مرة جديدة، نجحت المخابرات الداخلية الفرنسية في «تحييد» مجموعة من الأشخاص كانت تحضّر لاعتداء إرهابي يبدو أنه كان يستهدف رجال الأمن وليس أهدافاً مدنية. ومرة أخرى، تأتي هذه القضية لتؤكد ما انفك المسؤولون الفرنسيون، أكانوا أمنيين أم لا، من تكراره وهو أن التهديد الأمني في فرنسا ما زال قائماً إن في الداخل عبر «الخلايا النائمة» أو «الذئاب المنفردة» أو ذلك القادم عبر الحدود. ولا يفوت هؤلاء فرصة للإشارة إلى أن القضاء على «دولة (داعش)» في سوريا والعراق لا يعني أن التهديد الإرهابي قد زال.
ومنذ عام 2015، أوقع الإرهاب في فرنسا 251 قتيلاً وعدة مئات من الجرحى. وقد دفع تكاثر العمليات الإرهابية الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015 إلى الشهر نفسه من عام 2018، ولم ترفع حالة الطوارئ إلا بعد أن تبنى البرلمان الفرنسي قانوناً جديداً حول الأمن يستعيد الكثير من التدابير والإجراءات التي تنص عليها حالة الطوارئ.
وكان وزير الداخلية كريستوف كاستانير، أمس، أول من كشف عن هذه القضية الجديدة، إذ قال لمجموعة من الصحافيين، بمناسبة الإعلان عن إطلاق برنامج لمواجهة عمليات الانتحار داخل صفوف الشرطة والدرك، إن الأجهزة الأمنية قبضت على أربعة أشخاص وهم حالياً قيد الاحتجاز، وذلك «بسبب تحضيرهم للقيام بعمل إرهابي بالغ العنف». وأضاف الوزير الفرنسي أن «كل الدلائل التي كانت بحوزتنا هي التي دفعتنا إلى اعتقالهم من أجل تحييد هذا الخطر».
وبكلام آخر، فإن كاستانير، بهذا التصريح، يؤكد على اتباع باريس لسياسة «الضربة الاستباقية» عند توافر المؤشرات التي ربما تكون أحياناً ضعيفة بشأن احتمال حصول أعمال عنفية. ودأبت المعارضة اليمينية على انتقاد الحكومة لـ«عجزها» عن مواجهة الإرهاب، خصوصاً أن تشريح العمليات الإرهابية التي أصابت فرنسا منذ يناير (كانون الثاني) عام 2015 تفيد كلها بأن غالبية الإرهابيين كانت أسماؤهم موجودة على اللوائح الأمنية «أي تلك التي يشكل أصحابها تهديداً أمنياً»، لا بل إن غالبيتهم أقامت لفترات في السجن.
وهذه القاعدة العامة تنطبق على الأربعة الذين بينهم ثلاثة بالغون والرابع قاصر. وتفيد المعلومات التي توافرت أمس في باريس بأن الثلاثة البالغين «معروفون في إطار قضايا تتناول الحق العام». أما القاصر فقد حكم عليه بالسجن لثلاثة أعوام بينها عامان مع إيقاف التنفيذ والمراقبة، وذلك لمحاولته التوجه إلى سوريا. وكان القاصر وضع في مركز تعليمي في إطار عامَي المراقبة وفق النيابة العامة التي أكدت معلومات أوردتها وسائل إعلامية.
ما قاله وزير الداخلية أكدته أمس النيابة العامة المتخصصة بشؤون الإرهاب، إذ أفادت بأن هؤلاء الأشخاص كانوا يسعون إلى ارتكاب عمل عنيف ضد القوى الأمنية «في أجل قصير» ولكن من غير الكشف عن تاريخ محدد. وكانت هذه النيابة قد أمرت بفتح تحقيق تمهيدي في فبراير (شباط) الماضي، حيث أوكلت التحقيقات بموجبه إلى الإدارة العامة للأمن الداخلي، أي المخابرات الداخلية. وقد تم توقيف الأربعة في إطار التحقيق اللاحق في قضية «عصابة أشرار إرهابية وإجرامية». وذكرت النيابة العامة أن تنظيم داعش قد دعا مراراً لاستهداف القوى الأمنية الفرنسية، وهو ما حصل فعلاً أكثر من مرة. وآخر مرة كشفت السلطات عن تهديد إرهابي تعود لنهاية شهر مارس (آذار) الماضي، حيث وجهت اتهامات لشخصين (تبين أن أحدهما يعاني من اضطرابات نفسية) بالتحضير لهجوم على مدرسة أو على رجل أمن. وقد عمد قاضي التحقيق إلى وضعهما في التوقيف الاحترازي بتهم التحضير لعمل إرهابي.
ومنذ شهور يدور جدل في فرنسا حول كيفية التعاطي مع عودة المتطرفين الفرنسيين أو الفرنسيات (أو الذين كانوا يقيمون على الأراضي الفرنسية) من سوريا والعراق، خصوصاً بعد الضغوط التي تمارسها «قوات سوريا الديمقراطية» لدفع الدول لاستعادة مواطنيها المقبوض عليهم في شمال وشمال شرقي سوريا. لكن باريس ترفض عودة البالغين من هؤلاء وتطالب بمحاكمتهم «حيث ارتكبوا جرائمهم». كذلك فإنها تتشدد في عودة الأطفال والقاصرين. ويقوم الموقف الرسمي على ضرورة «معالجة كل حالة على حدة». وحتى الآن لم تعد إلا أعداد قليلة من القاصرين. ونقل محامو العائلات القضية إلى الأمم المتحدة «حقوق الإنسان» وإلى القضاء الأوروبي لكن هذه الجهود لم تفلح وما زالت الحكومة متمسكة بموقفها الأول الرافض لعودتهم.
على صعيد آخر، سمحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أمس (الاثنين)، لفرنسا بإبعاد رجل يمضي عقوبة بالسجن في قضية إرهاب إلى الجزائر، في «سابقة» لهذه المحكمة التي كانت حتى الآن تتحفظ على إعطاء الضوء الأخضر لذلك بسبب خطر التعرض للتعذيب، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية في تقرير من ستراسبورغ.
وقال مصدر في المحكمة «إنها المرة الأولى التي تسمح فيها المحكمة بإبعاد شخص مدان في قضية إرهاب إلى الجزائر». وحتى الآن كانت المحكمة تتحفظ عن الموافقة على إبعاد أفراد إلى الجزائر بسبب الخشية من إساءة معاملتهم على أيدي أجهزة الأمن. وفي فبراير (شباط) 2018 أدانت المحكمة باريس لإبعادها إلى الجزائر رجل دين في قضية إرهاب رغم «الخطر الحقيقي للتعرض لمعاملة غير إنسانية»، كما قال على «تويتر» نيكولا إرفيو الأستاذ الجامعي والاختصاصي المعترف به لدى المحكمة. وأوضحت وكالة الصحافة الفرنسية أن هذا الأستاذ لم يتردد في التحدث عن «تغيير ضخم في موقف» المحكمة التي «باتت تعتبر أنه يمكن لفرنسا إبعاد جزائري» حُكم عليه سابقاً في قضية إرهاب لأنها ترى أنه «لا خطر لتعرضه لمعاملة غير إنسانية ومهينة في بلده».
ونقلت الوكالة عن مصدر في المحكمة أن الأمر «لا يتعلق بتغيير في قواعد المحكمة»، قائلاً إن «الوضع في الجزائر تغيّر» اخيراً، فقد «عدّلت الجزائر ممارساتها» وأدخلت «إصلاحات دستورية» ما يسهّل اليوم عمليات الإبعاد. وقال مصدر في المحكمة إن هذه الهيئة سمحت في أبريل (نيسان) 2018 بإبعاد إمام من مرسيليا إلى الجزائر «لكنه لم يكن محكوماً في قضية إرهاب»، ما يجعل قرار المحكمة الأوروبية الجديد «سابقة».
المخابرات الفرنسية تحبط هجوماً إرهابياً «بالغ العنف»
القبض على أربعة أشخاص بينهم قاصر... والمؤامرة استهدفت رجال الأمن وليس المدنيين
المخابرات الفرنسية تحبط هجوماً إرهابياً «بالغ العنف»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
