انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية

في ظل مخاوف من صعود اليمين الشعبوي المتطرف

انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية
TT

انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية

انتصار الاشتراكيين الإسبان وملامح تغيّر اتجاه الرياح الأوروبية

عندما توجّه الإسبان، الأحد الماضي، إلى ثالث موعد لهم مع الانتخابات العامة في أقلّ من أربع سنوات، كانت الاستطلاعات قد «حسمت» فوز الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني ودخول «الورثة الشرعيين» للجنرال فرانشيسكو فرانكو إلى الندوة البرلمانية للمرة الأولى منذ وفاة الديكتاتور الذي حكم حتى منتصف سبعينات القرن الماضي. إلا أن الغموض كان لا يزال يخيّم على حجم النصر الاشتراكي المرتقب، وعلى عدد النوّاب الفائزين الذين ينادون بـ«نقاء» العرق الإسباني ويرفضون التمازج الثقافي والديني في البلد الذي انصهرت فيه الثقافات وتعايشت الأديان طوال قرون، مولّدة إحدى أجمل حقب التاريخ الأوروبي وأخصبها على صعيد العلوم والفنون والمعارف. أما الأسئلة التي كانت تحيّر الراصدين السياسيين للانتخابات فكان يدور معظمها حول نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع بعدما اعتاد الأوروبيون هجرتها في السنوات الأخيرة، والتي غالبا ما كان لها الدور الحاسم في ترجيح كفّة الفوز عند صدور النتائج النهائية.
توجّه الناخبون في إسبانيا إلى الانتخابات البرلمانية قبل أيام فيما يشبه المفاضلة بين الخوف والغضب: الخوف من الجنوح نحو مشاريع وأفكار سبق أن كلّفت البلاد حرباً أهلية أوقعت مليون قتيل وأغرقتها في ليل من الكوابيس والعزلة طيلة أربعين سنة... والغضب من رئيس الحكومة المستقيلة الذي خطف الحكم في غفلة التوتر الانفصالي واستشراء الفساد، والذي يتّهمه كثيرون بالخضوع لابتزازات الأحزاب الإقليمية وتدمير وحدة الدولة.

إقبال.. وانتصار اشتراكي
لكن على رغم هذا الخوف والغضب، سجّلت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع هذه المرة 75.75 في المائة محطمة كل ما سبقها من أرقام قياسية، ودفعت بالحزب الاشتراكي العمالي الإسباني وزعيمه رئيس الوزراء الشاب بدرو سانتشيز (47 سنة) إلى إحراز أفضل النتائج منذ تسع سنوات، في تأكيد للمقولة الراسخة في السياسة الإسبانية بأن «اليمين يفوز في الانتخابات عندما يبقى اليسار في المنزل». لا، بل وضاعف الاشتراكيون النتيجة التي حصل عليها الحزب الشعبي، خصمهم التقليدي اليميني الذي يتناوبون معه على الحكم منذ أربعة عقود. إذ خسر «الشعبيون» نصف مقاعدهم وبات حزبهم مهدداً بالانقراض بعد ظهور اليمين المتطرف وصعود منافسه الليبرالي «مواطنون» الذي يطالب الآن بزعامة المعسكر اليميني.
هذا في معسكر اليمين، أما في معسكر اليسار، فعلى يسار الحزب الاشتراكي تراجع حزب «بوديموس» المتحالف مع الشيوعيين، وهو كان حليف سانتشيز في الحكومة السابقة. في حين تمكّن حزب اليسار الجمهوري الانفصالي من تحقيق النصر في إقليم كاتالونيا (قطالونية) للمرة الأولى في تاريخه، متقدّماً على الجناح الانفصالي الآخر الذي يقوده رئيس الحكومة الإقليمية السابق كارليس بوتشيمون الذي ما زال فاراً من العدالة.

اليمين المتطرف
ويبقى أن الجديد فعلاً في هذه الانتخابات هو ظهور الحزب اليميني المتطرف «بوكس» (تُكتب فوكس) للمرة الأولى في المشهد السياسي الوطني. «بوكس» برز وطنياً هذه المرة بعدما خاض الانتخابات الإقليمية الأخيرة في إقليم أندلوسيا (الأندلس)، حيث تمكّن اليمين مجتمعاً من انتزاع الحكومة الإقليمية من الاشتراكيين للمرة الأولى منذ أربعين سنة. لكن مع هذا، فإن النتيجة التي حصل عليها هذا الحزب في الانتخابات العامة (24 مقعداً)، في سياق هزيمة اليمين، لن تمكّنه من لعب دور مؤثر في اللعبة السياسية. ويرجّح أن يركّز نشاطه على الملفّ الانفصالي الكاتالوني الذي سيبقى الهاجس الأوّل للحكومة المقبلة والرحى التي ستدور حولها معظم التجاذبات السياسية.

المرأة... والاشتراكيون
كان لافتاً أيضاً في نتائج هذه الانتخابات أن النساء يشكلن 45 في المائة من عضويّة البرلمان الجديد، وهذه أعلى نسبة حاليّاً في أوروبا. ويعود هذا الحضور القوي للمرأة في المشهد السياسي الإسباني إلى التحرّكات والمظاهرات الحاشدة التي شهدتها إسبانيا في السنوات الأخيرة، مطالبة بتحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل؛ ما دفع بالأحزاب إلى المراهنة بقوة على دورها في الانتخابات الأخيرة. وتجدر الإشارة إلى أن النساء كن يشكلن ثلثي أعضاء حكومة تصريف الأعمال الاشتراكية المستقيلة.
ثمة عوامل عدّة تضافرت لتأمين هذا الفوز الواضح الذي حققه الاشتراكيون بعد سنوات من التراجع الذي كاد يصل حد استيعابهم في حزب «بوديموس». وهذا الأخير ظهر بعد أزمة عام 2008 على صهوة برنامج يساري كلاسيكي لقي تجاوباً سريعاً وواسعاً في الأوساط الاجتماعية التي كانت ترزح تحت تداعيات الأزمة الاقتصادية.
من ناحية ثانية، لا شك في أن ظهور الحزب اليميني المتطرف «بوكس» كان من العوامل الرئيسية التي دفعت بأعداد كبيرة من الناخبين المعتدلين الذين يحسمون أمرهم عادة في الساعات الأخيرة - وتقدّر الاستطلاعات نسبتهم بنحو 30 في المائة - نحو الحزب الاشتراكي الذي رفع وحده خطاب الاعتدال والحوار في وجه المواقف المتوتّرة والتحديّات التي أطلقتها الأحزاب الأخرى.
وتفيد التحليلات الأخيرة للانتخابات بأن الرفض الواسع للطروحات اليمينية المتطرفة في المجتمع الإسباني، الذي ما زالت ذكرى الحرب الأهلية والعقود الأربعة من الديكتاتورية حاضرة عنده، لعب دوراً حاسماً في تعبئة الناخبين الاشتراكيين الذين لم يشاركوا بنسبة عالية في المواعيد الانتخابية الأخيرة. وكان لظهور «بوكس»، أيضاً، الدور الأساسي في حصر الساحة الرئيسية لمعركة المعسكر اليميني في التنافس على الأصوات اليمينية والمحافظة، تاركا المشهد الوسطي الواسع للحزب الاشتراكي يغرف منه وحده.

العودة إلى الجذور
لكن، لعلّ العامل الأساسي في هذا الفوز الاشتراكي، الذي بات يشكّل حدثاً بارزاً في أوروبا منذ سنوات رغم أنه دون الأغلبية البرلمانية الكافية لتشكيل حكومة منفرداً، هو العودة إلى الجذور الاجتماعية التي ابتعدت عنها كثيراً الأحزاب الاشتراكية الأوروبية في السنوات الأخيرة... حتى بات من الصعب أحياناً التمييز بينها وبين الأحزاب الليبرالية أو المحافظة.
لقد برهنت الانتخابات الإسبانية على أن المراهنة على استعادة الهويّة اليسارية والبرنامج الاجتماعي مجزية في هذه المرحلة التي يصعد فيها اليمين المتطرف والشعبويّون من رحم الأزمة الاجتماعية والبطالة والفساد، ومن حطام الأحزاب التقليدية التي تشوّهت هويّاتها وفقدت بوصلتها العقائدية.
ومن باب الإنصاف لا بد من القول إن مراهنة الحزب الاشتراكي على استعادة المشروع الاجتماعي اليساري كانت سابقة لهذه الانتخابات، وظهرت بوضوح في البرنامج الحكومي الذي وضعه زعيمه الشاب بدرو سانتشيز في بداية ولايته مطلع الصيف الماضي. ويذكر أن أولى خطواته بُعيد وصوله إلى الحكم كانت القرار بفتح الموانئ الإسبانية أمام سفن إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط بعدما رفضت الحكومة الإيطالية استقبالها بإيعاز من نائب رئيسها ووزير الداخلية اليميني المتطرف ماتّيو سالفيني.
كذلك تمكّن سانتشيز، رغم عدم كفاية الدعم البرلماني لحكومته وتعقيدات الملفّ الانفصالي الكاتالوني، من تمرير مجموعة من القوانين والمراسيم الاشتراعية لمساعدة الفئات الاجتماعية الأكثر احتياجاً وتضرراً من الأزمة الاقتصادية.
ومعلوم أن سانتشيز كان قد جرّب حكومة الأقلية وما جرّته من صعوبات اضطرته إلى تعديل الكثير من مشاريعه أو التخلّي عنها، وحالت دون الموافقة على الموازنة العامة، وهو ما أجبره على حل البرلمان وإجراء انتخابات مسبقة. ومن هنا كان نداؤه المستميت في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية «الفوز وحده لا يكفي للوصول إلى الحكم» بمثابة العنوان للمرحلة الراهنة: فوز واضح، لكن غير كافٍ لتشكيل الحكومة منفرداً من غير اللجوء إلى تحالفات.
النصر كان في حسابات الزعيم الاشتراكي الإسباني، وأيضاً كان في حساباته أنه لن يكون كافياً. لكن ما لم يكن في حساباته هي الهزيمة المدوّية التي أصيب بها خصمه الذي اعتاد التناوب معه على الحكم، وفشل اليمين مجتمعاً في الحصول على الأغلبية، إضافة إلى تراجع حليفه الطبيعي الذي كان يطالب بالدخول إلى الحكومة لدعمه هذه المرة، وفوز الجناح الانفصالي الكاتالوني الذي قرر عدم المضي في المواجهة الصدامية مع مدريد والتخلّي عن فكرة إعلان الاستقلال من طرف واحد وفتح باب الحوار مع الحكومة المركزية.

الحكومة الجديدة
كل ذلك دفع بالحزب الاشتراكي إلى الإعلان أن المطروح، في الوقت الحاضر، هو تشكيل الحكومة منفرداً، لكنه منفتح على الحوار مع كل القوى الممثلة في البرلمان من غير استثناء.
وبدأت المراكز المالية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى الضغط منذ لحظة إعلان النتائج لتشكيل حكومة ائتلافية بين الاشتراكيين وحزب «مواطنون» الليبرالي المعتدل. لكن الفكرة تبدو مستبعدة في الوقت الحاضر من الطرفين؛ نظراً إلى العداء المستحكم بين القيادتين، وذلك بعدما رفض الاشتراكيون في العام الماضي عرضاً لتشكيل ائتلاف مع حزب «مواطنون» وقرروا التحالف مع الحزب اليساري «بوديموس» الذي اكتفى بالدعم البرلماني ولم يطالب يومها بالدخول إلى الحكومة.
وتتجه قيادة الحزب الاشتراكي حاليّاً إلى التريّث حتى الانتخابات الأوروبية المقررة يوم 26 مايو (أيار) الحالي، التي تتزامن مع الانتخابات الإقليمية والمحلية، قبل أن تبدأ المفاوضات الفعلية لتشكيل الحكومة. ومن المستبعد أن يكشف أي من الأحزاب عن أوراقه قبل اتضاح صورة المشهد المحلّي والإقليمي وتظهر المعادلة الجديدة لتوزيع القوى على الساحة الأوروبية.

تشرذم الانتخابات السابقة
الانتخابات الثلاث السابقة تمخّضت عن تشرذم متكرر للأحزاب والقوى الممثّلة في البرلمان، عطّل العجلة السياسية وقضى على الاستقرار السياسي الذي تميّزت به إسبانيا طوال ثلاثة عقود متتالية، وكان أحد العوامل الأساسية في نهضتها الاقتصادية.
وتعرّضت مدريد حقاً للملامة ولانتقادات كثيرة على الصعيد الأوروبي بسبب هذا التعطيل وقلّة الاستقرار السياسي في مرحلة حسّاسة من مسار المشروع الأوروبي، وفي وقت كانت إسبانيا قد بدأت باجتياز الشوط الأخير في عملية النهوض من الأزمة الاقتصادية. غير أن العيون الأوروبية، وبخاصة من العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث مقرّ مفوّضية الاتحاد، كانت تراقب عن كثب الموعد الانتخابي الإسباني باعتباره الأخير في إحدى دول الاتحاد الكبرى، وهذا قبل الموعد الحاسم في انتخابات البرلمان الأوروبي أواخر الشهر الحالي.
ثم أن هذه كانت انتخابات تشارك فيها الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة والشعبويّة بقوّة للمرة الأولى بعد صعودها الكبير ووصولها إلى الحكم في عدد من الدول الأعضاء، وقصفها المركّز على المؤسسات الأوروبية معلنة عزمها على إجراء تغييرات جذرية فيها.
وبالفعل، لم يحدث في السنوات الأخيرة أن استأثرت انتخابات عامة في أوروبا بهذا القدر من الاهتمام خارج الحدود الوطنية؛ ولهذا كانت ردود الفعل والتعليقات سريعة في معظم العواصم الأوروبية التي قرأتها كلٌّ من منظورها الخاص وبما يتماشى مع تطلعاتها وحساباتها.

ارتياح أوروبي لنتيجة الاقتراع الإسباني
> كثيرون تنفّسوا الصعداء في المحيط الأوروبي لدى معرفة نتائج الانتخابات الإسبانية التي اعتبرتها بروكسل «أوّل انتصار على اليمين المتطرف... ومؤشراً إيجابياً في انتظار الانتخابات الأوروبية». أيضاً أعربت المفوضيّة الأوروبية عن أملها في أن تكون هذه النتائج «مدخلاً إلى تشكيل حكومة مستقرّة توافق على الموازنة العامة في أقرب الآجال».
مفوّض الشؤون المالية والاقتصادية الأوروبي بيير موسكوفيتشي، المعروف بانتقاداته اللاذعة للأحزاب اليمينية المتطرفة في القارة، قال في تصريح له بعد نتيجة الانتخابات الإسبانية: إن بروكسل لا تشعر بأي قلق من حكومة ائتلافية على اليسار «لأن الديمقراطية لا يجب أن تخيف أحداً». واعتبر أن نتيجة هذه الانتخابات جاءت دليلاً قاطعاً على أن الأغلبية الساحقة من الناخبين الإسبان قد صوّتت لصالح الخيارات الأوروبية، في تلميح إلى أن التصويت جاء عكس ما حصل في الانتخابات الإيطالية العام الماضي.
أما نائب رئيس المفوّضية الهولندي فرانز تيمرمان فقد اعتبر فوز بدرو سانتشيز وحزبه «انتصاراً لسياسة التضامن والإنصاف والحوار والمساواة والاستدامة التي قام لأجلها المشروع الأوروبي».

فرح أحزاب اليسار
وبطبيعة الحال، هلّلت الأحزاب الاشتراكية الأوروبية، التي يكافح بعضها لمجرّد البقاء، كالحزب الاشتراكي الفرنسي و«باسوك» اليوناني والحزب الديمقراطي في إيطاليا، لفوز سانتشيز الذي علّق على نتائج الانتخابات بقوله: «لقد أظهرنا للعالم أن بوسعنا دحر الرجعيّة والتطرّف».
الاشتراكيون الفرنسيون، من جهتهم، اعتبروا فوز سانتشيز «أمثولة في المثابرة لكل الاشتراكيين في أوروبا»، في حين رأى فيه الاشتراكيون الحاكمون في البرتغال «انتصاراً على التوتاليتارية»، واعتبروا بشيء من الشماتة أن دخول اليمين المتطرف إلى البرلمان الإسباني «لم يكن تسونامي، بل موجة لا يزيد ارتفاعها على عشرة أمتار».
الإيطاليون أيضاً امتدحوا «سانتشيز الوسيم»، ودعا الكثير من قادتهم إلى الاقتداء بخياراته الاجتماعية «لأن السبيل الوحيد للتغلّب على التطرّف اليميني هو التطرّف في الاتجاه الاجتماعي المعاكس الذي تخلّت عنه الأحزاب اليسارية».

«نهضة تعيد أوروبا إلى جذورها»
في المقابل، ورغم نكسة اليمين المتطرف، تسابقت الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا وقياداتها على تهنئة حزب «بوكس» (فوكس)، الذي قال عنه سالفيني – القيادي اليميني زعيم حزب «الرابطة» ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي - بأنه «تجاوز فكرة اليمين واليسار». كذلك رأى فيه زعيم «البديل لألمانيا» بداية «نهضة أوروبية تعيد القارة إلى جذورها الحقيقية وهويتها التاريخية».
لكن النهضة التي يتوقّف عندها المراقبون اليوم، ويرشّحون سانتشيز لقيادتها، هي نهضة الأحزاب الاشتراكية الأوروبية التي بدأت تظهر بوادرها الأولى في الانتخابات العامة الفنلندية التي أجريت منذ أسبوعين وفاز فيها الحزب الاجتماعي الديمقراطي بفارق ضئيل على التحالف اليميني المتطرف. أيضاً في الدنمارك، حيث ترجّح الاستطلاعات فوز اليسار في الانتخابات العامة منتصف الشهر المقبل. ثم إنه ينتظر أن يكرّر الاشتراكيون البرتغاليون فوزهم في الانتخابات المقبلة، في حين بدأ الحزب الديمقراطي الإيطالي يستعيد بعضا من التأييد الذي خسره لصالح الشعبويين اليمينين الذين أصيبوا بهزائم متكررة في الانتخابات المحلية الأخيرة.
لقد أعاد فوز الاشتراكيين الإسبان بعض الأمل إلى الخائفين على «المشروع الأوروبي» من صعود اليمين المتطرف والشعبويين الذين يُخشى دخولهم بقوّة إلى البرلمان الأوروبي أواخر هذا الشهر. وهذا، مع أن الاستطلاعات الأخيرة ترجّح احتفاظ الحزب الشعبي الأوروبي بالكتلة الأكبر، لكن بتراجع ملحوظ في عدد المقاعد، وبقاء الاشتراكيين في المرتبة الثانية مع تراجع أيضا في عددهم... قد يرتفع قليلاً إذا تقرّرت مشاركة البريطانيين في هذه الانتخابات. في أي حال، وأياً تكن الصيغة التي ستستقرّ عليها الحكومة الإسبانية بعد الانتخابات الأوروبية، ستكون إسبانيا أكبر دولة في الاتحاد بحكومة اشتراكية. كما أنها ستكون مرشّحة لكي تلعب دوراً مهماً في المشهد السياسي الأوروبي المقبل على توازنات جديدة بين العائلات السياسية الكبرى، وبخاصة بعد خروج بريطانيا والوضع غير المستقرّ في إيطاليا، حيث لم يعد الحديث اليوم عمّا إذا كانت ستسقط الحكومة الائتلافية، بل عن موعد سقوطها وما سيأتي بعدها.



«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».