عائلة لبنانية تهتم باللاجئين السوريين والعراقيين في شارتر الفرنسية

لا أحد يحلم بالعودة... وأكبر نسبة لجوء كانت بين 2015 و2017

نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط)
عبد القادر خوجة
نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط) عبد القادر خوجة
TT

عائلة لبنانية تهتم باللاجئين السوريين والعراقيين في شارتر الفرنسية

نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط)
عبد القادر خوجة
نيلسون وجاكلين باحوط (الشرق الأوسط) عبد القادر خوجة

عندما هاجرت اللبنانية جاكلين باحوط إلى فرنسا، في نهاية الثمانينات من القرن الماضي؛ هرباً من الحرب في منطقة الأشرفية في شرق بيروت، وسعياً إلى تأمين مستقبل أفضل لأولادها، وعندما وافق زوجها نيسلون على فكرة الهجرة، لم يصادفا صعوبة في ترتيب إقامة العائلة، ومن ثم حصولها على الجنسية الفرنسية والاستقرار في مدينة شارتر القريبة من باريس. وعندما بدأت مأساة هرب السوريين والعراقيين من بلادهم وبحثهم عن أوطان بديلة، لم تكن ترتيبات عملية اللجوء بالسهولة ذاتها؛ لذا بدأ نيلسون وجاكلين باحوط رحلة مساعدة اللاجئين العرب في شارتر، وذلك بالصدفة قبل سبع سنوات، كما يقول نيلسون لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «قابلت عراقياً لا يجيد الفرنسية طلب مساعدتي للتفاهم مع الجهات الرسمية والخيرية التي تتولى ملف قبول لجوئه إلى فرنسا. بعد ذلك تطورت الأمور. واعتمد علينا (المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين والمبعدين Ofpra) في المدينة لتولي أمور الترجمة ومساعدة اللاجئين على التأقلم والاستقرار».
ويشير إلى أن «مشكلة اللاجئين الأولى هي اللغة، وجهلهم بها يسبب لهم الإحباط. في البداية نساعدهم بترجمة الأوراق الرسمية التي يتلقونها، ونرافقهم إلى صندوق المساعدة العائلية وإلحاق الأولاد بالمدارس. ومن ثم مساعدتهم للعمل في المدينة».

- «M. moi travail» وعقدة اللغة
ويروي نيلسون، أن «ناجي وهو عراقي لا يجيد الفرنسية ما حال دون حصوله على عمل. فألحقته بمؤسسة تساعد على التأقلم، وأرسلت له طلبات العمل إلى الشركات. وكان يذهب يومياً ليراجع. ويردد كلمتين حفظهما، هما: «moi - travail» أي «أنا عمل»، حتى صار يلقبه من يراجعهم «M. moi travail» وفعلاً حصل على وظيفة عامل نفايات». ويضيف أن «اللاجئين ولدى وصولهم إلى فرنسا يحسبون أن الدولة بانتظارهم مع كل ما يسهل حياتهم. لكنهم يعجزون حيال الإجراءات وكمية الأوراق التي يتلقونها كل شهر لتجديد المعلومات اللازمة أو تتوقف المساعدات التي يحصلون عليها. وبما أن أكثرية اللاجئين يعتمدون على المساعدات، يهدد جهلهم اللغة بانقطاع هذه المساعدات».
ويشير نيلسون إلى أن «أكثرية العراقيين هاجروا من سهل نينوى والموصل. وهربوا إلى دهوك في كردستان، ومنها حصلوا على فرصة اللجوء. وبعض السوريين هارب من النظام، وبعضهم الآخر مع النظام السوري، لكنه يريد تأمين الجنسية. وهناك من يملك المال ولا يضعه في المصارف ليتمكن من الاستمرار في الحصول على المساعدات. ومع الأسف، المرتاحون مادياً يأخذون من درب المحتاجين فعلياً». وشدد على أن «الأغلبية لديهم ما يكفي حتى لا يجوعوا، ولديهم المأوى وأولادهم في المدارس».
وتقول جاكلين لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد يحلم بالعودة إلى سوريا أو العراق. فاللاجئون يعرفون مستقبل أولادهم في فرنسا». وتضيف أن «أكبر نسبة للجوء كانت بين 2015 و2017، لتتوقف عام 2018، واليوم نشهد حالات فردية، لم نعد ننتظر باصات تقودهم إلى المدينة، كما كان يحصل في السابق. كما أن الجهات الفرنسية المختصة بدأت تتشدد حيال قبول اللاجئين».
نيلسون باحوط يتكلم بدوره عن «رجل رفض إجراء المقابلة، وصل إلى شارتر قبل أشهر وهو يحمل آثار عنف، وذلك بعد اعتقاله ودفع أهله مبلغ عشرة آلاف دولار لإطلاق سراحه. وبعد قبول طلبه للجوء إلى فرنسا، تم تحويله إلى الطبيب الذي صدم لدى رؤية ما خلفه التعذيب الذي خضع له، وصرخ: هل يمكن أن يقوم إنسان بهذه البربرية».

- اللجوء هرباً من الخدمة العسكرية
في منزل جاكلين ونيلسون المفتوح لكل من يطلب المساعدة، تحدثت «الشرق الأوسط» إلى شاب أصرّ على عدم ذكر اسمه لحماية أهله في دمشق. هو هارب من الخدمة العسكرية. قال: «أنهيت دراستي الجامعية، والتحقت بالخدمة العسكرية عام 2012، وتحديداً في مطار الرقة العسكري، الذي كان محاصراً من (الجيش السوري الحر) ومن ثم (جبهة النصرة). وبقيت كالأسير مع رفاقي في المطار ثلاث سنوات. وإذا لم يأت الطيران ويرمي لنا المؤونة من الطعام نجوع. رفضوا أن يسرحوني. وعندما تمكنت من الحصول على إجازة لمدة شهر، هربت واختفيت عن الأنظار بضعة أشهر، حتى تدبرت على طريقة للهرب كلفتني ثلاثة آلاف دولار. المهرّب زودني بأوراق ثبوتية مزورة ساعدتني لمغادرة دمشق إلى المناطق المحررة من النظام، ومنها إلى تركيا. استغرقت الرحلة يوماً كاملاً. بقيت في تركيا نحو ثلاث سنوات، كانت الأغرب في حياتي. عملت في معامل أحذية وفي مطاعم، وأينما سنحت لي الفرصة. نسيت إجازتي الجامعية. قدمت طلب لجوء إلى القنصلية الفرنسية في إسطنبول. وبعد المقابلة تمت الموافقة على طلبي بعد شهرين؛ لأن شقيقي طبيب في فرنسا، وقد كفلني. فأنا لا أملك أوراقاً ثبوتية ولا جواز سفر. خرجت من تركيا برخصة القيادة وشهادتي الجامعية فقط».
الشاب المتحفظ عن ذكر اسمه يجيد بعض الفرنسية ويجد صعوبات في التعامل مع المستندات؛ لذا لجأ إلى جاكلين ونيلسون باحوط لمساعدته. وهو يرغب في العودة إلى الجامعة للتخصص في المعلوماتية أو في الإرشاد الاجتماعي. ويعتبر أن النظام السوري ظالم والمعارضة فوضوية. ويقول: «هربت في التوقيت المناسب قبل وصول (داعش) إلى المطار. رفاقي الذين بقوا في المكان قُتلوا جميعهم».

- مواجهة الموت غرقاً
عبد القادر خوجة من حلب، لا تحفُّظ لديه لذكر اسمه ونشر صورته. يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «العد العكسي للحياة العادية التي كان يعيشها بدأ مع حصار حلب عام 2012. شهد فظائع كثيرة. عائلات لم تكن ضد النظام ما أن دخل جيشه مناطقها حتى تمت إبادتها. قرى بكاملها أُفرغت من سكانها». ويحكي عن «مندسين للنظام جنّدوا شباباً مقابل 500 دولار شهرياً للتجسس على (الجيش الحر) واللجان الشعبية واغتيال الكوادر».
يقول إنه «عاش ظروفاً حياتية صعبة، لكنه لم يكن يفكر في الهجرة من سوريا. اكتفى بالنزوح مع عائلته من منطقة إلى أخرى بين 2012 و2014. لكن بدأ (داعش) يقترب من المنطقة التي كان يقيم فيها في الريف الشمالي لحلب. اقتحم مقاتلو (داعش) القرية وقتلوا شقيقه واعتقلوا والده، حينها قرر النزوح إلى تركيا. لم يحسن دفن أخيه. كان يجب أن يهرب وإلا يموت. مسلحو (داعش) كانوا يتكلمون العربية الفصحى ويطاردون الرجال لقتلهم».
ويضيف: «أقمت في تركيا مع عائلتي لمدة سنتين. وكنت دائماً أخطط للرجوع إلى سوريا. عدت إلى أعزاز عام 2016؛ لأفتح سوبر ماركت. وبدأت العمل على المشروع. لكن (داعش) وصلت إلى المنطقة وبدأ الصراع بينها وبين الأكراد. خفت أن يتكرر السيناريو ذاته، عدت إلى تركيا مع عائلتي. عانيت صعوبات مالية. ولم أجد أمامي إلا الهجرة. لم يكن الأمر سهلاً عليّ لأهرب مع زوجتي وأولادي الثلاثة، كان عليّ تأمين نحو خمسة آلاف دولار للمهرّب، وأنا بالكاد أكسب رزقي. استدنت ما أستطيع واقترحت على المهرّب أن أقود القارب المطاطي لأخفف تكاليف السفر؛ على أساس أن من يقود القارب لا يدفع. كنّا 65 شخصاً في قارب طوله ثمانية أمتار وحالته متردية. صعدنا بُعيد منتصف الليل. وما أن ابتعدنا عن الشاطئ حتى تعطل القارب وثُقب وبدأت المياه تتسرب إلى داخله، وشرعت النساء بالصياح. كان علينا أن نصل إلى المياه الإقليمية اليونانية ليتولى خفر السواحل أمرنا. رأينا الموت بأعيننا، ولم نرَ خفر السواحل. لا أعرف كم بقينا نصارع الغرق، حتى تمكنّا من الوصول إلى البر. هناك تولت أمرنا السلطات المختصة ونقلتنا إلى مخيمات في ثكنة عسكرية مهجورة وسط غابة نائية مع الثعابين والعقارب. وبدأنا معاملات إعادة التوطين. وبعد ستة أشهر تم استدعائي إلى القنصلية الفرنسية في أثينا. وأجريت مقابلة مع المسؤول عن الهجرة، ثم أبلغت بقبول لجوئي مع عائلتي».
واليوم، بعد مضي عامين على وصوله إلى شارتر، يعمل عبد القادر في البناء. أولاده يتكلمون الفرنسية بطلاقة ويحسبون أنها لغتهم الأم ويستغربون كيف لا يفهم والدهم ما يقولون. يقول إنه لن يعود إلى سوريا إلا عندما يرحل بشار الأسد.


مقالات ذات صلة

ترمب يطلق العنان... موجة من الخطاب المعادي للصوماليين والمهاجرين

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يطلق العنان... موجة من الخطاب المعادي للصوماليين والمهاجرين

في ‌موجة من الخطاب المعادي للصوماليين، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس الخميس، الأميركيين من أصول صومالية، بأنهم يشكلون تهديداً لولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا عائلة أفغانية رُحّلت من إيران تستريح بجانب أمتعتها في مخيم للمهاجرين العائدين قرب معبر إسلام قلعة الحدودي بولاية هرات الأفغانية يوم 20 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

بدأت فرنسا محادثات مع حكومة «طالبان» لتسهيل ترحيل أفغان يقيمون بصورة غير نظامية إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا عناصر من الشرطة الوطنية يزيلون مخيماً للمهاجرين من شاطئ ترامبولين في سبتة (إ.ب.أ)

الشرطة الإسبانية تخلي مخيماً للمهاجرين في سبتة قبل زيارة ملكية

قالت الحكومة الإسبانية إن الشرطة أخلت اليوم (الأحد) مخيماً للمهاجرين على أحد شواطئ جيب سبتة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا الملك فيليبي (إ.ب.أ)

ملك إسبانيا يزور سبتة ومليلية

أعلن القصر الملكي الإسباني اليوم (الخميس)، أن الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا سيزوران سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا وقفة سابقة لـ«حراك مصراتة ضد التوطين» (من مقطع مصور بثّه الحراك عبر صفحته على مواقع التواصل)

مناهضو «توطين المهاجرين» في ليبيا يحشدون لترحيل «المخالفين»

يصعّد حراك مناهض لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا تحركاته بدعوة إلى التظاهر الجمعة في طرابلس للمطالبة بترحيل من دخلوا البلاد بصورة غير نظامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
TT

تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الرابع مع اتجاه القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتعزيز مواقعها في المناطق المطلة على مضيق باب المندب، بالتوازي مع استمرار التقدم في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، فيما تتواصل المواجهات مع الجماعة الحوثية في ريف تعز الجنوبي والجبهات المحيطة بمدينة تعز.

وفي حين أكدت القوات المسلحة اليمنية تحييد أكثر من 1800 عنصر حوثي خلال الساعات الماضية تشير إحصائيات الجيش إلى أن خسائر الحوثيين البشرية تناهز 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين جراء الضربات الجوية والبرية في مختلف الجبهات.

وأحكمت قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة والقوات المشتركة في الساعات الماضية، وفق الإعلام العسكري اليمني، سيطرتها على جبهة كهبوب، في تطور يعزز موقع القوات الحكومية في المرتفعات المشرفة على باب المندب، ويمنحها قدرة أكبر على تأمين هذا المحور الاستراتيجي، ضمن العمليات المتواصلة في الساحل الغربي.

وتزامن ذلك مع استمرار القوات الحكومية في التوغل داخل مديرية الوازعية إلى الشمال، حيث أسفرت المعارك عن السيطرة على مرتفعات حيوية وقطع خطوط إمداد للحوثيين باتجاه جبهات الساحل الغربي، في وقت وثقت فيه القوات الحكومية تقدماً ميدانياً في أكثر من محور بالمديرية.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال تقدمها في الساحل الغربي القريب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي مديرية ذوباب، واصلت قوات العمالقة الجنوبية تثبيت مواقعها والسيطرة على مناطق واسعة، بينما تصدت لهجوم حوثي على مواقعها في قطاع المطار، واستولت على آليات عسكرية استخدمتها الجماعة في الهجوم، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية.

وتسعى القوات الحكومية، من خلال هذه التحركات، إلى تأمين المناطق المحررة في الساحل الغربي وعزل ما تبقى من عناصر الجماعة الحوثية في محيط باب المندب، قبل التقدم نحو المخا، بالتزامن مع الضغط على خطوط إمداد الجماعة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها في المناطق القريبة من المضيق.

ضغوط في ريف تعز

في المقابل، دفعت الجماعة الحوثية بتحركات هجومية في ريف تعز الغربي والجنوبي، خصوصاً في محاور جبل حبشي والأقروض وجبل هان، في محاولة للضغط على مواقع القوات الحكومية بالتزامن مع التطورات المتسارعة في الساحل الغربي.

وخاضت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية معارك عنيفة في جبل حبشي والأقروض، كما تصدت لهجمات حوثية في محيط جبل هان غربي مدينة تعز، فيما نفذت وحدات القوة الصاروخية ضربات مركزة استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في منطقة الكدحة.

صور وزَّعها الحوثيون على عناصرهم في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه المواجهات في وقت تحاول فيه القوات الحكومية الحفاظ على المبادرة الميدانية التي فرضتها عملية «فجر اليمن»، ومنع الجماعة الحوثية من نقل ثقل عملياتها إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من تعز، أو إعادة فتح خطوط إمداد باتجاه الساحل.

وبالتوازي مع المعارك البرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2103 عمليات استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسفرت عن تحييد 1860 من عناصر الجماعة وتدمير مئات المعدات والعتاد والمواقع العسكرية، مشيراً إلى أن الاستهداف شمل تحركات الحوثيين وتحصيناتهم وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية.

تعبئة سياسية وعسكرية

وفي عدن حيث العاصمة المؤقتة اليمنية، عكست التحركات الرسمية اتجاهاً نحو رفع الجاهزية العسكرية والسياسية بالتوازي مع استمرار العملية. وشدد نائب رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء الركن أحمد البصر، سرعة استكمال إجراءات التعبئة العامة وتجهيز الألوية والوحدات العسكرية وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين مختلف التشكيلات.

عنصران من القوات الحكومية اليمنية بعد السيطرة على مواقع للحوثيين في جبهة الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وأكد البصر، خلال اجتماع للجنة المكلفة بتنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن خطة التعبئة العامة، ضرورة استكمال الاحتياجات البشرية والتدريبية واللوجستية للوحدات، بما يمكّنها من أداء مهامها، مع التشديد على المتابعة المستمرة وتسريع إجراءات التجهيز.

وعلى المستوى السياسي، وضع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية أمام مستجدات الأوضاع الميدانية والسياسية، مؤكداً أن إطلاق عملية «فجر اليمن» يمثل مرحلة جديدة في مسار استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير الأراضي اليمنية وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

وشدد رئيس مجلس القيادة، خلال اللقاء، على أن المعركة لا تقتصر على القوات المسلحة، داعياً إلى جبهة سياسية وشعبية وإعلامية متماسكة تساند مؤسسات الدولة، وترفع معنويات المواطنين والمقاتلين، وتواجه المعلومات المضللة.

تقديرات الجيش اليمني تشير إلى خسارة الحوثيين نحو 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين (رويترز)

وأكد العليمي أن العمليات العسكرية قد تشهد تقدماً في جبهة وتعقيدات مؤقتة في أخرى، لكن اتجاه الدولة وأهدافها لن تتغير، وقال إن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو أهدافها، وأن القوات المسلحة والأمن والمقاومة الشعبية ستواصل أداء واجبها حتى استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير البلاد.

وفي رسالة سياسية موازية، جدد العليمي إشادته بالدعم السعودي لمجلس القيادة والحكومة والشعب اليمني، وبإسناد المملكة للقوات الحكومية في معركة استعادة مؤسسات الدولة والأمن والاستقرار.


«طوارئ تعز» تعلّق التعليم في المناطق التي سيطر عليها الحوثيون

مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)
مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)
TT

«طوارئ تعز» تعلّق التعليم في المناطق التي سيطر عليها الحوثيون

مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)
مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)

علّقت لجنة الطوارئ في محافظة تعز اليمنية الدراسة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العامة والأهلية والخاصة في المديريات التي أصبحت تحت سيطرة الجماعة الحوثية، ومنحت الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية هناك إجازة مؤقتة، على خلفية الظروف الأمنية الاستثنائية التي تشهدها تلك المناطق.

وقالت اللجنة، في تعميم صدر الخميس، إن القرار جاء بعد تعذُّر انتظام الدراسة والعمل في عدد من المديريات، وحرصاً على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية والموظفين وحماية الأرواح والممتلكات، ومنع تعرُّض المدنيِّين للمخاطر في ظلِّ التطورات الأمنية المتسارعة.

ويقضي القرار بتعليق الدراسة في المؤسسات التعليمية المشمولة حتى إشعار آخر، واعتبار الطلاب والطالبات في إجازة رسمية طوال فترة التعليق، على أن يصدر إشعار باستئناف الدراسة والعمل عند زوال الظروف التي دفعت إلى اتخاذ الإجراءات.

صبي يمني يقشر البصل في إحدى أسواق مدينة تعز (أ.ف.ب)

وشمل القرار الموظفين العاملين في المديريات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، بمنحهم إجازة مؤقتة تبدأ من تاريخ صدور التعميم وتستمر حتى إشعار آخر، مع التأكيد على عدم المساس بمراكزهم القانونية أو الوظيفية.

استثناء الصحة والنظافة

استثنت لجنة الطوارئ في تعز من القرار العاملين في القطاعات التي تتطلب طبيعة أعمالها استمرار تقديم الحدِّ الأدنى من الخدمات للسكان، وفي مقدمتها الصحة والنظافة والمياه، وفق ما تقرِّره اللجنة والجهات المختصة.

كما حذَّرت الموظفين والعاملين في الجهاز الإداري للدولة في المناطق المشمولة من الاستجابة لأي دعوات لمباشرة أعمال أو تنفيذ مهام أو تكليفات تصدر عن الحوثيين، مؤكدة اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحق المخالفين.

الحوثيون يحشدون مزيداً من عناصرهم إلى جبهات تعز (إ.ب.أ)

ويأتي القرار في وقت تشهد فيه تعز تطورات ميدانية وأمنية انعكست على حركة السكان والخدمات العامة في المناطق التي انتقلت إلى سيطرة الجماعة، ما دفع السلطات المحلية إلى التعامل مع استمرار العمل والدراسة بوصفه جزءاً من المخاطر التي تستوجب إجراءات استثنائية.

كما دعت لجنة الطوارئ الجهات المعنية إلى تنفيذ القرار كل فيما يخصه، ورفع الحالات الخاصة والإشكالات التي قد تنشأ إلى اللجنة لمعالجتها وفقاً للقانون والظروف القائمة.

وتبرز الإجراءات الجديدة جانباً آخر من تداعيات المعارك في تعز، إذ لم تعد آثار التصعيد مقتصرة على خطوط المواجهة، وإنما امتدت إلى المؤسسات التعليمية والإدارية والخدمات اليومية للسكان في المناطق المتأثرة.

مطار عدن مستمر

في سياق التصعيد الأوسع، كانت الجماعة الحوثية قد استهدفت، الأربعاء، مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيَّين وطائرات مسيّرة مفخخة، وفق ما أعلنته السلطات اليمنية، في وقت كانت فيه رحلة مدنية تقترب من الهبوط، ما عرَّض المسافرين والطواقم والعاملين في المطار للخطر.

وأدانت وزارة الخارجية اليمنية الهجوم، وحمَّلت الحوثيِّين المسؤولية عنه، عادة استهداف المطار تصعيداً خطيراً يهدد سلامة الطيران المدني. ودعت مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات تحول دون تكرار مثل هذه الهجمات.

ورغم الهجوم، فإن الخطوط الجوية اليمنية أكدت استمرار رحلاتها وفق جدولها التشغيلي، مع اتخاذ إجراءات لاختيار المسارات الجوية الأكثر أمناً، وإجراء أي تعديلات تفرضها الظروف الأمنية.

وقال المتحدث باسم الشركة، حاتم الشعبي، إن الرحلات استمرَّت أمس (الأربعاء)، وفق الجدول التشغيلي، داعياً المسافرين إلى متابعة الإعلانات الرسمية والتأكد من حالة رحلاتهم قبل التوجه إلى المطار.


الأمم المتحدة تُحذّر من تفاقم الوضع الإنساني في تعز

لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)
لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تُحذّر من تفاقم الوضع الإنساني في تعز

لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)
لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)

حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني في محافظة تعز اليمنية، مع اتساع الهجمات الحوثية وحركة النزوح وتزايد القيود المفروضة على وصول المساعدات، بالتزامن مع استمرار إغلاق طرق رئيسية وضغوط متصاعدة على الخدمات والموارد المحدودة.

وذكرت الأمم المتحدة في تقرير حديث أن الطريق الشرقي المؤدي إلى مدينة تعز لا يزال مغلقاً، فيما أدّى قطع الطرق بين عدن وتعز إلى تعطيل أحد خطوط الإمداد الرئيسية القادمة من مستودعات عدن، ما يحدُّ من قدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى المتضررين والاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وتبرز تعز بوصفها المحافظة اليمنية الأكثر استقبالاً للنازحين حديثاً، إذ تستضيف أكثر من نصف الأسر التي اضطرت إلى الفرار من مناطقها منذ تصاعد القتال، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الخدمات والموارد المتاحة للسكان والنازحين على السواء.

ولا تقتصر الصعوبات على تدفق النازحين، إذ تواجه المنظمات الإنسانية عراقيل في إيصال المساعدات بسبب إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، فضلاً عن تأثير انقطاعات الاتصالات على عمليات التحقق من المستفيدين وصرف المساعدات النقدية.

آلاف الأسر في غرب تعز هربت من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

وتأتي هذه التطورات بينما تتسع موجة النزوح في أنحاء اليمن. ووفق أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح، نزح 180 ألفاً و312 شخصاً، أي نحو 30 ألفاً و52 أسرة، خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وأظهرت البيانات أن 96 في المائة من حالات النزوح سُجلت منذ 31 أغسطس، بالتزامن مع تصاعد حدة الأعمال القتالية.

ومع استمرار القتال، تتلقى آلية الاستجابة السريعة بلاغات عن نزوح ما بين 400 و700 أسرة جديدة يومياً، في حين تضطر أسر سبق أن نزحت من مناطقها إلى الفرار مرة أخرى من مواقع النزوح داخل تعز.

وتكشف هذه المعطيات عن اتساع ظاهرة النزوح المتكرر، إذ لا تجد بعض الأسر التي فرّت من مناطقها الأصلية أمامها فرصة للعودة، وإنما تضطر إلى البحث مجدداً عن أماكن أكثر أمناً، بما يزيد هشاشتها واحتياجاتها الإنسانية.

وتستضيف تعز 56 في المائة من إجمالي الأسر النازحة حديثاً، تليها لحج بنسبة 22 في المائة، وعدن بنسبة 11 في المائة، والحديدة بنسبة 3 في المائة.

وتعكس هذه النسب حجم الضغط الذي تتحمله المحافظات المستقبلة للنازحين، في ظل محدودية الموارد والقدرة على توفير الخدمات الأساسية.

أطفال بين الضحايا

ومع اتساع حركة النزوح، تتزايد الخسائر في صفوف المدنيين، ولا سيما الأطفال. وقال مكتب الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان إنه سجّل مقتل ما لا يقل عن 46 مدنياً منذ بداية التصعيد، بينهم 24 طفلاً، فيما أصيب أكثر من 130 آخرين، بينهم 84 من النساء والأطفال.

الفارون من جحيم الحوثيين لم يجدوا وقتاً لحمل أمتعتهم قبل النزوح (إعلام محلي)

وتظهر هذه الأرقام التكلفة البشرية للتصعيد في مناطق مكتظة بالمدنيين، في وقت يدفع فيه القتال مزيداً من الأسر إلى النزوح، ويرفع الاحتياجات الإنسانية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والنازحون.

وفي المقابل، لا تزال قدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى جميع المتضررين محدودة.

ووفق التقرير الأممي، تمكنت الجهات الإنسانية حتى الآن من تقديم المساعدة إلى 120 ألفاً و232 نازحاً، أي 17 ألفاً و176 أسرة، بما يعادل 57 في المائة من إجمالي الأسر النازحة.

فجوة الاستجابة

ولا تتوقف أزمة النازحين بسبب الهجمات الحوثية عند مغادرة المنازل، إذ يمتد أثر التصعيد إلى قدرة المنظومة الإنسانية نفسها على الوصول إليهم. فمع اتساع رقعة القتال، يزداد النزوح والطلب على المساعدات، فيما تؤدي القيود الأمنية واللوجستية إلى تقليص قدرة المنظمات على الاستجابة.

وتظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح أن نحو 64 في المائة من النازحين ظلّوا داخل محافظاتهم الأصلية، في حين اضطر 36 في المائة، أي نحو 64 ألفاً و20 شخصاً، إلى الانتقال إلى محافظات أخرى، خصوصاً من تعز والحديدة باتجاه لحج وعدن.

كما تدفع المعارك القريبة من مواقع النزوح القائمة عائلات سبق أن فرّت من مناطقها الأصلية إلى النزوح مرة أخرى، لتجد نفسها أمام مسار متكرر من الفرار من دون ضمانات بالعودة، في وقت تتراجع فيه قدرة الجهات الإنسانية على مواكبة الاحتياجات المتزايدة.

مخيم للفارين من الهجمات الحوثية في منطقة رأس عمران غرب مدينة عدن (أ.ب)

وتُقدم المعطيات الأممية صورة لأزمة تتداخل فيها 3 عوامل رئيسية؛ هي تصاعد القتال، واتساع حركة النزوح، وتراجع القدرة على الوصول الإنساني.

فخلال نحو شهرين، نزح أكثر من 180 ألف شخص، فيما تستقبل تعز وحدها 56 في المائة من الأسر النازحة حديثاً، وتتلقى فرق الاستجابة بلاغات عن مئات الأسر الجديدة يومياً.

وفي المقابل، لا تصل المساعدات إلا إلى 57 في المائة من الأسر النازحة، ما يبقي فجوة واسعة بين حجم الاحتياجات وقدرة الجهات الإنسانية على الاستجابة، مع استمرار تدفق النازحين وارتفاع الخسائر بين المدنيين.