ملتقى الرواية العربية... حالة من الارتباك ودراسات نمطية

250 كاتباً وناقداً يبحثون «النص التفاعلي» وتداخل الأنواع الأدبية

جانب من من جلسات الملتقى
جانب من من جلسات الملتقى
TT

ملتقى الرواية العربية... حالة من الارتباك ودراسات نمطية

جانب من من جلسات الملتقى
جانب من من جلسات الملتقى

حالة من الارتباك طغت على جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي، الذي تم افتتاحه 20 أبريل (نيسان) الحالي، ويستمر على مدار 5 أيام. المؤتمر الذي يحمل اسم الكاتب السوداني الراحل الطيب صالح، والذي ينعقد بمشاركة 250 من الكتاب والنقاد المصريين والعرب، عانى الكثير من المتابعين لفعالياته في الحصول على أوراقه البحثية.
كما أدى توزع الجلسات بشكل كثيف، وفي أوقات متزامنة بين قاعات المجلس الأعلى للثقافة المنظم للمؤتمر، وعدم وجود دليل مطبوع يحدد محاوره، ويساعد في التعرف عليها، إلى إهدار فرصة متابعة الكثير من اللقاءات التي تمحورت حول تداخل الأنواع، وروايات الخيال العلمي والفانتازيا، والرواية المعلوماتية والنص التفاعلي، وعلاقتهما بوسائل التواصل الاجتماعي، تم خلالها عرض دراسات وأبحاث وشهادات اتسم بعضها بالنمطية، ولم تكن على المستوى اللائق بالملتقى، وهو ما ظهر واضحا في تعقيب الدكتور فيصل دراج على ورقة إحدى الباحثات، ووصفها بأنها اجتهدت لتوصيل شيء، لم يصل له هو شخصيا سوى نصفه، هذا المستوى الذي وصلت له الأبحاث من خفة وتواضع ربما يكون سببه ذلك الحشد الضخم المشارك من المبدعين والكتاب والنقاد.
في الجلسة التي تمحورت حول التجريب في الرواية العربية، قدم الكاتب السوري نبيل سليمان دراسة بعنوان «برازخ في التجريب الروائي العربي» قال خلالها إنه تراءى له عبر اشتغاله بنشأة الرواية العربية أنها ولدت بالتجريب، «فإذا عدنا حتى إلى رواية خليل الخوري، «إذن لست بإفرنجي»، التي نشرها عام 1958. أو فرانسيس المراش، وروايته «در الصدف في غرائب الصدف» 1872. وميخائيل الصقال في كتابه «لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر» 1907. نجد بكل أعمال هؤلاء الرواد محاولة جادة للدخول في عالم الرواية، بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن من محاولات متواضعة أو أكثر تواضعا، أو متقدمة قليلا، وتجارب أجيال من 1858 إلى ولادة نجيب محفوظ، جاءت السلسلة من المراحل المتتالية في التجريب الذي جعلت للرواية العربية تاريخها الحالي».
ويظل التجريب، حسب رأي سليمان، رافعة كبرى لتطوير فن الرواية، بما يعنيه من نقض البناء التقليدي لها، وتكسير العمود السردي أو السبك اللغوي، لكن هناك معوقات تبدو مسيطرة مثل الاستسهال، والمجانية، وهو ما يجعل الزبد يكاد يطغى.
من جهته، وصف الدكتور فيصل دراج ما أسماه البعض بزمن الرواية العربية بأنه أقرب إلى ما يمكن وصفه بالورم الروائي، قائلا: «إن من يتابع ما يصدر من روايات عربية كل عام إذا كان صادقا ونزيها سوف يشعر بالبهجة إذا عثر على عشر روايات جديرة فعلا بالقراءة»، وأشار إلى أننا نعاني نوعا من التضخم الروائي، بسبب الإعلان والجوائز، كما أن تعددية الأصوات، بحثا عن رواية جديدة، جاءت في معظمها محاكاة فقيرة كالتي رأيناها في الرواية الوجودية والنفسية، وهناك بالطبع المحاكاة المبدعة التي لا تحتاج إلى استيراد نماذج، وإنما تنطلق من السياق مثلما فعل إميل حبيبي في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، وفعله جبرا إبراهيم جبرا في روايته «البحث عن وليد مسعود»، من هنا يمكن القول، كما أضاف أن «التجريب ليس عملا فرديا فنتازيا، إنما هو محصلة لتراكم ثقافي وروائي ونقدي، بدونه لا مجال للتجريب، إلا إذا كان نوعا من الاستعراض الفارغ».
وفي دراستها حول ملامح التجريب في رواية «سيدة الزمالك» لأشرف العشماوي، لفتت الناقدة المصرية الدكتورة نانسي إبراهيم إلى أن الروائي ابتعد عن تقليدية النمط السردي، معتمدا على تعدد مستوياته، وانفتاحه الدلالي، والتماس الحي مع واقع متغير، وحاضر مستمر يتشكل في نمط روائي، ويتصل به ويتصارع معه. وأشارت نانسي إبراهيم إلى أن الكاتب رسم شخوصا تبتعد عن النمط المثالي المتوقع، والمألوف، واعتمد على تصوير الأبعاد النفسية، لها في ظل منظومة آيديولوجية متغيرة تربط النفسي بالوصفي والسياسي.
الأديب السعودي يحيى امقاسم، الذي أصدر عددا من الأعمال الروائية آخرها «رجل الشتاء»، فقدم ورقة حول «الرواية العربية وصناعة حدود التجريب»، ذكر خلالها أنه لا توجد مخاوف من مواقع التواصل الاجتماعي على الرواية، وأنها سوف تظل قوية، ولا يمكن أن تحل أوعية عصر المعلومات محلها، أو تكون بديلا عن الكتاب.
وأشار امقاسم إلى التراكم في مسألة التجريب متسائلا: «هل تصنع الرواية العربية انطلاقا من داخلها وتاريخها وتجربتها حدودا للتجريب فيها، ولفت إلى أن إقحام التقنية المتسارعة على الرواية هو إضعاف في ذات الوقت سينبذه تاريخها، فالتجريب في السرد العربي لا يأتي من خارج تاريخه.
وفي حديثه عن جدل البصري والجمالي في الرواية العربية أشار الناقد المصري الدكتور يسري عبد الله إلى أن الرواية تنفتح على جملة من الاقتراحات السردية المختلفة لا تبقيها في خانة واحدة، ولا تطرح صيغة أحادية لها، بل إنها تبرز بوصفها تجلى لعشرات التصورات عن العالم، والصيغ الجمالية، والبنائية المتعددة، فالرواية هي ابنة التنوع والاختلاف وهي ترميز دال على منطق ديمقراطية الكتابة.
وذكر عبد الله أن العلاقة بين الرواية والواقع ذات طابع جدلي، من هنا «تبدو في تجل من تجلياتها إدراكا جماليا للواقع بوصفه مادة خاما تحمل من الاتساع والتنوع ما في الواقع ذاته من خصوبة واختلاف، ولأنه متغير بطبيعته ومنفتح على جملة من التحولات السياسية والثقافية فإنه يستلزم تحولا في آليات التعبير الجمالي عنه».
ومن بين فعاليات الملتقى التي لم تقف عند حدود الجلسات والأبحاث، كانت هناك جملة من الشهادات التي قدمها روائيون مصريون وعرب، من بينهم الروائي حمدي أبو جليل، الذي تحدث عن حاضر الرواية المصرية، مشيرا إلى أنها «عملت ثورتها مبكرا، ففي بداية القرن الواحد والعشرين، انتقلت من رواية الأمة إلى رواية الفرد، من رواية القضية إلى رواية الوجود، وهي رواية ناقصة غير مكتملة، وقد صاحب ذلك أشياء لا خلاف عليها، منها أنها أعادت القارئ إلى الاهتمام بها بكثافة، وهي تطمح إلى قراء بالآلاف». ولفت أبو جليل إلى أن الشيء الآخر يبدو في جانب الترجمة، وسعى المترجمون للاهتمام بها، لكن عادت إلى موقعها بفعل الجوائز العربية، حيث قامت بالقضاء على الطابع المحلي للروايات، وردتها إلى مرحلة الستينات وما كانت تهتم به من قضايا كبرى.
وذكرت الكاتبة السورية لينا هويان الحسن في شهادتها أنها رأت البدو من منظور مخالف للمعتاد، فكتبت عنهم في رواياتها «بنات نعش»، و«رجال وقبائل»، و«سلطانات الرمل»، ما اعتقدت أنه «غريب وسحري ولافت. وقالت إن الحنين يجعل الكاتب يؤوب إلى أرض الذاكرة».
وأشار الكاتب محمد جبريل في شهادته إلى أن معظم ما كتبه يستمد أحداثه وشخصياته من حياة عاشها وبشر عرفهم، وهو ما يعني أن سيرته الذاتية موجودة في كتاباته، وتناثرت ملامحها وقسماتها في أعماله الروائية المختلفة، لكنه مع ذلك يرفض فهم السيرة الذاتية من خلال العمل الإبداعي.
وقال جبريل بأنه وجد في الواقعية الروحية تعبيرا متماهيا وموازيا للواقعية السحرية التي شاعت لوصف أدب أميركا اللاتينية، ووجد في الأولى «معنى أشد عمقا للإبداعات التي تستند للموروث الشعبي، بداية بالميتافيزيقا وانتهاء بالممارسات التي تنسب للصوفية. وذكر أن «توظيف الفن للبعد الصوفي ليس فقط لمجرد ما يحمله من خوارق ومعجزات، لكن أيضا لأنه يصدر عن فلسفة حياة تشمل الميتافيزيقا وعلم الجمال والهموم الآنية المختلفة.
وسيعلن الملتقى في ختام جلساته مساء اليوم (الأربعاء) اسم الفائز بجائزة هذه الدورة، ومن المتوقع أن تذهب الجائزة إلى كاتب عربي، خاصة بعد أن ذهبت في دورتها السادسة السابقة إلى الروائي المصري بهاء طاهر.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».