصل عددهم في ساعات الصباح الباردة إلى 5 آلاف شخص، سوى بعض الدعوات الشعبية من شخصيات محلية يتحدرون من عفرين، واليوم يقطنون في مخيمات منتشرة بالشهباء تقع على بعد عدة كيلومترات من مسقط رأسهم.
بالاعتصام الشعبي كان يفوق عدد النساء والفتيات الرجال والشباب منهم، حيث ضم مزيجاً من الفتية وكبار السن بمشاركة أطباء وممرضين ومحامين ونشطاء حقوقيين وفنانين وإعلاميين. في أحاديثهم، بدت مشاعر الكره والعداء واضحة بشدة تجاه روسيا التي سمحت بفتح المجال الجوي للطيران التركي، ومن تركيا بعد توغل جيشها في مدينتهم العام الماضي ودعمت فصائل وجهات إسلامية سورية وأسكنوا آخرين محلهم.
يروي حسين (50 سنة) المتحدر من قرية دير مشمش التابعة لناحية شيراوا غرب عفرين، كيف نزح قبل عام وشهرين رفقة أسرته بعد دخول الجيش التركي والفصائل الموالية له، قاصداً أقرباءه الساكنين في قرية صوغانكه المواجهة لمسقط رأسه. شارك في الاعتصام وكان يحمل في يده اليسرى أغصاناً من شجر الزيتون وفي الثانية رفع صورة مقاتل كردي سقط في معارك عفرين.
ولدى حديثه نقل أنه يومياً يذهب إلى الحدود الفاصلة بين قريته ومكان إقامته الجديد، ليقول: «على بعد أمتار أشاهد بحرقة أشجار الزيتون الخضراء يخالجني شعور حزن عميق، فبسبب الحرب لا أستطيع الذهاب إلى حقلي وممتلكاتي».
وبحسب سكان القرية التابعة لناحية شيراوا التي باتت منقسمة السيطرة؛ فقد تعرضت لأكثر من 300 قذيفة الأمر الذي تسبب في تهجير قسم من الأهالي الذين فضلوا الابتعاد عن نيران المعارك، ونقلوا روايات بتعرض كثير من أصحاب المواشي والأغنام إلى السرقة والخطف ويتهمون الفصائل السورية المعارضة لإجبار من تبقى على الرحيل وترك أملاكه وقريته.
تقول فاطمة (35 سنة) المتحدرة من قرية صوغانكه، إنّ نصف سكان قريتها هاجروا عنها مجبرين، بسبب القذائف العشوائية التي تسقط عليهم، «كل أسبوع تسقط قذيفة أو أكثر، بقي نحو 100 أسرة من أصل 250 عائلة كانوا يسكنون قبيل اندلاع المعارك»، فالقرية باتت نقطة تماس و«حدوداً من نار» على حد وصف سكانها، وقد نالت النيران أشجار الزيتون التي بقي قسمها الأكبر بالطرف الثاني، وتضيف فاطمة: «لا يستطيع أي شخص الاقتراب منها بحجة أنها منطقة محظورة، كما عمد عناصر الفصائل المسلحة إلى حرق الأراضي التي كانت مزروعة بالقمح والشعير وقطع أشجار الزيتون».
ولا تزال تتذكر اليوم الذي سقطت على منزلها قذيفة دمرت القسم الأكبر منه، وتابعت: «يوم سأتذكره طوال حياتي، كنا نجلس بالصالون عند المساء وإذ تسقط قذيفة هاون، حقيقة لا أعلم كيف نجوت وحملت أطفالي وهربنا، حتى اليوم بيتي مدمر وأخشى التعرض لموقف مشابه».
بينما نقل قادو الرجل الأربعيني الذي يمتلك قطيعاً من الأغنام، أن المساحة التي باتت مخصصة لرعي الأغنام في قرية صوغانكه، محصورة جداً، فالفصائل المسلحة في الطرف الثاني تمنع اقتراب أي شخص، والسبب أنه «قبل فترة تعرض راعٍ للخطف، طلبوا فدية من أهله مليون ليرة وأجبروا على دفعها، كما أخذوا أغنامه»، وما يزيد من مصاعب الحياة في هذه القرية على حد وصف قادو، «أن هناك أكثر من ألفي رأس غنم والمساحة القابلة للرعي لا تتعدى بضعة كيلومترات، فقد تحولت لنقطة حدودية مع جهات عسكرية متحاربة».
أما لورين (55 سنة) التي تمتلك أسرتها 500 شجرة زيتون تقع غرب قرية صوغانكه، في المنطقة الفاصلة بين الجهات المتصارعة بين الجيش التركي وفصائل الجيش الحر، ومناطق انتشار القوات السورية والشرطة العسكرية الروسية، فتقول بحسرة: «منذ عام وشهرين لم نذهب إلى حقل الأشجار، حتى محصول العام الماضي لم نجنه ولا يزال بالشجر، يمنع أي شخص الاقتراب من تلك المناطق، فهو مهدد بالقتل أو الخطف»، وأشارت إلى أن مصيرهم بات مجهولاً. وتضيف: «ما ذنب تلك الأشجار؟ كما أن العائلات انقسمت هنا وهناك حيث يعيشون على بعد أمتار لكنها تحولت لحدود دول».

- صراع على النفوذ
تقع منطقة الشهباء التي باتت ملاذاً آمناً لنازحي عفرين، وسط مثلث، تحدها 3 جهات دولية وإقليمية متناقضة بالحرب السورية لكن يجمعها مسار آستانة. فتركيا وفصائل معارضة أطلقت عملية غصن الزيتون في 18 يناير 2018 وسيطرت على مدينة عفرين في مارس (آذار) بالعام نفسه، وانتزعت مركز مدينة عفرين ونواحيها من قبضة «الوحدات»، فيما بقيت ناحية شيراوا منقسمة السيطرة. وكانت قد نفذت عملية «درع الفرات» منتصف 2016 وبسطت السيطرة على مدن غرابلس والباب والراعي وصولاً إلى بلدة أعزاز (شمال)، وباتت تسيطر على كامل المناطق الواقعة شمال شرقي حلب.
أما القوات الحكومية السورية والشرطة العسكرية الروسية، فتنتشر على طول الحدود الفاصلة مع الجيش التركي عند ناحية شيراوا جنوب شرقي عفرين، وتراقب وقف إطلاق النار في نواحي تل رفعت وفافين وأحرص وكفر نايا وقرى حربل وشيخ عيسى وكفر نايا وكفر ناصح، التي يطلق عليها إقليم الشهباء، في وقت تتمركز فيه عناصر «حزب الله» اللبناني والقوات الإيرانية والميليشيات الإيرانية الموالية للجيش السوري في بلدتي نبل والزهراء الشيعيتان المتاخمتين لمدينة عفرين وتقع في جهتها الجنوبية الشرقية.
وطالبت تركيا مراراً بانسحاب «وحدات حماية الشعب» من المناطق الواقعة شرق وغرب نهر الفرات، حيث تخشى من قيام حكم ذاتي قد يحصلون عليه في بلد يشهد نزاعاً دموياً منذ 8 سنوات، الأمر الذي سيدفع أبناء جلدتهم كُرد تركيا للمطالبة بالمثل، إذ تتهم الحكومة التركية ارتباط هذه القوة الكردية بـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور لديها، والأخير يخوض تمرداً مسلحاً منذ 4 عقود بهدف نيل الأكراد استقلالهم في جنوب شرقي تركيا، في وقت تنفي فيه قيادة الوحدات أي صلة بحزب العمال، وهو ما تؤكده الولايات المتحدة التي تدعم الوحدات في معركتها ضد تنظيم داعش الإرهابي شرق الفرات.
ومنذ ذلك الحين، تحدثت عدة منظمات دولية حقوقية ووسائل إعلام عن تردّي الأوضاع الأمنية والإنسانية في هذا الجزء من سوريا، حيث نزح على أثر ذلك ما يزيد على نصف سكان المدينة البالغ عددهم قبل الحملة نحو نصف مليون نسمة، وتمركزوا في مخيمات بمناطق الشهباء في ريف حلب الشمالي على بعد عشرات الكيلومترات من منازلهم، وحلّ مكانهم في عفرين نازحون من مدينة دوما وبلدات الغوطة الشرقية وحمص وحماة وغيرها من سكان المناطق التي استعادتها القوات الحكومة من الفصائل المعارضة الموالية لتركيا، وأجبروا على ترك مناطقهم وفق اتفاق مسار آستانة.
وترى هدية يوسف القيادية في «منسقية مؤتمر ستار النسائي» وتنشط في منطقة الشهباء، أنّ عفرين سقطت «ضحية مؤامرة» لاتفاقات آستانة بين الدول الفاعلة بالحرب السورية (روسيا وتركيا وإيران)، وتقول: «هدف روسيا إرضاء تركيا ببقائها في عفرين وقد تتنازل عن بلدة تل رفعت ومدن ثانية لكسبها في معركة إدلب المرتقبة، فروسيا والنظام ليسا بمقدورهما خوض المعركة دون كسب دعم تركيا».
وتنفذ القوات التركية منذ أسابيع عمليات هدم وجرف واسعة النطاق لمنازل وأملاك المدنيين في قرى جلبل وكيمار، بهدف استكمال أعمال بناء جدار إسمنتي لعزل مدينة عفرين عن محطيها السوري، حيث انتهت من بناء 500 متر بالقرب من قرية كيمار، وتشمل الخطة بناء نحو 70 كيلومتراً من الجدار بكتل إسمنتية خرسانية بالمنطقة داخل الأراضي السورية، تمتد من جبل سمعان وقرى مريمين شمالاً إلى كيمار جنوباً، مروراً ببلدة جلبل في الجنوب الغربي وربطها بأبراج مراقبة مع نقاط عسكرية للجيش التركي.
وتشير هدية يوسف إلى أنّ هدف تركيا من بناء الجدار «لعزل عفرين وفصلها عن عمقها السوري، والنظام لم يحرك ساكناً بخصوص ما يجري هناك من انتهاكات على يد الفصائل المسلحة».

- طريق غازي عنتاب ـ حلب
يجري الحديث حالياً عن صفقة صغيرة تتضمن انسحاب الشرطة الروسية من بلدة تل رفعت والسماح لتركيا وحلفائها بالدخول إلى شمال حلب وفتح الطريق الدولية «غازي عنتاب - حلب»، مقابل دخول روسيا وحلفائها إلى مثلث جسر الشغور لحماية قاعدة حميميم والتفكير بتشغيل طريق اللاذقية - حلب.
ولفتت الناشطة هدية يوسف إلى أن الطريق تمر ضمن المناطق المنقسمة، وفي حال دخلت التفاهمات حيز التنفيذ، قالت: «أعتقد ستنسحب روسيا لصالح تركيا من تل رفعت ومدن وبلدات محاذية للطريق، وبذلك ستكون مدينة حلب ثاني أكبر مدينة في سوريا مهددة بالخطر، ومنذ البداية كانت من بين أطماع تركيا».
ويشعر قياديون أكراد بـ«الغدر بسبب فتح روسيا المجال الجوي فوق عفرين للطيران التركي أثناء المعركة»، فالموقف الروسي، وبحسب قيادات كردية إزاء ما يجري في عفرين بمثابة «طعنة بالظهر»، إذ إن روسيا تحاول دعم تركيا والحكومة السورية في آن واحد.
وقال مظلوم عبدي القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أميركياً، في تصريحات صحافية نُشرت في 27 أبريل (نيسان) الماضي، إن إعادة عفرين لأهلها قضية محورية ولا يمكن التحدث عن أي تطور في الحل السياسي أو أمن واستقرار مناطق شمال وشرق سوريا من دون عفرين، «تشكل إعادة أهالي عفرين من دون استثناء وبحماية دولية وإعادة ممتلكاتهم المسلوبة، وإزالة التغيير الديمغرافي الحاصل وإعادة عفرين إلى وضعها الطبيعي العامل الحاسم في استمرارية المباحثات حول المنطقة الآمنة ونجاحها».
وعن «المنطقة الآمنة» التي صرح عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبحثها مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أكد كوباني: «نقبل فكرة المنطقة الآمنة التي تخدم الأمن والاستقرار في منطقة شرق الفرات بحماية دولية، والمباحثات للوصول إلى صيغة مقبولة من قبل كل الأطراف مستمرة إلى الآن»، مضيفاً: «نصر على أن تتجنب المنطقة الآمنة تدخلاً تركياً في الأراضي السورية، وعدم إعطاء الشرعية للوجود التركي، مقابل أخذ المطلب التركي فيما يتعلق بأمن حدودها بعين الاعتبار، بالطبع لا يمكن الوصول إلى تفاهم دائم مع تركيا من دون حل مسألة عفرين».
فيما تكتفي الحكومة السورية بانتقاد التدخل التركي في عفرين، وتصفه بأنه شكل من أشكال «الاحتلال»، لكنها لم تتخذ أي إجراء لمجابهته، ويحمّل نازحو عفرين القاطنين في المخيمات بمناطق الشهباء، مسؤولية ما يحدث في مدينتهم على النظام الحاكم وحليفته روسيا.
وخلال محادثات آستانة التي عقدت يومي 25 و26 أبريل (نيسان)، قال بشار الجعفري مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة في تصريحات صحافية، إنّ السلطات التركية «تحتل نحو 6 آلاف كيلومتر مربع من الأراضي السورية أي عفرين وغرابلس ومدن أخرى علاوة على إدلب وتنشئ الآن جداراً بطول 70 كلم جنوب منبج لفصلها عن حلب»، ولفت إلى أنّ مساحة الأراضي التي تسيطر عليها تركيا من الأراضي السورية تضاعفت بـ4 مرات من تلك الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل على الجولان السوري، وأضاف: «تحتل تركيا 4 أضعاف مساحة الجولان التي تحتلها إسرائيل، وبالتالي فإن سلبية تركيا تجاه الشعب السوري أسوأ 4 مرات من سلبية الاحتلال الإسرائيلي للجولان».



أثر الدومينو في احتجاجات أوروبا... انتفاضات قد تغير وجه الاتحاد

متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

أثر الدومينو في احتجاجات أوروبا... انتفاضات قد تغير وجه الاتحاد

متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)

عندما كان غوستاف فلوبير على فراش نزاعه الأخير يستعرض ما أحدثته الثورة الصناعية من تداعيات اجتماعية وسياسية أدّت إلى ظهور الحركات والنقابات العمالية والأحزاب الاشتراكية، واتساع المد الإمبريالي والاستعماري في أفريقيا وآسيا، في حين كانت تتشكّل التحالفات العسكرية التي تسببت لاحقاً في نشوب الحرب العالمية الأولى، قال كاتب «المراسلات» (1863) الذي عرف برفضه «الهوس باستخلاص أحكام نهائية»: «يتعرّض العالم، بين فترة وأخرى، لسيل جارف من الأحداث يقوّض الدعائم الراسخة منذ عقود ويهزّ المسلّمات التي تركن إليها المجتمعات في استقرارها».

الأحداث التي تتدفق سيولها في معظم بلدان العالم الغربي، خصوصاً في أوروبا منذ مطالع هذا القرن، بالتزامن مع مخاض جيوسياسي وإعادة تشكيل للتحالفات والمحاور الدولية، تنذر باهتزازات قوية في أكثر من اتجاه وعلى غير صعيد، وتؤشر إلى عصر جديد يقوم على أنقاض التوازنات التي استقرّ عليها العالم منذ نهاية الحرب العالمية إلى اليوم.

زجاج مكسور بفرانكفورت بعد احتجاجات شهدت عنفاً نظَّمتها مجموعات شبابية تحمل اسم «الجيل زد قادر» في ألمانيا (أ.ف.ب)

غضب واحد بأسماء كثيرة

تحمل تلك الأحداث أسماء متعددة، بلا روابط أو قواسم مشتركة هيكلية ظاهرة بينها، مثل الإصلاحات الهيكلية وتقليص الخدمات الاجتماعية واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء وانسداد الأفق أمام الشبّان، وتزايد المخاوف من تدفقات الهجرة، واتساع دائرة القلق من تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن انتفاخ الإنفاق العسكري والأمني وضمور المال العام المخصص للخدمات الصحية والتعليم، وتضع المشروع الأوروبي الذي قام على الرخاء والأمن والاستقرار أمام أصعب اختبار في تاريخه الحديث.

من فرنسا إلى بلجيكا وصربيا وألبانيا، ومن إسبانيا إلى إيطاليا والبرتغال واليونان، تتزامن الاحتجاجات الغاضبة في المدن، لكن تتباين دوافعها من غير أن تشكّل حتى الآن حركة موحدة على امتداد الاتحاد. طلاب ومزارعون وعمّال، إلى جانب مواطنين عاديين ومنظمات بيئية ونسائية، ومراهقين دون الخامسة عشرة من العمر، يتدفقون في الشوارع للإعراب عن سخطهم إزاء الإجحاف الذي يلحق بهم جراء التفاوت الصارخ في توزيع تكلفة التحولات الاقتصادية والسياسية وتحمّلهم القسط الأكبر من تداعياتها.

وقد أظهرت «الجولات» الأولى من هذه الاحتجاجات، في مدريد وباريس وميلانو وتيرانا، أنها قابلة لأن تتحول بسرعة ومن غير دوافع واضحة، موجاتٍ من العنف تؤججها أجندات سياسية متطرفة ومناخ سياسي شديد التوتر، وتدفعها نحو مواجهات يمكن أن تخرج بسهولة عن السيطرة.

منذ أشهر حذّر «المرصد الاجتماعي» التابع للمفوضية الأوروبية من أن ثمة مؤشرات متراكمة تدلّ على وجود أرضية خصبة في بلدان الاتحاد لاندلاع موجات احتجاجية بسبب ظروف اقتصادية ومعيشية شتى، وأن جهات داخلية وخارجية متعددة قد تستغلها للتعبئة على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أو لزعزعة الاستقرار في الدول الأعضاء وتقويض الثقة بالمشروع الأوروبي الذي يمرّ في أحرج المراحل منذ تأسيسه.

متظاهر يرتدي قناعاً في مسيرة احتجاجية بمرسيليا تزامنت مع احتفالات «هالوين» ضمن موجة تظاهرات صاخبة عمَّت أرجاء فرنسا (أ.ف.ب)

«عدوى» الاحتجاجات والانتخابات

أضواء الإعلام الكاشفة بقيت خافتة إلى أن بدأت موجة الاعتصامات في إسبانيا احتجاجاً على أزمة المسكن، واندلعت بعدها المظاهرات العنيفة في المدن الفرنسية الكبرى، بالتزامن مع احتجاجات غير مسبوقة في ميلانو وبروكسل ولشبونة وتيرانا. لكن بلداناً أوروبية عدة كانت تشهد منذ أشهر احتجاجات متفرقة يقطع فيها المزارعون بجراراتهم الطرق المؤدية إلى المدن، وتعلن النقابات العمالية إضرابات عامة، ويخرج المواطنون إلى الشوارع ضد ارتفاع الإيجار وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدني الخدمات الاجتماعية. تحركات قد تبدو في ظاهرها فروعاً من تيّار واحد، لكن في الواقع لكل منها دوافع وأسباب مختلفة، وأحياناً متضاربة.

الغضب الذي انفجر في شوارع المدن الفرنسية الكبرى كان جمراً يتقد تحت الرماد منذ فترة طويلة، وكان اندلاع شرارته متوقَعاً مع اقتراب موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية التي قد تغيّر وجه فرنسا التي تشكل الاحتجاجات العنيفة سمة رئيسية في حراكها الاجتماعي منذ عقود، وغالباً ما تنتقل عدواها بسرعة إلى الجوار، كما حصل في بلجيكا، حيث كان الاستياء الطلابي يغلي على نار خفيفة منذ أشهر، إلى أن انفجر بعد إقرار الموازنة العامة الأخيرة التي تضمنت دفعة جديدة من المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا، مُقتطَعة في معظمها من باب الخدمات التعليمية والاجتماعية. في إسبانيا، لم يكن انفجار أزمة المسكن وما رافقها من اعتصامات، سوى امتداد طبيعي للاحتقان الشديد الذي يشهده المناخ السياسي الإسباني منذ فترة طويلة، واحتدامه بعد الإعلان عن إجراء انتخابات مسبقة أواخر الشهر الحالي، وهو مناخ كان توتر إلى أقصى الحدود إثر أزمة تدفق عشرات آلاف المهاجرين غير الشرعيين من المغرب الصيف الماضي.

متظاهر ضد غلاء المعيشة في ليون الفرنسية مرتدياً زي الملكة ماري أنطوانيت ورافعاً لافتة تحمل عبارتها الشهيرة «اعطوهم البسكويت» (أ.ف.ب)

وفي إيطاليا الموعودة بانتخابات أخرى حاسمة في الربيع المقبل، ترتفع حرارة المواجهة السياسية يوماً غبّ اليوم بعد التنامي السريع للحزب اليميني الجديد الذي ينافس، في التطرف، الحكومة الحالية التي تقودها زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف جورجيا ميلوني، وبعد أن استشعرت القوى والأحزاب اليسارية إمكانية الفوز في الانتخابات المقبلة، فقررت تصعيد المواجهة الشعبية وتأجيج الاحتجاجات التي خلّفت أضراراً جسيمة في ميلانو منذ أسبوع، ثم عادت وعمّت معظم المدن الإيطالية، الجمعة الماضي، الذي كانت النقابات العمالية أعلنت فيه الإضراب العام، وتخللته اضطرابات كانت أعنفها تلك التي شهدتها العاصمة روما.

احتفالات في وسط بلغراد بعد فوز الحزب التقدمي الصربي و«لائحة الطلاب» بالانتخابات إثر حركة احتجاجية سلمية دامت قرابة سنتين (رويترز)

صربيا... ومثابرة الطلاب

وبينما كانت المظاهرات والاحتجاجات تتوالى في البرتغال واليونان وألبانيا ضد تراجع الخدمات الاجتماعية وغلاء المعيشة وأزمة السكن، كانت المفاجأة الكبرى تعتمل في صربيا التي كان طلابها يواصلون احتجاجاتهم السلمية وتعبئتهم في جميع أنحاء البلاد بإصرار لافت منذ نحو السنتين، عندما أجبروا رئيس الجمهورية ألكسندر فوفيتش على الاستقالة والدعوة لإجراء انتخابات مسبقة. لكن المفاجأة لم تقتصر على ذلك فحسب، بل تحولت رسالةً وإنذاراً إلى دول البلقان الأخرى، وإلى الاتحاد الأوروبي، عندما قرر الطلاب خوض تلك الانتخابات بلائحة لا تحمل أي شعار سياسي، ضمّت مرشحين لم يسبق لهم أن خاضوا المعترك السياسي ومعظمهم من الأشخاص غير المعروفين في الأوساط الاجتماعية، واستطاعوا أن يحققوا فوزاً واضحاً على حزب فوفيتش الذي كان ترشح على رأس لائحته لمنصب رئيس الوزراء؛ لأن الدستور الصربي يمنع ترشحه لولاية رئاسية ثالثة.

وكانت احتجاجات الطلاب الصربيين بدأت، واستمرت حتى نهايتها، تحت شعار مكافحة الفساد المستشري على عهد فوفيتش منذ نحو عقدين، وسيادة القانون، ومحاسبة المسـؤولين الذين تربط كثيرين منهم علاقات بالجريمة المنظمة. ورغم القمع الذي تعرّض له الطلاب على يد الأجهزة الأمنية والتنظيمات الموالية للحزب الحاكم، والاتهامات التي وجهت إليهم بأنهم مرتزقة يعملون لحساب دول أجنبية، واعتقال العديد منهم، أصرّوا على سلمية الاحتجاجات والاعتصامات، وانتشروا في الأرياف التي يشكّل سكانها الخزان الانتخابي لفوفيتش، وقاموا بحملات متواصلة للتوعية وتعبئة المواطنين البعيدين عادة عن مسرح الأحداث السياسية ولا يتابعون مجرياتها، وحصدوا فيها نتائج لم تكن في حسابات الحزب الحاكم الذي اعترف زعيمه بالهزيمة بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع.

ورغم أن فوز لائحة الطلاب في الانتخابات الصربية لا يكفي وحده لطي صفحة النظام الذي حكم البلاد طيلة عشرين عاماً توطن فيها الفساد وانتشر على كل المستويات، خاصة بعد ما شهدته بلغراد مؤخراً من التكريم العسكري الرسمي في جنازة راتكو ملاديش المحكوم بجرائم ضد الإنسانية لمسؤوليته في الفظائع التي شهدتها حرب يوغوسلافيا.

احتفالات في وسط بلغراد بعد فوز الحزب التقدمي الصربي و«لائحة الطلاب» بالانتخابات إثر حركة احتجاجية سلمية دامت قرابة سنتين (رويترز)

إلى جانب هذه الاحتجاجات التي يشكّل الطلاب رأس حربتها، بدأ المزارعون أيضاً سلسلة من الاحتجاجات ضد الضوابط والقيود الجديدة على الإنتاج والارتفاع الباهظ في تكلفته بسبب أسعار المحروقات، واستحالة المنافسة مع المنتجات المستوردة.

وفي المدن تخرج الطبقة الوسطى، أو ما تبقى منها، إلى الشوارع احتجاجاً على الغلاء المطرد الذي يشمل كل أبواب الاستهلاك الأساسية وعلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية. أما القاسم المشترك بين هذه الاحتجاجات، فهم الشبّان الذين يحملون الرصيد الأكبر من الغضب بسبب الإحباط الناجم عن تهميشهم ويأسهم من تلمّس فرص المستقبل، وشعورهم باتساع الفجوة بين الذين يتخذون القرارات ومن يقاسون تداعياتها اليومية.

احتقان يولّد العنف

في تشخيص «المرصد الاجتماعي» الأوروبي لهذه الأحداث ومسبباتها، أن الاستياء الذي يتراكم منذ سنوات بسبب الظروف المعيشية يولّد الغضب الذي يمكن أن ينفجر عند أي تدبير أو قرار عادي، مثل ضريبة إضافية، أو إلغاء مساعدة اجتماعية أو إصلاح عمالي، ويؤدي إلى احتجاج شعبي تترافد فيه فئات عدة لكل منها مطالبها. لكن ما يغفله هذا التشخيص، أو يتغاضى عنه، هو أن المواطن الأوروبي يعيش حالة مزمنة من فقدان الثقة بالمؤسسات الحاكمة، وأن القرارات الأساسية تتخذ خارجها أو تمليها عليها جهات ودوائر نافذة خدمة لمصالح لا تراعي مطالب المواطنين وتطلعاتهم.

ضباط شرطة مكافحة الشغب يعتقلون متظاهراً في وسط لشبونة بالبرتغال (أ.ف.ب)

القراءة المتأنية لهذه الاحتجاجات تبيّن أن المتظاهرين، في غالبيتهم، لا يرفضون بالضرورة كل الإصلاحات التي تطرحها الحكومات، بقدر ما يشككون في توزيع أعباء تكلفتها ومن سيقطف ثمارها، ومن يشارك في تصميمها. وهذا ما يفسّر كيف أن السياسات التي تعدّها الحكومات أساسية وضرورية، يراها المواطن مجحفة؛ لأنه غير قادر على تحمل أعبائها. يضاف إلى ذلك أن ثمة شعوراً متنامياً بين معظم الفئات الاجتماعية والاقتصادية، بأن صوتها ومطالبها لا تلقى آذاناً صاغية من المسؤولين ولا تصل إلى المؤسسات، وبالتالي تصبح الاحتجاجات هي الوسيلة الوحيدة المتبقية لإسماع صوتها وإيصال مطالبها. ولا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي، والشبان هم أحسن من يتقن استخدامها، تساعد على تسريع التعبئة وتوسيع دائرتها، لكنها في الوقت ذاته تضخّم الشعارات المتطرفة حولها، وتمزج بين المطالب المحقة وحملات التشويه والتحريض على العنف.

تربة لسياسات متطرفة

يوفّر كل ذلك الوضع المحتقن تربة خصبة للقوى والأحزاب السياسية التي تنادي بالحلول السريعة، وتحدد بوضوح المسؤولين عن آلام المجتمع ومصائبه وتعدّ الحوار والحلول الوسط خيانة عظمى. لكن اللافت أيضاً هو أن كل هذه الاحتجاجات لا تصب بالضرورة في مصلحة الأحزاب ذاتها، رغم أنها تدفع الناخبين بقوة نحو الأطراف التي تبيّن في السنوات الأخيرة أنها تتغذّى بسخاء من هذا المناخ الاجتماعي المشحون.

وحسب استطلاعات للرأي أجريت مؤخراً في فرنسا، فإن 48 في المائة من الشباب يصوّتون لصالح التيار اليساري المتطرف «فرنسا الأبيّة»، في حين 33 في المائة من الذين دون الخامسة والعشرين في الأرياف يصوّتون لصالح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف؛ ما يولّد أزمة ثقة بين الطرفين.

معظم المحللين الاجتماعيين يتفقون على أن أزمة الثقة هي المفتاح الأساسي لقراءة هذه الأحداث التي تعصف ببلدان الاتحاد الأوروبي، وأن معالجتها تقتضي إعادة نظر شاملة وعميقة في أساليب عمل المؤسسات الحاكمة ومقاربة التواصل مع المواطن الأوروبي، وبخاصة مع الفئات الشابة. لكنهم ينبهون بأن هذه المعالجة تكاد تكون مستحيلة في الأمد المنظور؛ بسبب مناخ التعبئة السياسية القصوى في العديد من الدول الأعضاء.

شرطية برتغالية تضع قرنفلة حمراء رمز «ثورة القرنفل» (1974) قدمها لها أحد المحتجين في ساحة «روسيو» بالعاصمة لشبونة خلال احتجاجات ضد أزمة السكن وارتفاع الإيجارات (أ.ف.ب)

سباق محموم مع أميركا والصين

يسهِم في استحالة تلك المعالجة، الظروف الجيوسياسية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وتقلبات الموقف الأميركي منها وما يستدعيه من جهد أوروبي إضافي يستنزف موارد مالية ضخمة، فضلاً عن حاجة أوروبا الملحة إلى عدم خسارة رهانها على اللحاق بالصين والولايات المتحدة من حيث القدرة على التنافسية في الإنتاج والرسوخ قطباً ثالثاً في المعادلة الدولية. وما يزيد من صعوبة هذا الرهان الأوروبي أن الدول الأعضاء تراكم عجزاً عاماً متوسطه 83 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وان معظمها ينفق ما يزيد على 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على الخدمات العامة من غير أن يحول ذلك دون موجات الغضب والاستياء.

في ضوء هذه التحديات التي يتوقف عليها مستقبل المشروع الأوروبي على غير صعيد، وتحسباً لمخاطر انفجارات اجتماعية أوسع، يبقى السؤال الذي يطارحه الأوروبيون أنفسهم هو التالي: ما السبيل إلى الانتقال بالاقتصاد نحو المستوى التالي الذي يفرضه السباق التكنولوجي العالمي من غير أن تتحمل تكلفته دائماً الفئات الاجتماعية نفسها؟ والإجابة عنه تقتضي سياسات تقوم على مشاورات واسعة وسريعة وآجال واقعية، ورواتب وخدمات تساعد على استيعاب الأزمة وتداعياتها، وقنوات للحوار تسمح بتصويب المسار قبل حدوث الانفجار.

عرض تعبيري خلال إضراب عام احتجاجاً على الغلاء والإنفاق العسكري في روما وبدت لافتة كتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» (أ.ب)

مشهد مفتوح

السيناريو المتداول حالياً في أروقة القرار الأوروبي هو أن هذه الاحتجاجات ليست وليدة حالة واحدة على امتداد الاتحاد، بل هي سلسلة من الانتفاضات القطاعية التي تنسّق فيما بينها من حين إلى آخر وتبلغ ذروتها بفعل قرارات وطنية أو أوروبية، وأن الانتخابات والموازنات العامة المقبلة قد تعيد تأجيجيها. لكن المشهد العام يبقى مفتوحاً على احتمالات ثلاثة:

الأول، انفراج جزئي أو مرحلي نتيجة تنازلات وتدابير تخفف الضغط على المواطن من غير أن تحل المشاكل الأساسية وتعالج أسبابها.

الثاني، الانتقال إلى حال من الأزمات الممتدة، تتخللها إضرابات وصدامات مستمرة بهدف الدفع نحو المفاوضات.

والثالث، اتجاه الأحزاب السياسية والمؤسسات إلى استغلال موجات الغضب والاستياء وعدم التجاوب مع المطالب الشعبية، وترك المواطنين يعبّرون عن سخطهم وإحباطهم في صناديق الاقتراع التي يرجّح أن تخرج بمفاجآت قد يكون الوقت فات لاحتوائها.

متظاهر يواجه مجموعة من عناصر الشرطة خلال احتجاجات في مدينة كولون الألمانية من تنظيم «الجيل زد قادر» (أ.ف.ب)

ولعلّ أغرب ما رافق هذه الأحداث من ردود فعل خارجية، إن الدبلوماسية الإيرانية احتجت على «القسوة» التي تميّز بها تعامل السلطات الفرنسية مع إعمال الشغب التي سادت مظاهرات باريس، وتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما قال إن هذه الأزمة هي دليل آخر على هزال القيادات الأوروبية.


خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

مع اقتراب موعد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) للانتخابات النصفية الأميركية، تتجاوز المعركة الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى صراع على الطبقة العاملة والنساء والشباب والمزارعين وسكان الضواحي. وبين تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب والغضب من الأسعار والحرب مع إيران، تبرز كتلة الناخبين المترددين والمحبطين باعتبارها القوة التي قد ترسم الخريطة السياسية الجديدة.

لكن السؤال لم يعد مقتصراً على قدرة الديمقراطيين على انتزاع الأغلبية من الجمهوريين، بل أي أميركا ستذهب إلى صناديق الاقتراع، وأيها ستبقى في منازلها؟ أميركا المدن الكبرى التي يهيمن عليها الديمقراطيون، أم المناطق الريفية التي تشكل العمود الفقري للجمهوريين؟ عمال المصانع الذين استمالهم ترمب بوعوده الصناعية، أم نساء الضواحي القلقات من سياساته؟ الشباب المتطلعون إلى التغيير، أم الناخبون الأكبر سناً الذين اعتادوا المشاركة؟

وراء هذا المشهد، تتشكل خريطة اجتماعية تتداخل فيها الفوارق الجغرافية مع التعليم والدخل والعمر والعرق والمهنة، فيما تعيد تداعيات الحرب مع إيران ترتيب أولويات ناخبين كانت ولاءاتهم تبدو مستقرة.

ناخبون يهتفون ترحيباً بالرئيس السابق باراك أوباما والمرشحين الديمقراطيين ووزيرة الخارجية جوسلين بنسون وعبد السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت بميشيغان (أ.ف.ب)

وتكشف الاستطلاعات عن تحولات لافتة، حيث أظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» قبل أيام، تراجع شعبية ترمب إلى 31 في المائة، وتقدم الديمقراطيين في نيات التصويت بنسبة 47 مقابل 35 في المائة. لكن استطلاعاً لجمعية المتقاعدين الأميركيين «إيه إيه آر بي» في 43 دائرة تنافسية بمجلس النواب، أظهر تقدماً ديمقراطياً بـ3 نقاط فقط. والفارق يختصر معضلة الديمقراطيين: التفوق الوطني لا يتحول تلقائياً إلى أغلبية برلمانية. والأهم أن تراجع التأييد لترمب لا يعني انتقال أنصاره إلى الديمقراطيين؛ فبعضهم غاضب لكنه لا يزال محافظاً، وبعضهم يشكك في قدرة الحزبين على تحسين أوضاعه. لذلك، قد تُقرَّر النتائج بأصوات من يغيرون ولاءاتهم، وكذلك من يقررون عدم المشاركة.

المدن والأرياف: انقسام يتجاوز السياسة

بحسب مركز «بيو» للأبحاث، تقدم انتخابات 2024 محطة مهمة لفهم التحولات؛ فقد حصل ترمب على 69 في المائة من أصوات الناخبين الريفيين، مقابل 29 في المائة لكامالا هاريس. وفي المدن، انعكست الصورة: 65 في المائة لهاريس مقابل 33 لترمب. والأهم أن حصة ترمب الريفية ارتفعت من 59 في المائة التي كان حققها في عام 2016 إلى 65 في المائة في 2020، ثم 69 في المائة عام 2024، من دون أن يحقق الديمقراطيون مكاسب مماثلة في المدن.

ويعكس هذا الانقسام تحولات اقتصادية وثقافية؛ ففي المدن حيث تتركز الجامعات والخدمات والتكنولوجيا والوظائف المهنية، يميل الناخبون إلى الديمقراطيين. أما الأرياف التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، فيجد الخطاب الجمهوري بشأن الضرائب والهجرة والهوية الوطنية صدى أوسع. ومع ذلك، الريف ليس كتلة متجانسة، فهو يضم مجتمعات سوداء ولاتينية وبلدات جامعية، مثلما تضم المدن محافظين وأصحاب أعمال صغيرة يتجاوبون مع الجمهوريين.

في المقابل، يواجه الديمقراطيون بدورهم معضلة حسابية؛ فانتصارات المدن لا تكفي إذا واصل الجمهوريون توسيع تقدمهم في المناطق الأقل كثافة. لذا فهم يراهنون على تقليص خسائرهم الريفية، بينما يعوّل الجمهوريون على استمرار تحالف المحافظين والعمال غير الجامعيين. لكن هل تصمد الولاءات الثقافية أمام الضغوط الاقتصادية؟

الضواحي: الطبقة الوسطى تعيد حساباتها

إذا كانت المدن والأرياف معقلَيْن شبه ثابتين للحزبين، فالضواحي هي المنطقة التي تتداخل فيها الهوية السياسية مع المصالح الاقتصادية. ووفق «بيو»، احتفظ الديمقراطيون في انتخابات 2024 بتقدمهم فيها، لكن هذا التقدم تقلص عملياً من 10 نقاط عام 2020 إلى 4 نقاط فقط، ما أسهم في عودة ترمب إلى البيت الأبيض. وتضم الضواحي موظفين ومهنيين وأصحاب أعمال وعائلات تعتمد على دخلين لتغطية أقساط السكن والتأمين الصحي والتعليم ورعاية الأطفال. وقد تؤيد هذه الفئات خفض الضرائب وتشديد الرقابة على الحدود، لكنها تتحفظ على بعض السياسات الاجتماعية للجمهوريين، كالقيود على الإجهاض مثلاً.

ويراهن الديمقراطيون على استعادة ناخبين خسروهم عام 2024 لأسباب اقتصادية، مستفيدين من تراجع شعبية ترمب. أما الجمهوريون فيحذرون من أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستعني مزيداً من الإنفاق والضرائب.

وتبرز أهمية هذه المنافسة في ولايات بنسلفانيا وميشيغان ونيوجيرسي وأريزونا، حيث تتداخل الضواحي مع المناطق الصناعية والأحياء المتوسطة الدخل. وقد يجمع الناخب الواحد في هذه المناطق، بين موقف محافظ من الهجرة، وموقف ليبرالي من الحقوق الاجتماعية، وقلق متزايد من أسعار السكن والرعاية الصحية.

غير أن التحول نحو الديمقراطيين امتد إلى دوائر أكثر محافظة، حيث نقلت «واشنطن بوست» عن تقرير «كوك» الانتخابي أنه عدّل تصنيف 11 سباقاً للنواب لمصلحتهم، بينها دوائر في أوهايو وكارولاينا الجنوبية وكانساس ونبراسكا. كما أصبحت دائرة في مونتانا فاز فيها ترمب بفارق 12 نقطة عام 2024 ضمن السباقات المتكافئة. وهذا يعني أن الضواحي لم تعد وحدها معرضة للتقلب، بل إن التراجع الجمهوري قد يمتد إلى مناطق كان الحزب يعدّها آمنة نسبياً، ما يفرض عليه توزيع موارده على خريطة أوسع.

لافتة في مصنع في ضواحي أوهايو كتب عليها «طوبى لمن دفعوا ثمن حريتنا» (رويترز)

العمال والمزارعون: ولاء بحسب الأسعار

من مصانع السيارات في ميشيغان إلى حقول الذرة في آيوا، ومن مستودعات النقل في أوهايو إلى الطرق السريعة، يواجه الجمهوريون مفارقة لافتة؛ فبعدما ساعدت فئات بعينها ترمب على الفوز، أصبحت هي نفسها الأكثر عرضة لتداعيات سياساته الاقتصادية والحرب مع إيران، فقد استمال ترمب العمال غير الجامعيين بخطابه المناهض للعولمة وإغلاق المصانع ونقل الوظائف إلى الخارج.

لكن الطبقة العاملة ليست جمهورية بالكامل، فالنقابات الصناعية وبعض المجتمعات العمالية تحتفظ بروابط قوية مع الديمقراطيين، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط. وفي استطلاع «بيو»، تقدم الجمهوريون بين الناخبين الذين لم يتجاوز تعليمهم المرحلة الثانوية بنسبة 39 مقابل 35 في المائة، لكن التعليم لا يعكس بالضرورة الانتماء المهني، فالعمال الصناعيون ليسوا بدورهم كتلة واحدة، وخياراتهم تختلف بحسب القطاعات والنقابات والمناطق ومستوى الأجور.

وتبدو الضغوط أشد في قطاعي الزراعة والنقل، حيث ارتفعت أسعار الديزل بنحو 70 في المائة منذ اندلاع الحرب مع إيران، لتبلغ 6.32 دولار للغالون، رغم إجراءات الإدارة لزيادة الإمدادات وتخفيف الضرائب. ويصيب ذلك المزارعين وسائقي الشاحنات مباشرة؛ لأن الوقود يدخل في كلفة الإنتاج والنقل، وليس فقط في النفقات المنزلية.

وفي مؤشر إلى حساسية الموقف، أعلن ترمب أخيراً في أمر تنفيذي برنامجاً بقيمة 8 مليارات دولار لمساعدة المزارعين على تحمل كلفة الديزل خلال موسم الحصاد، عبر توسيع استخدام المعفى من الضرائب في ظروف محددة.

غيرنوت دولنر الرئيس التنفيذي لشركة «أودي» للسيارات يتحدث إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في جورجيا (رويترز)

لكن المشكلة السياسية للجمهوريين لا تكمن فقط في الأسعار، بل في التناقض بين وعود حماية الاقتصاد المحلي والنتائج التي يلمسها الناخبون، فالرسوم الجمركية التي قدمها ترمب وسيلة لدعم الصناعة الأميركية زادت كلفة المعدات والمواد المستوردة، فيما يضغط ارتفاع الطاقة على أرباح المزارعين وشركات النقل. وهو ما يراهن عليه الديمقراطيون، بينما يعول الجمهوريون على بقاء الروابط الثقافية والمواقف من الهجرة والتجارة أقوى من الغضب الاقتصادي. وقد تكون النتيجة تراجع المشاركة الجمهورية في بعض المناطق، لا انتقالاً جماعياً إلى الديمقراطيين، وهذا فارق مهم في الدوائر التي اعتاد الجمهوريون الفوز بها بهوامش ضيقة.

النساء والشباب: أصوات التغيير

يشكل الناخبون من النساء والشباب قاعدتين أساسيتين للتفوق الديمقراطي، لكنهما تختلفان في الأولويات والسلوك الانتخابي. كما أن الانقسامات داخلهما لا تقل أهمية عن الفوارق بين الحزبين.

ناخبون يسلّمون بطاقات اقتراعهم في فعالية "تحرّك للتصويت" في حديقة سيول الدولية في لوس أنجلوس، كاليفورنيا (أ ب إ)

بحسب «بيو»، يتقدم الديمقراطيون بين النساء بنسبة 45 مقابل 31 في المائة، بينما يتعادل الحزبان بين الرجال عند 42 في المائة. وفي استطلاع «رويترز/إبسوس» الأحدث، اتسع تقدم الديمقراطيين بين النساء إلى 50 مقابل 32 في المائة. وتظل قضية الإجهاض عاملاً مهماً في تعبئة الناخبات، خصوصاً في الضواحي. لكن كلفة المعيشة والرعاية الصحية ورعاية الأطفال تضيف أبعاداً اقتصادية إلى خياراتهن، فالمرأة الجامعية في إحدى الضواحي تختلف سياسياً عن امرأة تعمل في قطاع الخدمات بمنطقة ريفية، رغم اشتراكهما في الضغوط المعيشية.

أما الشباب بين 18 و29 عاماً، فيفضلون الديمقراطيين بنسبة 51 مقابل 23 في المائة، لكن ربعهم تقريباً لم يحسم خياره أو يفضل مرشحاً آخر. وفي استطلاع لمركز «سايكل» بجامعة تافتس، شمل أكثر من 5500 شاب وشابة، قال 56 في المائة إنهم مرجحون للغاية للمشاركة، فيما أبدى 41 في المائة استعداداً أكبر للتصويت إذا توافرت أحزاب أو شخصيات تمثل جيلهم بصورة أفضل. وهذا يعني أن الشباب ليسوا بالضرورة متحمسين للديمقراطيين بقدر رغبتهم في تغيير الوضع القائم.

كما أن مكاسب ترمب بين بعض الشباب، خصوصاً الرجال، عام 2024 لا تعني تحولهم إلى جمهوريين ثابتين. فالقلق من فرص العمل وكلفة السكن والحرب يمكن أن يدفعهم إلى تغيير خياراتهم مجدداً، أو الابتعاد عن الصناديق.

وتبرز أهمية المقترعين للمرة الأولى، الذين لا يحملون بالضرورة ولاءات حزبية متوارثة، لكنهم أكثر عرضة لضعف المشاركة. لهذا، قد لا تكفي الأفضلية الديمقراطية بين الشباب والنساء ما لم تتحول إلى إقبال فعلي، خصوصاً في المدن الجامعية والضواحي المتنافسة.

ملاحظة كتب عليها «ديمقراطيتنا تعتمد على ذلك» خلال فعالية «تحرّك للتصويت» التي أقيمت في حديقة «سيول الدولية» في لوس أنجليس بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

الأقليات: مكاسب على المحك

كان توسيع ترمب حضوره بين بعض الناخبين اللاتينيين والرجال من الأقليات أحد أبرز تحولات 2024، ما أضعف الافتراض بأن التنوع العرقي يصب تلقائياً في مصلحة الديمقراطيين. لكن استطلاعات 2026 تشير إلى أن هذه المكاسب لم تتحول إلى ولاء جمهوري مستقر. وبحسب «بيو»، يفضل 51 في المائة من الناخبين اللاتينيين الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين. وبين الناخبين السود، تبلغ النسبتان 70 و7 في المائة، وبين الآسيويين 56 و16 في المائة. لكن هذه الأرقام لا تعني عودة تلقائية للتحالف الديمقراطي القديم، فالناخبون اللاتينيون يختلفون في أصولهم ودخولهم وأجيالهم ومناطق إقامتهم، ولا تتقدم الهجرة دائماً على الاقتصاد والرعاية الصحية في أولوياتهم.

وتقدم إحدى الدوائر في كولورادو مثالاً لافتاً، حيث عرضت «واشنطن بوست» حالة عاملة صناعية من أصل مكسيكي، لا تنتمي إلى أي حزب، مترددة بين مرشح ديمقراطي تفضل موقفه من الرعاية الصحية، وآخر جمهوري تتجاوب مع سياساته في مجال الطاقة المؤثرة في دخل أسرتها. وتختصر هذه الصورة طبيعة المنافسة؛ الناخب نفسه قد يكون ديمقراطياً في قضية وجمهورياً في أخرى، ما يجعل تصنيفه وفق انتمائه العرقي وحده غير كاف لتوقع تصويته.

وبينما يراهن الديمقراطيون على استعادة أصوات خسروها في 2024، خصوصاً بين اللاتينيين والناخبين الأصغر سناً، يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على اختراقاتهم داخل الطبقة العاملة متعددة الأعراق. وقد تحسم النتائج قدرة الحزبين على مخاطبة هذه الفئات بعدّها جماعات اقتصادية واجتماعية، لا مجرد كتل عرقية.

مشاركون في تجمّع انتخابي في ميشيغان وبدا أحدهم يعتمر قبعة «ماغا» (رويترز)

كبار السن والمستقلون: قوة صامتة

رغم التركيز على الشباب، قد يكون كبار السن أكثر تأثيراً بسبب انتظام تصويتهم. ففي استطلاع «إيه إيه آر بي» الذي شمل 43 دائرة متنافسة، قال 83 في المالئة من الناخبين فوق الخمسين إنهم متحمسون للغاية للتصويت، مقابل 66 في المائة ممن تقل أعمارهم عن الخمسين. ويتقدم الجمهوريون بين الأكبر سناً بنسبة 53 مقابل 43 في المائة، بينما يتقدم الديمقراطيون بين الأصغر سناً بنسبة 60 مقابل 34 في المائة.

وهنا تكمن معضلة الديمقراطيين؛ فالفئات الأكثر ميلاً إليهم ليست بالضرورة الأكثر انتظاماً في التصويت. لكن الاستطلاع أظهر أيضاً أن 21 في المائة من الناخبين فوق الخمسين في الدوائر المتنافسة لا يزالون قابلين للإقناع، وتتصدر أولوياتهم الأسعار والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.

أما المستقلون فيفضل 40 في المائة منهم الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين، فيما لم يحسم 27 في المائة موقفهم، بحسب «بيو». وهذه كتلة قد تؤثر بصورة غير متناسبة في السباقات المتقاربة، خصوصاً إذا كان قرارها مرتبطاً بالأداء الاقتصادي أكثر من الانتماء الحزبي. والأكثر دلالة أن 77 في المائة ممن صوتوا لترمب عام 2024 يعتزمون تأييد مرشحين جمهوريين، مقابل 87 في المائة من ناخبي هاريس يعتزمون التصويت للديمقراطيين. وبين ناخبي ترمب ذوي النظرة السلبية للجمهوريين، لا يعلن سوى 49 في المائة تأييدهم لمرشحيهم، فيما يتوزع الباقون بين التردد وخيارات أخرى.

وهذا يعني أن الديمقراطيين قد يستفيدون من تراجع حماسة جزء من ناخبي ترمب، من دون إقناعهم بالتصويت لهم. لكن احتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس قد تدفع هؤلاء أيضاً إلى المشاركة دفاعاً عن الرئيس وأجندته.

تظهر انتخابية تدعم فيفيك راماسوامي المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أوهايو إلى جانب لافتات أخرى في ولاية أوهايو (رويترز)

الرهان الأخير: من يخرج للتصويت؟

قبل أقل من أسبوعين على الاقتراع، تبدو البيئة السياسية أكثر ملاءمة للديمقراطيين، لكن السيطرة على مجلسي الكونغرس ليست محسومة؛ ففي مجلس النواب، يحتاج الديمقراطيون إلى 3 مقاعد لانتزاع الأغلبية. أما مجلس الشيوخ، حيث يسيطر الجمهوريون على 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فيحتاجون إلى 4 مقاعد إضافية.

وبحسب مؤسسة «رول كول» ارتفع عدد الولايات التي تشهد سباقات تنافسية لمجلس الشيوخ من 5 إلى 13، مع اضطرار الجمهوريين للدفاع عن مقاعد في آيوا وكانساس وتكساس وألاسكا. وكشفت «أسوشييتد برس» عن إعادة توزيع الإنفاق الجمهوري بين دوائر مجلس النواب، بينما وسّع الديمقراطيون استثماراتهم إلى مناطق كانت تعدُّ آمنة نسبياً لمنافسيهم. ويراهن الديمقراطيون على تعبئة المدن والنساء والشباب والأقليات والضواحي، مع تقليص خسائرهم الصناعية والريفية.

أما الجمهوريون فيعولون على تماسك قاعدتهم المحافظة والريفية، واستمرار تأييد قطاعات العمال، والتفوق في مشاركة كبار السن.

وتبقى الأسعار القاسم المشترك، بحسب استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الأخير، الذي أظهر أن 85 في المائة من الناخبين يعتبرون الاقتصاد قضية أساسية، و84 في المائة كلفة المعيشة، فيما يضع 64 في المائة حرب إيران ضمن أولوياتهم.

لكن الغضب الاقتصادي قد يؤدي إلى تغيير الأصوات، أو الامتناع عن التصويت، أو تعزيز الولاءات السابقة إذا غاب البديل المقنع. وتظهر هذه الاحتمالات في محاولات الديمقراطيين استعادة حضورهم في ولايات ريفية عبر التركيز على المشكلات المحلية وكلفة الوقود والأسمدة وتأثير سياسات الهجرة على اليد العاملة، بدلاً من الاكتفاء بمهاجمة ترمب.

وقد تصنع بضعة آلاف من الأصوات في دوائر محددة الفارق بين انتصار ديمقراطي واسع واحتفاظ الجمهوريين بأحد مجلسي الكونغرس. وفي هذه المسافة بين الانتماء الحزبي والقلق المعيشي، قد يتحدد مصير الكونغرس، وربما ما تبقى من ولاية ترمب الثانية.


أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.