الإبادة حية في ذاكرة الأرمن بعد أكثر من قرن

الأحفاد ينقلون عن أجدادهم تفاصيل رحلة التشتت ومقتل 1.5 مليون

رفات مجموعة من ضحايا إبادة الأرمن (أ.ف.ب)
رفات مجموعة من ضحايا إبادة الأرمن (أ.ف.ب)
TT

الإبادة حية في ذاكرة الأرمن بعد أكثر من قرن

رفات مجموعة من ضحايا إبادة الأرمن (أ.ف.ب)
رفات مجموعة من ضحايا إبادة الأرمن (أ.ف.ب)

لم تجد هانازانت، في عام 1915. سبيلاً للخروج من الحفرة المكتظة بالدماء والجثث، سوى أجساد القتلى الأرمن ممن ساقهم العسكر العثمانيون إلى الإعدام في تلك الحفرة، كما روت لأحفادها. تسلقت جثثاً لم تعرف وجوهها، بعدما نجت من الموت بأعجوبة، وبدأت رحلة الهروب إلى سوريا سيراً من ولاية أضنة، حيث قتل مئات من أبناء قوميتها.
وتمثل رحلة هانازانت، واحدة من مئات آلاف قصص النجاة والهروب من المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحق الشعب الأرمني في عام 1915، وتسببت بمقتل مليون ونصف المليون أرمني، أعدموا وقتلوا ذبحاً ونُكّل بجثثهم، وتعرضت نساؤهم للاغتصاب ولاجتثاث الأعضاء، كما يقول الأرمن، نقلاً عن أجدادهم الذين نجوا من المذابح وعاشوا في لبنان وسوريا والعراق.
ينقل الأحفاد الأحداث بكثير من التأثر، لدرجة أن نائباً لبنانياً من أصول أرمنية، يرفض تذكر الوقائع «لشدة تأثيرها»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مشاهدة فيلم يتناول قصة الإبادة الأرمنية، أو استعادة ما نقل الشهود عن الإبادة، تجعل مشاعرنا تفيض مثل يتيم ماتت أمه، وتُسمِعه أغنية للأم».
ويحيي الأرمن في الرابع والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام، ذكرى الإبادة، بالنظر إلى أنه في هذا التاريخ، صدر أمر عثماني باعتقال جميع المثقفين الأرمن والعاملين في السياسة، وإعدامهم شنقاً، رغم أن جذور «التطهير العرقي» لم تكن في 24 أبريل 1915، بل بدأت قبل ذلك بأكثر من نصف قرن.
وتصف أرمينيا عمليات قتل مئات الآلاف من الأرمن على أيدي قوات الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، بالإبادة، وهذا ما تنفيه تركيا. واعترفت برلمانات 20 بلداً والبرلمان الأوروبي والفاتيكان، بطابع الإبادة الجماعية لتلك الأحداث. ويحصي الأرمن مقتل مليون ونصف المليون شخص، وتطهيرهم من «أرمينيا الغربية» التي تمتد حالياً من جبل أرارات إلى كيليكيا، ومن ضمنها ديار بكر وأضنة وهضبة الأناضول، وجرى تهجيرهم منها. ويقولون إن هذه الأراضي «محتلة الآن من قبل تركيا»، بحسب ما يقول الناشط الأرمني المقيم في لبنان آرا سيساريان لـ«الشرق الأوسط»، إذ «تقلصت أرمينيا التاريخية من 180 ألف كيلومتر مربع، إلى 30 ألف كيلومتر مربع، وهي أرمينيا الحالية».
ويقول سيسيريان إن تنفيذ الإبادة بدأ في أواخر القرن التاسع عشر، بينما التخطيط لها بدأ في عام 1860 عندما لم يطبق الدستور العثماني الذي كان يفترض أن يحفظ حقوق الأقليات في تركيا. ويقول: «بدأت مضايقة الأرمن والأقليات، وانطلقت عمليات القتل والتهجير في الربع الأخير من القرن العشرين، ولم تكن على نطاق واسع»، إذ طالت مناطق وقرى وبلدات متفرقة، بالتزامن مع ضغط مكثف مارسته الدولة العثمانية على الأرمن. وفي أواخر القرن الـ19. تزايدت الضغوط: «قبل أن تتخذ تركيا القرار بإبادة الشعب الأرمني واحتلال الأرض، والتهجير الممنهج في عام 1915 بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى».
واعتبر أن تركيا «تحتل الآن ثلثي الأراضي الأرمنية الموجودة اليوم ضمن تركيا الحالية، ومن ضمنها جبل أرارات، وهو رمز الشعب الأرمني»، مشيراً إلى أن الدخول في تفاصيل جغرافية وتاريخية «يثبت أنه لم يكن سابقاً هناك بلد اسمه تركيا، والأرمن موجودون منذ 4 آلاف سنة».
يغوص الأرمن في ذاكرة «الإبادة»، ويتناقلونها من الأجداد إلى الأحفاد. ويتحدث هؤلاء عن الوجع الذي يحملونه من جراء واحدة «من أبشع المجازر عبر التاريخ»، فضلاً عن رحلة الهروب والتشتت عبر الغابات والصحارى وصولاً إلى حلب أو دير الزور في سوريا أو البادية العراقية. ورغم أن كل شخص له تجربته الخاصة مع المعاناة، ومشاهد القتل والذبح، فإن المشترك بين الجميع أن القتل والتعذيب والتنكيل «كان ممنهجاً»، ومن استطاع النفاذ من البلاد والنجاة من الموت، أخبر قصص ما رآه وشاهده في قريته، أو على طول طريق الموت من تركيا إلى سوريا أو العراق أو لبنان، أو أرمينيا الحالية.

تقول حفيدة هانازانت وزوجها غابرييل إن جديها يتحدران من هاجان Hadjin في ولاية أضنة، وكان جدها غابرييل مختار البلدة، لكنه استطاع أن يهرب عبر الجبال إلى سوريا عندما بدأ العثمانيون بجمع الرجال واقتيادهم إلى مكان ما لإعدامهم.
وتضيف لـ«الشرق الأوسط» نقلاً عن جدتها: «بعد ملاحقة الرجال وتمكن جزء منهم من الهروب، بدأ العسكر العثماني بجمع النساء والأطفال، وكانت هانازانت (في عقدها الثاني آنذاك) ووالدة زوجها معها. وأثناء اقتيادهم، قتل عسكري عثماني والدة الزوج غابرييل بالفأس لأنها تعبت ولم تستطع إكمال المسير».
جمع العسكر العثماني النساء الأرمن والأطفال أمام حفرة كبيرة، توزع الجنود بين أعلاها وأسفلها، إذ يقوم من هم أعلى الحفرة بدفع الأسرى الأرمن إلى أسفلها ليتكفل زملاؤهم بالقتل في داخلها، بحسب ما أخبرت هانازانت أحفادها. «ارتفع عدد القتلى في الحفرة، وتعب العسكر من القتل، وكانت هانازانت من أواخر الأشخاص المقيدين في أعلى الحفرة. بدأ العسكر في أعلى الحفرة بدفع الأسرى إلى الحفرة وتكديسهم فوق الجثث التي تجمعت، وبعد رحيل العسكر، استطاعت هانازانت الهروب إلى جانب أشخاص، ووصلت إلى سوريا سيراً على الأقدام»، كما روت لحفيدتها. وفي سوريا: «التقت زوجها غابرييل بالصدفة في منطقة قريبة من الحدود التركية وانتقلا إلى لبنان حيث أسسا عائلة هنا» في بيروت.
ويقول الأرمن إن عملية التطهير ونقلهم إلى خارج ديارهم على نطاق واسع وممنهج، بدأت في 24 أبريل عندما صدر أمر باعتقال جميع المثقفين الأرمن والعاملين في السياسة وإعدامهم شنقاً: «لتنطلق بعدها عملية التهجير وإبادة الشعب»، بحسب ما يقول الناشط سيسيريان، مشيراً إلى أن «كتاباً من طلعت باشا الذي كان وزيراً للداخلية في الدولة العثمانية، أعطى الأمر فيه لتهجير وقتل الأرمن». ولفت إلى أن الشريف حسين بن علي «أصدر فتوى للعرب آنذاك باحتضان الشعب الأرمني ومساعدته، وفتح أبواب بيوت العرب أمام الناجين منهم».
يُشار إلى أن مجموعات أرمنية فدائية قاتلت العثمانيين خلال تلك الفترة، وبقيت الحرب بينهما حتى عام 1918.
مطالب باعتراف دولي
واعترفت برلمانات كثيرة بالإبادة الأرمنية، بينها ألمانيا وإيطاليا وسويسرا واليونان ولبنان وقبرص، فضلاً عن 50 ولاية أميركية، لكن الأرمن يسعون لتوسيع الاعتراف الدولي بهذه الإبادة بهدف «وقف حالة الإفلات من العقاب». لكن أنقرة ترفض استخدام كلمة «إبادة» وتقول إنّ السلطنة شهدت في نهاية عهدها حرباً أهلية تزامنت مع مجاعة، ما أدى إلى مقتل ما بين 300 ألف و500 ألف أرمني وعدد مماثل من الأتراك حين كانت القوات العثمانية وروسيا تتنازع السيطرة على الأناضول.
ويقول النائب في البرلمان اللبناني من أصول أرمنية هاغوب تيريزيان لـ«الشرق الأوسط» إن أساس كل المجازر في التاريخ الحديث هو الإبادة بحق الشعب الأرمني، معرباً عن اعتقاده أنه «لو عوقب المتسببون بها والمذنبون، لما حصلت الإبادات الأخرى في رواندا وغيرها». وقال: «ما ارتكبه العثمانيون بحق الأرمن، ارتكبوه أيضاً بحق الشعوب الأخرى، في لبنان حيث علقوا المجازر وأعدموا المثقفين من سائر الطوائف، كذلك فعلوا في دمشق وغيرها، وعانت جميع الشعوب التي كانت تحت سيطرة السلطنة العثمانية مما فعلوه بالأرمن»، لافتاً إلى أن «ما ارتكبوه بحق الشعب الأرمني هو إبادة وتفريغ للأرض من البشر، وتطهير عرقي ونقل ديموغرافي». ورأى أن «مجرد عدم اعتراف تركيا بالتاريخ الحقيقي، فهذا يعني أنها مدانة بالإبادة»، لافتاً إلى أن الأتراك، وبعد تسلم كمال أتاتورك للحكم، أخرجوا المحكومين والمدانين من السجون، «وهو ما يؤكد الإبادة».
وشدد سيسيريان على أن «الاعتراف بالإبادة هو أمر أساسي لأي دولة تناضل لأجل حقوق الإنسان، ويجب أن تشهد بتلك الإبادة عبر الاعتراف بها، لعدم تكرار أي حدث مشابه»، مؤكداً أن «الإفلات من العقاب يؤدي إلى استمرار الحدث». وقال: «ما نفذه (داعش) في سوريا أو العراق أو مناطق أخرى حول العالم، هو نموذج صغير مما ارتكبه العثمانيون بحق الشعب الأرمني». وأشار إلى أن تركيا لم تعترف «لأن الاعتراف يرتب عليها الحقوق وإعادة الأراضي التي استولوا عليها وهي أراضي الأرمن».
وأكد أن «الحديث عن قضية إنسانية بهذا الحجم» وعن جذورها ومعاناة أجداده «لا ينتقص أبدا من لبنانيتي»، لافتاً إلى أن «الحق لا يموت ما دام وراءه مطالب، والمطالبة بالقضية لا تنتقص من لبنانيتي».
وتشكلت أرمينيا الحالية البالغة مساحتها 30 ألف كيلومتر مربع، بعد انهيار الإمبراطورية الروسية في عام 1918، حين أعلنت أرمينيا الاستقلال، لكنها واجهت هجمات تركية لاحتلال أرمينيا الحالية، ووقعت حرباً على الحدود الحالية بين تركيا وأرمينيا، علما بأن الجيش الأرمني ورغم أن عدده قليل، استطاع إعادة الجيش التركي إلى الخلف، وبقيت جمهورية أرمينيا التي تعتبر حدودها مع تركيا في هذا الوقت مغلقة.



ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».


أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية
TT

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي. غير أن هذا الموقع بات مهدداً، في أحدث مؤشر على اتجاه مقلق يواجه الأوساط الأكاديمية الأميركية.

فقد تراجعت هارفارد مؤخراً إلى المركز الثالث في هذا التصنيف. والجامعات التي تتسابق صعوداً في القائمة ليست نظيرات هارفارد الأميركية، بل جامعات صينية واصلت تقدّمها بثبات في تصنيفات تركز على حجم الأبحاث المنتَجة وجودتها.

ويأتي هذا التحول في وقت أقدمت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب على تقليص التمويل البحثي للجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة الفيدرالية لتمويل أنشطتها العلمية. ولم تكن سياسات ترمب سبب بداية التراجع النسبي للجامعات الأميركية، الذي بدأ قبل سنوات، لكنها قد تُسرّع وتيرته.

جامعة تشجيانغ الصينية

وقال فيل باتي، المسؤول التنفيذي للشؤون العالمية في مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» البريطانية، وهي جهة مستقلة عن «نيويورك تايمز»، وتصدر أحد أشهر التصنيفات العالمية للجامعات: «نحن مقبلون على تحوّل كبير، أشبه بنظام عالمي جديد في هيمنة التعليم العالي والبحث العلمي».

ويرى تربويون وخبراء أن هذا التحول لا يمثل مشكلة للجامعات الأميركية فحسب، بل للولايات المتحدة ككل. وأضاف باتي: «هناك خطر استمرار هذا الاتجاه، وربما حدوث تراجع. أستخدم كلمة (تراجع) بحذر شديد. فليس الأمر أن الجامعات الأميركية أصبحت أسوأ بشكل واضح، بل إن المنافسة العالمية تحتدم، ودول أخرى تحقق تقدماً أسرع».

تبدّل جذري

ولو عدنا إلى أوائل العقد الأول من الألفية، لوجدنا أن تصنيفاً عالمياً للجامعات يعتمد على الإنتاج العلمي، مثل المقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية، كان سيبدو مختلفاً تماماً. آنذاك، كانت سبع جامعات أميركية ضمن العشر الأولى، تتصدرها جامعة هارفارد في المركز الأول. ولم تكن سوى جامعة صينية واحدة، هي جامعة تشجيانغ، ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتتربع جامعة تشجيانغ على صدارة ذلك التصنيف، المعروف باسم «تصنيفات لايدن»، الصادر عن مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية. كما توجد سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى.

ورغم أن هارفارد تنتج أبحاثاً أكثر بكثير مما كانت تنتجه قبل عقدين، فإنها تراجعت إلى المركز الثالث، وهي الجامعة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قريبة من القمة. ومع ذلك، ما زالت هارفارد تحتل المركز الأول في «تصنيفات لايدن» من حيث عدد أكثر المنشورات العلمية استشهاداً.

طلاب جامعيون صينيون

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج لدى الجامعات الأميركية الكبرى. فست جامعات أميركية بارزة كانت ضمن العشر الأولى في العقد الأول من الألفية – هي جامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA)، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة واشنطن في سياتل، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة ستانفورد – تنتج اليوم أبحاثاً أكثر مما كانت تنتجه قبل عشرين عاماً، وفق بيانات «لايدن». لكن إنتاج الجامعات الصينية ازداد بوتيرة أكبر بكثير.

ووفقاً لمارك نايسل، مدير الخدمات في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا، فإن «تصنيفات لايدن» تعتمد على الأوراق العلمية والاستشهادات المدرجة في قاعدة بيانات «ويب أوف ساينس»، المملوكة لشركة «كلاريفيت» المتخصصة في البيانات والتحليلات. وتضم هذه القاعدة آلاف الدوريات الأكاديمية، كثير منها شديد التخصص.

وعادة لا تحظى التصنيفات العالمية للجامعات باهتمام شعبي واسع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأكاديميين المخضرمين يرون بوضوح نمو الإنتاج البحثي الصيني الذي تعكسه هذه التصنيفات، ويحذرون من أن أميركا تتراجع. وقال رافائيل ريف، الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقابلة «بودكاست» العام الماضي: «عدد الأوراق العلمية وجودتها الصادرة من الصين مذهلان»، مضيفاً أنها «تفوق بكثير ما نقوم به في الولايات المتحدة». وعلى النقيض، تتابع مؤسسات في دول أخرى حول العالم هذه التصنيفات باهتمام، معتبرة إياها مقياساً للتفوق الأكاديمي ولمدى تقدمها في اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها.

تصنيف بديل

وتعرض جامعة تشجيانغ تصنيفاتها بشكل بارز على موقعها الإلكتروني، وتدرج ضمن محطات تاريخها دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً عام 2017. كما احتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بصعود جامعات البلاد في التصنيفات. وبدأ مركز لايدن إصدار تصنيف بديل يعتمد على قاعدة بيانات أكاديمية مختلفة تُعرف باسم «أوبن أليكس». وتحتل هارفارد المركز الأول في هذا التصنيف أيضاً، لكن الاتجاه نفسه يظهر بوضوح: 12 جامعة صينية ضمن أفضل 13 جامعة تليها مباشرة.

وقال نايسل: «الصين تبني بالفعل قدرات بحثية هائلة». وأضاف أن الباحثين الصينيين يولون اهتماماً أكبر بالنشر في الدوريات الناطقة بالإنجليزية، التي هي أكثر قراءة واستشهاداً على مستوى العالم.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشاد، في خطاب ألقاه عام 2024، بتقدم بلاده في مجالات مثل تقنيات الكم وعلوم الفضاء. وأشار إلى إنجاز حققه باحثون في معهد تيانجين للتقنيات الحيوية الصناعية، تمثل في تطوير طريقة لتصنيع «النشا» من ثاني أكسيد الكربون داخل المختبر، وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى صناعات تنتج الغذاء «من الهواء» دون الحاجة إلى مساحات زراعية شاسعة أو ريّ أو حصاد.

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

وتعكس أنظمة تصنيف أخرى تميل إلى وزن الإنتاج العلمي التحول ذاته لصالح المؤسسات الصينية. ففي «تصنيف الجامعات حسب الأداء الأكاديمي»، الذي يعده معهد المعلوماتية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، تحتل هارفارد المرتبة الأولى عالمياً، لكن جامعة ستانفورد هي الجامعة الأميركية الأخرى الوحيدة ضمن العشر الأولى، إلى جانب أربع جامعات صينية. وفي تصنيف «نيتشر إندكس» جاءت هارفارد أولاً، وتلتها عشر جامعات صينية.

ضغوط مالية

وتواجه هارفارد وغيرها من الجامعات الأميركية الرائدة ضغوطاً جديدة نتيجة تخفيضات إدارة ترمب في المنح العلمية، إضافة إلى قيود السفر والحملة المتشددة ضد الهجرة، التي طالت طلاباً وأكاديميين دوليين. وانخفض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025 بنسبة 19 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه قد يضر أكثر بمكانة الجامعات الأميركية وتصنيفاتها إذا اختارت العقول العالمية المتميزة الدراسة والعمل في أماكن أخرى.

في المقابل، ضخت الصين مليارات الدولارات في جامعاتها، وعملت بقوة على جعلها وجهة جاذبة للباحثين الأجانب. وفي الخريف، بدأت الصين منح تأشيرة خاصة لخريجي أفضل الجامعات في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تتيح لهم السفر إلى الصين للدراسة أو ممارسة الأعمال.

وقال أليكس آشر، رئيس شركة «هاير إديوكيشن استراتيجي أسوشييتس» الاستشارية في تورونتو: «الصين تمتلك اليوم قدراً هائلاً من الأموال في التعليم العالي لم يكن متوافراً قبل 20 عاماً».

وقد جعل شي جينبينغ دوافع هذه الاستثمارات واضحة، مؤكداً أن قوة الدول على الساحة العالمية تعتمد على تفوقها العلمي. وقال في خطاب عام 2024: «الثورة العلمية والتكنولوجية متشابكة مع التنافس بين القوى العظمى». وعلى النقيض، تسعى إدارة ترمب إلى خفض مليارات الدولارات من منح البحث العلمي للجامعات الأميركية، مبررة ذلك بالرغبة في القضاء على الهدر وإعادة توجيه الأبحاث بعيداً عن قضايا التنوع وغيرها من الموضوعات التي تراها ذات طابع سياسي مفرط.

ولم ترد إدارة ترمب على طلب للتعليق على هذا التقرير. لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هوستن، كانت قد قالت سابقاً إن «أفضل العلوم لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات تخلت عن الجدارة، وحرية البحث، والسعي إلى الحقيقة». وحذر قادة الجامعات الأميركية طوال عام 2025 من أن تقليص المنح البحثية الفيدرالية قد تكون له آثار مدمرة. وأنشأت جامعة هارفارد صفحة إلكترونية لحصر أنواع الأبحاث العلمية والطبية التي قد تتعطل بسبب خفض التمويل. كما أقامت الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات، إلى جانب حلفاء قانونيين، دعاوى قضائية للطعن في بعض هذه التخفيضات. وحذر رئيس الجمعية، تود وولفسون، من أن تقليص التمويل البحثي «سيعوق تطوير الجيل المقبل من العلماء».

وأمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأميركية باستئناف تمويل هارفارد، بعد أن قطعت إدارة ترمب مليارات الدولارات من التمويل البحثي في الربيع الماضي. غير أن الإدارة قالت إنها ستحد من المنح المستقبلية للجامعة. ورفض متحدث باسم هارفارد التعليق.

ولا تقتصر المخاطر على هارفارد، بل تمتد إلى المكانة العالمية لعدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى. فقلّة المنح الفيدرالية، أو صغر حجمها، تعني أبحاثاً أقل، وبالتالي اكتشافات أقل تُنشر في أوراق علمية، وهو ما سيؤثر على أداء هذه الجامعات في التصنيفات المستقبلية.

«أنشر أو اندثر»

وتجعل الجامعات البحثية من السعي إلى الاكتشاف وتطوير المعرفة جزءاً أساسياً من رسالتها، وغالباً ما يتعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط لتحقيق نتائج، تختصرها عبارة «أنشر أو اندثر». أما الجامعات التي لا تسعى إلى إنتاج كميات ضخمة من الأوراق البحثية، مثل كثير من كليات الفنون الحرة، فلا تظهر في التصنيفات المعتمدة على الإنتاج. وأوضح نايسل أن تصنيفات لايدن «لا تدّعي قول أي شيء» عن جودة التدريس في الجامعة.

وقد حققت الجامعات الأميركية أداء أفضل بكثير في أنظمة تصنيف تعتمد معايير أوسع من مجرد الإنتاج الأكاديمي، مثل السمعة والموارد المالية ومدى إقبال الطلاب على الالتحاق بها، بل أحياناً عدد الحاصلين على جوائز «نوبل» بين أعضاء هيئة التدريس.

ويرى خبراء أن هذه التصنيفات الواسعة تتغير بوتيرة أبطأ، لكنها مع ذلك تُظهر مؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية في التعليم العالي. ففي تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026، فإنه للعام العاشر على التوالي احتلت جامعة أكسفورد البريطانية المرتبة الأولى عالمياً. وضمت المراكز الخمسة الأولى الجامعات نفسها التي وردت في العام السابق: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة برينستون، وجامعة كمبردج، ثم هارفارد بالتساوي مع ستانفورد.

جامعة شنغهاي الصينية

وشغلت الجامعات الأميركية سبعة من المراكز العشرة الأولى في تصنيف 2026، لكن في المراتب الأدنى بدأت الجامعات الأميركية تتراجع؛ إذ تراجع ترتيب 62 جامعة أميركية مقارنة بالعام السابق، في حين تقدمت 19 جامعة فقط. وقبل عشر سنوات، كانت جامعتا بكين وتسينغهوا تحتلان المركزين 42 و47 في تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، أما اليوم فهما على مشارف العشرة الأولى؛ إذ جاءت تسينغهوا في المركز 12، وبكين في المركز 13.

هونغ كونغ حاضرة

ودخلت ست جامعات في هونغ كونغ قائمة أفضل 200 جامعة، في حين وضعت كوريا الجنوبية أربع جامعات ضمن أفضل 100 جامعة. وفي المقابل، تراجع ترتيب بعض الجامعات الأميركية المعروفة. فقد كانت جامعة ديوك في المركز 20 عام 2021، وأصبحت اليوم في المركز 28. وتراجعت جامعة إيموري من المركز 85 إلى 102 خلال الفترة نفسها. أما جامعة نوتردام، فكانت في المركز 108 قبل عشر سنوات، وأصبحت اليوم في المركز 194.

وقال آشر إن الضغوط التي قد تقلص إنتاج هارفارد البحثي، مثل خفض المنح الفيدرالية وتقليص برامج الدكتوراه، لن تنعكس فوراً في التصنيفات. وأضاف: «إذا كنت تنظر إلى عدد المقالات التي تُنشر في (نيتشر) أو (ساينس)، فهذا يعتمد على أبحاث بدأت قبل أربع أو خمس سنوات. هناك فجوة زمنية كبيرة، ولا أتوقع تأثيراً كبيراً في السنوات القليلة المقبلة».

ورغم تفوق الصين في تخصصات مثل الكيمياء وعلوم البيئة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان مهيمنتين في مجالات أخرى مثل علم الأحياء العام والعلوم الطبية. كما أشارت دراسة إلى أن باحثين صينيين عززوا ترتيبهم في الاستشهادات من خلال الاستشهاد ببعضهم بمعدل أعلى مما يفعل الباحثون الغربيون.

وتعود ظاهرة تصنيفات الجامعات إلى أوائل القرن العشرين، وفق آلان روبي، الزميل البارز ومدير الانخراط العالمي في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا.

وقال روبي إن الطلاب يستخدمون التصنيفات للمساعدة في اتخاذ قرار التقديم، في حين يعتمد عليها الأكاديميون لتحديد أماكن العمل والبحث، كما تستخدمها بعض الحكومات في توزيع التمويل البحثي، ويستعين بها بعض أصحاب العمل كأداة سريعة لفرز أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف. وأضاف: «إذا كنت تحاول جذب أفضل المواهب في العالم، سواء كانوا طلاباً أو باحثين أو أساتذة، فإنك تريد امتلاك قوة الإشارة التي تقول: نحن مؤسسة عالية التصنيف». وإلى جانب البعد التسويقي، تكتسب التصنيفات أهميتها؛ لأن جودة الجامعات نفسها مهمة، بحسب بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية في فرع جامعة جورج تاون في الدوحة. وقال إن الربط المباشر بين الجامعات الجيدة والقوة الوطنية قد يكون صعباً «لكننا نعلم جميعاً أن تدمير الألمان لجامعاتهم في ثلاثينات القرن الماضي ألحق بهم ضرراً كبيراً على الأرجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

قائمة من مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية تظهر ثماني جامعات صينية ضمن الجامعات العشر الأولى

1. جامعة تشجيانغ – الصين 2. جامعة شنغهاي جياو تونغ – الصين 3. جامعة هارفارد – الولايات المتحدة 4. جامعة سيتشوان – الصين 5. جامعة وسط الجنوب – الصين 6. جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا – الصين 7. جامعة صن يات-سن – الصين 8. جامعة شيآن جياو تونغ – الصين 9. جامعة تسينغهوا – الصين 10. جامعة تورونتو – كندا.


أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

وأضاف روته على منصة «إكس»، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول وضع الطاقة في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الروسية التي قال إنها «تسبب معاناة إنسانية مروعة، بالإضافة إلى (مناقشة) الجهود المبذولة لإنهاء الحرب».

وتابع: «نحن ملتزمون بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم الحيوي اللازم للدفاع عن نفسها اليوم، وتحقيق سلام دائم في نهاية المطاف».

وفي وقت سابق اليوم، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصل إلى تسوية.