وزراء خارجية «الناتو» يتجاوزون خلافاتهم حول الإنفاق والتصدي لروسيا

ملف الخلاف مع تركيا ما زال مرشحاً للتصاعد في ظل تمسك أنقرة بصفقة صواريخ «إس - 400» الروسية

الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ (يمين) مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (إ.ب.أ)
الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ (يمين) مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (إ.ب.أ)
TT

وزراء خارجية «الناتو» يتجاوزون خلافاتهم حول الإنفاق والتصدي لروسيا

الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ (يمين) مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (إ.ب.أ)
الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ (يمين) مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (إ.ب.أ)

اجتماع وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الذكرى السبعين لتأسيسه الذي انتهى أمس، طغى عليه جزئياً ملف تركيا، مع سيل التصريحات والتحذيرات الأميركية التي أخذت طابعاً حاداً غير معهود في الآونة الأخيرة. وحظي الملف الروسي بنقاشات موسعة طاولت تحديداً التحديات التي تطرحها روسيا اليوم على المسرح الدولي. كان التوافق واضحاً بأن هذا الملف المتعدد الجوانب والاتهامات التي وجهت إلى روسيا بمحاولة زعزعة استقرار ليس دول التحالف فقط، بل والدول التي تشهد تدخلاً مباشراً منها، من أوكرانيا إلى البلطيق وسوريا وفنزويلا، فضلاً عن خرقها المعاهدات النووية، لن تبقى بلا رد.
وشدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على الوحدة بين أعضاء الحلف لاحتواء ما وصفه «بتحديات القوة» من روسيا والصين وإيران، مضيفاً أن الحلف مستعد تماماً لمواجهة هذه التحديات. وأضاف أن على الحلف الاستعداد لمواجهات موجات الهجرة الفوضوية والتحديات الحديثة كالهجمات السيبرانية، وتلك التي تستهدف مصادر الطاقة واستراتيجية الصين التنافسية، بما فيها تقنية الاتصالات من الجيل الخامس. في المقابل، تولى البنتاغون الإعلان عن خطط لبناء أنظمة رادار لكشف تهديدات الصواريخ فوق الصوتية، وإنتاج أسلحة جديدة للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة العسكري؛ ما اعتبر دعماً لموقف الحلف لرد التحديات التي تطرحها روسيا. لكن الحرص كان واضحاً بأن الحلف لا يريد تصعيداً ولا سباقاً جديداً للتسلح مع روسيا؛ الأمر الذي أكد عليه الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، قائلاً: إن العلاقة مع روسيا سيحكمها على الدوام توازن الرد على التحدي وقنوات الحوار المفتوحة معها، لكنه ليس ساذجاً ولن يبقى مكتوف الأيدي.
وكان ستولتنبرغ أكد أن «الناتو» لن يدخل في سباق تسلح جديد ولن ينشر صواريخ نووية متوسطة المدى، رغم خرق روسيا لمعاهدة الصواريخ النووية المتوسطة، الذي أدى إلى إعلان واشنطن الانسحاب منها، وحظي قرارها بإجماع تام من أعضاء الحلف.
في هذا الوقت اعتبر خطاب ستولتنبرغ أمام الكونغرس الأميركي بمجلسيه، على أنه خطاب تطمين واطمئنان، خصوصاً أن أوساطاً عدة في الكونغرس تحدثت عن أن دعوة ستولتنبرغ لإلقاء خطابه، تمت من دون التنسيق مع البيت الأبيض؛ ما يعكس قلق «الطبقة السياسية الأميركية» من حملات التشكيك التي تعرّض لها الحلف، وتحديداً من الرئيس دونالد ترمب، وتقديم رسالة تطمين بأن الولايات المتحدة لا تزال على تعهدها وتمسكها بالحلف.
وفي خطاب ثانٍ، أثنى ستولتنبرغ على الجهود التي بذلها الوزير مايك بومبيو والكثير من قيادات الكونغرس لإيصال رسالة واضحة عن التزام الولايات المتحدة وتمسكها بالحلف، مذكراً بالحقب التاريخية التي مر بها الناتو وعلى توسعه الدائم، حيث انضمت إليه أخيراً دولة شمال ماكيدونيا ليصبح عدد أعضائه 30. ورغم الضبابية التي لا تزال تحيط بقضية إيفاء دول الحلف بالتزاماتهم المالية، فإن مسؤولين أميركيين أكدوا تحقيق تقدم كبير في هذا المجال. وأضافت تلك الأوساط أن تعهدات حصلت عليها واشنطن لمعالجة «الخلل في مساهمات أعضائه المالية»، وأن الجانبين قدما تنازلات، أخذت في الاعتبار ظروف البلدان المعنية بما يسمح لها بالوفاء بالتزاماتها. وضغط الوزير بومبيو على الدول الأعضاء، وخصوصاً على ألمانيا من أجل زيادة مساهمتها، وقال: إن لا وقت نضيعه لتبرير عدم التزامنا بتعزيز الإنفاق بحجة أن مواطنينا لا يدعمون هذا الأمر، مضيفاً أن كل دولة عليها واجب شرح ذلك لمواطنيها.
سفيرة الولايات المتحدة في الحلف كاي بايلي هاتشيسون، كانت أكدت أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعهدت في اتصال هاتفي مع الرئيس ترمب بزيادة حصة بلادها إلى 1.5 في المائة من ناتجها القومي عام 2024.
وأعلن بومبيو، أن الدول الأوروبية وكندا وافقوا على استثمار 100 مليار دولار بنهاية عام 2020، وأنهم سيواصلون زيادة مساهماتهم حتى إغلاق الفجوة القائمة في ميزانية الحلف.
كما أكد أمين عام الحلف على أن جميع الأعضاء قد وافقوا على رفع التزاماتهم لتحقيق نسبة 2 في المائة، وأن بعض الدول ستحقق هذا الالتزام عام 2020 وبعضها عام 2024، من بينها ألمانيا أيضاً.
ملف الحرب في أفغانستان أخذ نصيباً كبيراً أيضاً من مناقشات الوزراء الذين أبدوا اهتماماً واضحاً في معرفة تفاصيل المحادثات التي يجريها المبعوث الأميركي الخاص زلماي خليل زاد للتوصل إلى اتفاق إطار وخريطة طريق تسمح بإنهاء أطول حرب إقليمية، وتضمن عدم تحول أفغانستان إلى ملاذ متجدد للإرهاب، في المنطقة والعالم.
وأعلن الوزراء دعمهم جهود السلام، خصوصاً أن أعباء تلك الحرب تصيب بلدانهم جميعاً، على الرغم من أن النصيب الأكبر يقع على عاتق الولايات المتحدة.
وتحدثت مصادر في البيت الأبيض بأن الأسابيع القليلة المقبلة قد تشهد اختراقاً سياسياً في محادثات السلام، وقد تؤدي إلى الإعلان عن قرار لوقف إطلاق النار، ووقف الأعمال العدائية وإقرار فترة انتقالية مدتها سنتان، يتخللها اتفاقيات سياسية وعسكرية بمشاركة «طالبان» والحكومة الأفغانية.
وتسرب من أجواء الاجتماعات التي عقدت بين المسؤولين الأميركيين والأتراك، أن الخلاف مرشح للتصاعد، في ظل تمسك أنقرة بصفقة صواريخ «إس - 400» الروسية. واعتبر خطاب نائب الرئيس الأميركي مايك بنس أمام اجتماع وزراء الخارجية أنه الأقوى تجاه تركيا عندما خيّرها بين المضي في صفقتها وشراكتها مع حلف الناتو. وقال: «إن على تركيا الاختيار بين ما إذا كانت تود البقاء شريكاً بالغ الأهمية في التحالف العسكري الأكثر نجاحاً في التاريخ، أو أنها تود المخاطرة بسلامة هذه الشراكة واتخاذ قرارات متهورة تضع الحلف بأكمله ضمن دائرة الخطر».
من ناحيته، وفي ملف آخر، حذر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنقرة خلال لقائه نظيره التركي مولود جاويش، من النتائج «المدمرة» لأي عمل عسكري تركي شمال شرقي سوريا. وقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان عقب اللقاء: إن بومبيو أعرب عن دعمه المفاوضات الجارية فيما يخص شمال شرقي سوريا، مع التحذير من العواقب المدمرة المحتملة للعمل العسكري التركي الأحادي الجانب في المنطقة.
وسبق أن أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو خلال مشاركته في الاجتماع، أن أنقرة لن تتراجع عن قرارها شراء «إس -400» الروسية رغم الضغوط الممارسة؛ لأن المسألة قد حسمت.
وعلقت الولايات المتحدة توريدات المعدات الخاصة بمقاتلاتها «إف 35» إلى تركيا، في حين نقل عن مصادر في البنتاغون، أن أنقرة منحت مهلة نهائية تنتهي في شهر يوليو (تموز) المقبل للتراجع عن صفقة «إس - 400»، وإلا تعرضت لعقوبات إضافية. دول الحلف الأخرى لم تُدلِ كثيراً بدلوها في هذا الملف، على الرغم من مشاركتها واشنطن بواعث القلق جراء تمسك أنقرة بصفقة الصواريخ الروسية. وأعلن الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، أن هذه القضية ليست مدرجة على جدول أعمال الاجتماع، لكنه أكد أن هذا النوع من الخلافات تبحث في هذه الاجتماعات عادة.
وقال: إن قضية نوعية النظم الدفاعية التي تختارها الدول هي مسألة سيادية، لكن من الواضح أن هناك مخاوف بشأن نظم من خارج منظومة الحلف. وقال: إن فرنسا وإيطاليا دخلتا على خط الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة وتركيا، من خلال عرض منظومة صواريخ دفاعية بديلة، وأن مفاوضات جارية مع الأتراك.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».