الانتخابات الأوروبية... صعود اليمين الراديكالي يدقّ ناقوس الخطر

ماتيو سالفيني الطامح إلى زعامة اليمين الراديكالي الأوروبي (أ. ب)
ماتيو سالفيني الطامح إلى زعامة اليمين الراديكالي الأوروبي (أ. ب)
TT

الانتخابات الأوروبية... صعود اليمين الراديكالي يدقّ ناقوس الخطر

ماتيو سالفيني الطامح إلى زعامة اليمين الراديكالي الأوروبي (أ. ب)
ماتيو سالفيني الطامح إلى زعامة اليمين الراديكالي الأوروبي (أ. ب)

لطالما كانت "القارة القديمة" أوروبا القلب النابض للعالم الحديث بالمعنيين الإيجابي والسلبي. فهي منبع أفكار قادت إلى ثورات أطاحت الحكم الأوتوقراطي وأرست أسس الديمقراطية، ومختبر ابتكارات غيّرت وجه العالم ووفرت للإنسان رفاهية وازدهاراً. لكنها كانت أيضاً حتى أمس قريب مسرح حروب طاحنة كبّدت البشرية الكثير من الخسائر، ومصدراً لأفكار هدّامة ذات اليمين وذات اليسار، سبّبت ما سبّبت من انقسامات وشرذمة وقلاقل واضطرابات.
في 23 مايو (أيار) تنطلق انتخابات البرلمان الأوروبي التي تستمر أربعة أيام، ويختار فيها الناخبون من 27 دولة منتمية إلى الاتحاد الأوروبي – وربما 28 اعتماداً على بقاء بريطانيا أو خروجها – 705 نوّاب يمثلون 450 مليون نسمة لمدة خمس سنوات.
وترتدي الانتخابات المقبلة أهمية خاصة في ظل صعود موجة شعبوية يمينية متطرفة، تغذّيها مشاعر عدائية نحو المهاجرين لم تعرف مثلها أوروبا منذ وقت طويل. وهي بالتالي ستشكل مؤشراً بالغ الدلالة لما ستكون عليه الخريطة السياسة للقارة، ولما يمكن أن تفضي إليه الانتخابات على مختلف مستوياتها في كل دولة على حدة، ولو أن نسبة الإقبال على التصويت لا تصل عادة إلى 50 في المائة من الناخبين.
في هذا السياق، تبيّن استطلاعات الرأي صعوداً لافتاً - وإن ليس صاروخياً - لليمين المتطرّف، فالتجمع الوطني في فرنسا الذي تتزعمه مارين لوبن يؤيده 21 في المائة من الناخبين، فيما رابطة الشمال في إيطاليا بزعامة أمينها العام وزير الداخلية ماتيو سالفيني تملك 30 في المائة، مما يفترض أن يعطي الحزبين في البرلمان الأوروبي 51 مقعداً تحت اسم مجموعة "اوروبا الأمم والحريات" المرشّحة للتوسّع لتضم أحزاباً أخرى. ويتوقع أن تحصل مجموعة "أوروبا الحرية والديموقراطية" على 50 مقعداً، وهي تضم أحزاباً مثل حزب الاستقلال البريطاني وحركة خمس نجوم الإيطالية.
وقد حاول سالفيني أخيراً الإمساك بزمام المبادرة عندما أعلن من ميلانو، حيث ولد، تشكيل تحالف أوروبي جديد من الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة قبل انتخابات البرلمان الأوروبي، يضمّ حتى الآن حلفاء من فنلندا والدنمارك وألمانيا. ولئن غابت لوبن عن إعلان هذا التحالف، فإنها سارعت إلى الإعراب عن تأييدها له، قبل أن تعلن الانضمام إليه في 19 أبريل (نيسان).
وفي 25 أبريل قالت السيدة الفرنسية الشقراء من العاصمة التشيكية براغ: "ما نراه هنا أمام أعيننا هو بروز انسجام أوروبي جديد يجعل الأحزاب القومية تتجمع لتقدم الى 450 مليون أوروبي إطارا جديدا للتعاون، ومشروعاً جديداً وزخماً جديداً". وكرّرت التحذير من موجات الهجرة واتّهمت الاتحاد الأوروبي بـ "تمويل هجرة جماعية منظّمة ومطلوبة".
ولا بد من الإشارة "بين قوسين" هنا إلى أن صعود القومية والشعبوية لا يقتصر على أوروبا، بل يمتدّ إلى أنحاء عدة من الكرة الأرضية، ليس أقلها دلالةً البرازيل حيث فاز الزعيم القومي اليميني جايير بولسونارو بالرئاسة. ويفسّر الخبراء والمحلّلون الظاهرة بأن مجتمعات ومجموعات كثيرة تشعر بأن دورها وحضورها ورفاهيتها تراجعت بسبب العولمة وطغيان التكنولوجيا وتراجع الصناعة بمفهومها القديم وتقدّم أدوار المؤسسات الأممية العابرة للقوميات والأوطان... لذا يحصل الابتعاد عن القوى السياسية النخبوية التقليدية، مقابل الاتجاه إلى سياسيين شعبويين أصحاب براعة خطابية ووعود برّاقة باستعادة "العظَمة".

*جذور ومحطات
بالعودة إلى أوروبا، يجدر القول إن التيارات اليمينية المتطرفة ليست حديثة الولادة، بل عرفتها القارة منذ وقت طويل. لكنّ مصطلحَي "اليمين المتطرف" و"اليمين الشعبوي" استُخدما للدلالة على مجموعة الأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة التي حشدت مزيداً من الدعم منذ أواخر سبعينات القرن الماضي. وهي كلها تملك أفكاراً عريضة مشتركة تتلخّص اليوم في معارضة العولمة، ورفض استقبال المهاجرين، والخوف من التعددية الثقافية، ومعارضة الاتحاد الأوروبي. ويمكن التحدّث هنا عن شعبوية يمينية وقومية عنصرية بيضاء وفاشية جديدة.
ولعل المنتمين إلى هذه التيارات يتشاطرون النظر بإعجاب إلى الفوهرر النازي أدولف هتلر والدوتشي الفاشي بنيتو موسوليني والكاوديّو الإسباني الجنرال فرانكو، وزعيمَي الفاشية في بريطانيا الأرستقراطي أوزوالد موزلي وساعده الأيمن نيل فرانسيس هاوكنز، والسياسي الفرنسي بيار بوداج وسواهم...
ومعلوم أن الموجة اليمينية المتطرفة تراجعت إلى حافة الاضمحلال بعد الحرب العالمية الثانية، حين راحت أوروبا تبحث عن سياسة تلملم الحطام وتدمل الجروح وترمّم ما يمكن ترميمه. ومن هنا نشأت فكرة التقارب والتعاون ولاحقاً التوحيد، وفي هذه التربة زُرعت بذور الاتحاد الأوروبي، تلك البوتقة الكبيرة التي يفترض بها أن تنشئ قارة موحّدة، مزدهرة، مستقرّة.
لكننا اليوم، وعلى عتبة انقضاء العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، صرنا نرى أوروبا تعصف بها الاضطرابات التي بدأت جدياً مع حروب البلقان أواسط تسعينات القرن العشرين، وتضرب استقرارها أزمات اقتصادية متلاحقة، وتهددها حروب صغيرة وكبيرة تشتعل إلى شرقها وجنوبها، من غير أن ننسى موجات الهجرة عبر أمواج البحار التي ينخرط فيها بائسون هاربون من النار والجوع نحو حياة أفضل. وجاءت أحدث الضربات من الجناح الغربي للقارة عندما قرر البريطانيون فسخ الزواج مع الاتحاد الأوروبي بالطلاق الذي لا يُعرف بعد هل سيكون ودياً أم فظّاً...

*توقعات وحسابات
لا يختلف اثنان على أن أوروبا المضطربة هي أرض خصبة للأفكار المتطرفة. وقد وجد اليمين الراديكالي الفرصة سانحة ليوجّه خطابه إلى الناس القلقين، ويقول لهم إن لديه كل الحلول لمشاكلهم فيما الأحزاب التقليدية ضعيفة ومتخاذلة.
هكذا رأينا فيكتور أوربان زعيم حزب "فيدس" اليميني الشعبوي على رأس الحكومة في المجر منذ العام 2010، ومارين لوبن زعيمة التجمع الوطني – الجبهة الوطنية سابقاً – تخوض الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017 بوجه إيمانويل ماكرون وتنال 33.9 في المائة من أصوات الناخبين. وفي النمسا، دخل حزب الحرية الشعبوي الائتلاف الحكومي اليميني مع حزب الشعب بزعامة المستشار سيباستيان كورتس، ونال ست حقائب من بينها الدفاع والداخلية والخارجية.
ولعل إيطاليا هي كبرى الساحات الأوروبية التي "يحلّق" فيها الشعبويون، فعلى يمين رئيس الوزراء المستقلّ جوزيبي كونتي نائبه لويجي دي مايو زعيم حركة الخمس نجوم المناهضة لمؤسسات الدولة، وعلى يمين يمينه نائبه الآخر والرجل القوي في البلاد ماتيو سالفيني زعيم رابطة الشمال الذي يطمح إلى قيادة اليمين الأوروبي الراديكالي. ويكفي القول إن حركة الخمس نجوم تحتل 220 مقعدا من أصل 630 في مجلس النواب، فيما تحتل الرابطة 123 مقعداً.
وفي ألمانيا التي عانت ما عانته من النازية، تقدّم حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للهجرة بزعامة يورغ مويتن وألكسندر غاولاند من قوة هامشية إلى موقع بارز في المسرح السياسي، وحصل في انتخابات سبتمبر (أيلول) 2017 على 92 مقعداً في البرلمان من أصل 598، فصار قوة رئيسية في المعارضة.
وحقق حزب "منتدى من أجل الديمقراطية" الشعبوي بقيادة تييري بوديه مفاجأة كبيرة في هولندا باحتلاله المركز الثاني في مجلس الشيوخ بعد انتخابات مارس (آذار)، مستفيداً خصوصاً من خطابه ضد الهجرة بعد مقتل ثلاثة أشخاص في مدينة أوتريخت برصاص مهاجر تركي.
وفي اسبانيا، تمكن الحزب الشعبوي "فوكس" (ويُلفظ بوكس)، الذي أسسه عام 2013 منشقّون عن حزب الشعب اليميني الليبرالي، من دخول مجلس النواب بعدما حصل على عشرة في المائة من الأصوات و24 مقعدا من أصل 350، علماً أنه كان شبه غائب عن الساحة السياسية حتى ستة أشهر خلت وفجأة أصبح خامس قوة في البلاد.
المهم قبل الاستحقاق الانتخابي الأوروبي، أن الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تنتظم راهناً ضمن ثلاث مجموعات منفصلة، قد تصبح قوة وازنة إذا استجابت لدعوات ماتيو سالفيني إلى الاتحاد وتشكيل مجموعة متراصّة. غير أن الزعيم الإيطالي لم ينجح حتى الآن إلا في جذب حزب الحرية النمساوي وحزب البديل ن أجل ألمانيا وحزب الشعب الدنماركي وحزب الفنلنديين وحزب الشعب المحافظ في استونيا، بالإضافة إلى التجمع الوطني الفرنسي.
ويبدو مستبعداً أن يوافق رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان على تسليم زمام القيادة للإيطالي، وكذلك الإيطالي الآخر لويجي دي مايو "الحليف اللدود" لسالفيني في روما. وينظر المراقبون باهتمام كبير إلى لقاء جامع دعا إليه سالفيني يوم 18 مايو في ميلانو، باعتباره مقياساً لمدى قدرته على حشد القوى اليمينية الراديكالية الأوروبية خلفه.
ولا بدّ من الإشارة إلى الدور الذي يضطلع به ستيف بانون، المهندس السابق للاستراتيجيات السياسية في فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل انتقل إلى أوروبا وأنشأ منظمة باسم "الحركة" مقرّها بروكسل، تعمل على توفير الدعم للأحزاب الشعبوية التي تؤيد سياسة مناهضة الهجرة، وسيادة وطنية أكبر في وجه الاتحاد الأوروبي ومؤسساته. وقد اعتبر نفسه عرّاب اليمين الراديكالي في العالم، مروّجاً لسياسات قومية مناهضة للعولمة بكل أشكالها.
إلا أن دور بانون قد يضرّ بالأحزاب اليمينية الشعبوية الأوروبية، فكيف سيقبل جمهور يرفض في قرارة النفس أن يسلّم بقيادة الاتحاد الأوروبي من بروكسل لشؤونه، ويقبل بأن يكون "زعيم" هذه الحركة أميركياً آتياً من الضفة البعيدة للمحيط الأطلسي...
مائة نائب أو أكثر بقليل أو أقل بقليل من أصل 705 نواب... ماذا سيعني هذا الرقم؟
لا يمكن القول إن اليمين الراديكالي أصبح أكبر قوة في أوروبا، ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل حضوره وتوسُّع انتشاره. وفي المقابل يمكن الجزم بأن اليمين التقليدي واليسار التقليدي ترهّلا، وبأن على أحزاب الجانبين البحث عن خطاب جديد ودور جديد. وختاماً يمكن بكل تأكيد اعتبار المسار السياسي والاقتصادي لأوروبا وصعود الراديكالية والشعبوية ناقوس خطر يعلو صوت دقّاته في قارة ظنّها كثيرون خطأً في أمان لا يهتزّ.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».