الائتلاف السوري يسعى لتأجيل «جنيف 2»

فرنسا تحض «المعارضة السورية المعتدلة» على المشاركة في المؤتمر رغم التشكيك في النتائج

معارضون سوريون يجتمعون أمس في اسبانيا لبحث توحيد مواقفهم قبل {جنيف 2} (رويترز)
معارضون سوريون يجتمعون أمس في اسبانيا لبحث توحيد مواقفهم قبل {جنيف 2} (رويترز)
TT

الائتلاف السوري يسعى لتأجيل «جنيف 2»

معارضون سوريون يجتمعون أمس في اسبانيا لبحث توحيد مواقفهم قبل {جنيف 2} (رويترز)
معارضون سوريون يجتمعون أمس في اسبانيا لبحث توحيد مواقفهم قبل {جنيف 2} (رويترز)

بينما تتواصل التحضيرات في باريس لاستضافة اجتماع الوزراء الـ11 الذين تتشكل منهم «مجموعة لندن» المنبثقة عن «أصدقاء الشعب السوري»، صباح الأحد المقبل، لا يخفي المسؤولون الفرنسيون «تشاؤمهم» إزاء ما يمكن أن يصدر عن مؤتمر «جنيف 2» وإزاء الشروط والظروف التي تتحكم في انعقاده. ورغم ذلك، فإن باريس ومعها آخرون تضغط باتجاه دفع المعارضة الممثلة بالائتلاف الوطني السوري إلى المشاركة في المؤتمر الموعود، وهي تعدها بتوفير الدعم والمساندة لها لتحسين وضعيتها حتى تتمكن من التفاوض من موقع مقبول، الأمر الذي يشكل، وفق مصادر فرنسية رسمية، «جوهر» اجتماع الأحد.
وينتظر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية نتائج مباحثات الساعات الأخيرة التي تسبق مؤتمر «أصدقاء سوريا» الأحد المقبل في باريس، وما إذا كانت ستؤدي إلى إعادة «لم شمل المختلفين» بعد الاستقالات الجماعية في اجتماع الهيئة العامة الأخير، ليتخذ على ضوئها القرار النهائي المتعلّق بالمشاركة في «جنيف 2»، أم لا، في حين عُقد أمس لقاء تشاوري جمع أطرافا عدة من المعارضة السورية، بينهم، وللمرة الأولى، إسلاميون، في مدينة قرطبة الإسبانية، في مسعى منهم للتوصل إلى قواسم مشتركة قبل المؤتمر.
وقال وزير الخارجية لوران فابيوس، أمس، بمناسبة مؤتمر صحافي مشترك ضم نظيره الياباني ووزيري خارجية ودفاع البلدين (فرنسا واليابان)، إن «(جنيف 2) ضرورة، لكن بشرط احترام الغرض من عقده» الذي هو، وفق رسالة الدعوة التي وجهها بان كي مون إلى الأطراف المعنية، إقامة سلطة انتقالية تعود إليها كل الصلاحيات التنفيذية وتضم «عناصر من النظام السوري وأطراف المعارضة المعتدلة». وبحسب فابيوس، لا حل في سوريا إلا الحل السياسي «ولذا يجب التفاوض عليه» في «جنيف 2». لكنه في الوقت عينه يعترف بأن «الوضع ليس سهلا». وحث الوزير الفرنسي «جميع الأطراف» على «القيام بالجهود اللازمة» من أجل المشاركة في أعمال مؤتمر «جنيف 2».
ويرى فابيوس أن ثمة صعوبتين كبريين: الأولى تتمثل في وضع المعارضة السورية وتحديدا الائتلاف الوطني السوري الذي يسميه «المعارضة المعتدلة» المنقسمة على نفسها والتي لم تنجح حتى الآن في الاتفاق على موقف موحد، رغم الساعات الطويلة من المناقشات في اسطنبول هذا الأسبوع، من موضوع المشاركة في جنيف أو مقاطعته. وحاول فابيوس الدفاع عنها وتخفيف وطأة الاتهامات الموجهة إليها بالقول إنها تحارب على جبهتين: جبهة النظام من جهة وجبهة الإرهابيين من جهة أخرى. أما مصدر التشاؤم الفرنسي الثاني فيتعلق بصلب المسألة، أي النتائج «المحسوسة» التي يمكن أن يسفر عنها «جنيف 2».
وسبق للوزير الفرنسي أن شكك سلفا في رغبة الرئيس السوري في قبول نقل سلطاته وصلاحياته إلى حكومة انتقالية باعتبار أنه «من الصعب رؤية سبب يجعله يسلم كل سلطاته» إذ إنه «ورغم كل أخطائه فإنه ليس فاقدا للعقل». ومع ذلك، فقد أعلن أمام مجلس الشيوخ أول من أمس أن قبول الأسد إرسال ممثلين عنه إلى جنيف «يعني أنه يقبل بنقل صلاحياته إلى السلطة الانتقالية».
ويبرر التشاؤم الفرنسي (وغير الفرنسي) تصريحات أركان النظام العلنية من جهة ومن جهة أخرى، غياب أي ضمانات أو التزامات حقيقية من الطرف الروسي حول رغبته في ممارسة الضغوط على الأسد ليقبل السير بخطة الطريق التي رسمها مؤتمر «جنيف 1». وجل ما تراه باريس اليوم وجود «انفتاح» من قبل موسكو التي سيلتقي وزير خارجيتها سيرغي لافروف يوم الاثنين نظيره الأميركي، ويرجح أن تكون للوزيرين اجتماعات مع فابيوس. بيد أن رفض روسيا الموافقة على بيان من رئاسة مجلس الأمن حول الوضع في سوريا أول من أمس لا يترك المجال مفتوحا لكثير من التفاؤل إزاء ما سيكون عليه السلوك الروسي في جنيف. وردا على تحذير موسكو من أن سقوط الأسد سيعني «الفوضى»، قال فابيوس إن الفوضى تعم سوريا اليوم، محذرا من تقسيمها «غدا» ومن تمدد الإرهاب بكل تشعباته «إلى القوقاز وإلى أصقاع أخرى».
وحتى لا تشعر المعارضة بأنها وحيدة في مواجهة النظام ودعائمه، فقد أعرب الوزير الفرنسي، متوجها إلى «الأسرة الدولية»، عن تأييده مطالب المعارضة التي رفعتها شرطا لقبولها المشاركة وأهمها اثنان: وقف القصف الجوي وإقامة ممرات إنسانية لتوصيل المساعدات للمناطق المنكوبة والمحاصرة.
وفي هذا الإطار، لفت مصدر في الائتلاف لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المعارضة السورية تحتاج إلى المزيد من الوقت لإعادة ترتيب أوراقها على ضوء الخلافات المستجدة وإعادة مناقشة قضية مشاركتها في «جنيف 2»، مرجحا تأجيل موعد المؤتمر إذا نفذ النظام شروط الائتلاف للمشاركة فيه. وقال المصدر إن الائتلاف سيقدم الأحد المقبل لوزراء خارجية «أصدقاء سوريا» تصوره ومطالبه الأساسية قبل اتخاذ القرار بشأن «جنيف 2»، وأهمها «تأمين الممرات الآمنة وفك الحصار عن المناطق المحاصرة وتوصيل المواد الغذائية والطبية إلى الأهالي، إضافة إلى البدء في إطلاق سراح المعتقلين من النساء والأطفال»، وهو الأمر الذي يرى المصدر أن من شأنه أن يؤدي إلى تأجيل موعد «جنيف 2»، إلا إذا تم الشروع في تنفيذهما بين ليلة وضحاها، وهو أمر مستبعد، بحسب المصدر. وهذا ما أكد عليه أيضا أحمد رمضان، عضو الهيئة السياسية في الائتلاف، مشيرا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تلقي الائتلاف وعودا أميركية تؤكد أن وفدا من خارجيتها، برئاسة سفيرها لدى دمشق، روبرت فورد، سيزور في وقت قريب روسيا، حاملا لائحة بأسماء المعتقلين لدى النظام وحث موسكو للضغط عليه للإفراج عنهم. وأشار رمضان إلى أن تذليل هذه العقبات من شأنه أن يسهل مهمة اتخاذ الائتلاف القرار الإيجابي المتعلق بالمشاركة في «جنيف 2» في اجتماع الهيئة العامة في 17 يناير (كانون الثاني) الحالي، أما إذا كان الوضع عكس ذلك فإن النتيجة ستكون مما لا شك فيه سلبية.
وتستشف المرارة أحيانا من كلام المسؤولين الفرنسيين الذين يعتبرون أن السياسة التي سارت عليها باريس منذ البداية كانت «السياسة السليمة» التي لو حظيت بالدعم والتأييد اللازمين لما كانت الأمور على ما هي عليه اليوم في سوريا ولا لما تشكله من تهديد جدي للأمن والاستقرار في بلدان الجوار السوري. لكن ما حال، وفق باريس، دون السير في سياسة متشددة إزاء النظام السوري، أنه كانت هناك الانتخابات الرئاسية الأميركية وانقسام البلدان العربية على نفسها. وكان يكفي القيام، بحسب باريس، بجهد إضافي للتخلص من نظام الأسد في وقت لم يكن قد تعاظم فيه تدخل إيران السافر أو حزب الله ولا وجود للمنظمات الإرهابية.
وندد الوزير الفرنسي، في كلمته أمام مجلس الشيوخ، بـ«التحالف الموضوعي» القائم بين النظام السوري والإرهابيين الذين «يبيعون النفط الذي يستخرجونه» من الآبار التي يسيطرون عليها «للنظام نفسه».
وفي ما يتعلّق بالخلافات التي أدت إلى انقسام في الائتلاف واستقالات جماعية، لفت رمضان إلى أن هناك لجنة من الائتلاف تقوم بالحوار مع المستقيلين، الذين ينقسمون في آرائهم، إلى قسمين، الأول يطالب بإعادة الانتخابات بعيدا عن أي حجة قانونية، والثاني يبدي ملاحظاته واعتراضه على المشاركة في جنيف 2، فيما كشف مصدر الائتلاف أن المباحثات التي تسبق «أصدقاء سوريا» تركز بدورها بشكل أساسي على هذا الشق، لا سيما أن قسما كبيرا من المستقلين كان نتيجة اعتراضهم على الانتخابات، ومن المتوقع أن يتم خلاله، لتجاوز المشكلات، التعهد بتنفيذ ما تم التوافق عليه، في الهيئة العامة للائتلاف في الاجتماع ما قبل الأخير، والمتعلق بتوسعة الهيئة السياسية بإضافة 5 أعضاء جدد، ليصبح عددهم 24 بدلا من 19، على أن يكونوا ممثلين من مختلف القوى السياسية، ويتمكنوا بالتالي من الاطلاع على كل التطورات والمشاركة في اتخاذ القرارات.
وفي حين لفت رمضان إلى عدم امتلاكه والائتلاف الوطني أي معلومات دقيقة حول «اجتماع قرطبة» المستمر لغاية اليوم، مشيرا إلى أن عددا من الأسماء التي تم التداول بها على أنها مشاركة نفت الأمر، أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية أن بلادها استضافت اجتماعا للمعارضة يضم نحو 150 ممثلا عن مختلف جماعات المعارضة السورية لإيجاد نقاط التوافق والعمل على صياغة رؤية سياسية مشتركة تحضيرا لمؤتمر «جنيف 2». وجاء في البيان، أن «الاجتماع يهدف إلى «زيادة التماسك بين أطياف المعارضة السورية وأفراد المجتمع المدني والقيادات الدينية لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية في سوريا إلى جانب تسهيل الحوار بينها للحد من تشرذمها فضلا عن توحيد المواقف قبل انعقاد المؤتمر».
يذكر أن إسبانيا كانت احتضنت اجتماعا سابقا للمعارضة السورية خلال عام 2013، حيث اجتمع 80 ممثلا عن مختلف جماعات المعارضة السورية بينها المجموعات المشكلة «للائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية»، لبحث السيناريوهات المتوقعة في اجتماع مجموعة الاتصال حول سوريا في جنيف.
من ناحيتها، ذكرت وكالة «رويترز» أن المشاركين هم من الائتلاف الوطني السوري ومن الجيش الحر، إضافة إلى ممثلين لجماعات معارضة داخل سوريا لا يرفضها الرئيس السوري بشار الأسد لأنها لا تطالب برحيله، وهو نفس السبب الذي يفقدها ثقة عدد كبير من المعارضة السورية في المنفى.
وقال المعارض كمال اللبواني إن معظم الأطياف السورية ممثلة في اجتماع إسبانيا، حتى إن أحد أفراد الأمن السوري الذي يدعم الأسد يشارك في الاجتماع. وأضاف أن ثلاثة أعضاء على الأقل من الجبهة الإسلامية جاءوا أيضا لحضور الاجتماع. وتضم الجبهة الإسلامية عددا من الألوية الإسلامية التي تمثل قطاعا عريضا من المقاتلين في الميدان وترفض سلطة الائتلاف الوطني. وذكر اللبواني أن الخلافات بين الوفود عميقة جدا لدرجة يصعب معها تجاوزها في الاجتماع الذي يهدف إلى إقامة حوار بين تلك الوفود.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.