كانط... فيلسوف التنوير الأكبر في الغرب

مجلة «لوبوان» الفرنسية تصدر ملحقاً كبيراً عنه

صمويل كانط
صمويل كانط
TT

كانط... فيلسوف التنوير الأكبر في الغرب

صمويل كانط
صمويل كانط

لماذا نعود إلى كانط الذي عاش ومات قبل أكثر من مائتي سنة؟ لأنه أكبر فيلسوف في العصور الحديثة، كما يقول لوك فيري العارف ببواطن الأمور: «كنا نعتقد أن ديكارت أو هيغل أو نيتشه أو هيدغر هو أكبر فيلسوف، ولكن يبدو أننا أخطأنا». نقول ذلك رغم أن بعضهم يعتبر هيغل أرسطو العصور الحديثة، وليس كانط. ولكن لا يهم؛ كلاهما مهم. ثم نعود إليه لأنه فيلسوف التنوير الأكبر في الغرب، فهو الذي نور الدين المسيحي وصالحه مع الحداثة والعقل، بعد أن كان أصولياً طائفياً تكفيرياً. ونعود إليه بمناسبة صدور عدد كبير عنه، كملحق ثقافي كبير لمجلة «لوبوان» الفرنسية المعروفة. ومعلوم أن هذه المجلة الأسبوعية تصدر من وقت لآخر أعداداً خاصة ممتازة عن كبار المبدعين الفرنسيين والعالميين. وفي هذا العدد، نجد مقالات موقعة من قبل كبار أساتذة الجامعات الفرنسية. ومنذ البداية، تقول لنا رئيسة التحرير كاترين غوليو، في افتتاحية العدد، ما يلي: «لماذا نهتم بكانط؟ لماذا نكرس له عدداً خاصاً؟ لسبب بسيط، هو أنه يعلمنا كيف نستخدم عقولنا بشكل صحيح، ولأنه يعلمنا أيضاً مكارم الأخلاق، فهو فيلسوف أخلاقي من الطراز الأول. لا ريب في أنه يمكننا أن نعيب عليه أشياء كثيرة، كصرامته الفكرية، والطابع التجريدي العويص لفلسفته. ولكنه نص على قواعد أخلاقية أغلى من الذهب، ومارس هذه الأخلاق الصارمة عملياً، لا نظرياً فقط. فقد كان نظيف اليد نزيهاً صادقاً، وعلمنا أنه ينبغي علينا أن نستخدم عقولنا لكي نتحكم بشهواتنا وغرائزنا، لا أن ندعها تتحكم بنا، وهو شيء صعب لا يقدر عليه إلا القليلون. كما علمنا أنه يمكن أن نتوصل يوماً ما إلى عالم أفضل، عالم مسالم يسوده الإخاء والتعايش. وهذه الأفكار كانت تعتبر ثورية في القرن الثامن عشر. ونحن نكرس هذا العدد كله له لأن كانط يعلمنا معنى أداء الواجب، واحترام الآخر، والحرص على المصلحة العامة، وجعل عقلنا يتحكم بغرائزنا، وليس العكس، كما هو سائد حالياً في الغرب، حيث بلغ الشذوذ والاستسلام للشهوات مبلغه. من هنا أهمية التذكير بكانط لإعادة الغرب إلى جادة الصواب، إذا أمكن».
ومن بين هذه المساهمات الكثيرة نذكر ما قاله البروفسور كريستوف بوريو، أستاذ الفلسفة في جامعة اللورين، شرق فرنسا، حيث يتساءل: ما معنى الفلسفة الكانطية؟ وما جوهرها ومحتواها؟ إنها تدشين فكري وأخلاقي جديد للتاريخ. وهذا التدشين يجعل الإنسان قادراً على تنظيم العالم بطريقة أفضل من السابق؛ إنه يجعله سيد قدره ومصيره، بشرط أن يعرف كيف يستخدم إمكانياته العقلية بشكل صحيح. ولكن فكر كانط، على عظمته وعبقريته وابتكاريته، ليس مفصولاً عن عصره، وإنما هو نتاج مباشر لتلك الثورة العلمية التي حصلت في أوروبا بدءاً من القرن السادس عشر على يد كوبرنيكوس، واستمرت في القرن السابع عشر على يد غاليليو وديكارت، ثم توجت لاحقاً على يد أكبر عبقري: إسحاق نيوتن. ولهذا السبب قال بعضهم: «لولا نيوتن لما كان كانط!»، فذهبت مثلاً. لقد أعطى نيوتن لكانط ثقة هائلة بالعقل البشري وبإمكانياته، عندما اكتشف القوانين التي تمسك الكون وتتحكم به، كقانون الجاذبية وسواه. وعندئذ، قال كانط بينه وبين نفسه: إذا كان نيوتن قد استطاع التوصل إلى حقائق يقينية في مجال العلوم الفيزيائية والفلكية، واكتشاف أسرار الكون وقوانينه، فلماذا لا أكون أنا قادراً على فعل الشيء ذاته في المجالات الفلسفية والميتافيزيقية؟ والله لن أكون كانط، ولن أستحق اسم الفيلسوف إلا إذا جددت الفلسفة عن بكرة أبيها، مثلما فعل نيوتن مع الفيزياء الفلكية. وهكذا، أنقذ كانط الفلسفة الغربية من خطرين ماحقين كانا يهددانها: الأول هو خطر الارتياب والشكوكية العدمية، على طريقة الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم؛ والثاني هو خطر الدوغمائية الانغلاقية التعصبية المتحجرة، على طريقة وولف تلميذ لايبنتز. لقد اتخذ كانط خطاً وسطاً بين هذين الحدين المتطرفين. وهنا يكمن سبب نجاحه وانتصاره على العدمية والدوغمائية في آن معاً. لقد كانت الفلسفة في عصره قد وصلت إلى الباب المسدود، فأنقذها بضربة عصا سحرية أو عبقرية من مأزقها وانسداداتها. وهنا تكمن عظمة المفكرين الكبار في التاريخ؛ المفكر الكبير هو ذلك الشخص الذي يفك الانسداد التاريخي لأمة بأسرها، أو حتى للبشرية. ثم يقول لنا هذا الباحث إن كانط وضع الفلسفة على السكة الصحيحة، مثلما فعل كوبرنيكوس بالنسبة لعلم الفلك. لقد أحدث ثورة كوبرنيكية في مجال الفلسفة، و«نفد الأرنب بجلده» كما يقول المثل. نقول ذلك خصوصاً وأن الاستعصاء الفلسفي كان متفاقماً جداً، ووصل إلى الجدار المسدود، كما ذكرنا. وحده كانط استطاع فك الانسداد التاريخي، وإيجاد الحل المعجز للمشكلة الفلسفية المستعصية للعصر. وعلى أساس هذا المعيار بالذات تقاس عظمة المفكرين الكبار.
ولكن كان هناك مفكر آخر أثر على كانط، هو: جان جاك روسو. ولذلك لم يكن يحلف بعد الله إلا باسم شخصين، هما: نيوتن، وروسو. فالأول كشف له أسرار العالم المادي، والثاني كشف له أسرار العالم الروحي والأخلاقي. ولذلك فهو مدين لهما أبد الدهر، بل ولم يكن يضع على مكتبه للاستئناس في أثناء الكتابة والعمل إلا صورة جان جاك روسو. ويقال إنه لم يقطع مشواره اليومي الشهير، المحدد بالساعة والدقيقة، إلا عندما سمع عام 1762 بصدور كتاب جديد لروسو عن «إميل أو في التربية». عندئذ، ذهب إلى المكتبة مباشرة لكي يستفسر عنه، ويحجزوا له نسخة للاطلاع عليه فوراً. ولهذا السبب كرس له البروفسور رافائيل ايهرسام، الأستاذ في جامعة السوربون، مقالة خاصة بعنوان: «زلزال روسو»! بمعنى أن اكتشاف فكر روسو كان بمثابة الزلزال الذي عصف بكانط؛ يقول بالحرف الواحد: «إن روسو هو الذي أعادني إلى رشدي، ووضعني على الطريق الصحيح. ففي السابق، ما كنت أحترم إلا العلماء والفلاسفة والمثقفين والمتعلمين، ولكني الآن أصبحت أحترم كل إنسان في كرامته الإنسانية والأخلاقية». نفهم من كلام كانط أن كناس الشوارع قد يكون شخصاً طيباً وأخلاقياً أكثر من أستاذ جامعة حقير يحمل شهادة الدكتوراه. وبالتالي، فلا ينبغي أن نحتقر الناس البسطاء، من عمال وفلاحين وخدم، لأنهم غير متعلمين أو غير مثقفين؛ هذا خطأ فادح فاحش. ينبغي أن نحترمهم في كرامتهم الإنسانية، ولا ينبغي أن نحتقر الخادمة في البيت لأنها خادمة، وإنما ينبغي أن نعاملها كإنسان له كرامة. من هنا الطابع الأخلاقي لفلسفة كانط. فربما كان أكبر فيلسوف أخلاقي في التاريخ، بعد أرسطو وأفلاطون. ولذلك قال عبارته الشهيرة: «هناك شيئان يملآن القلب بالإعجاب والإجلال المتجددين المتزايدين باستمرار: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي، والقانون الأخلاقي المنقوش المرسخ في داخلي. وهذا يكفيني». هذه العبارة الشاعرية لفيلسوف أبعد ما يكون عن الشعر منقوشة على قبره حتى الآن.
وننتقل الآن إلى الباحث بيير فرنسوا مورو، الأستاذ في جامعة ليون، فماذا يقول عن كانط يا ترى؟ إنه يقول لنا ما يلي: لكي نفهم كانط ينبغي أن ندرك أن الأنوار الألمانية مختلفة جداً عن الأنوار الفرنسية. ففلاسفة الأنوار الفرنسية كانوا في الغالب معادين للدين الرسمي السائد. أما فلاسفة الأنوار الألمانية، فكانوا يحاولون جاهدين البرهنة على أن العقل إذا ما فُهم جيداً لا يتعارض مع الدين، بل إنه يمكن أن يتحالف مع الإيمان بغية التوصل إلى حقائق سماوية عليا. وعلى هذا النحو، تشكل في القرن الثامن عشر نوع من التوازن الآيديولوجي بين العقل والدين، وهو توازن يتحاشى في آن معاً اليمين المتطرف الديني الأصولي الذي يكره العقل والعقلانية، واليسار المتطرف الفلسفي الذي يكره كل شيء له علاقة بالدين والإيمان. ثم اندلعت مشكلة كبيرة نحو عام 1780 حول فكر سبينوزا والإلحاد. وانقسم المثقفون الألمان إلى قسمين: قسم مع سبينوزا، وقسم ضده. وطلبوا من كانط التدخل وحسم الموقف، ولكنه رفض أن ينضم إلى هذا الفريق أو ذاك. وإنما راح يطرح حلاً ثالثاً يتجاوز فيه هذه الإشكالية المستعصية: هل أنت مع العقل أم مع الدين؟ راح يقول ما معناه: للعقل مجاله، وللدين مجاله، ولا ينبغي الخلط بينهما. فالعقل يحق له أن يصول ويجول في كل ما يتعلق بالمعرفة الدنيوية التجريبية المحسوسة، ولكن لا يحق له أن يتجاوزها إلى ما وراءها، فما وراءها من اختصاص الدين. فلا يستطيع العقل مثلاً البرهنة على وجود عالم آخر بعد الموت؛ وحده الدين يستطيع ذلك. ولهذا السبب قال كانط عبارته الشهيرة: «لقد أوقفت العقل عند حده لكي أفسح المجال للإيمان».
والآن، سوف أنتقل إلى صاحبنا نيتشه وأفسد عليكم هذه المتعة والهناءة مع كانط. فأنا لا أستطيع أن أعيش من دون مشكلات. وصاحب المشكلات كلها هو أستاذنا نيتشه، الذي «لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب». حتى الآن، كنا منسجمين مع البروفسور كانط، معجبين بعبقريته، ولا تشوب علاقتنا به شائبة. ولكن للأسف الشديد فإن هذا ليس موقف ذلك المشاغب الأكبر: فريدريك نيتشه. فعلى العكس، سوف يحاول تفكيك كانط، بل وتحطيم أسطورته. ومن يستطيع التملص أو التخلص من مخالب نيتشه؟ أولاً، ينبغي العلم بأن نيتشه ولد بعد موت كانط بأربعين سنة. وبالتالي فهو من أحفاده فلسفياً في ألمانيا. فلماذا يثور عليه يا ترى؟ لماذا يهاجمه على الجبهات كافة؟ لماذا يريد تحطيمه؟ لأن هيجانات نيتشه اللاعقلانية لا يمكن أن تتحمل رجاحة عقل كانط وتوازنه الشديد. ولكن هذا الجواب وحده لا يكفي. فالواقع أن نيتشه كان مفكراً عملاقاً أيضاً، يعرف كيف يمسك كانط من نقطة الضعف؛ كان بارعاً في المصارعة الفلسفية الحرة! وقد دفع بعضهم الثمن غالياً لأنه تورط مع نيتشه في مجادلة فكرية، أو بالأحرى لأن نيتشه هو الذي «تورط فيه» واعتدى عليه، إذا جاز التعبير. فمثلاً، المفكر المحترم ديفيد شتراوس مات بعد ثلاثة أشهر فقط من ظهور مقالة نيتشه الهجومية العنيفة ضده؛ لم يستطع تحملها فمات من شدة الهم والغم. ولذلك قال نيتشه عبارته المرعبة: «نعم، إني مجرم! وعلى يدي قطرات من الدماء... يكفي أن أكتب مقالة واحدة ضد أي شخص لكي يموت فوراً». أو بهذا المعنى... وهذا يعني مدى خطورة نيتشه الإرهابية، خصوصاً أن أسلوبه في الكتابة كان بركانياً متفجراً. إنه ينزل عليك كالصاعقة. عيب أصلاً أن تكتب بعد نيتشه! كل أدباء ألمانيا تعقدوا وارتعبوا وما عادوا يعرفون كيف يكتبون بعده. لقد استنفد كل الطاقات البيانية للغة الألمانية دفعة واحدة. وبالتالي، فإذا ما نزل فيك نزلة حقيقية، فإنه يهشمك تهشيماً، ويقضي عليك بالضربة القاضية: لا أكثر ولا أقل. والآن نطرح هذا السؤال: ما الذي يعيبه نيتشه على كانط؟ لماذا لا يعجبه بعد كل تلك الإنجازات الضخمة التي حققها، ليس فقط للفلسفة الألمانية وإنما للفكر البشري ككل؟ أليس كتاب «نقد العقل الخالص» أهم كتاب ظهر في تاريخ الفلسفة منذ عدة قرون، أو حتى منذ أفلاطون وأرسطو؟ عن هذه التساؤلات يجيب البروفسور غيوم تونينغ، أستاذ الفلسفة والثقافة العامة في أحد المعاهد الباريسية، بما يلي: إن نيتشه يعيب على كانط عدم راديكاليته في النقد الفلسفي للدين، فقد كان ينبغي عليه استئصال المسيحية كلياً من جذورها، لا مصالحتها مع العقل والتنوير. وبالتالي فهو ليس إلا شخص لاهوتي يختبئ خلف قناع الفلسفة، إنه «منافق جبان رعديد، خان القضية الفلسفية»، واستسلم في نهاية المطاف للدين والكهنة الذين هددوه وأرعبوه، في ظل الملك الأصولي المتزمت فريدريك غيوم الثاني.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.