انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية

في ظل مخاوف من صعود اليمين الشعبوي المتطرف

انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية
TT

انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية

انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية

عندما توجّه الإسبان، الأحد الماضي، إلى ثالث موعد لهم مع الانتخابات العامة في أقلّ من أربع سنوات، كانت الاستطلاعات قد «حسمت» فوز الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني ودخول «الورثة الشرعيين» للجنرال فرانشيسكو فرانكو إلى الندوة البرلمانية للمرة الأولى منذ وفاة الديكتاتور الذي حكم حتى منتصف سبعينات القرن الماضي. إلا أن الغموض كان لا يزال يخيّم على حجم النصر الاشتراكي المرتقب، وعلى عدد النوّاب الفائزين الذين ينادون بـ«نقاء» العرق الإسباني ويرفضون التمازج الثقافي والديني في البلد الذي انصهرت فيه الثقافات وتعايشت الأديان طوال قرون، مولّدة إحدى أجمل حقب التاريخ الأوروبي وأخصبها على صعيد العلوم والفنون والمعارف. أما الأسئلة التي كانت تحيّر الراصدين السياسيين للانتخابات فكان يدور معظمها حول نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع بعدما اعتاد الأوروبيون هجرتها في السنوات الأخيرة، والتي غالبا ما كان لها الدور الحاسم في ترجيح كفّة الفوز عند صدور النتائج النهائية.
توجّه الناخبون في إسبانيا إلى الانتخابات البرلمانية قبل أيام فيما يشبه المفاضلة بين الخوف والغضب: الخوف من الجنوح نحو مشاريع وأفكار سبق أن كلّفت البلاد حرباً أهلية أوقعت مليون قتيل وأغرقتها في ليل من الكوابيس والعزلة طيلة أربعين سنة... والغضب من رئيس الحكومة المستقيلة الذي خطف الحكم في غفلة التوتر الانفصالي واستشراء الفساد، والذي يتّهمه كثيرون بالخضوع لابتزازات الأحزاب الإقليمية وتدمير وحدة الدولة.

إقبال.. وانتصار اشتراكي
لكن على رغم هذا الخوف والغضب، سجّلت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع هذه المرة 75.75 في المائة محطمة كل ما سبقها من أرقام قياسية، ودفعت بالحزب الاشتراكي العمالي الإسباني وزعيمه رئيس الوزراء الشاب بدرو سانتشيز (47 سنة) إلى إحراز أفضل النتائج منذ تسع سنوات، في تأكيد للمقولة الراسخة في السياسة الإسبانية بأن «اليمين يفوز في الانتخابات عندما يبقى اليسار في المنزل». لا، بل وضاعف الاشتراكيون النتيجة التي حصل عليها الحزب الشعبي، خصمهم التقليدي اليميني الذي يتناوبون معه على الحكم منذ أربعة عقود. إذ خسر «الشعبيون» نصف مقاعدهم وبات حزبهم مهدداً بالانقراض بعد ظهور اليمين المتطرف وصعود منافسه الليبرالي «مواطنون» الذي يطالب الآن بزعامة المعسكر اليميني.
هذا في معسكر اليمين، أما في معسكر اليسار، فعلى يسار الحزب الاشتراكي تراجع حزب «بوديموس» المتحالف مع الشيوعيين، وهو كان حليف سانتشيز في الحكومة السابقة. في حين تمكّن حزب اليسار الجمهوري الانفصالي من تحقيق النصر في إقليم كاتالونيا (قطالونية) للمرة الأولى في تاريخه، متقدّماً على الجناح الانفصالي الآخر الذي يقوده رئيس الحكومة الإقليمية السابق كارليس بوتشيمون الذي ما زال فاراً من العدالة.

اليمين المتطرف
ويبقى أن الجديد فعلاً في هذه الانتخابات هو ظهور الحزب اليميني المتطرف «بوكس» (تُكتب فوكس) للمرة الأولى في المشهد السياسي الوطني. «بوكس» برز وطنياً هذه المرة بعدما خاض الانتخابات الإقليمية الأخيرة في إقليم أندلوسيا (الأندلس)، حيث تمكّن اليمين مجتمعاً من انتزاع الحكومة الإقليمية من الاشتراكيين للمرة الأولى منذ أربعين سنة. لكن مع هذا، فإن النتيجة التي حصل عليها هذا الحزب في الانتخابات العامة (24 مقعداً)، في سياق هزيمة اليمين، لن تمكّنه من لعب دور مؤثر في اللعبة السياسية. ويرجّح أن يركّز نشاطه على الملفّ الانفصالي الكاتالوني الذي سيبقى الهاجس الأوّل للحكومة المقبلة والرحى التي ستدور حولها معظم التجاذبات السياسية.

المرأة... والاشتراكيون
كان لافتاً أيضاً في نتائج هذه الانتخابات أن النساء يشكلن 45 في المائة من عضويّة البرلمان الجديد، وهذه أعلى نسبة حاليّاً في أوروبا. ويعود هذا الحضور القوي للمرأة في المشهد السياسي الإسباني إلى التحرّكات والمظاهرات الحاشدة التي شهدتها إسبانيا في السنوات الأخيرة، مطالبة بتحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل؛ ما دفع بالأحزاب إلى المراهنة بقوة على دورها في الانتخابات الأخيرة. وتجدر الإشارة إلى أن النساء كن يشكلن ثلثي أعضاء حكومة تصريف الأعمال الاشتراكية المستقيلة.
ثمة عوامل عدّة تضافرت لتأمين هذا الفوز الواضح الذي حققه الاشتراكيون بعد سنوات من التراجع الذي كاد يصل حد استيعابهم في حزب «بوديموس». وهذا الأخير ظهر بعد أزمة عام 2008 على صهوة برنامج يساري كلاسيكي لقي تجاوباً سريعاً وواسعاً في الأوساط الاجتماعية التي كانت ترزح تحت تداعيات الأزمة الاقتصادية.
من ناحية ثانية، لا شك في أن ظهور الحزب اليميني المتطرف «بوكس» كان من العوامل الرئيسية التي دفعت بأعداد كبيرة من الناخبين المعتدلين الذين يحسمون أمرهم عادة في الساعات الأخيرة - وتقدّر الاستطلاعات نسبتهم بنحو 30 في المائة - نحو الحزب الاشتراكي الذي رفع وحده خطاب الاعتدال والحوار في وجه المواقف المتوتّرة والتحديّات التي أطلقتها الأحزاب الأخرى.
وتفيد التحليلات الأخيرة للانتخابات بأن الرفض الواسع للطروحات اليمينية المتطرفة في المجتمع الإسباني، الذي ما زالت ذكرى الحرب الأهلية والعقود الأربعة من الديكتاتورية حاضرة عنده، لعب دوراً حاسماً في تعبئة الناخبين الاشتراكيين الذين لم يشاركوا بنسبة عالية في المواعيد الانتخابية الأخيرة. وكان لظهور «بوكس»، أيضاً، الدور الأساسي في حصر الساحة الرئيسية لمعركة المعسكر اليميني في التنافس على الأصوات اليمينية والمحافظة، تاركا المشهد الوسطي الواسع للحزب الاشتراكي يغرف منه وحده.

العودة إلى الجذور
لكن، لعلّ العامل الأساسي في هذا الفوز الاشتراكي، الذي بات يشكّل حدثاً بارزاً في أوروبا منذ سنوات رغم أنه دون الأغلبية البرلمانية الكافية لتشكيل حكومة منفرداً، هو العودة إلى الجذور الاجتماعية التي ابتعدت عنها كثيراً الأحزاب الاشتراكية الأوروبية في السنوات الأخيرة... حتى بات من الصعب أحياناً التمييز بينها وبين الأحزاب الليبرالية أو المحافظة.
لقد برهنت الانتخابات الإسبانية على أن المراهنة على استعادة الهويّة اليسارية والبرنامج الاجتماعي مجزية في هذه المرحلة التي يصعد فيها اليمين المتطرف والشعبويّون من رحم الأزمة الاجتماعية والبطالة والفساد، ومن حطام الأحزاب التقليدية التي تشوّهت هويّاتها وفقدت بوصلتها العقائدية.
ومن باب الإنصاف لا بد من القول إن مراهنة الحزب الاشتراكي على استعادة المشروع الاجتماعي اليساري كانت سابقة لهذه الانتخابات، وظهرت بوضوح في البرنامج الحكومي الذي وضعه زعيمه الشاب بدرو سانتشيز في بداية ولايته مطلع الصيف الماضي. ويذكر أن أولى خطواته بُعيد وصوله إلى الحكم كانت القرار بفتح الموانئ الإسبانية أمام سفن إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط بعدما رفضت الحكومة الإيطالية استقبالها بإيعاز من نائب رئيسها ووزير الداخلية اليميني المتطرف ماتّيو سالفيني.
كذلك تمكّن سانتشيز، رغم عدم كفاية الدعم البرلماني لحكومته وتعقيدات الملفّ الانفصالي الكاتالوني، من تمرير مجموعة من القوانين والمراسيم الاشتراعية لمساعدة الفئات الاجتماعية الأكثر احتياجاً وتضرراً من الأزمة الاقتصادية.
ومعلوم أن سانتشيز كان قد جرّب حكومة الأقلية وما جرّته من صعوبات اضطرته إلى تعديل الكثير من مشاريعه أو التخلّي عنها، وحالت دون الموافقة على الموازنة العامة، وهو ما أجبره على حل البرلمان وإجراء انتخابات مسبقة. ومن هنا كان نداؤه المستميت في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية «الفوز وحده لا يكفي للوصول إلى الحكم» بمثابة العنوان للمرحلة الراهنة: فوز واضح، لكن غير كافٍ لتشكيل الحكومة منفرداً من غير اللجوء إلى تحالفات.
النصر كان في حسابات الزعيم الاشتراكي الإسباني، وأيضاً كان في حساباته أنه لن يكون كافياً. لكن ما لم يكن في حساباته هي الهزيمة المدوّية التي أصيب بها خصمه الذي اعتاد التناوب معه على الحكم، وفشل اليمين مجتمعاً في الحصول على الأغلبية، إضافة إلى تراجع حليفه الطبيعي الذي كان يطالب بالدخول إلى الحكومة لدعمه هذه المرة، وفوز الجناح الانفصالي الكاتالوني الذي قرر عدم المضي في المواجهة الصدامية مع مدريد والتخلّي عن فكرة إعلان الاستقلال من طرف واحد وفتح باب الحوار مع الحكومة المركزية.

الحكومة الجديدة
كل ذلك دفع بالحزب الاشتراكي إلى الإعلان أن المطروح، في الوقت الحاضر، هو تشكيل الحكومة منفرداً، لكنه منفتح على الحوار مع كل القوى الممثلة في البرلمان من غير استثناء.
وبدأت المراكز المالية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى الضغط منذ لحظة إعلان النتائج لتشكيل حكومة ائتلافية بين الاشتراكيين وحزب «مواطنون» الليبرالي المعتدل. لكن الفكرة تبدو مستبعدة في الوقت الحاضر من الطرفين؛ نظراً إلى العداء المستحكم بين القيادتين، وذلك بعدما رفض الاشتراكيون في العام الماضي عرضاً لتشكيل ائتلاف مع حزب «مواطنون» وقرروا التحالف مع الحزب اليساري «بوديموس» الذي اكتفى بالدعم البرلماني ولم يطالب يومها بالدخول إلى الحكومة.
وتتجه قيادة الحزب الاشتراكي حاليّاً إلى التريّث حتى الانتخابات الأوروبية المقررة يوم 26 مايو (أيار) الحالي، التي تتزامن مع الانتخابات الإقليمية والمحلية، قبل أن تبدأ المفاوضات الفعلية لتشكيل الحكومة. ومن المستبعد أن يكشف أي من الأحزاب عن أوراقه قبل اتضاح صورة المشهد المحلّي والإقليمي وتظهر المعادلة الجديدة لتوزيع القوى على الساحة الأوروبية.

تشرذم الانتخابات السابقة
الانتخابات الثلاث السابقة تمخّضت عن تشرذم متكرر للأحزاب والقوى الممثّلة في البرلمان، عطّل العجلة السياسية وقضى على الاستقرار السياسي الذي تميّزت به إسبانيا طوال ثلاثة عقود متتالية، وكان أحد العوامل الأساسية في نهضتها الاقتصادية.
وتعرّضت مدريد حقاً للملامة ولانتقادات كثيرة على الصعيد الأوروبي بسبب هذا التعطيل وقلّة الاستقرار السياسي في مرحلة حسّاسة من مسار المشروع الأوروبي، وفي وقت كانت إسبانيا قد بدأت باجتياز الشوط الأخير في عملية النهوض من الأزمة الاقتصادية. غير أن العيون الأوروبية، وبخاصة من العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث مقرّ مفوّضية الاتحاد، كانت تراقب عن كثب الموعد الانتخابي الإسباني باعتباره الأخير في إحدى دول الاتحاد الكبرى، وهذا قبل الموعد الحاسم في انتخابات البرلمان الأوروبي أواخر الشهر الحالي.
ثم أن هذه كانت انتخابات تشارك فيها الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة والشعبويّة بقوّة للمرة الأولى بعد صعودها الكبير ووصولها إلى الحكم في عدد من الدول الأعضاء، وقصفها المركّز على المؤسسات الأوروبية معلنة عزمها على إجراء تغييرات جذرية فيها.
وبالفعل، لم يحدث في السنوات الأخيرة أن استأثرت انتخابات عامة في أوروبا بهذا القدر من الاهتمام خارج الحدود الوطنية؛ ولهذا كانت ردود الفعل والتعليقات سريعة في معظم العواصم الأوروبية التي قرأتها كلٌّ من منظورها الخاص وبما يتماشى مع تطلعاتها وحساباتها.

ارتياح أوروبي لنتيجة الاقتراع الإسباني
> كثيرون تنفّسوا الصعداء في المحيط الأوروبي لدى معرفة نتائج الانتخابات الإسبانية التي اعتبرتها بروكسل «أوّل انتصار على اليمين المتطرف... ومؤشراً إيجابياً في انتظار الانتخابات الأوروبية». أيضاً أعربت المفوضيّة الأوروبية عن أملها في أن تكون هذه النتائج «مدخلاً إلى تشكيل حكومة مستقرّة توافق على الموازنة العامة في أقرب الآجال».
مفوّض الشؤون المالية والاقتصادية الأوروبي بيير موسكوفيتشي، المعروف بانتقاداته اللاذعة للأحزاب اليمينية المتطرفة في القارة، قال في تصريح له بعد نتيجة الانتخابات الإسبانية: إن بروكسل لا تشعر بأي قلق من حكومة ائتلافية على اليسار «لأن الديمقراطية لا يجب أن تخيف أحداً». واعتبر أن نتيجة هذه الانتخابات جاءت دليلاً قاطعاً على أن الأغلبية الساحقة من الناخبين الإسبان قد صوّتت لصالح الخيارات الأوروبية، في تلميح إلى أن التصويت جاء عكس ما حصل في الانتخابات الإيطالية العام الماضي.
أما نائب رئيس المفوّضية الهولندي فرانز تيمرمان فقد اعتبر فوز بدرو سانتشيز وحزبه «انتصاراً لسياسة التضامن والإنصاف والحوار والمساواة والاستدامة التي قام لأجلها المشروع الأوروبي».

فرح أحزاب اليسار
وبطبيعة الحال، هلّلت الأحزاب الاشتراكية الأوروبية، التي يكافح بعضها لمجرّد البقاء، كالحزب الاشتراكي الفرنسي و«باسوك» اليوناني والحزب الديمقراطي في إيطاليا، لفوز سانتشيز الذي علّق على نتائج الانتخابات بقوله: «لقد أظهرنا للعالم أن بوسعنا دحر الرجعيّة والتطرّف».
الاشتراكيون الفرنسيون، من جهتهم، اعتبروا فوز سانتشيز «أمثولة في المثابرة لكل الاشتراكيين في أوروبا»، في حين رأى فيه الاشتراكيون الحاكمون في البرتغال «انتصاراً على التوتاليتارية»، واعتبروا بشيء من الشماتة أن دخول اليمين المتطرف إلى البرلمان الإسباني «لم يكن تسونامي، بل موجة لا يزيد ارتفاعها على عشرة أمتار».
الإيطاليون أيضاً امتدحوا «سانتشيز الوسيم»، ودعا الكثير من قادتهم إلى الاقتداء بخياراته الاجتماعية «لأن السبيل الوحيد للتغلّب على التطرّف اليميني هو التطرّف في الاتجاه الاجتماعي المعاكس الذي تخلّت عنه الأحزاب اليسارية».

«نهضة تعيد أوروبا إلى جذورها»
في المقابل، ورغم نكسة اليمين المتطرف، تسابقت الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا وقياداتها على تهنئة حزب «بوكس» (فوكس)، الذي قال عنه سالفيني – القيادي اليميني زعيم حزب «الرابطة» ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي - بأنه «تجاوز فكرة اليمين واليسار». كذلك رأى فيه زعيم «البديل لألمانيا» بداية «نهضة أوروبية تعيد القارة إلى جذورها الحقيقية وهويتها التاريخية».
لكن النهضة التي يتوقّف عندها المراقبون اليوم، ويرشّحون سانتشيز لقيادتها، هي نهضة الأحزاب الاشتراكية الأوروبية التي بدأت تظهر بوادرها الأولى في الانتخابات العامة الفنلندية التي أجريت منذ أسبوعين وفاز فيها الحزب الاجتماعي الديمقراطي بفارق ضئيل على التحالف اليميني المتطرف. أيضاً في الدنمارك، حيث ترجّح الاستطلاعات فوز اليسار في الانتخابات العامة منتصف الشهر المقبل. ثم إنه ينتظر أن يكرّر الاشتراكيون البرتغاليون فوزهم في الانتخابات المقبلة، في حين بدأ الحزب الديمقراطي الإيطالي يستعيد بعضا من التأييد الذي خسره لصالح الشعبويين اليمينين الذين أصيبوا بهزائم متكررة في الانتخابات المحلية الأخيرة.
لقد أعاد فوز الاشتراكيين الإسبان بعض الأمل إلى الخائفين على «المشروع الأوروبي» من صعود اليمين المتطرف والشعبويين الذين يُخشى دخولهم بقوّة إلى البرلمان الأوروبي أواخر هذا الشهر. وهذا، مع أن الاستطلاعات الأخيرة ترجّح احتفاظ الحزب الشعبي الأوروبي بالكتلة الأكبر، لكن بتراجع ملحوظ في عدد المقاعد، وبقاء الاشتراكيين في المرتبة الثانية مع تراجع أيضا في عددهم... قد يرتفع قليلاً إذا تقرّرت مشاركة البريطانيين في هذه الانتخابات. في أي حال، وأياً تكن الصيغة التي ستستقرّ عليها الحكومة الإسبانية بعد الانتخابات الأوروبية، ستكون إسبانيا أكبر دولة في الاتحاد بحكومة اشتراكية. كما أنها ستكون مرشّحة لكي تلعب دوراً مهماً في المشهد السياسي الأوروبي المقبل على توازنات جديدة بين العائلات السياسية الكبرى، وبخاصة بعد خروج بريطانيا والوضع غير المستقرّ في إيطاليا، حيث لم يعد الحديث اليوم عمّا إذا كانت ستسقط الحكومة الائتلافية، بل عن موعد سقوطها وما سيأتي بعدها.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.