استهداف قضبان السكك الحديدية يثير هلع المصريين

مسؤولون: المسافة بين محطات القطارات كبيرة ويصعب تأمينها بصورة كاملة

مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)
مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)
TT

استهداف قضبان السكك الحديدية يثير هلع المصريين

مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)
مصريون يركبون على حافة أبواب قطارات الدرجة العادية («الشرق الأوسط»)

حضن عبد الرحيم عبد الرحمن أولاده الاثنين وزوجته خلال رحلتهم من القاهرة إلى أسوان خوفا عليهم من الموت المحقق في قطار رقم 886، عندما أخذت عربة القطار تتأرجح يمينا ويسارا وكادت تنقلب. حال الأب عبد الرحمن لم يختلف كثيرا عن باقي ركاب القطار الذين أثارهم الفزع والخوف من حالة الاهتزاز والتمايل التي أسفرت عن إصابات بين الركاب نتيجة التدافع وسقوط بعض الأمتعة من على الأرفف على رؤوسهم.
وتكشف مصادر مسؤولة بهيئة السكك الحديدية عن رصد عمليات لاستهداف قضبان السكك الحديدية في محافظات صعيد مصر خلال الشهر الحالي، وقالت المصادر التي التقطها «الشرق الأوسط»، إن «أنصار جماعة الإخوان المسلمين يضعون قطعا من الحديد والحجارة والأخشاب على قضبان السكة الحديد في المناطق البعيدة من المحطات الرئيسية، وعند مرور القطارات عليها تضرب العجل وتحدث تأرجحا في العربات، مما يمكن أن يؤدي إلى انقلاب القطار».
وبحسب تقارير عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري، وصل عدد ركاب السكك الحديدية في البلاد إلى 235.5 مليون راكب عام 2012. لكن هذه الملايين من الركاب ليست بمأمن من الخطر، حيث تؤكد الإحصائيات الرسمية أن عدد ضحايا حوادث الطريق يقترب من 8 آلاف شخص سنويا، ويشير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى ارتفاع عدد المتوفين في حوادث الطرق إلى 7115 شخصا عام 2011 مقابل 7040 شخصا عام 2010.
وزادت أحوال السكك الحديدية السيئة في مصر من هموم وفزع المصريين بسبب تدني الخدمة داخل القطارات وعدم وجود وسائل تأمينية للركاب داخل القطارات والاكتفاء بها على أرصفة المحطات الرئيسية فقط في القاهرة والجيزة، ويقول عبد الرحمن (39 عاما) إن «وسائل التفتيش سيئة جدا على أرصفة المحطات ويسهل على أي راكب حمل قنبلة أو عبوة ناسفة والدخول بها داخل القطارات وتفجيرها في سهولة ويسر»، لافتا إلى أن «مسؤولي القطار كل همهم هو التوقيع على التذاكر والتقليل من غضب الركاب نتيجة انقطاع أجهزة التكييف عن العربات في القطارات المكيفة خلال الرحلة من أسوان إلى القاهرة، والتي تصل إلى 16 ساعة في درجة حرارة تفوق 45 درجة».
ويسرد عبد الرحمن رحلته داخل قطار 886 الذي تحرك من القاهرة في الساعة الحادية عشر والربع مساء إلى أسوان، قائلا: «فوجئنا أن القطار يتأرجح وكأنه سينقلب، كما تساقطت الأمتعة من على الأرفف لتصيب بعض الركاب بكدمات»، لافتا إلى أنه «لا أحد من مسؤولي القطار طمأنا على ما يحدث؛ واكتفى بعضهم بالتلميح بأن هناك أشياء معدنية على القضبان أدت لذلك». وتابع عبد الرحمن: «حضنت أبنائي (الاثنين) وزوجتي وقرأت الفاتحة وقلت إننا لن نصل إلى منزلنا». ورصد عبد الرحمن حالة الفوضى على أرصفة المحطات طوال الرحلة وداخل القطارات بقوله: «لا يوجد تفتيش للأمتعة، والجهاز الذي تمر من فوقه الأمتعة لا يرصد أي شيء في محطة مصر (أكبر محطات القطارات) ويسهل معه أن يصعد أي شخص للقطار بأي شيء دون أن يكشف شخصيته أحد».
ولم تتوان الحكومات المتتابعة - قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011 وبعدها - من التأكيد على تبنيها تطوير السكك الحديدية، وتأكيد وزراء النقل المتتابعين على وجود خطط لديهم للنهوض بهذا المرفق. لكن عبد الرحيم عبد الرحمن يقول، إن «أوضاع السكة الحديد تزداد سوءا يوما بعد يوم، الحكومة لا تلتفت إلى القطارات إلا بعد وقوع الحوادث، فعندما تسيل الدماء يذرف الجميع الدموع، ثم ما هي إلا أيام قليلة حتى ينسوا الأمر ككثير من الأمور حولنا». مضيفا: «داخل القطار لا يوجد مكيفات ولا دورات مياه صالحة للاستخدام الآدمي ومعظم العربات عمرها الافتراضي انتهى، فضلا عما يتردد عن زيادة أسعار تذاكر السفر»، محذرا من وقوع أي كارثة في أي وقت نتيجة الإهمال وعدم الصيانة، بقوله: «القطارات لا تحتمل أي شيء على القضبان من (الإخوان)، وقد تنقلب في أي لحظة».
وشكا عبد الرحمن من عدم تفعيل اللوائح والقوانين لضمان سلامة القطارات‏. ‏ويقول «اللوائح تمنع صعود الركاب بأي مواد قابلة للاشتعال؛ مثل مواقد الكيروسين أو أسطوانات الغاز، أو الحيوانات مثل الكلاب، وهي الأشياء التي توجد دائما بحوزة ركاب قطارات الصعيد لطول المسافات بينها وبين العاصمة القاهرة». وتابع: «خلال رحلتي أنا وأولادي في الدرجة الأولى (درجة سياحية في القطارات تصل سعر التذكر في السوق السوداء بها إلى 150 جنيها) لاحظنا وجود كلب مع أحد الركاب، وللأسف رئيس القطار لم يفعل معه أي شيء واكتفى بقوله لصاحبه لا تدعه ينبح». وأكد عبد الرحمن أنه «أثناء عودته من أسوان للقاهرة لاحظ أيضا وجود اهتزازات عنيفة في القطار ولم يختلف الوضع كثيرا خلال رحلة ذهابه».
من جانبها، اعترفت المصادر المسؤولة في هيئة السكك الحديدية، بعدم قدرة السلطات المصرية تأمين خطوط السكك الحديدية، قائلين: «المسافة بين محطات القطارات كبيرة ويصعب تأمينها بصورة كاملة». مضيفة أن «الهيئة رصدت وجود أنابيب بوتاجاز على القضبان وبعض القنابل محلية الصنع في بعض المحافظات خلال الفترة الماضية، ولم يتم الإعلان عنها حفاظا على سلامة وأمن الركاب».
وأكدت المصادر المسؤولة نفسها، أن «حركة قطارات السكة الحديد توقفت أكثر من مرة منذ ذكرى فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة والجيزة الشهر الحالي، بسبب بلاغات بوجود قنابل وعبوات ناسفة». بينما قال مصدر أمني مسؤول، إن «الفاعل في جميع الحالات واحد.. حيث جرى وضع العبوات بطريقة متشابهة ووضع دوائر كهربائية وهمية».
ومنذ أغسطس (آب) من العام الماضي، قررت الحكومة وقف حركة القطارات نهائيا لـ«دواع أمنية». وقالت الحكومة، التي عينت في يوليو (تموز) بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، إنها بصدد تحسين النقل عبر خطة لتحفيز الاقتصاد تتكلف 26.9 مليار جنيه (4.3 مليار دولار). وكشفت المصادر المسؤولة في السكة الحديد وقتها، عن أن «خسائر الهيئة منذ توقف حركة القطارات تجاوزت 150 مليون جنيه (نحو 22 مليون دولار)».
ويضيف المصدر الأمني نفسه أنه «فور التأكد من صدق المبلغ، يجري الانتقال بشكل فوري لموقع البلاغ»، مشيرا إلى أنه فور الوصول لمكان البلاغ يجري فرض ثلاثة كردونات (نطاقات) أمنية؛ إحداها حول العبوة، والآخر حول الأجهزة التي سوف تستخدم في التعامل معها، والثالث حول القيادات الأمنية؛ لكن في بعض الأحيان تكون المناطق بعيدة يصعب الوصول إليها فضلا عن عدم الإبلاغ عنها من الأصل، مؤكدا أن «أغلب البلاغات تتهم أعضاء بجماعة (الإخوان) بارتكابها».
وتعد خطوط السكك الحديدية في مصر من أقدم وأكبر شبكات السكك الحديدية في العالم، حيث إنها الثانية في العالم تاريخيا في إنشائها بعد السكك الحديدية البريطانية، وهي تمتد لنحو خمسة آلاف كيلومتر، ويستخدمها ملايين المواطنين يوميا، لكنها لا تلقى اهتماما أو تطويرا منذ عقود.
ويقول حسن، وهو سائق قطار طلب الاكتفاء باسمه الأول، لـ«الشرق الأوسط»: «لا نجيب عن أي أسئلة للركاب عن انقطاع أجهزة التكيف أو حجز المقاعد العشوائي أو عدم سلامة دورات المياه، ومع كل كارثة في قطار تعد الحكومة بإجراء عملية إصلاح كبرى، وتطوير أحوال السكك الحديدية، ثم تهدأ العاصفة»، لافتا إلى أن «حال القطارات يحتاج لوقفه جادة، ونعاني من التصريحات الوردية للمسؤولين عن أن هناك تطويرا في القطارات، والواقع أن غالبية القطارات بها مشكلات، والقضبان تحتاج لعناية وملاحظة باستمرار».
وقال السائق حسن إنه «عند وقوع أي كارثة من الأشياء التي يتم وضعها على القضبان، يتم تحميل السائق المسؤولية وحده، ويتركون الفاعل الحقيقي من وضعها والمسؤول عن صيانة القضبان ومراقبتها».
وشهدت خطوط السكك الحديدية في مصر حوادث وصفت بالأسوأ أشهرها حادث قطار الصعيد عام 2002 في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي أسفر عن مقتل 360 شخصا على الأقل، عندما اشتعلت النار بسبع عربات في قطار للركاب بجنوب البلاد، وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، اصطدم قطار في أسيوط بأتوبيس مدرسي أسفر عن مصرع أكثر 50 طفلا، واستقال على إثره وزير النقل الأسبق رشاد المتيني. كما قتل 27 شخصا وأصيب 34 آخرون في حادث تصادم مروع لقطار بسيارتين في منطقة «دهشور».
من جهة أخرى، أبدى كثير من ركاب القطارات استياءهم من حال الدرجات العادية للقطارات. ويوضح محمد فتحي (37 سنة): «الحكومة لا تعرف شيئا عن القطارات العادية سيئة الخدمات، بل إنه لا خدمات من الأساس، فالقطارات لا يوجد بها إنارة، مما يجعلها سهلة لزرع أي عبوات ناسفة، خصوصا مع ضعف نظام الرقابة الأمنية، ولا يوجد زجاج في النوافذ أو صناديق للقمامة».



هل يمنح وقف «الحرب الإيرانية» دفعة لجهود احتواء أزمات «الجوار المصري»؟

وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)
TT

هل يمنح وقف «الحرب الإيرانية» دفعة لجهود احتواء أزمات «الجوار المصري»؟

وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)

تتسارع جهود القاهرة بشكل لافت على مدار أسبوع، ضمن حراك إقليمي لاحتواء الأزمات في قطاع غزة والسودان المجاورين لحدود مصر، تزامناً مع تفاهمات ومفاوضات بين واشنطن وطهران لبحث اتفاق نهائي لوقف الحرب.

ويمنح اتفاق وقف الحرب الإيرانية دفعة للجهود المصرية المستمرة لاحتواء أزمات دول الجوار خاصة في غزة شرقاً والسودان جنوباً، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين أن يرتبط حل هذه الأزمات بتسوية نهائية للحرب في إيران.

ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، أكتوبر (تشرين الأول) 2025 برعاية مصرية - أميركية - قطرية - تركية، تتواصل خروقات إسرائيل للاتفاق الذي كانت تأمل دول المنطقة أن يوقف حرباً غير مسبوقة اندلعت في 2023 على الحدود الشرقية في مصر، بينما تواصل الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وسط جهود للجنة الرباعية التي تضم كلاً من السعودية ومصر وأميركا والإمارات، للوصول لسلام مستدام.

 

وزير الخارجية المصري يستقبل كبير مستشاري ترمب مسعد بولس 21 يونيو (الخارجية المصرية)

وعقب يومين من الاتفاق المؤقت، الأميركي - الإيراني، استقبلت القاهرة اجتماعات وأجرت اتصالات بشكل مكثف ولافت على مدار أسبوع، ركزت على أهمية استغلال وقف الحرب في تعزيز الاستقرار والأمن بالمنطقة، وطرحت أزمات الجوار في قطاع غزة والسودان، خلال تلك المحادثات، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط» من بيانات لوزارة الخارجية المصرية بتلك الفترة.

وبحث الوزير المصري بدر عبد العاطي، في 25 يونيو (حزيران) مع الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، كريستوف بيجو، أهمية إعادة تركيز الجهود الدولية على القضية الفلسطينية، بما يهيئ الظروف لاستكمال التنفيذ الكامل لخطة الرئيس دونالد ترمب للسلام، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها من داخل القطاع، والإسراع في نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار.

كما بحث عبد العاطي في 24 يونيو مع وزيرة خارجية المملكة المتحدة، إيفيت كوبر، تطورات الأوضاع الإقليمية في أعقاب توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم بينهما، مؤكداً أهمية إعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي والتوصل إلى هدنة إنسانية تمهد الطريق لوقف مستدام لإطلاق النار بالسودان.

وباليوم ذاته، استقبل عبد العاطي، الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، مشدداً على ضرورة استكمال تنفيذ باقي استحقاقات المرحلة الأولى من خطة ترمب، بما في ذلك مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها من داخل القطاع في أقرب فرصة، ونشر قوة الاستقرار الدولية.

وزير الخارجية المصري يستقبل الأربعاء نيكولاي ملادينوف «الممثل الأعلى لغزة» (الخارجية المصرية)

وفي ضوء تلك المحادثات، يرى الدكتور مختار غباشي، الأمين العام «لمركز الفارابي للدراسات»، «أن الحراك المصري كبير، وتعاظم ضمن حراك إقليمي بعد اتفاق وقف الحرب في إيران، أملاً في الوصول لتفاهمات تصفر أزمات المنطقة، والحصول على دفعة لحل أزمات السودان وقطاع غزة... والذي يهم القاهرة بصورة أو أخرى، انتهاء أي أزمات فيهما حرصاً على أمنها القومي واستقرار المنطقة».

وتؤكد الخبيرة في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن التهدئة في إيران ستمنح دفعة لإنهاء أزمات المنطقة لا سيما في السودان أو قطاع غزة، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية فيهما، مشيرة إلى أن التحركات المصرية تأتي في سياق حماية أمنها على الحدود، وكذلك استقرار المنطقة في ظل تحديات غير مسبوقة منذ سنوات تشهدها حدود مصر.

حراك مصري مستمر

كما شمل الحراك المصري أيضاً، تلقي عبد العاطي، يوم 21 يونيو، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، خلال مشاركته في المفاوضات الأميركية - الإيرانية بسويسرا، وباليوم ذاته، استقبل وزير خارجية مصر، كبير مستشاري ترمب، مسعد بولس، وبحثا الوضع في السودان وأهمية التوصل لهدنة فيه.

كما استضافت القاهرة اجتماعاً رباعياً ضم وزراء خارجية مصر، والسعودية الأمير فيصل بن فرحان، وتركيا هاكان فيدان، وباكستان محمد إسحاق دار، يوم 21 يونيو الحالي.

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوداني محي الدين سالم 20 يونيو (الخارجية المصرية)

وأكد الاجتماع، وفق بيان ختامي، أهمية أن تراعي الجهود الدولية الجارية للتوصل لاتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، شواغل دول المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بأمن واستقرار دول الخليج العربية ومنطقة المشرق العربي، بما يسهم في تعزيز الأمن الجماعي وترسيخ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

وسبق ذلك الاجتماع، لقاء وزير الخارجية المصري مع نظيره السوداني محي الدين سالم، والذي شهد التأكيد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف مستدام لإطلاق النار.

ويشير غباشي إلى أن التوصل لحلول، سواء في السودان أو قطاع غزة بشكل نهائي، مرتبط بشكل كبير بإنهاء الصراع بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن جهود القاهرة ستتواصل على أمل انتزاع دفعة جديدة لحل تلك الأزمات بالمنطقة.

وتتوقع الحسيني أن تنجح تلك الاتصالات والاجتماعات التي شهدتها القاهرة في تحقيق زخم كبير لتلك الأزمات على جدول المجتمع الدولي للتعجيل في حلها.


حراك دفاعي متزايد بين مصر وتركيا مدفوعاً بالاضطرابات الإقليمية

تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)
تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)
TT

حراك دفاعي متزايد بين مصر وتركيا مدفوعاً بالاضطرابات الإقليمية

تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)
تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)

حالة من الحراك العسكري المتزايد بين مصر وتركيا في الفترة الأخيرة، من خلال تعدد التدريبات المشتركة بين الجيشين وتدشين «حوار عسكري» احتضنته القاهرة، بعد التوقيع على «اتفاق عسكري إطاري» قبل أربعة أشهر، وذلك على وقع التطورات الإقليمية والاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، إجراء تدريبات جوية ثلاثية مشتركة مع مصر وأذربيجان، لأول مرة في الأجواء التركية، وذلك بعد أيام من انتهاء تدريب جوي مشترك بين قوات مصرية وتركية، في حين أجرى رئيس الأركان العامة التركي سلجوق بيرقدار أوغلو محادثات مع مسؤولين مصريين في القاهرة، الخميس، حسب إعلان الجيش التركي.

ويحمل التعاون العسكري المتزايد بين القاهرة وأنقرة رسالة ردع بشكل أساسي في ظل الاضطرابات الإقليمية، وفقاً لعسكريين ومراقبين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا التعاون يأتي ضمن مسارات التقارب المصري - التركي في الفترة الأخيرة، وفي ظل التنسيق المشترك بين البلدين في عدة ملفات بالمنطقة».

وزاد التقارب المصري - التركي في السنوات الأخيرة بعد فترة من القطيعة والجمود، وعزز البلدان تعاونهما بإعلان تشكيل «مجلس التعاون الاستراتيجي»، الذي عقد اجتماعه الثاني في القاهرة في شهر فبراير (ِشباط) الماضي، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمصر، وشهد التوقيع على اتفاقيات تعاون مشتركة، من بينها «اتفاقية عسكرية إطارية».

وبموازاة التنسيق السياسي بين القاهرة وأنقرة، عزز البلدان مجالات التعاون الدفاعي عبر عدة تدريبات مشتركة، وأعلن الجيش التركي عن تدريب جوي ثلاثي مع مصر وأذربيجان، وقالت وزارة الدفاع التركية، الخميس، إن «التدريبات التي ستستمر حتى الثالث من يوليو (تموز) المقبل، تتضمن العمل على تحسين القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات جديدة للعمليات الجوية الفنية والتكتيكية».

ويحمل التدريب الثلاثي المشترك اسم «تمرين النسر الثلاثي»، وتشارك فيه أنواع مختلفة من المقاتلات، من بينها «طائرتان من طراز (سو-25) من أذربيجان، و5 طائرات من طراز (إف-16) من مصر»، حسب وزارة الدفاع التركية.

ويأتي التدريب الثلاثي بعد أيام من انتهاء فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام ومن مختلف الطرازات، والتي استضافتها قواعد جوية مصرية في الفترة من 11 حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك من أجل «صقل مهارات القوات المشاركة، وصولاً لأعلى معدلات الكفاءة، والاستعداد لتنفيذ المهام الجوية المشتركة بكفاءة عالية تحت مختلف الظروف»، حسب المتحدث العسكري المصري.

فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي المشترك الذي اختتم أعماله قبل أيام (المتحدث العسكري المصري)

وإلى جانب التدريبات الجوية، أجرت مصر وتركيا، في سبتمبر (أيلول) 2025، مناورات «بحر الصداقة» العسكرية المشتركة في البحر المتوسط، كما ذكرت وزارة الدفاع التركية أن القوات الخاصة التركية والمصرية أجرت تدريبات مشتركة في أنقرة في الفترة بين 21 و29 أبريل (نيسان) 2025.

وتحقق التدريبات العسكرية المشتركة أكثر من هدف استراتيجي، من بينها تبادل الخبرات ورفع الكفاءة القتالية للقوات المشاركة فيها، وفقاً لرئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري ومستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء نصر سالم، الذي أكد أن «فلسفة المناورات العسكرية تستهدف صقل القوات المشاركة فيها بالخبرات المختلفة»، إلى جانب «رفع الكفاءة القتالية للمشاركين».

وأوضح سالم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «التدريبات المصرية - التركية المكثفة تبعث برسالة ردع في ضوء الاضطرابات الإقليمية»، وقال إن «هذه التدريبات تظهر قدرات وكفاءة القوات المشاركة فيها، وتُرسل إشارات إلى أن القوات المصرية أو التركية جاهزة للتعامل مع أي تهديد لأمنها ومصالحها الاستراتيجية»، وأشار إلى أن «استراتيجية الردع العسكري قائمة على أنه إذا أردت أن تمنع حرباً فاستعد لها».

وبموازاة تعدد المناورات والتدريبات، عقدت مصر وتركيا «اجتماع الحوار العسكري على مستوى الرتب العسكرية العليا، بحضور رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد فتحي خليفة، ونظيره التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، وبمشاركة قيادات عسكرية من البلدين»، حسب إفادة لوزارة الدفاع التركية الخميس.

وتشهد العلاقات المصرية - التركية «تقارباً غير مسبوق»، وفق تقدير الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، الذي قال إن «التعاون الثنائي لا يقتصر فقط على المسارات الدبلوماسية والسياسية، وإنما يتخذ عمقاً عسكرياً ودفاعياً بشكل كبير، عكسته التدريبات المشتركة والحوار العسكري بين البلدين»، وأشار إلى أن «تكثيف التعاون الدفاعي يشير إلى تحرك القاهرة وأنقرة نحو شراكة أكبر على المستوى العسكري، في ضوء ما تشهده المنطقة من توترات واضطرابات».

ويرى أوغلو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة الدفاعية بين مصر وتركيا قائمة على المصالح المشتركة»، مشيراً إلى أن «هناك تنسيقاً بين القاهرة وأنقرة في عدد من الملفات، وتطابقاً في المواقف، مثل الوضع في ليبيا وسوريا وغزة والحرب الإيرانية»، واعتبر أن «من العوامل التي دفعت للتقارب بين البلدين اضطرابات الشرق الأوسط، خصوصاً الحرب على غزة والأزمة في الجنوب اللبناني».

مصر وتركيا نحو مزيد من التقارب العسكري على وقع اضطرابات المنطقة (المتحدث العسكري المصري)

وكثفت مصر وتركيا الاتصالات والزيارات الدبلوماسية المتبادلة في الفترة الأخيرة، لتنسيق المواقف بشأن عدد من الملفات، كان آخرها زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للقاهرة الأسبوع الماضي، حيث أجرى محادثات مشتركة مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، لبحث تطوير العلاقات الثنائية، كما شارك في اجتماع وزراء خارجية «الرباعي الإقليمي» الذي يضم وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان، لبحث التطورات الإقليمية.

ويعتقد أوغلو أن ضم دول أخرى إلى التدريبات العسكرية مع مصر وتركيا، مثل أذربيجان، «يشكل رسالة واضحة أن التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة سيتخذ أبعاداً استراتيجية وجغرافية تتجاوز حدود شرق المتوسط، وتمتد إلى إعادة تشكيل الرؤية الأمنية في الإقليم».


حق التعليم في اليمن تحت رحمة الفقر والعنف والتمييز

طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)
طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)
TT

حق التعليم في اليمن تحت رحمة الفقر والعنف والتمييز

طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)
طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)

تبذل المنظمات الإنسانية جهوداً متزايدة لإعادة الأطفال اليمنيين إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الحرب والتدهور الاقتصادي، حيث يتعرض الحق في التعليم لانتهاكات خطيرة جراء العنف الذي يستهدف الطلاب والمعلمين، في حين يمنع الفقر العائلات من تعليم أطفالها، ويضطرها إلى الاستعانة بهم في تحقيق الدخل.

وتتواصل معاناة قطاع التعليم في اليمن وسط مخاوف من اتساع الفجوة التعليمية وحرمان المزيد من الأطفال من مستقبلهم، بالتوازي مع ظهور ممارسات تمييزية، لا علاقة لها بالتعليم، تمنع بعض الأطفال من الالتحاق بالمدارس، وسط تغييرات في التقويم الدراسي وممارسات تحرف العملية التعليمية عن أهدافها.

وفي محاولة للحد من ظاهرة التسرب المدرسي، تواصل منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (يونيسف)، وبدعم من مكتب المساعدات الإنسانية التابع للمفوضية الأوروبية، تنفيذ برنامج يهدف إلى إعادة الأطفال المعرضين لخطر الانقطاع عن التعليم إلى المدارس في مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة (غرب).

وبيّنت المنظمة أن سنوات الصراع والتدهور الاقتصادي دفعت الكثير من الأسر الفقيرة إلى اتخاذ قرارات صعبة، تمثلت في إخراج أطفالها من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل للمساعدة في توفير دخل للأسرة.

ويواجه كثير من الأطفال اليمنيين، خصوصاً في المناطق الريفية، خطر التسرب النهائي من التعليم نتيجة انخراطهم في أعمال شاقة أو العمل في الحقول؛ ما يحرمهم من طفولتهم، ويضع على عاتقهم مسؤوليات تفوق أعمارهم.

ويعتمد المشروع على التواصل المباشر مع الأسر عبر التوعية والإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي؛ بهدف تعزيز الوعي بأهمية التعليم، وتشجيع الأسر على إبقاء أطفالها في المدارس، مركزاً على معالجة الأسباب الجذرية للتسرب المدرسي من خلال إدارة الحالات الفردية، وتقديم المساعدات الطارئة والدعم النفسي للأطفال الأكثر عرضة للخطر.

ووفقاً للمنظمة الأممية، سيساعد البرنامج 360 طفلاً يواجهون مخاطر مرتفعة على الاستمرار في التعليم، كما يوفر أنشطة للدعم النفسي والتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة داخل المدارس.

يمنية تعمل اختصاصية اجتماعية في برنامج تابع لـ«يونيسف» (الأمم المتحدة)

إلا أن المشروع يستهدف، بصورة أوسع، أكثر من 10 آلاف طفل في مدينة الخوخة من خلال التعليم التعويضي، وفرص التعلم البديلة، وأنشطة العودة إلى المدرسة، وإعادة تأهيل المدارس، وتدريب المعلمين، وتوزيع المستلزمات الدراسية.

التعليم تحت الهجمات

إلى جانب الفقر والنزوح، تصطدم العودة للمدارس بمخاطر استمرار تعرض المؤسسات التعليمية والكوادر التربوية والطلاب لمخاطر العنف والنزاع المسلح.

ففي غضون ذلك، كشف تقرير حديث أصدره التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات (GCPEA) عن أن اليمن لا يزال من بين أكثر دول العالم تضرراً من الهجمات التي تستهدف قطاع التعليم.

أطفال في مدرسة تضررت بسبب المواجهات المسلحة في تعز (أ.ف.ب)

وصنَّف التقرير، المعنون بـ«التعليم تحت الهجوم 2026»، اليمن ضمن الدول المتأثرة بشدة نتيجة الاعتداءات على المدارس والجامعات والعاملين في القطاع التعليمي.

ورصد التقرير نحو 283 هجمة استهدفت منشآت تعليمية أو شهدت استخدام المدارس لأغراض عسكرية خلال العامين الماضيين، موضحاً أن اليمن برز إلى جانب ميانمار ونيجيريا والكاميرون ضمن الدول الأعلى تسجيلاً لأعداد الضحايا من الطلاب والعاملين في المجال التعليمي.

وأكد التقرير الدولي أن الهجمات المتكررة على المدارس واستخدامها لأغراض عسكرية من قِبل أطراف النزاع أسهما في تعطيل العملية التعليمية، ورفع مستوى المخاطر التي يتعرض لها الأطفال والمعلمون.

كما حذَّر معدو التقرير من التهديدات الإضافية التي تواجهها الفتيات، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي واستهداف مدارس البنات، منوهين إلى أن التعليم في اليمن تحول في كثير من الأحيان ساحة مواجهة بدلاً من أن يكون مساحة آمنة للتعلم.

وإلى جانب العنف والفقر، برزت، أخيراً، ممارسات حديثة من التمييز والإقصاء تمثل تحدياً آخر لا يقل خطورة على حق الأطفال في التعليم.

التمييز بسبب الاسم

أثار قرار صادر عن مديرة مدرسة موالية للجماعة الحوثية بحرمان طفلة من الالتحاق بإحدى مدارس محافظة المحويت بسبب اسمها موجة واسعة من الغضب والاستنكار الحقوقي، وسط اتهامات للجماعة بممارسة التمييز والتدخل في الحقوق الشخصية للأسر.

وكشفت فاطمة المحيا، وهي مديرة مدرسة ومؤسسة خيرية، وتعرف نفسها بـ«رئيسة اتحاد نساء اليمن بمديرية بني سعد» في المحافظة، عن أنها أبلغت أحد الآباء برفضها قبول تسجيل طفلتها بسبب اسمها الذي قالت إنه غير عربي، مشترطة عليه تغييره، وهو ما رفضه الأب.

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول الحادثة، ففي حين استنكر غالبية رواد مواقع التواصل الاجتماعي والناشطين الحقوقيين والاجتماعيين، تصرف المحيا بصفته انتهاكاً لحق الطفل في التعليم باسمه أو الخلفية الثقافية التي ينتمي إليها اسمه؛ ساند ناشطون موالون للجماعة الحوثية قرار مديرة المدرسة.

طلاب مدرسة في ريف صنعاء تفتقر للخدمات والمرافق الأساسية (الأمم المتحدة)

ويقول المدافعون عن حق الطفلة التي تدعى «براتشي»، إن قرار مديرة المدرسة يعكس توجهاً إقصائياً يتعارض مع المبادئ الأساسية للتعليم وحقوق الإنسان، ويحاول تحويل المؤسسات التعليمية من فضاءات للتعلم والمعرفة إلى أدوات للرقابة والتمييز الاجتماعي، وإن اختيار الأسماء يظل حقاً شخصياً تكفله القوانين والأعراف الاجتماعية.

غير أن الموالين للجماعة الحوثية دعموا قرار المديرة، وعدّوا رفضها قبول تسجيل الطفلة في المدرسة تمسكاً بالقيم الدينية والاجتماعية، داعين إلى إنشاء قوائم بالأسماء التي وصفوها بالدخيلة على المجتمع ودينه وعاداته.

واستغرب ناشطون من إقدام الحوثيين على تغيير مضمون المناهج الدراسية وأسماء المدارس التي كانت ذات دلالات وطنية وعربية وإسلامية عامة إلى أسماء لشخصيات ورموز مذهبية أو تابعة لما يسمى «محور الممانعة» بقيادة إيران.