إبن عوف يتنحى عن رئاسة {العسكري}... والانقلابيون يرفضون تسليم البشير لـ{الجنائية}

مئات الآلاف يتحدون الحظر والطوارئ ويواصلون الاعتصام... وتجمع المهنيين لـ «الشرق الأوسط»: نتحاور مع المؤسسة العسكرية وليس مع المجلس الانقلابي

معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)
معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)
TT

إبن عوف يتنحى عن رئاسة {العسكري}... والانقلابيون يرفضون تسليم البشير لـ{الجنائية}

معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)
معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)

أدت ضغوط الشارع السوداني أمس إلى إطاحة رئيس المجلس العسكري الفريق أول عوض بن عوف، من رئاسة المجلس وتعيين المفتّش العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في محله، وذلك بعد يوم من إطاحة رئيس الجمهورية عمر البشير. كما أقال المجلس الفريق أول كمال عبد المعروف، نائب رئيس المجلس.
ولقي البرهان قبولاً داخل أوساط القوات المسلحة والمعتصمين، فيما عد «تجمع المهنيين» الذي يقود الحراك هذه الخطوة «انتصاراً لإرادة الجماهير»، لكنه دعا في ذات الوقت المحتجين إلى مواصلة اعتصامهم أمام مقر الجيش إلى حين إشعار آخر.
وقبل هذه الخطوة واصل السودانيون اعتصامهم في ساحة القيادة العامة للجيش مطالبين بذهاب العسكريين الذين تسلموا مقاليد الحكم، برغم إعلان رغبتهم بتكوين «حكومة مدنية» من المعارضة والثوار المعتصمين. وقطع المجلس العسكري بعدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية، التي جددت المطالبة بتسليمه فور الإطاحة به، وأثناء ذلك فاجأ قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) المراقبين باعتذاره عن قبول عضوية المجلس العسكري الانتقالي الجديد بعد ترشيحه له.
وتوافد عشرات الآلاف من كل أنحاء العاصمة، والمدن القريبة لأداء صلاة الجمعة في ساحة الاعتصام، ترحماً على أرواح «الشهداء» الذين لقوا حتفهم برصاص أجهزة الأمن خلال المظاهرات والاحتجاجات المستمر ة في البلاد منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018. ملبين دعوة تجمع «المهنيين السودانيين» وفي تحد للمجلس العسكري.
وحمل المحتجون شعارات مناهضة للقيادة العسكرية الجديدة، وهتفوا مطالبين العسكر بالتنحي.
وتضخمت أعدادهم بعد الظهر، وقدرت بنحو مليون متظاهر. ولم تفلح حالة الطوارئ وحظر التجول الليلي التي فرضها «مجلس الانقلاب» في تفريق الاعتصام الليلة قبل الماضية. وتوسد عشرات الآلاف الثرى في المكان نفسه، وقالوا إن بيان الانقلاب «أحبط» ثورتهم، فيما زادت الأعداد بعد منتصف النهار، وتحول المكان لمنتدى سياسي وثقافي، تخللته الهتافات والرقصات التعبيرية، وتناول الأطعمة والأشربة التي تأتي للمكان من قبل الداعمين.
وقال أحد المعتصمين لـ«الشرق الأوسط»، إنهم سيواصلون الليل بالنهار لحين إسقاط «المجلس العسكري الانتقالي» وتكوين «حكومة مدنية»، وأضاف: «مثلما أسقطنا البشير سنسقط بن عوف»، وتابع: «منذ أمس خرقنا حظر التجول، وسيتواصل اعتصامنا حتى تكوين حكومة انتقالية مدنية». وأثناء ذلك تردد في سماء المكان هتاف: «ما بنبدل (كوز بكوز)... سقطت أول تسقط تاني».
من جهته، قال رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري الانتقالي الفريق أول ركن عمر زين العابدين في مؤتمر صحافي بالخرطوم أمس، (سبق تنحي ابن عوف) إن قادة المعارضة والشباب المعتصمين هم من يشكلون الحكومة المدنية، وأضاف: «ستكون حكومة مدنية، وسنبقى بعيدين ولن نتدخل في تكوينها، ولن نقدم أسماء للحكومة»، بيد أنه عاد ليقول: «سيكون وزير الدفاع من القوات المسلحة، والمجلس سيشارك في اختيار وزير الداخلية» باعتبارهما وزارات سيادية.
وأعلن زين العابدين عن إجراء حوار مع كل القوى السياسية، بما فيها الحركات المسلحة، يهدف لتهيئة المناخ للتبادل السلمي للسلطة، وقال: «سيكون علينا إدارة حوار مع الكيانات السياسيات، ولتسمع منّا ما تتوق إليه لتهيئة مناخ الحوار، وتحقيق ما نصبوا إليه جميعاً».
وقطع زين العابدين بعدم «حل حزب المؤتمر الوطني» الذي كان يحكم البلاد، بقوله: «لن نقصي أحداً، ما دام يمارس ممارسة راشدة»، لكنه نفى للصحافيين مشاركته في الحوار المزمع، وتابع: «لم ندعه للحوار، فقد كان مسؤولاً عن كل ما حدث في البلاد، فكيف ندعوه ونقول له تعال، لو كنت أريد حوارك كان عملت عليك تغيير». وشدد زين العابدين على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار واعتبارهما أولوية مطلقة، وقال: «مهمة المجلس تقتضي حسم الفوضى»، وذلك في تلميح لاستمرار الاعتصام وإغلاق الطرقات، بيد أنه أضاف: «لكن سنجلس مع المحتجين في الأرض وعلى النجيل لنسمع منهم ويسمعوا منا، فنحن جئنا استجابة لمطالبهم».
وفي تفسيره لانقلاب مجلسه على البشير، قال زين العابدين إن لجنة أمنية عليا برئاسة وزير الدفاع تم تكوينها عند بدء الاحتجاجات والاعتصامات، مهمتها الوصول لحلول ترضي طموحات المعتصمين مع المحتجين، بيد أنها اصطدمت بأن نظام البشير لا يملك سوى «رؤية أمنية» بحتة لمواجهتها.
وأضاف: «قلنا لهم بأن القضية بحاجة لحلول شاملة، وحين وصلنا لطريق مسدود، قررت اللجنة إحداث تغيير في السودان».
وقطع بأن مهمة اللجنة «حفظ أمن واستقرار البلاد»، وتابع: «لكن لن نسمح بأي عبث في أي بقعة»، وأضاف: «ليست لدينا حلول جاهزة، الحلول تدار من قبل المعتصمين والمحتجين، وهم من يحددون الأفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي». وبشأن الاتهامات للمجلس العسكري بأنه محسوب على الإسلاميين، قال زين العابدين: «ليست لنا أي آيديولوجيا، نحن أبناء المؤسسة العسكرية والمنظومة الأمنية، نسعى لترتيب تداول سلمي للسلطة، وغير طامعين فيها». وأوضح أن مجلسه جاء ليحمي مطالب المحتجين والمعتصمين بالتوافق والإجماع مع الكيانات السياسية، وقال: «ليس لدينا ما نمليه على الناس، مهمة المجلس العسكري الأساسية هي حفظ السودان، وإدارة الحوار بطريقة حضارية وسلمية، وتحقيق آمال وتطلعات الشعب»، وأضاف: «نحن حرّاس هذه الآمال ونعمل بيد واحدة، ولسنا واقفين قبالة مطالب الناس، بل نحن جزء منها».
وأبدى زين العابدين مرونة لافتة بشأن قرار مجلسه بتعليق الدستور، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وقال: «لو رأت الكيانات السياسية رفع التعليق سنفعل».
وجدد الفريق أول زين العابدين التأكيد على أن الاعتقالات التي طالت رموز حكومة البشير حقيقية، وقال إن كل الأسماء التي يتم تداولها حقيقية، وقال: «كل الرموز التي كانت تدير الأمر وجهنا بالتحفظ عليها، وأوجه اللجنة الأمنية نشر كل أسماء الذين تم التحفظ عليهم».
وتعهد بمحاربة الفساد، ومحاكمة كل من ثبت فساده، وقال: «جئنا من أجل محاربة الفساد، وهي واحدة من مهامنا الأساسية، وبالترتيب مع إخوتنا في الحوار سنقفل صندوق الفساد، وأي شخص ثبت فساده سنحاكمه بدون فوضى، لأن العدالة مطلوبة ونحن نتمسك بشعارات الاحتجاجات حرية سلام وعدالة». وقطع المجلس العسكري بعدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية، التي جددت المطالبة بتسليمه فور الإطاحة به، مجدداً تأكيد احتجازه في مكان لم يكشف النقاب عنه، هو ورموز النظام السابق، وقال: «كمجلس عسكري لن نسلّم الرئيس في فترتنا إلى الخارج، نحاكمه بحسب قيمنا، ولن نسلم سودانيا، أما من يأتي بعدنا يحدد ما يراه مناسباً».
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 2009 مذكرة قبض ضد الرئيس البشير على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومذكرة قبض أخرى ضده في 2010 بتهمة الإبادة الجماعية في إقليم دارفور بغربي البلاد.
وعشية الإطاحة به، طلبت منظمة العفو الدولية تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، باعتباره ملاحقاً بتهم تعد من أبشع انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الحديث.
من جهة أخرى، أكد المتحدث باسم تجمع المهنيين رشيد سعيد لـ«الشرق الأوسط»، رفض التجمع دعوات المجلس العسكري التي أطلقها أمس، قائلاً: «نحن مبدئياً لا نعترف بهذا المجلس العسكري لأنه جاء نتيجة انقلاب عسكري». وأضاف: «إذا أراد الحوار عليه أن يوقف أوامر القتل الذي ما زال مستمراً». وقال إن «المجلس العسكري تم تشكيله من اللجنة الأمنية العليا التي كان شكلها الرئيس المخلوع عمر البشير واستولت على السلطة دون إجراء مشاورات». وأضاف: «قادة المجلس ارتكبوا أخطاء وعليهم التراجع عن كل الإجراءات التي قاموا بها، لا يمكن أن يصادروا إرادة الشعب». بيد أنه قال إن تجمع المهنيين رفض الحوار مع النظام السابق بسبب غياب المناخ المناسب، وتابع: «أغلقنا الباب أمام المجلس العسكري لأنه يمثل اللجنة الأمنية ولم نغلقه أمام المؤسسة العسكرية وننتظر ردها».
وفي تطور لافت، اعتذر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي» عن قبول عضوية المجلس العسكري الانتقالي، بعد ترشيحه له، وقال وفقاً لبيان نشره على صفحة القوات المثيرة للجدل: «البلاد تمر بمرحلة دقيقة تاريخية وصعبة، تحتاج منا لعمل مشترك تحت مظلة القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى كجهة قومية». وتعهد حميدتي بأن تظل قواته منحازة لخيارات الشعب السوداني بكافة أطيافه، وقال: «أود أن أعلن لعامة الشعب السوداني، أني كقائد لقوات الدعم السريع قد اعتذرت عن المشاركة في المجلس العسكري، منذ يوم 11-4-2019». وتعهد حميدتي بالبقاء جزءًا من القوات المسلحة، والعمل لوحدة البلاد، واحترام حقوق الإنسان وحماية الشعب السوداني، جاء ذلك بعد وقت قصير من إعلان المجلس العسكري الانتقالي أن الرجل سيكون عضوا فيه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.