إبن عوف يتنحى عن رئاسة {العسكري}... والانقلابيون يرفضون تسليم البشير لـ{الجنائية}

مئات الآلاف يتحدون الحظر والطوارئ ويواصلون الاعتصام... وتجمع المهنيين لـ «الشرق الأوسط»: نتحاور مع المؤسسة العسكرية وليس مع المجلس الانقلابي

معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)
معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)
TT

إبن عوف يتنحى عن رئاسة {العسكري}... والانقلابيون يرفضون تسليم البشير لـ{الجنائية}

معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)
معتصمون سودانيون يؤدون صلاة الجمعة أمام مقر قيادة الجيش (أ. ف. ب)

أدت ضغوط الشارع السوداني أمس إلى إطاحة رئيس المجلس العسكري الفريق أول عوض بن عوف، من رئاسة المجلس وتعيين المفتّش العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في محله، وذلك بعد يوم من إطاحة رئيس الجمهورية عمر البشير. كما أقال المجلس الفريق أول كمال عبد المعروف، نائب رئيس المجلس.
ولقي البرهان قبولاً داخل أوساط القوات المسلحة والمعتصمين، فيما عد «تجمع المهنيين» الذي يقود الحراك هذه الخطوة «انتصاراً لإرادة الجماهير»، لكنه دعا في ذات الوقت المحتجين إلى مواصلة اعتصامهم أمام مقر الجيش إلى حين إشعار آخر.
وقبل هذه الخطوة واصل السودانيون اعتصامهم في ساحة القيادة العامة للجيش مطالبين بذهاب العسكريين الذين تسلموا مقاليد الحكم، برغم إعلان رغبتهم بتكوين «حكومة مدنية» من المعارضة والثوار المعتصمين. وقطع المجلس العسكري بعدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية، التي جددت المطالبة بتسليمه فور الإطاحة به، وأثناء ذلك فاجأ قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) المراقبين باعتذاره عن قبول عضوية المجلس العسكري الانتقالي الجديد بعد ترشيحه له.
وتوافد عشرات الآلاف من كل أنحاء العاصمة، والمدن القريبة لأداء صلاة الجمعة في ساحة الاعتصام، ترحماً على أرواح «الشهداء» الذين لقوا حتفهم برصاص أجهزة الأمن خلال المظاهرات والاحتجاجات المستمر ة في البلاد منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018. ملبين دعوة تجمع «المهنيين السودانيين» وفي تحد للمجلس العسكري.
وحمل المحتجون شعارات مناهضة للقيادة العسكرية الجديدة، وهتفوا مطالبين العسكر بالتنحي.
وتضخمت أعدادهم بعد الظهر، وقدرت بنحو مليون متظاهر. ولم تفلح حالة الطوارئ وحظر التجول الليلي التي فرضها «مجلس الانقلاب» في تفريق الاعتصام الليلة قبل الماضية. وتوسد عشرات الآلاف الثرى في المكان نفسه، وقالوا إن بيان الانقلاب «أحبط» ثورتهم، فيما زادت الأعداد بعد منتصف النهار، وتحول المكان لمنتدى سياسي وثقافي، تخللته الهتافات والرقصات التعبيرية، وتناول الأطعمة والأشربة التي تأتي للمكان من قبل الداعمين.
وقال أحد المعتصمين لـ«الشرق الأوسط»، إنهم سيواصلون الليل بالنهار لحين إسقاط «المجلس العسكري الانتقالي» وتكوين «حكومة مدنية»، وأضاف: «مثلما أسقطنا البشير سنسقط بن عوف»، وتابع: «منذ أمس خرقنا حظر التجول، وسيتواصل اعتصامنا حتى تكوين حكومة انتقالية مدنية». وأثناء ذلك تردد في سماء المكان هتاف: «ما بنبدل (كوز بكوز)... سقطت أول تسقط تاني».
من جهته، قال رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري الانتقالي الفريق أول ركن عمر زين العابدين في مؤتمر صحافي بالخرطوم أمس، (سبق تنحي ابن عوف) إن قادة المعارضة والشباب المعتصمين هم من يشكلون الحكومة المدنية، وأضاف: «ستكون حكومة مدنية، وسنبقى بعيدين ولن نتدخل في تكوينها، ولن نقدم أسماء للحكومة»، بيد أنه عاد ليقول: «سيكون وزير الدفاع من القوات المسلحة، والمجلس سيشارك في اختيار وزير الداخلية» باعتبارهما وزارات سيادية.
وأعلن زين العابدين عن إجراء حوار مع كل القوى السياسية، بما فيها الحركات المسلحة، يهدف لتهيئة المناخ للتبادل السلمي للسلطة، وقال: «سيكون علينا إدارة حوار مع الكيانات السياسيات، ولتسمع منّا ما تتوق إليه لتهيئة مناخ الحوار، وتحقيق ما نصبوا إليه جميعاً».
وقطع زين العابدين بعدم «حل حزب المؤتمر الوطني» الذي كان يحكم البلاد، بقوله: «لن نقصي أحداً، ما دام يمارس ممارسة راشدة»، لكنه نفى للصحافيين مشاركته في الحوار المزمع، وتابع: «لم ندعه للحوار، فقد كان مسؤولاً عن كل ما حدث في البلاد، فكيف ندعوه ونقول له تعال، لو كنت أريد حوارك كان عملت عليك تغيير». وشدد زين العابدين على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار واعتبارهما أولوية مطلقة، وقال: «مهمة المجلس تقتضي حسم الفوضى»، وذلك في تلميح لاستمرار الاعتصام وإغلاق الطرقات، بيد أنه أضاف: «لكن سنجلس مع المحتجين في الأرض وعلى النجيل لنسمع منهم ويسمعوا منا، فنحن جئنا استجابة لمطالبهم».
وفي تفسيره لانقلاب مجلسه على البشير، قال زين العابدين إن لجنة أمنية عليا برئاسة وزير الدفاع تم تكوينها عند بدء الاحتجاجات والاعتصامات، مهمتها الوصول لحلول ترضي طموحات المعتصمين مع المحتجين، بيد أنها اصطدمت بأن نظام البشير لا يملك سوى «رؤية أمنية» بحتة لمواجهتها.
وأضاف: «قلنا لهم بأن القضية بحاجة لحلول شاملة، وحين وصلنا لطريق مسدود، قررت اللجنة إحداث تغيير في السودان».
وقطع بأن مهمة اللجنة «حفظ أمن واستقرار البلاد»، وتابع: «لكن لن نسمح بأي عبث في أي بقعة»، وأضاف: «ليست لدينا حلول جاهزة، الحلول تدار من قبل المعتصمين والمحتجين، وهم من يحددون الأفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي». وبشأن الاتهامات للمجلس العسكري بأنه محسوب على الإسلاميين، قال زين العابدين: «ليست لنا أي آيديولوجيا، نحن أبناء المؤسسة العسكرية والمنظومة الأمنية، نسعى لترتيب تداول سلمي للسلطة، وغير طامعين فيها». وأوضح أن مجلسه جاء ليحمي مطالب المحتجين والمعتصمين بالتوافق والإجماع مع الكيانات السياسية، وقال: «ليس لدينا ما نمليه على الناس، مهمة المجلس العسكري الأساسية هي حفظ السودان، وإدارة الحوار بطريقة حضارية وسلمية، وتحقيق آمال وتطلعات الشعب»، وأضاف: «نحن حرّاس هذه الآمال ونعمل بيد واحدة، ولسنا واقفين قبالة مطالب الناس، بل نحن جزء منها».
وأبدى زين العابدين مرونة لافتة بشأن قرار مجلسه بتعليق الدستور، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وقال: «لو رأت الكيانات السياسية رفع التعليق سنفعل».
وجدد الفريق أول زين العابدين التأكيد على أن الاعتقالات التي طالت رموز حكومة البشير حقيقية، وقال إن كل الأسماء التي يتم تداولها حقيقية، وقال: «كل الرموز التي كانت تدير الأمر وجهنا بالتحفظ عليها، وأوجه اللجنة الأمنية نشر كل أسماء الذين تم التحفظ عليهم».
وتعهد بمحاربة الفساد، ومحاكمة كل من ثبت فساده، وقال: «جئنا من أجل محاربة الفساد، وهي واحدة من مهامنا الأساسية، وبالترتيب مع إخوتنا في الحوار سنقفل صندوق الفساد، وأي شخص ثبت فساده سنحاكمه بدون فوضى، لأن العدالة مطلوبة ونحن نتمسك بشعارات الاحتجاجات حرية سلام وعدالة». وقطع المجلس العسكري بعدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية، التي جددت المطالبة بتسليمه فور الإطاحة به، مجدداً تأكيد احتجازه في مكان لم يكشف النقاب عنه، هو ورموز النظام السابق، وقال: «كمجلس عسكري لن نسلّم الرئيس في فترتنا إلى الخارج، نحاكمه بحسب قيمنا، ولن نسلم سودانيا، أما من يأتي بعدنا يحدد ما يراه مناسباً».
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 2009 مذكرة قبض ضد الرئيس البشير على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومذكرة قبض أخرى ضده في 2010 بتهمة الإبادة الجماعية في إقليم دارفور بغربي البلاد.
وعشية الإطاحة به، طلبت منظمة العفو الدولية تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، باعتباره ملاحقاً بتهم تعد من أبشع انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الحديث.
من جهة أخرى، أكد المتحدث باسم تجمع المهنيين رشيد سعيد لـ«الشرق الأوسط»، رفض التجمع دعوات المجلس العسكري التي أطلقها أمس، قائلاً: «نحن مبدئياً لا نعترف بهذا المجلس العسكري لأنه جاء نتيجة انقلاب عسكري». وأضاف: «إذا أراد الحوار عليه أن يوقف أوامر القتل الذي ما زال مستمراً». وقال إن «المجلس العسكري تم تشكيله من اللجنة الأمنية العليا التي كان شكلها الرئيس المخلوع عمر البشير واستولت على السلطة دون إجراء مشاورات». وأضاف: «قادة المجلس ارتكبوا أخطاء وعليهم التراجع عن كل الإجراءات التي قاموا بها، لا يمكن أن يصادروا إرادة الشعب». بيد أنه قال إن تجمع المهنيين رفض الحوار مع النظام السابق بسبب غياب المناخ المناسب، وتابع: «أغلقنا الباب أمام المجلس العسكري لأنه يمثل اللجنة الأمنية ولم نغلقه أمام المؤسسة العسكرية وننتظر ردها».
وفي تطور لافت، اعتذر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي» عن قبول عضوية المجلس العسكري الانتقالي، بعد ترشيحه له، وقال وفقاً لبيان نشره على صفحة القوات المثيرة للجدل: «البلاد تمر بمرحلة دقيقة تاريخية وصعبة، تحتاج منا لعمل مشترك تحت مظلة القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى كجهة قومية». وتعهد حميدتي بأن تظل قواته منحازة لخيارات الشعب السوداني بكافة أطيافه، وقال: «أود أن أعلن لعامة الشعب السوداني، أني كقائد لقوات الدعم السريع قد اعتذرت عن المشاركة في المجلس العسكري، منذ يوم 11-4-2019». وتعهد حميدتي بالبقاء جزءًا من القوات المسلحة، والعمل لوحدة البلاد، واحترام حقوق الإنسان وحماية الشعب السوداني، جاء ذلك بعد وقت قصير من إعلان المجلس العسكري الانتقالي أن الرجل سيكون عضوا فيه.



مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.


مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

وقالت وزارة الداخلية المصرية في بيان مقتضب، الأحد، إنه «لا صحة لما تم تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول ما يتردد عن ملاحقة مخالفي شروط الإقامة بالبلاد.

وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أخبار ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن أجهزة الأمن المصرية تنفِّذ حملات مطاردة للسوريين الموجودين بمصر، وتضبطهم وترحلهم، فضلاً عن منع دخول السوريين للبلاد. وتسببت تلك الأنباء في حالة من الجدل الواسع.

إلا أن رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر»، تيسير النجار، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن أصدرت السلطات المصرية تنبيهات عدة للسوريين الموجودين بمصر بضرورة تقنين أوضاعهم، بدأت الشرطة في تنفيذ حملات تدقيق ضد غير الملتزمين. وهذا حق سيادي مصري باتخاذ اللازم ضد مخالفي القوانين؛ سواء أكانوا سوريين أم غيرهم، وترحيلهم من البلاد، بينما يتمتع الملتزمون بحقوقهم كاملة».

وأضاف النجار: «السلطات المصرية أيضاً أعطت تسهيلات تتمثل في إعفاء راغبي المغادرة من غرامات مخالفة الإقامة، وسافر فعلاً عدد ضخم من السوريين وعادوا إلى سوريا، وهناك آخرون يفكرون في السفر، ولكن بعضهم تهدمت منازلهم في سوريا خلال الحرب، ويعملون على إعادة بنائها»، موضحاً: «نبذل جهوداً مع السلطات المصرية للسماح لهم بالبقاء لحين ترتيب أوضاعهم في سوريا، ووقتها سيغادرون».

وقال رئيس الجالية السورية بمصر سابقاً، راسم الأتاسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن «حملة تدقيق بدأتها السلطات المصرية منذ أول العام الجاري»، ووقتها غادر إلى سوريا، وحالياً يتلقى اتصالات كثيرة من سوريين في مصر يطالبون بالتدخل لدى السلطات، للسماح لهم بالبقاء حتى ترتيب أوضاعهم.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

وقدَّر رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر»، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون شخص، يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى الاتحاد، باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال «الملتقى الاقتصادي السوري- المصري»، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعام 2024، وضعت السلطات المصرية اشتراطات لدخول السوريين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على موافقة أمنية مسبقة، إلى جانب تأشيرة الدخول، وغيرها من الاشتراطات، مثل ضرورة الحصول على الموافقة على فتح مطاعم أو شركات سورية في مصر.

من جانبه، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد: «نتابع ببالغ الاهتمام أوضاع المواطنين السوريين في مصر، ومنذ مطلع العام، أجرينا لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه أهلنا هناك».

وأضاف عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس»: «وجَّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدَّمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر. حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب ستبقى دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي».


مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».