56 قتيلاً في معركة طرابلس... والجيش يراهن على تأييد السكان

البعثة الأوروبية تغادر بحراً إلى تونس وسط تزايد ارتفاع عدد النازحين

مسلح تابع للسراج في جنوب طرابلس أمس (أ.ف.ب)
مسلح تابع للسراج في جنوب طرابلس أمس (أ.ف.ب)
TT

56 قتيلاً في معركة طرابلس... والجيش يراهن على تأييد السكان

مسلح تابع للسراج في جنوب طرابلس أمس (أ.ف.ب)
مسلح تابع للسراج في جنوب طرابلس أمس (أ.ف.ب)

وسط عجز مجلس الأمن الدولي، وانقسام الاتحاد الأوروبي حول العملية العسكرية التي أطلقها المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، لـ«تحرير» العاصمة طرابلس، تصاعدت حدة المعارك، أمس، بين قوات الجيش، والقوات الموالية لحكومة «الوفاق الوطني» التي يترأسها فائز السراج، ما أسفر عن مقتل 56 شخصاً، وإجبار آلاف آخرين على النزوح من ديارهم في العاصمة، على مدى الأسبوع المنصرم، بحسب بيان لمنظمة الصحة العالمية، أمس.
وانتقد السراج في رسالة وجّهها إلى كريستوف هيوسغن، رئيس مجلس الأمن الدولي، «فشل المجلس في إصدار أي قرار يدين عملية (تحرير) طرابلس»، مشيراً إلى أنه «حذر من تطور الأوضاع في ليبيا إلى وضع تصعب السيطرة عليه بسبب إصرار بعض الأطراف الليبية على البحث عن مصالح شخصية».
وحثّ السراج مجلس الأمن، في رسالة نشرتها وسائل إعلام محلية، على «الوقوف بجدية وحسم في مواجهة أي طرف يشكل سلوكه خطراً على العملية السياسية السلمية وعلى حياة المدنيين وممتلكاتهم».
ورأى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أمس، أن الوقت ما زال متاحاً لوقف العنف في ليبيا وتجنب الأسوأ، مؤكداً عدم وجود حل عسكري للصراع الدائر هناك.
ونقل بيان للبعثة الأممية عنه إشارته، في تصريحات للصحافيين بعد مشاورات مغلقة، قدّم خلالها إحاطة لأعضاء مجلس الأمن الدولي حول زيارته الأخيرة لليبيا، إلى ما قاله عند مغادرة ليبيا بشأن شعوره بالقلق، إزاء احتمالات اندلاع مواجهات خطيرة في طرابلس وما حولها، وقال إن هذا الشعور قد تأكد الآن.
ورغم احتدام المعارك، أكد غسان سلامة رئيس بعثة الأمم المتحدة عقب اجتماعه مساء أول من أمس، في طرابلس مع السراج وخالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، لبحث تطورات الأحداث والجوانب الأمنية والإنسانية، بقاء البعثة في ليبيا لدعم الليبيين بكل السبل الممكنة في هذه الأوقات العصيبة.
في السياق ذاته، أجلى الاتحاد الأوروبي، أمس، من العاصمة أفراد بعثته المكونة من 20 شخصاً، ونقلت وكالة الأنباء الألمانية، عن تقارير إعلامية في تونس، أمس، وصول موظفين ودبلوماسيين يتبعون بعثة الاتحاد الأوروبي بليبيا إلى السواحل التونسية عبر مركبين.
وفى تصعيد سياسي جديد، أعلن السراج تلقيه مكالمة هاتفية مساء أول من أمس، من المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة، التي قالت بحسب بيان أصدره مكتبه، إن «المحكمة لن تتهاون ولن تتردد في مقاضاة الأفراد المتهمين بجرائم حرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، وفقاً لتعريفات القانون الدولي».
وأكد السراج أن الأجهزة القضائية الليبية ستقدم للمحكمة ملفات متكاملة بجرائم الحرب وانتهاكات القانون وأسماء وصفات الأفراد المتهمين بارتكابها، مضيفاً أن «طرابلس تتعرض لعدوان غاشم، ولقد أعطانا القانون الحق في الدفاع عن أنفسنا».
كما أعلن السراج أن فيدريكا موغريني، الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، أبلغته خلال اتصال هاتفي بينهما مساء أول من أمس، توافق الموقف الأوروبي على ضرورة وقف المشير حفتر لعملياته العسكرية في طرابلس فوراً.
وطبقاً للبيان، عبّرت موغريني عن «بالغ القلق من تداعيات التصعيد العسكري في طرابلس»، مؤكدة أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية».
لكن فرنسا طلبت من الاتحاد الأوروبي تعديل وتعزيز بيان بشأن موقفه من زحف قوات الجيش الوطني صوب طرابلس، ونفت أيضاً أن تكون قد عرقلت بياناً للاتحاد بشأن ليبيا.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية أنييس فون دير مول، أمس، إن فرنسا تريد تعزيز نص بيان الاتحاد في 3 مجالات. هي وضع المهاجرين، ومشاركة جماعات خاضعة لعقوبات الأمم المتحدة المتعلقة بالإرهاب في القتال في ليبيا، وسبل التوصل لحل سياسي تدعمه الأمم المتحدة.
ويشير الموقف الفرنسي، بحسب مراقبين، إلى تجدد الخلاف بين فرنسا وإيطاليا حول كيفية التعامل مع تجدد الصراع؛ حيث طالبت إيطاليا، وهي المستعمر السابق لليبيا، فرنسا، التي تربطها علاقات وثيقة بحفتر، بالامتناع عن مساندة أي فصيل، وذلك بعدما قال دبلوماسيون إن باريس عرقلت إصدار بيان للاتحاد الأوروبي يدعو حفتر لوقف الهجوم.
ميدانياً، اندلع قتال عنيف، أمس، بالأسلحة الثقيلة في منطقة السواني جنوب العاصمة، فيما قال «الجيش الوطني» إنه قتل العشرات من عناصر الميليشيات المسلحة ودمر مدرعاتهم وآلياتهم المسلحة.
وأعلن الجيش عن وصول ما وصفه بتعزيزات عسكرية كبيرة وضخمة من المنطقة الشرقية إلى قواته التي تخوض معارك في طرابلس لليوم التاسع على التوالي ضد قوات السراج.
وقالت شعبة الإعلام الحربي، الموالية للجيش، في بيان، مساء أول من أمس، إن «الحرب بدأت بموعد، ولا نعلم كم ستستغرق، وكم التكلفة، ولكن حملنا لواء الجهاد منذ انبلاج ثورة الكرامة»، مشيرة إلى تقدم قوات اللواء التاسع «ترهونة» بمحور الخلة، وفرار قوات مصراتة، وغنم سيارة القيادي الملقب بالدامونة.
وتتقدم قوات الجيش باتجاه طرابلس عبر محورين، من الجنوب ومن الجنوب الشرقي، بينما تدافع من الجهة الغربية للعاصمة قوات موالية لحكومة السراج عن الطريق الساحلي، فيما تسعى قوات الجيش في الشرق لاحتواء مقاومة مقاتلي مصراتة الموالين لحكومة السراج.
كما تشهد مناطق تقع على بعد نحو 10 كيلومترات جنوب شرقي طرابلس أيضاً معارك؛ حيث سمع دوي قصف مدفعي في منطقة عين زارة، بينما تحدث بعض السكان عن إقامة قوات حكومة السراج سواتر ترابية لقطع الطرق والتقاطعات الرئيسية، مانعين المدنيين من مغادرة بيوتهم للاختباء في مكان آخر.
وتحدثت شعبة الإعلام الحربي أيضاً عن أن «مجموعات كبيرة من الشباب الذين كانوا منضمين للميليشيات المسلحة في المنطقة الغربية فتحوا قنوات اتصال مع الجيش، تلبية لنداء المشير حفتر من خلال إلقائهم سلاحهم والتزامهم بيوتهم، وهم بالتالي وفقاً للأوامر العسكرية آمنون».
وأشادت بجميع المنشقين عن هذه الميليشيات المسلحة التي عاثت في البلاد فساداً، وتمنت من «جميع المغرر بهم أن يحذوا حذو هؤلاء، ونحن عليهم برداً وسلاماً».
من جانبها، أعلنت منظمة الصحة العالمية، مساء أول من أمس، أن المعارك قرب طرابلس أسفرت عن مقتل 56 شخصاً، وإصابة 266 آخرين خلال الأيام الستّة الأخيرة، في وقت تعمل الأمم المتحدة من أجل دعم المستشفيات المكتظة في البلاد.
وقال بيان للمنظمة إنه «خلال الأيام الستّة الأخيرة، أسفرت عمليات قصف عنيف وإطلاق نار» قرب العاصمة الليبية عن «266 جريحاً، و56 قتيلاً، بينهم سائق سيارة إسعاف، وطبيبان»، لكنه لم يحدد ما إذا كان بقية القتلى من المدنيين أم المقاتلين، مشيراً إلى أن «آلاف الأشخاص فرّوا من منازلهم، فيما يجد آخرون أنفسهم عالقين في مناطق النزاع، وتستقبل المستشفيات داخل وخارج المدينة (طرابلس) يومياً ضحايا».
في المقابل، بلغت خسائر قوات الجيش الوطني 28 عسكرياً، و95 جريحاً، منذ بدء الاشتباكات حول طرابلس، يوم الخميس الماضي، حيث أوضح اللواء أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش في مؤتمر صحافي بمدينة بنغازي، مساء أول من أمس، أن الإحصائية تشمل الأيام الستة الماضية منذ بداية العمليات العسكرية حول وباتجاه طرابلس.
وأدت المعارك إلى إصابة عدد من الدوائر الكهربائية، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن 14 منطقة سكنية نتيجة استمرار الاشتباكات بجنوب طرابلس.
وأدانت المؤسسة الوطنية للنفط، القصف الذي قالت إنه استهدف مقرّ شركة تابعة لها بمنطقة قصر بن غشير في ضواحي طرابلس، مشيرة إلى أن غارة جوية استهدفت المنطقة أدت إلى انهيار أحد جدران مبنى المقر الرئيسي، وحرق 6 وحدات سكنية خاصّة بالموظفين الأجانب.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.