اللاجئون السوريون في مزارع البندق التركية... أجر زهيد وعمالة أطفال

يضطرون للعمل 12 ساعة يومياً ويربطون أنفسهم بالحبال خوفاً من السقوط

عامل في إحدى مزارع البندق التركية (نيويورك تايمز)
عامل في إحدى مزارع البندق التركية (نيويورك تايمز)
TT

اللاجئون السوريون في مزارع البندق التركية... أجر زهيد وعمالة أطفال

عامل في إحدى مزارع البندق التركية (نيويورك تايمز)
عامل في إحدى مزارع البندق التركية (نيويورك تايمز)

بعد هروبهم من ويلات الحرب في بلدهم، لم تتوقف معاناة بعض اللاجئين السوريين الذين اضطروا للعمل في مزارع البندق في تركيا، حيث أكدوا تعرضهم للخداع حول الأجور التي يتلقونها، واضطرارهم للدفع بأولادهم للعمل، فضلاً عن ظروف العمل شديدة الخطورة.
ونقل تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، عن السوري شاكر روداني الذي كان يعمل الصيف الماضي هو وأبناؤه الستة في مزارع للبندق بمنطقة البحر الأسود بتركيا، قوله إن ظروف العمل هناك كانت شاقة وخطيرة للغاية.
وأكد أنه كان يربط أبناءه بحبال متصلة بالصخور، خوفاً من سقوطهم من الارتفاعات الشاهقة شديدة الانحدار التي كانوا يعملون بها، وأوضح قائلاً: «لم أصدق شكل الجبال عندما رأيتها لأول مرة، وشعرت أنني إذا وقعت أنا أو أبنائي، فلن يتم العثور علينا مطلقاً».
بالإضافة إلى ذلك، أشار روداني (57 عاماً) إلى أنه كان يتلقى أجراً يومياً يبلغ نحو 10 دولارات، وهو نصف المبلغ الذي تم الاتفاق عليه في بداية الالتحاق بالعمل.
وتابع روداني الذي يعيش في قرية تركية على الحدود السورية تدعى أكاكالي: «المبالغ التي تلقيناها غطت بالكاد تكلفة وصولنا للمزارع وعودتنا إلى منزلنا، لقد عدنا من دون أي شيء تقريباً، وأدركنا أنا وأبنائي أنه مقارنة بمدى خطورة العمل، فإن المال الذي تلقيناه لا يستحق كل هذا العناء».
واستطرد: «المشرفون كانوا يخدعون العمال السوريين، ولم يعطوهم المبالغ المتفق عليها».
وكان روداني يعمل مزارعاً في سوريا، قبل أن يفر، هو وعائلته المؤلفة من 12 شخصاً، منها في يناير (كانون الثاني) 2014، مع اقتراب مقاتلي تنظيم «داعش» من بلدته.
ومثل ما يقرب من 3.4 مليون سوري آخر قاموا باللجوء إلى تركيا منذ عام 2011، فإن روداني وعائلته يصنفون على أنهم «من الأشخاص الذين يتمتعون بحماية مؤقتة في تركيا»، ويتم منح عدد قليل منهم تصاريح العمل.
وتعد الزراعة واحدة من بعض القطاعات التي لا تتطلب تصاريح عمل.
ومن جهته، قال إبراهيم خليل، أحد أبناء عمومة روداني: «المشكلة الرئيسية في العمل بمزارع البندق هي عدم وجود مكان للوقوف بشكل جيد، فالأرض شديدة الانحدار، ولا يمكن الوقوف بشكل مستقيم».
بالإضافة إلى ذلك، أكد تقرير «نيويورك تايمز» أن عدد ساعات العمل للمزارعين السوريين طويلة، حيث يعملون من الساعة السابعة صباحاً حتى الساعة السابعة مساءً يومياً، كما أن أغلبهم لا يحصلون على عطلة أسبوعية، ليعملوا 7 أيام في الأسبوع.
ونظراً لتلقيهم أجوراً ضئيلة للغاية، فإن كثيراً من اللاجئين السوريين يضطرون إلى اصطحاب أبنائهم للعمل معهم في المزارع والحقول التركية سعياً لتعزيز دخل الأسرة.
وصرح نواف إبراهيم (48 عاماً)، وهو أب لعشرة أبناء، بأنه اضطر لتشغيل 3 من أبنائه في حقول البرتقال، حتى يتمكن من دفع إيجار المنزل الذي يسكن فيه بالقرب من مدينة أضنة الجنوبية.
وأضاف إبراهيم: «الأشخاص الذين ليس لديهم عدد كافٍ من الأبناء الذين يستطيعون مساعدتهم في العمل يجبرون على العيش في خيام بلاستيكية على جانب الطريق».
ومن جهته، قال ياسين المحمد، الذي كان يعمل تاجراً للخراف في سوريا قبل السفر إلى تركيا، إنه ليس قوياً بما يكفي ليعمل في المزارع لأكثر من 10 ساعات في اليوم، مشيراً إلى أن أغلب أطفاله الثمانية إما مرضى للغاية أو صغار السن بالنسبة العمل، مما يعني أنه قد يكون بلا مأوى عندما ينتهي عقد إيجار شقته في غضون بضعة أشهر.
وأضاف المحمد: «لست الشخص الوحيد الذي يعاني من هذه الظروف؛ الكثير من الأسر السورية هنا محكوم عليها بالمصير نفسه».
وتتضاعف صعوبات العمل الزراعي بسبب الوسطاء الذين يقومون بجلب المزارعين لأصحاب العمل. فوفقاً للتقرير، فإن هؤلاء الوسطاء غالباً ما يدفعون المزارعين إلى الاقتراض والاستدانة بغرض السيطرة عليهم وضمان ولائهم التام لهم.
وقال سانيي ديدي أوغلو، أستاذ اقتصاديات العمل بجامعة موغلا في تركيا: «لتشكيل مجموعة عمل، فأنت تحتاج إلى 15 إلى 20 شخصاً، وإذا كان شخص ما مديناً لك، فمن غير المرجح تركه الوظيفة، والالتحاق بعمل آخر».
ومن جهته، قال إبراهيم أرغون (71 سنة)، الذي كان يعمل وسيطاً لمدة 10 سنوات، إنه كان يدرك تماماً «سمعة وظيفته السيئة»، وأوضح قائلاً: «هذه هي الحقيقة؛ معظم الوسطاء لا يمنحون المزارعين حقوقهم». إلا أنه أكد أنه لم يخدع أياً من عماله، مشيراً إلى أنه أحياناً كان يضطر لدفع أموال للمزارعين من جيبه الخاص، عندما كان يمتنع أصحاب العمل عن الوفاء بحقوقهم.
وتنتج تركيا نحو 70 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي من البندق، ومن المستحيل تلبية الطلب الدولي للبندق دون الشراء بكميات كبيرة من أنقرة.
وتضم منطقة البحر الأسود نحو 600 ألف مزرعة صغيرة.
ويستخدم الجزء الأكبر من البندق التركي في صناعة بعض الحلويات الشهيرة، مثل شوكولاته «نوتيللا» التي تنتجها شركة «فيريرو» الإيطالية، وبعض منتجات الشوكولاته التي تنتجها شركتي «نستلة» و«جوديفا».
ويعمل نحو 200 ألف لاجئ سوري في المزارع التركية. وفي الفترة الأخيرة، ضمت مزارع البندق على وجه الخصوص عدداً كبيراً من العمال السوريين، قليل منهم يحملون تصاريح عمل، لذا يفتقرون إلى الحماية القانونية.
ولا ينطبق قانون العمل في تركيا على مزارع الشركات الزراعية التي يقل عدد موظفيها عن 50 موظفاً، لذا فإن كل شركة أو مزرعة هي من يتولى تحديد سياسة العمل لديها.
وتقول شركة «فيريرو» التي تشتري ثلث إنتاج تركيا من البندق إنها تعمل جاهدة لضمان حظر عمالة الأطفال، ووضع معايير للأجور والسلامة بالمزارع التي تتعامل معها، وأضافت في رسالة بالبريد الإلكتروني لـ«نيويورك تايمز»: «نطلب من مزارعينا المستقلين أن يفعلوا الشيء نفسه».
لكن المراقبة الشاملة لجميع مزارع البندق في تركيا تعتبر هدفاً بعيد المنال، نظراً لكثرة عدد هذه المزارع واستقلالها.
وقالت ريشا ميتال، مديرة الابتكار والبحث في «رابطة العمل العادل» الأميركية، التي قامت بدراسات ميدانية في تركيا: «في غضون 6 أعوام من المراقبة، لم نعثر مطلقاً على مزرعة واحدة للبندق في تركيا تستوفي فيها جميع معايير مبدأ العمل اللائق».
وأصبحت تركيا بمثابة «عاصمة البندق على كوكب الأرض»، من خلال عوامل الطبيعة والتدخل الحكومي. فمنطقة البحر الأسود تتمتع بمزيج مثالي من التربة الطينية وأشعة الشمس والمطر. وابتداءً من أواخر الثلاثينات، شجع حزب الشعب الجمهوري المزارعين المحليين على زراعة أشجار البندق، بغرض تعزيز الاقتصاد المحلي، والحد من الانهيارات الأرضية.
واليوم، يعتبر البندق مجرد واحد من المحاصيل التي تجعل الزراعة تشكل نسبة 6 في المائة من الاقتصاد التركي. وتشمل قائمة أبرز المحاصيل التركية أنواع محاصيل مثل البرتقال والشاي والقطن والتبغ.
ويعمل نحو خُمس القوى العاملة في البلاد في الزراعة، بما في ذلك العمال الموسميون الذين يسافرون إلى مناطق مختلفة مع بدء مواسم الحصاد.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.