الشركات التجارية تقبل عملة بيتكوين بهدف الظهور أكثر من إمكانية الربح

بينما يظل عدد المشترين الذين يستخدمون «العملة الإلكترونية» ضئيلا

الشركات التجارية تقبل عملة بيتكوين بهدف الظهور أكثر من إمكانية الربح
TT

الشركات التجارية تقبل عملة بيتكوين بهدف الظهور أكثر من إمكانية الربح

الشركات التجارية تقبل عملة بيتكوين بهدف الظهور أكثر من إمكانية الربح

كان جاسون هاند يملك نقودا في محفظة بيتكوين أكثر مما يملكه في حساب مدخراته.
لذلك عندما أراد شراء بدلة بيضاء مصنوعة من الكتان ليأخذها معه في رحلته أثناء العطلة إلى بنما، لجأ إلى موقع overstock.com، وهو موقع بيع بالتجزئة يقدم خصومات ويقبل السداد عن طريق هذه العملة الافتراضية. كانت تكلفة البدلة التي اختارها نحو 100 دولار - أو أقل من 1 / 10 من قيمة بيتكوين.
قال هاند: «بيتكوين هي عملة تستخدم عبر الإنترنت فقط في الأساس. يجب أن تكون قادرا على سداد قيمة الأشياء أيا كانت الوسيلة التي تدفع بها».
تحاول الشركات التجارية التي تقبل السداد بعملة بيتكوين جذب المتحمسين للعملة الافتراضية أمثال هاند (الذي يبلغ من العمر 37 عاما) وهو من بولدر في كولورادو. وبدأ عدد هؤلاء التجار في الازدياد.
منذ شهر يناير (كانون الثاني)، بدأت كبريات الشركات التي تعمل في مجال التجزئة مثل «أوفرستوك»، وموقع حجز السفريات عبر الإنترنت «إكسبيديا»، وشركة الكومبيوتر «ديل» ومقدم خدمة قنوات التلفزيون الفضائية «ديش نتوورك» في السماح للمستهلكين بالسداد عن طريق العملة الافتراضية عبر مواقعهم. ويرى مؤيدو استخدام بيتكوين زيادة انتشار استخدام العملة بين الشركات الشهيرة خطوة مهمة تجاه نشر استخدام العملة بين العامة.
ولكن في الوقت الذي يتجه فيه مزيد من التجار إلى تبني العملة الرقمية، يظل عدد المستهلكين الذي يستخدمون بيتكوين في الشراء ضئيلا. توجد فوائد تعود على الشركات من استخدام بيتكوين في خيارات السداد - أهمها انخفاض تكاليف المعاملات - ولكن يتساءل البعض ما إذا كان قبول العملة الافتراضية له أي فائدة بخلاف كونه حيلة تسويقية.
يقول ستيفن إنغلاندر، محلل الأبحاث في «سيتي غروب»: «من وجهة نظر المتجر، أعتقد أنها دعاية رائعة. فهي تضيف لك ميزة جديدة».
وعلى الرغم من زيادة أعداد المتاجر التي تقبل بيتكوين، فإن عدد المعاملات التي تتضمن عملة بيتكوين وصل إلى 60,000 معاملة منذ بداية العام وفقا لموقع blockchain.info.
أعلن متجر «أوفرستوك» الذي بدأ في قبول السداد بعملة بيتكوين بداية من يناير (كانون الثاني) أن نحو ربع مبيعاته فقط تتم بالعملة الافتراضية، أو ما يساوي 12,000 إلى 15,000 دولار يوميا. ويعد «أوفرستوك» الذي بلغ إجمالي مبيعاته 1,3 مليار دولار في عام 2013، أول متجر كبير يقبل السداد بواسطة عملة بيتكوين.
كما صرح متجر «إكسبيديا» الذي حقق عائدات بلغت 4.8 مليار دولار في العام الماضي، بأن أقل من 1 في المائة من مبيعاته تتم بعملة بيتكوين منذ أن بدأ في قبولها في شهر يونيو (حزيران). أما شركة «ديل» التي بدأت تسمح بالسداد بواسطة بيتكوين عبر موقعها في يوليو (تموز)، فرفضت الكشف عن أرقام محددة بشأن مبيعات بيتكوين ولكنها أشارت إلى أن أكبر معاملاتها حتى الآن كانت لشراء خادم تبلغ تكلفته نحو 50,000 دولار أو ما يعادل 85 بيتكوين.
يقول الخبراء إن أحد الأسباب التي جعلت عملة بيتكوين غير منتشرة حتى الآن هو أن العملة الافتراضية لا تقدم فوائد واضحة للعملاء. ومن جوانب متعددة، ما زال السداد بواسطة بطاقة ائتمان أو حساب «باي بال» أسهل من استخدام بيتكوين، وخاصة في أماكن مثل المقاهي أو متاجر البقالة. بالإضافة إلى ذلك تحمل المعاملات بواسطة بيتكوين مخاطر أكبر لأن المستهلكين غير خاضعين للحماية من تزوير العملة الافتراضية، مما يجعلها خيارا أقل جذبا لمن يضعون في اعتبارهم سقوط منصة تداول بيتكوين «إم تي غوكس» التي كانت تتخذ مقرا لها في اليابان.
يقول السيد إنغلاندر عن العملة: «أشعر أن عددا قليلا من المستهلكين يحاولون استخدامها قدر استطاعتهم، ولكن لا يجد معظم المستهلكين أن استخدامها مريح مثل بطاقات الائتمان. من يتعامل بواسطة بيتكوين يفعل ذلك لأنها تعجبه، وليس لأنها تقدم له أي مميزات كبيرة».
العيب الآخر المحتمل في استخدام بيتكوين هو أن سعرها متقلب. في خلال خمسة أعوام تقريبا، ارتفعت قيمة العملة الافتراضية من عدة دولارات قليلة إلى أكثر من 1,000 دولار. وأصبح سعر تداولها الآن 500 دولار، وفقا لموقع العملة الافتراضية كوينديسك coindesk.
عندما جرى تقديم بيتكوين في عام 2009 على يد مبرمج مجهول الاسم أو مجموعة من المترجمين المجهولين، لاقت العملة قبولا بين عدد من المتحمسين وهواة التكنولوجيا الذين يعارضون نظام المؤسسات، ويعملون خارج النظام المالي التقليدي. وفي فترة قريبة، أصبحت العملة الافتراضية أكثر شعبية، وخاصة بين شركات الاستثمار ورواد الأعمال. ولكن في ظل عدم الخضوع لتنظيم حكومي، يشعر كثيرون بالتردد في استخدام العملة الافتراضية.
ومع ذلك يجد التجار ميزة كبيرة. تقل تكلفة هذه العملة بالنسبة للشركات مقارنة بإقامة قناة سداد جديدة. أحيانا ما تكون تكاليف إجراء معاملات بيتكوين أقل كثيرا بالنسبة للمتاجر. وعندما يستخدم العملاء بطاقة ائتمان أو بطاقات خصم، يمكن أن تصل تلك التكاليف إلى نحو 3 في المائة من قيمة المعاملات. وفي المقابل، تحدد (كوينبيز coinbase) وهي جهة ثالثة المسؤولة عن إتمام عمليات السداد، والتي تتعاون مع كثير من كبار التجار من أجل قبول بيتكوين، تكلفة المعاملة بنسبة 1 في المائة، بعد تحقيق أول مليون دولار من المبيعات.
وقدّر باتريك بايرن، الرئيس التنفيذي لـ«أوفرستوك»، أن إضافة التعامل بواسطة بيتكوين إلى نظام السداد تكلف 100,000 دولار، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بملايين الدولارات التي يجري إنفاقها على الإعلانات على سبيل المثال.
وصرح مايكل غولمان، نائب رئيس المنتج العالمي في «إكسبيديا» قائلا: «لدينا تكاليف مرتبطة بإدارة نشاطنا. وكلما خفضنا تلك التكاليف كان ذلك أفضل».
من الصعب وضع رقم محدد لأعداد الشركات التي تقبل عملة بيتكوين، ولكن يقول الخبراء إن إجمالي عدد هذه الشركات على مستوى العالم يبلغ نحو 80,000. وفي حين تجذب أسماء مثل «إكسبيديا» و«أوفرستوك» مزيدا من الانتباه، إلا أن معظم تلك الشركات تمثل متاجر صغيرة غالبا ما تكون عائلية.
يقول البعض إن الاهتمام الذي تبديه الشركات الصغيرة يشير إلى تزايد الإحباط الناتج عن ارتفاع تكاليف إتمام المعاملات وإعادة المدفوعات، والذي يضر بصافي أرباح المتاجر المحلية.
يقول آدم وايت، مدير تطوير واستراتيجية الأعمال في «كوينبيز»: «هناك شركات تعرضت لأكبر أضرار نتيجة ارتفاع تكاليف السداد بواسطة بطاقات الائتمان. ولا تعد عملة بيتكوين (أفضل وسيلة) ولكنها الخيار الوحيد الذي يسمح لهذه الشركات بالاستمرار».
ربما يكون قبول عملة بيتكوين تكتيكا تسويقيا. عندما بدأت الشركات في قبول بيتكوين، اكتسبت العملة الافتراضية قدرة كبيرة على جذب عملاء جدد في ظل حداثتها. كان اختيار الشركات بأن تكون أول من يقبل السداد بعملة بيتكوين وسيلة سهلة وزهيدة لكي تستفيد من الاهتمام بالنقود الرقمية، على حد قول ديريك روكر أستاذ التسويق في كلية كيلوغ للإدارة في جامعة نورثويسترن.
وصرح البروفيسور روكر قائلا: «إنه ليس مجرد إثارة للفضول أو الاهتمام، بل هي استعارة للاهتمام. من الممكن أن تستخدم (هذه الشركات) ارتباطها بعملة بيتكوين لأسباب مختلفة، ولكن من الواضح أنها تجذب الانتباه».
ذكرت شركات مثل «أوفرستوك» و«ديل» أنها مرت بمرحلة ارتفاع في حجم الأنشطة عبر مواقعها بعد أن أعلنت عن قبول السداد بعملة بيتكوين، وخاصة بعد أن لاقت الشركتان اهتماما إعلاميا بالخبر.
ولكن في الوقت الحالي، يرى البعض إشارات على احتمالية الإصابة بالملل من استخدام بيتكوين. على سبيل المثال، صرح بايرن الرئيس التنفيذي لـ«أوفرستوك» بأن حجم المعاملات عبر «أوفرستوك» انخفض بدرجة كبيرة بعد الأسبوع الأول من قبول بيتكوين، الذي وصل حجم المعاملات فيه إلى ما يساوي 500,000 دولار.
وعلق بايرن على ذلك قائلا: «هناك جزء من السوق يرغب في استخدام بيتكوين، وكانت هذه فرصة للحصول على جزء من السوق قبل أن يحصل عليه أي شخص آخر. لن يحصل أي شخص يقرر قبول السداد بهذه العملة في الوقت الحالي على الشهرة التي حققناها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.