حشد مليوني أمام قيادة الجيش السوداني لإكمال مطالب الثورة

6 مطالب لتصفية نظام البشير بينها حل {المؤتمر الوطني} وأذرعه العسكرية والاقتصادية

جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)
جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)
TT

حشد مليوني أمام قيادة الجيش السوداني لإكمال مطالب الثورة

جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)
جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)

احتشد أكثر من مليون شخص أمام قيادة الجيش السوداني بالخرطوم، وذلك بعد أسبوع على الإطاحة بالرئيس «المخلوع» عمر البشير بثورة شعبية، للمطالبة بتسريع تنفيذ المطالب الشعبية بتصفية النظام القديم ورموزه، وتكليف حكومة مدنية، وهيئة تشريعية، ومجلس رئاسي مدني.
وعزلت قيادة الجيش السوداني في 11 أبريل (نيسان) الحالي، الرئيس البشير، وذلك إثر اعتصام أكثر من مليون شخص أمام وزارة الدفاع والقيادة العامة استمر خمسة أيام، قبل أن يستجيب الجيش لطلب المعتصمين ويطيح البشير.
ومنذ صبيحة أمس بدأت حشود المنضمين للاعتصام، تتوافد على المكان في شكل أمواج بشرية هادرة، قوامها «مهنيون، وطلاب، وموظفون حكوميون، وعمال» كل يحمل لافتته التي تطالب بتصفية النظام الإنقاذي، وتسليم السلطة للمدنيين.
وقالت أحلام عبد العزيز ربة منزل في التاسعة والثلاثين من العمر، إنها أتت لدعم المعتصمين وللضغط على المجلس العسكري الانتقالي لتسريع تحقيق مطالب الثوار، وأضافت: «أنا سعيدة، عندما جاء البشير للحكم كان عمري تسع سنوات، وأفنى حكمه الديكتاتوري عمري الجميل»، وتابعت: «يا لها من سعادة أسبوع بكامله من دون إطلالة البشير التي كرهناها».
بينما قال أحمد موسى وهو أب في الخمسين، إنه فخور بأبنائه الذين شاركوا في المظاهرات والاحتجاجات التي أطاحت البشير، وتابع: «أنا فخور لأني ربيت أبنائي على حب السودان، لذلك فعلوا ما عجزنا عنه طوال ثلاثة عقود».
وتتلخص مطالب القوى السياسية السودانية، في 6 مطالب رئيسية، وهي تصفية النظام القديم ورموزه بما في ذلك حل المؤتمر الوطني الحاكم السابق وواجهاته الحربية والاقتصادية، وتكليف حكومة مدنية، وهيئة تشريعية، ومجلس رئاسي مدني، وهيكلة جهاز الأمن السوداني، ومحاربة الفساد وإصلاح الاقتصاد.
وأعد تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الحرية والتغيير، اللذان قادا الاحتجاجات، برنامجاً حافلاً على طوال «شارع الجيش»، تضمنت ندوات تتحدث عن الانتقال من المقاومة والمعارضة إلى بناء الدولة، وآليات استرداد النقابات، والعدالة والمحاسبة ومحاكمة رموز النظام واسترداد الأموال المنهوبة، والانتقال من الحرب للسلام والعدالة الانتقالية، إضافة إلى عروض فنية ورياضية.
واستولى الرئيس المخلوع عمر البشير البالغ من العمر 75 عاماً على السلطة بانقلاب عسكري مدعوم من جماعة الإخوان المسلمين بزعامة حسن الترابي في 30 يونيو (حزيران) 1989. وظل ينفذ برامج الجماعة طوال الثلاثة عقود الماضية، وفرض في سبيل ذلك ما أطلق عيه «سياسة التمكين»، ما حول الدولة السودانية لأداة من أدوات التنظيم الذي يحمل اسما سودانياً هو «الحركة الإسلامية».
وخلال حكم البشير عاشت البلاد عددا من الكوارث والنزاعات، أكبرها انفصال جنوب السودان، والحروب التي شنها في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وإشاعة القتل في كل أنحاء البلاد.
وبدأت المظاهرات التي أطاحت البشير في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، احتجاجاً على مضاعفة سعر الخبز، وندرة النقود والوقود، وارتفاع أسعار السلع الرئيسية، في كل من بورتسودان «شرق» وعطبرة «شمال».
لكن المظاهرات تحولت لحالة عامة وعمت معظم المدن السودانية، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، ورفعت شعارات سياسية تطالب بتنحية البشير وحكومته على الفور، وظلت هتافات «حرية سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب، وتسقط تسقط بس، وغيرها» تسمع في كل أنحاء البلاد.
وفي 6 أبريل الحالي، دعا تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الحرية والتغيير، إلى مظاهرة احتجاجية أمام قيادة الجيش وبالقرب من قصر الضيافة مقر البشير، شارك فيها مئات الآلاف، بادئ الأمر، ثم تحولت إلى اعتصام شارك فيه الملايين، استمر خمسة أيام، اضطرت على أثره قيادة القوات المسلحة «خلع البشير» وتكوين مجلس عسكري انتقالي بقيادة وزير الدفاع السابق عوض بن عوف.
لكن المعتصمين رفضوا ما سموه انقلاب ابن عوف، وطالبوا بتنحيته ورددوا هتافات مناوئة له من قبيل «لم تسقط بعد»، ما اضطر قيادة الجيش لتنحيته خلال أقل من يوم وتسمية المفتش العام للجيش عبد الفتاح البرهان قائداً عسكرياً انتقالياً.
وواصل المتظاهرون الاعتصام طوال الأسبوع الماضي، ولم تخل الساحات أمام القيادة العامة للجيش من المعتصمين، للمطالبة بحل المجلس العسكري الانتقالي وتسمية حكومة مدنية، وحاولت قيادة الجيش فضه لكنها لم تفلح.
وبعد مرور أسبوع من الاعتصام، قل عدد المعتصمين وخاصة ليلاً، لكن تجمع المهنيين دعا لحشد مليوني أمس، استجاب له أكثر من مليون شخص بحسب تقديرات ميدانية، معيداً بذلك الحيوية للاعتصام، فيما يتوقع أن تستجيب أعداد مثيلة اليوم لأداء صلاة الجمعة في مكان الاعتصام.
وينتظر أن يزيد موكب أمس الخميس المليوني الضغط على المجلس العسكري الانتقالي من جهة، وعلى قوى المعارضة من الجهة الأخرى لتسريع تصفية نظام البشير، وتكوين حكومة مدنية ومجلس تشريعي متوافق عليه.
ويتمسك المتظاهرون بالبقاء في موقعهم إلى حين تصفية النظام القديم، وقال عمر أحمد، وهو شاب في الثامنة عشرة تعرض للاعتقال والتعذيب والمحاكمة لدى محاكم الطوارئ، إنه لن يغادر مكان الاعتصام قبل محاسبة الذين اعتدوا عليهم، وتكوين حكومة مدنية.
وكان تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير قد طالبوا باكراً بتكوين مجلس عسكري مدني مشترك، بيد أن قيادة الجيش شكلت «مجلساً عسكرياً» مكوناً من قادة يعدون من رموز النظام القديم، ومقابل ذلك طالبوا بـ«مجلس سيادي» مدني بتمثيل للقوات المسلحة.
ونقلت «الشرق الأوسط» عن القيادي بتجمع المهنيين محمد ناجي الأصم قوله، إن تحالف المعارض يطالب بحل المجلس العسكري الانتقالي، وتشكيل مجلس تشريعي مدني يمثَّل فيه العسكريون، وهو المطلب الذي يؤيده المعتصمون الذين دأبوا على الهتاف: «لم تسقط بعد».
ولم ينس متظاهرون ومعتصمون حملة القمع العنيفة التي واجهتهم بها سلطات نظام البشير وميليشياته وأجهزته الأمنية، وأدت لمقتل أكثر من 60 شخصاً، وجرح وإصابة المئات، فضلاً عن آلاف الأشخاص الذين اعتقلوا أو قدموا لمحاكم الطوارئ.
ولم تقنع القرارات التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي أعداداً كبيرة من المتظاهرين، ولم يرضهم اعتقال البشير وأشقائه، وعدد من رموز حكمه، وأبرزهم نائباه السابقان علي عثمان محمد طه وبكري حسن صالح، ومساعداه أحمد هارون وفيصل إبراهيم، وبدوا مشككين في صدقية الاعتقال، وطالبوا بكشف مكان اعتقالهم.
من جهته، قال علي إبراهيم البالغ من العمر ستين عاماً: «لن نغادر الميدان، ولن نكرر تجربة ثورة أبريل 1985، فبعد أن أسقطنا نظام النميري عدنا لبيوتنا، فأجهض المجلس العسكري الثورة»، وتابع: «نرفع الاعتصام بشرط واحد، تحقيق مطالبنا بمحاسبة النظام المخلوع ورموزه، واستعادة الدولة من (الكيزان)، وتسليم السلطة لحكومة مدنية بصلاحيات كاملة».
وتزامناً مع اعتصام الخرطوم، خرجت مظاهرات ومواكب في عدد من مدن السودان، اتجهت كلها لمقرات الجيش في تلك المدن، وشملت شمال كردفان مواكب للمعلمين والمحامين، فيما شهدت ولاية النيل مواكب مشابهة، ومثلها الفاشر في الغرب وبورتسودان في الشرق.
من جهة أخرى، تضاربت الروايات حول مصير البشير، فبعد أن أعلن المجلس العسكري الانتقالي أنه موضوع في الإقامة الجبرية في مكان آمن لم يسمه، أثير أمس أن الرجل الذي أدخل آلاف السودانيين سجن كوبر الشهير نقل إليه.
لكن مصدرا من «أسرة البشير» أكد لـ«الشرق الأوسط» أن قرار نقل البشير إلى السجن الشهير اتخذ أول من أمس، لكن الرجل لم ينقل إلى السجن إلاّ صبيحة أمس، ليلحق بأخويه «عبد الله والعباس» اللذين أعلن المجلس العسكري الانتقالي القبض عليهما.
ونقل موقع «باج نيوز» السوداني عن إدارة «سجن كوبر» أن أفضل «زنزانة» في السجن أفرغت من أجل الرئيس البشير، وبحسب الموقع فإن الغرفة التي أعدت للبشير، اعتقل فيها من قبل زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي، ومدير الدائرة السياسية الأسبق بجهاز الأمن عبد الغفار الشريف، وأنها ظلت طوال التاريخ محبساً للشخصيات البارزة التي يتم القبض عليها لأسباب سياسية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.