الجيش السوداني يقطع بعدم فض الاعتصام بالقوة... والمعارضة تحذّر

الآلاف يصلون في قطار قادم من عطبرة لدعم الاعتصام في الخرطوم

محتجون يتدفقون من مدينة عطبرة مهد الثورة للانضمام الى ميدان الاعتصام (تصوير: مصطفى عمر)
محتجون يتدفقون من مدينة عطبرة مهد الثورة للانضمام الى ميدان الاعتصام (تصوير: مصطفى عمر)
TT

الجيش السوداني يقطع بعدم فض الاعتصام بالقوة... والمعارضة تحذّر

محتجون يتدفقون من مدينة عطبرة مهد الثورة للانضمام الى ميدان الاعتصام (تصوير: مصطفى عمر)
محتجون يتدفقون من مدينة عطبرة مهد الثورة للانضمام الى ميدان الاعتصام (تصوير: مصطفى عمر)

أكد الجيش السوداني الذي يحكم البلاد منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير، في 11 أبريل (نيسان) الحالي، أنه لن يستخدم القوة لفض معتصمين أمام مقر قيادته بالخرطوم، وذلك بعد يوم واحد من إعلانه إزالة المتاريس وفتح الطرق والجسور التي يتحصن بها المحتجون، فيما حذّر «تجمع المهنيين السودانيين» من محاولات لفض الاعتصام قد تقوم بها قوات الجيش.
وقال رئيس المجلس الانتقالي العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان، في مقابلة مع «بي بي سي»، إن الجيش لن يستخدم القوة في فض المتظاهرين الذين يطالبونه بتصفية رموز النظام المعزول وتسليم السلطة لحكومة مدنية.
وقال معتصمون إن قوات بثياب الجيش السوداني حاولت أمس إزالة حواجز ومتاريس للمحتجين أثناء انشغالهم باستقبال قطار قادم من مدنية عطبرة، شمال البلاد. واعتبر معتصمون ذلك محاولة لفض تحركهم.
وفي هذا الإطار، حذّر «تجمع المهنيين السودانيين»، في بيان، مما سماه محاولات حكومية لفض الاعتصام المستمر منذ أكثر من ثلاثة أسابيع أمام مقر قيادة الجيش، وأكد «أن أي محاولة لفض الاعتصام ستجد الحسم عبر الجماهير».
وجاءت محاولات فض الاعتصام بعد ساعات من تحذير أطلقه المجلس العسكري الانتقالي للمعتصمين قال فيه إنه سيزيل المتاريس والحواجز وسيفتح الطرق والجسور أمام حركة السير فوراً.
واستجاب مئات الآلاف لدعوة تجمع المهنيين الذي يتولى قيادة الثوار، وتوافدوا على ميدان الاعتصام قرب القيادة العامة في الخرطوم، وذلك بهدف توفير الحماية للمعتصمين.
ووصل أمس إلى الخرطوم «قطار النيل» قادماً من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، شمال البلاد، وهو محمل بالآلاف من جماهير المدينة وعمال هيئة السكك الحديدية، حيث انضموا إلى المحتجين في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة. وتعد مدينة عطبرة ذات الطابع العمالي المرتبط بالسكة الحديد، واحدة من المدن ذات التاريخ العريق في الثورات السودانية والمقاومة ضد الأنظمة الديكتاتورية، ولعبت دوراً مهماً في إسقاط نظامي إبراهيم عبود 1964، وجعفر النميري 1985. وانطلقت شرارة الثورة الحالية في مدينة عطبرة في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن تنتقل إلى مدن البلاد الأخرى لتسقط نظام البشير.
وأعاد قطار عطبرة إلى الأذهان سيرة القطار القديم الذي نقل الآلاف إلى الخرطوم عقب ثورة 6 أبريل 1985 التي أطاحت حكم النميري. واستقبل مئات الآلاف من المعتصمين رفاقهم القادمين من عطبرة، بالهتافات والترحيب، ورددوا معهم هتافات «الدم قصاد الدم... ما يتقبل الدية»، في إشارة إلى ضحايا مدينة عطبرة وبقية مدن البلاد في الانتفاضة الحالية. كما طالب المحتجون بإقالة رئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري الانتقالي عمر زين العابدين هاتفين «ما دايرين زين العابدين»، قبل أن يذبحوا ذبائح الإبل ترحيباً بالقادمين من عطبرة.
وأجبرت حشود جماهيرية على طول طريق السكة الحديد من عطبرة القطار على التوقف في مناطقهم في أكثر من محطة لتلقي واجب الضيافة، ومن بينها محطة مدينة الدامر، فيما انضم إلى القطار عدد من مواطني مدينة شندي.
وفي الإطار ذاته، سيّرت هيئات مهنية حشوداً ضخمة إلى مكان الاعتصام بمشاركة أطباء ومعلمين ومحامين وصحافيين، فيما اجتازت مظاهرة المهندسين الضخمة التي قدّر عدد المشاركين فيها بالآلاف المسافة من «دار المهندس» جنوب الخرطوم إلى محل الاعتصام، بعد أن طافت بوسط الخرطوم.
من جهته، أصدر المجلس العسكري السوداني في وقت متقدم ليل أول من أمس قرارات ومراسيم بهيكلة أجهزة الدولة، وإعفاء مسؤول كبير بالقصر الجمهوري، وسفراء ودبلوماسيين في سفارات البلاد بالخارج.
وأعفت القرارات سفير السودان لدى زيمبابوي عبد الباقي حمدان كبير، وسفير السودان لدى إثيوبيا الصادق بخيت الفقيه، وقنصل السودان في أسوان بمصر عبد العظيم الشيخ، وسفيرة السودان لدى تايلاند سناء حمد العوض، وسفير السودان لدى رواندا عبد الله حسن عيسي، وسفير السودان لدى النيجر جعفر محمد آدم سفير، فضلاً عن إعفاء مدير الطيران المدني إبراهيم الخضر.
وفي أول ظهور علني له بعد توليه منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، كشف الفريق أول محمد حمدان دقلو المشهور بـ«حميدتي» وجود ما سماه «شركات كبرى» تتحكم بمليارات الدولارات، وتعهد بإيالتها للدولة. وقال حميدتي في لقاء مع قادة عسكريين، إن هناك أعداداً كبيرة من رموز النظام المنحل، تعمل على الحفاظ على مصالحها، ودعاهم إلى «الاقتناع» وتسليم الشركات التابعة لهم للدولة. وتعهد حميدتي بتسليم كل الأموال المتحصلة من رموز النظام السابق أو من الجهات الأخرى، ووضعها في بنك السودان.
وفي إشارة إلى فساد النظام المنحل، قال حميدتي إنهم اكتشفوا أن كل الأموال التي تدخل البلاد لا تورد في الحسابات الرسمية. وأبدى عزوفه عن «منصب الرئيس»، وأبدى تمسكه بقواته المعروفة بـ«الدعم السريع» فقط. ونفى أن تكون الإطاحة بالبشير مسرحية من الجيش للاستيلاء على السلطة. ولمح إلى «تجاوزات ومخالفات» بين المعتصمين، لكنه قطع بـ«مسايرتهم إلى أن تخرج البلاد لبر الأمان»، بيد أنه شدد على «عدم السماح بالفوضى». وتابع: «أولينا أن نتفق معاهم، لكن نتفق معهم برأي الشعب السوداني، ولن نسمح لأي واحد بالانفراد برأي، ولن يملي علينا أحد أي شروط».
وفي سلسلة محاسبة رموز النظام السابق، أفادت تقارير صحافية محلية بأن السلطات ألقت القبض على أحد أصهار الرئيس المعزول عمر البشير (زوج شقيقته)، ونائبه الأسبق حسبو محمد عبد الرحمن، ونائبه عثمان محمد يوسف كبر، وتم وضعهم في الحبس بالسجن المركزي (كوبر).
وفي سياق ذي صلة، نقلت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» عن النائب العام المكلف الوليد سيد أحمد محمود، أمر نيابة مخالفات الأراضي، بدء التحري في كل العقارات الخاصة بالمسؤولين السابقين وأسرهم.
من جهته، حذر قيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني مما سماه «خطورة الإقصاء» ودعا لعدم استعداء الآخرين وخلق معارضة أخرى. وظل الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل يشارك في الحكومة المعزولة حتى إسقاطها في 11 أبريل الماضي، ما يجعل منه بحسب المعارضة والمحتجين جزءاً من النظام القديم.
وقال المحامي علي السيد في مؤتمر صحافي بالخرطوم أمس: «من يدع إلى الإقصاء فعليه أن يتحمل تبعاته». وفي الوقت نفسه، أكد استعداده للمحاسبة جراء مشاركته في السلطة مع النظام السابق. وتابع: «إذا كانت هناك تهم ضدي فأنا مستعد للمحاسبة، وإن مشاركة القوى السياسية في فترة حكم النظام البائد كانت بنية الإصلاح».
من جهتها، قالت إشراقة محمود القيادية في الحزب المنشق عن الاتحادي الديمقراطي «جبهة الاتحاديين الديمقراطيين»، إن المشاركة في نظام الإنقاذ البائد «ليست عيباً، وكانت بهدف إصلاحه من الداخل». ودعت إلى تقديم ما سمته «تنازلات من جميع القوى السياسية لتجاوز حالة الانقسام الحالي». وقطع حزب «المؤتمر الشعبي» الذي أسسه زعيم الإسلاميين الراحل حسن الترابي، بأن «ثورة الشباب» لم تكن لتنجح لولا انحياز القوات المسلحة لها، وأشاد بقيادة الشباب وبعض القوى السياسية والمجتمع المدني لها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.