وثائق تكشف خديعة إسرائيل النووية لأميركا

كيندي هدد وبن غوريون استقال فجأة ووريثه تهرّب من التفتيش

TT

وثائق تكشف خديعة إسرائيل النووية لأميركا

في وقت كشف النقاب عن أن إسرائيل كادت تقصف بالسلاح النووي مواقع مصرية في حرب 1967، نشر باحثان؛ إسرائيلي وأميركي، أمس، وثائق تسلط الأضواء للمرة الأولى بهذه التفاصيل على حجم وقوة المواجهة السياسية الحادة بين الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي وإدارته، وبين رئيسي الحكومة الإسرائيلية المتعاقبين في مطلع الستينات من القرن الماضي؛ ديفيد بن غوريون وليفي أشكول، على خلفية إطلاق البرنامج النووي الإسرائيلي.
والباحثان هما البروفسور الإسرائيلي أفنير كوهين، المحاضر في دراسات منع الانتشار النووي، والمحلل الأميركي ويليام بار، مدير مشروع التوثيق النووي في أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن. ونشرا في الأيام الماضية قرابة 50 وثيقة سرية تتضمن الرسائل المتبادلة بين قادة البلدين وبروتوكولات توثق زيارات مفتشين أميركيين لمفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي عام 1964، ومذكرات أعدها مسؤولون في الإدارة الأميركية حول التعامل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، وتقديرات وضعتها الاستخبارات الأميركية حول حقيقة ما يجري في المفاعل ومدى ملاءمته لصنع سلاح نووي، وتحديداً ما إذا كان يضم منشأة عزل البلوتونيوم.
وتبين إحدى الوثائق أن المدير العلمي للمركز النووي الإسرائيلي «شوريك»، الوزير في إحدى حكومات اليمين، البروفسور يوفال نئمان الذي كان مطلعاً على المراسلات السرية المذكورة أعلاه، قد أبلغ الباحثين كوهين وبار، قبل 25 عاماً، أن الإسرائيليين نظروا إلى الوضع حينها على أنه «أزمة»، وأن أشكول والمحيطين به نظروا إلى كنيدي كمن «يضع إنذاراً عسكرياً حقيقياً أمام إسرائيل»، مشيراً إلى أنه «كان هناك مسؤولون إسرائيليون، بينهم اللواء دان طولكوفسكي، تخوفوا فعلاً من أن يأمر كنيدي بإنزال قوة مظليين في ديمونا».
المعروف أن إسرائيل أقامت المفاعل النووي في 1958 بمساعدة فرنسية. واكتشفته الولايات المتحدة وأعربت عن غضبها الشديد جراء ذلك، خصوصاً في إدارة كنيدي الذي يعتبره الباحثان «الرئيس الأميركي الأكثر التزاماً بمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وبذل كل ما بوسعه من أجل منع إسرائيل من صنع سلاح نووي». لكن بن غوريون، ولاحقاً أشكول، أصرا بالقدر نفسه على استكمال مشروع ديمونا النووي. واعتبرا أن القدرة النووية الإسرائيلية كانت «بوليصة تأمين ضد تهديدات وجودية تقف إسرائيل أمامها». وعكست الرسائل بين كنيدي وبين بن غوريون وأشكول عام 1963، إصرار الجانبين. وكشفت مدى الإصرار الإسرائيلي والخدع الدبلوماسية التي اتبعتها حتى حققت مرادها في نهاية الأمر.
وتشير الوثائق إلى أن الولايات المتحدة كشفت أمر المفاعل في ديمونا في عهد إدارة الرئيس دوايت آيزنهاور، في نهاية عام 1960 حين أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تقديرات مفادها أن «إنتاج بلوتونيوم لصنع سلاح هو على الأقل أحد الأهداف الرئيسية» لإنشاء مفاعل ديمونا، وأنه إذا صدّق العالم العربي أن إسرائيل تتسلح بقدرة نووية، فإن هذا الأمر سيقابل بـ«الذهول»، ولذلك سيتم توجيه أصبع الاتهام مباشرة نحو الولايات المتحدة وفرنسا بسبب ما يبدو أنه تأييد منهما لهذا المشروع.
وعند انتخاب كنيدي، أبلغه آيزنهاور في يناير (كانون الثاني) 1961 أن إسرائيل والهند تتطلعان إلى تطوير سلاح نووي. وقال كريستيان هرتر، وزير خارجية آيزنهاور، إنه جرى مؤخراً اكتشاف مفاعل ديمونا الذي «سيتمكن في غضون سنتين من إنتاج 90 كيلوغراماً من البلوتونيوم بمستوى يكفي لصنع قنبلة نووية». وحث كنيدي على إرسال مفتشين إلى ديمونا. ومنذ بداية ولايته، طالب كنيدي بن غوريون بإدخال مفتشين أميركيين إلى ديمونا، شرطا لتحسين الأجواء بين الدولتين وللقاء قمة بينهما، لكن بن غوريون تهرب من الموضوع متذرعاً بقضية تعرف في تل أبيب باسم «فضيحة لافون» أو «العمل المشين»، وهي قضية اكتشاف شبكة تجسس يهودية في مصر. ثم تم حل الحكومة الإسرائيلية. وبعد تشكيل بن غوريون حكومته التالية، في أبريل (نيسان) 1961، أبلغت إسرائيل الإدارة الأميركية بأنها توافق على زيارة المفتشين لمفاعل ديمونا.
وادعى مدير مفاعل ديمونا عمانوئيل فرات أمام المفتشين الأميركيين أن هدف المشروع هو مراكمة الخبرة الفعلية في بناء وتشغيل مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء في فترات السلم. وتشير الوثائق الأميركية إلى أن المفتشين «كانوا راضين لأنه لم يتم إخفاء الأمر عنهم، وأن حجم وطبيعة المفاعل مثلما تم وصفه سابقاً»، وبعد ذلك جرى الإعداد للقاء بين كنيدي وبن غوريون في نيويورك، في نهاية مايو (أيار) 1961.
وقال الباحثان في تقريرهما إن التفسير الذي قدمه بن غوريون إلى كنيدي، خلال اللقاء، كان مشابهاً لادعاءات إدارة ديمونا أمام المفتشين الأميركيين، أي أن بن غوريون أخفى حقيقة هذا المفاعل بالزعم أن أهدافه سلمية وتقتصر على إنتاج الطاقة. لكن بن غوريون قال لكنيدي أيضاً إنه «حتى الآن، الهدف الوحيد للمفاعل سلمي... لكن سنرى ماذا سيحدث في الشرق الأوسط. وهذا ليس متعلقاً بنا». ولم يزل اللقاء شكوك واشنطن حيال النيات النووية الإسرائيلية، وطالبت بزيارة أخرى للمفتشين الأميركيين إلى المفاعل في سبتمبر (أيلول) 1962 بعد «طلبات متكررة على مدار أشهر عدة». ودامت الزيارة الثانية 45 دقيقة فقط. لكن الوثائق التي تم كشفها مؤخراً أشارت إلى أن المفتشيْن تذمرا من الوقت القصير للزيارة، كما أظهرت الوثائق أنه بعد الزيارة جرت مرافقتهما إلى البحر الميت، ولدى عودتهما «أبلغهما مضيفهما أنهما يعبران بالقرب من مفاعل ديمونا وأن بإمكانه تنظيم زيارة ولقاء مع المدير». والتقى المفتشان مع المهندس الرئيسي في ديمونا لأن المدير لم يوجد هناك، ودامت هذه الزيارة 40 دقيقة. وفي مذكرة وُجهت إلى مساعد وزير الخارجية الأميركي في حينه فيليب تلبوت، كتبا أنهما لم يتأكدا ما إذا كانا وصلا إلى المفاعل بصفتهما ضيفين أم زميلين للعلماء المضيفين، أو أنهما موجودان هناك بصفتهما مفتشين. «ورغم أنه لم يتوافر الوقت الكافي لمشاهدة المنشأة كلها، ورغم أنه كانت هناك مبان عدة لم يدخلاها أبداً، فإنه كان بإمكانهما التيقن من الطبيعة البحثية للمنشأة».
وفي أعقاب هذه الزيارة، ثارت الشكوك في واشنطن. وقال مسؤول رفيع في الاستخبارات الأميركية إنه «كانت هناك عدم ملاءمة بين تقريري الفحص الأول والثاني». ورغم هذه الشكوك، فإن وزارة الخارجية الأميركية عممت استنتاجات إيجابية للمفتشين على عدد من الدول. ووصف موظفون أميركيون الزيارة الثانية لمفاعل ديمونا بأنها «مهينة»، وطالبوا بإعادة النظر في شكل مراقبة الولايات المتحدة للمفاعل، وزيارة مفتشين له كل ستة أشهر.
وتظهر إحدى الوثائق التي كتبها المسؤول في الاستخبارات المركزية الأميركية كنت شرمان، تحذيره من النتائج الخطيرة لاقتناء إسرائيل لسلاح نووي، قائلاً إن «سياسة إسرائيل تجاه جيرانها ستكون أشد، وستحاول استغلال الفوائد النفسية لقدرتها النووية من أجل إخافة العرب». وأشارت إحدى الوثائق إلى أن البيت الأبيض أوعز لوزارتي الخارجية والدفاع والاستخبارات بالتحقيق في «القدرات النووية في الشرق الأوسط»، ويظهر من وثيقة بهذا الخصوص أن كنيدي مقتنع بأن المعلومات الاستخبارية حول البرنامج النووي الإسرائيلي منقوصة. وطالب كنيدي بـ«القيام بأي خطوة ممكنة من أجل تحسين معلوماتنا الاستخبارية حول البرنامج النووي الإسرائيلي، وكذلك حول برامج تسلح متقدمة أخرى، إسرائيلية أو عربية».
وفي بداية أبريل، طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل إجراء زيارات لمفتشين أميركيين في ديمونا كل ستة أشهر. وحاول بن غوريون التهرب من الرد على هذا الطلب، ثم استغل إعلان مصر وسوريا والعراق عن إنشاء تحالف عسكري من أجل تحرير فلسطين. ولمح بن غوريون في رده على الطلب الأميركي، إلى أن الإعلان العربي يبرر سعي إسرائيل لحيازة سلاح نووي. كما طلب لقاء سرياً مع كنيدي، ما اعتبره مسؤولون في الخارجية الإسرائيلية طلباً غير عقلاني. وكتب بن غوريون في رسالة إلى كنيدي، بعد الإعلان عن إنشاء التحالف العربي: «أذكر إعلان هتلر قبل 40 عاماً، أن أحد أهدافه هو القضاء على الشعب اليهودي كله. والعالم المتنور في أوروبا والولايات المتحدة تعاملا بعدم اكتراث واستخفاف مع هذا الإعلان. والنتيجة كانت محرقة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية».
لكن كنيدي رد على بن غوريون برسالة قصيرة، قال فيها «إننا نتابع من كثب التطورات في العالم العربي»، مشيراً بذلك إلى مبالغة بن غوريون بوجود تهديد وجودي على إسرائيل. ووفقاً للباحثين، فإن كنيدي كان قلقاً من تطوير إسرائيل لسلاح نووي، كما رفض زيارة سرية لبن غوريون، مشدداً على أنه «لا يوجد احتمال لأن نلتقي من دون نشر».
وإزاء إصرار بن غوريون على عدم إطلاع الأميركيين على تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي، باتت تعتبر في واشنطن، وفقاً للباحثين، «شوكة في الحلق». وتصاعدت المواجهة بين الجانبين، وبعث كنيدي برسالة إلى بن غوريون في 5 يونيو (حزيران) قال الباحثان إنها «كانت بمثابة إنذار»، إذ جاء فيها أنه «إذا لم تنجح الإدارة الأميركية بالحصول على معلومات موثوقة حول وضع مشروع ديمونا، فإن التزام واشنطن بدعم إسرائيل قد يتضرر بشكل كبير».
لكن هذه الرسالة لم تصل إلى بن غوريون قط، إذ إنه استقال من رئاسة الحكومة غداة إرسالها. ولم يفسر بن غوريون قط سبب استقالته المفاجئة، باستثناء القول إنها جاءت «لأسباب شخصية». لكن بعد عشرة أيام وصلت رسالة كنيدي إلى خلف بن غوريون في رئاسة الحكومة الإسرائيلية ليفي أشكول الذي وصف العلاقات مع الإدارة الأميركية بأنها «دخلت في أزمة حقيقية». وإثر ذلك، التقى أشكول مع رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية وطالبهم بعدم النشر عن ديمونا. ويقول الباحثان إن أشكول بدا مذهولاً من الإنذار الذي وضعه كنيدي، ورد عليه بطلب مزيد من الوقت من أجل التشاور، وأبلغ السفير الأميركي في تل أبيب بمدى مفاجأته من رسالة كنيدي. وأضاف أشكول أنه كان يأمل بازدهار العلاقات بين الدولتين، وأن «إسرائيل ستفعل ما يتطلبه أمنها القومي وحماية حقوقها السيادية».
وأظهرت الوثائق التي جرى كشفها حديثاً أن أشكول طرح أمام السفير الأميركي سؤالاً: كيف سترد واشنطن على اقتراح إسرائيلي «لمشاورات سابقة» مع الولايات المتحدة «بحال أن في موعد ما في المستقبل البعيد» تضطرنا التطورات في الشرق الأوسط «إلى تطوير برنامج سلاح نووي؟». ورد السفير الأميركي بأن موقف الولايات المتحدة هو أن إدخال سلاح نووي إلى الشرق الأوسط سيكون «خطيراً للغاية».
وبعد ستة أسابيع من المداولات، سلّم أشكول السفير الأميركي رداً على رسالة كنيدي، فعاد لتكرار موقف بن غوريون بأن مفاعل ديمونا سلمي. وأضاف أنه على ضوء العلاقات الحسنة بين الجانبين فإنه قرر السماح بزيارات دائمة وثابتة لمندوبين أميركيين في المفاعل. واقترح نهاية عام 1963 موعدا لأول زيارة، وأنه حتى هذا التوقيت «ستنقل المجموعة الفرنسية المفاعل إلينا وسيخضع لفحوص شاملة وقياس معاييره الفيزيائية بصفر نشاط». لكن أشكول شدد على أن زيارة المندوبين الأميركيين الأولى ستجري قبل مرحلة بدء تشغيل المفاعل، وأبقى مسألة وتيرة الزيارات ضبابية. ورد كنيدي برسالة، شدد فيها على زيارات المفتشين الأميركيين بصورة «منتظمة». وجرت زيارة المفتشين الأميركيين في مفاعل ديمونا في بداية عام 1964، وأبلغ الإسرائيليون المفتشين بأن المفاعل بدأ بالعمل قبل أسابيع، لكن هذا كان ادعاء كاذباً. فقد تبين لاحقاً، وفقاً للباحثين، أن المفاعل بدأ بالعمل في منتصف عام 1963، مثلما كانت تقديرات إدارة كنيدي. وحافظ الجانبان على سرية زيارة المفتشين الأميركيين، وجرى منع التسريبات للصحف طوال أكثر من سنة. وأشار الباحثان إلى أن كنيدي نظر إلى البرنامج النووي الإسرائيلي بمعايير دولية وليست إقليمية. لكن رغم مراقبة الولايات المتحدة لمفاعل ديمونا، فإنها لم تمنع إسرائيل من صنع أسلحة نووية، وإدخال السلاح النووي إلى الشرق الأوسط.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.