واشنطن تدرس خيارات ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا

إدارة أوباما قد تلجأ لطلب تفويض من الكونغرس وبين الخيارات التعاون مع أكراد سوريا

شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)
شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)
TT

واشنطن تدرس خيارات ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا

شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)
شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)

تدرس إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الحصول على تفويض من الكونغرس باتخاذ إجراء عسكري ضد تنظيم «داعش» بموجب استراتيجية مكافحة الإرهاب المعاد تنظيمها والتي أعلنها الرئيس أوباما في العام الماضي.
يمكن أن يقدم تفويض الكونغرس مبررا قانونيا محليا للاستخدام غير المحدود للقوة ضد الجماعة المسلمة السنية في العراق وسوريا، وذلك وفقا لما صرح به مسؤول في الإدارة الأميركية. كانت آخر مرتين أصدر فيهما الكونغرس تفويضا بمثل هذا الإجراء عام 2001، ضد تنظيم القاعدة وشركائه، وفي عام 2002 ضد العراق تحت حكم صدام حسين.
يعد التفويض الجديد واحدا من بين عدة خيارات تخضع لمناقشات داخلية نشيطة، في حين تدرس الإدارة إذا كانت ستسعى إلى إلحاق هزيمة عسكرية بـ«داعش» التي تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الواقعة بين دمشق وبغداد وكيفية تنفيذ ذلك.
تتضمن مجموعة الخيارات المتاحة لاستخدام القوة العسكرية الأميركية المباشرة، كما يقول المسؤول، تفويضا مؤقتا بموجب قرار سلطات الحرب، أو صلاحية دستورية باتخاذ إجراء في حالة الطوارئ بهدف حماية مواطنين أميركيين، أو الدخول في نقاش مع الكونغرس بشأن الحصول على تفويض مفتوح لمحاربة الدولة الإسلامية. وقال مسؤول أميركي لـ«نيويورك تايمز» إن «بين الخيارات التي تدرسها إدارة أوباما ضربات جوية ضد (داعش) في سوريا، وتسريع وتكثيف الدعم إلى جماعات المعارضة السورية المعتدلة التي تقاتل النظام والمتطرفين، وكذلك بناء شراكات على الأرض مع قوى تستطيع مواجهة (داعش) مثل الأكراد السوريين»، وحسب المسؤولين فإن الضربات الجوية يمكن أن تكون بطائرات مقاتلة أو «درون». وإذا حدث ذلك سيكون تغيرا في استراتيجية أوباما الذي حاول الابتعاد عن التدخل العسكري في سوريا بينما أظهر أخيرا تمدد «داعش» في الأراضي العراقية والسورية التهديد الذي يشكله التنظيم لحلفاء واشنطن.
يذكر أن أوباما أصدر أوامره بتنفيذ ضربات جوية في العراق بموجب الخيار الأول، والذي يستمر لمدة 60 يوما حتى بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول). أما الخيار الثاني، فتم استخدامه في الصيف الحالي لشن عملية إنقاذ فاشلة لمجموعة من الرهائن الأميركيين الذين يحتجزهم تنظيم «داعش» في سوريا. وسوف يتضمن الخيار الثالث، الدخول في نقاش غير مؤكد النتيجة مع المشرعين ذوي وجهات النظر المتفاوتة بشأن السلطات الرئاسية والإجراء العسكري في الخارج.
وقال نائب مستشار الأمن القومي بنجامين رودس للصحافيين يوم الجمعة الماضي: «إذا لاحقت الأميركيين، فسوف يلاحقونك. ولن تقيدنا الحدود». وأضاف رودس أن قتل الصحافي فولي «يمثل عملا إرهابيا ضد بلادنا». وتعتقد الإدارة الأميركية أنه يقدم مبررا قانونيا على المستوى الدولي لاتخاذ إجراء عسكري وفق ما يقتضيه الدفاع عن النفس.
في حين يتم إعداد خطط للطوارئ بشن غارات جوية أوسع في سوريا من أجل العرض على الرئيس أوباما إذا طلبها، إلا أنه لم يفعل حتى الآن. كذلك لم تضع أجهزة الاستخبارات قائمة بالأهداف شديدة الأهمية من قيادات تنظيم «داعش»، كما فعلت مع «القاعدة»، على حد قول المسؤول رفيع المستوى.
وصرح المسؤول أيضا: «نحن نحاول بوضوح العثور عليهم، ولكننا لم نتخذ قرارا بشأن استهداف الأفراد». وقد اشترط المسؤول عدم ذكر اسمه من أجل تناوله لقضايا تتعلق بصناعة السياسات وبشؤون الاستخبارات.
وأوضح المسؤول أنه على الرغم من عمل الإدارة الأميركية على وضع سياسة شاملة طويلة الأمد، إلا أنها تركز على إخراج المتطرفين من العراق واحتوائهم في سوريا.
وحققت قوات «داعش» تقدما في العراق من سوريا في الربيع، حيث استولت سريعا على مدينة الموصل في الشمال وتحركت جنوبا لتصل على بعد مسافة 60 ميلا من بغداد. وفي حين أرسلت الإدارة مساعدات إضافية إلى الجيش العراقي، إلا أنها استغلت الوعد بتقديم مزيد من المساعدات كوسيلة ضغط لفرض التغيير على الحكومة العراقية.
وفي 7 أغسطس (آب)، أصدر أوباما أوامره بشن غارات جوية على مقاتلي الدولة الإسلامية الذين يتحركون تجاه أربيل، العاصمة الكردية الواقعة في شمال العراق، والذين حاصروا وهددوا بقتل عشرات الآلاف من أفراد الطائفة الإيزيدية التي تمثل أقلية.
كان نجاح تلك الغارات المستمرة – والتي وصلت إلى نحو 100 غارة على مدار الأسبوعين السابقين – والتقدم الذي أحرزته في تشكيل حكومة شيعية أكثر شمولا في العراق، مشجعا لصناع السياسات. ومن المعتقد أن الدول السنية المجاورة ومنها السعودية والأردن وتركيا سوف تساعد في إقناع السنة العراقيين بالابتعاد عن المتطرفين والانضمام إلى الحكومة في معركتها ضدهم.
ومن جانبها، تتوقع الإدارة استمرار الغارات الجوية في العراق في المستقبل القريب، كما يقول المسؤول رفيع المستوى، على الرغم من «انتباهها» إلى أنها سوف يكون عليها قريبا التعامل مع حدود سلطاتها في الحرب بعد مرور 60 يوما. «دائما ما نعرف أنه أثناء تقييم المدة التي قد نحتاجها لاتخاذ إجراء عسكري، توجد قيود على ما يمكن فعله بموجب صلاحيات الحرب». وقال المسؤول: «في إطار منفصل، علينا أن نتخذ قرارا مشابها بشأن أي إجراء في سوريا».
أما عن الوضع في سوريا، فهو أكثر تعقيدا بكثير. ففي العراق، تعتقد الإدارة أن القوات المحلية تستطيع أن تدفع «داعش» بعيدا ببعض المساعدة الأميركية، ولكن في سوريا، التي تشتعل فيها حرب أهلية شاملة، تدعم الولايات المتحدة قوات ثورية ضعيفة تقاتل حكومة الرئيس بشار الأسد بالإضافة إلى «داعش» وجماعات متطرفة أخرى. فضلا عن أن التدخل محفوف بالمخاطر فلا يقتصر الأمر على امتلاك المتطرفين لصواريخ أرض جو، بل تسيطر قوات الأسد أيضا على الأجواء السورية.
في حين ينفي خبراء مطلعون على الشأن الأميركي أي نية أميركية للتقارب مع دمشق، مؤكدين أن الضربة الأميركية لـ«داعش» في سوريا تتزايد حظوظها، من غير أي تنسيق مع الجانب السوري.
غير أن دمشق، ترفض التدخل الأميركي من غير تنسيق مع حكومتها. ويقول الأمين القطري لحزب البعث السوري فايز شكر، إن «عملا بهذا الحجم يجب أن يكون منسقا مع الحكومة السورية»، مشددا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن دمشق تشترط على الأميركيين تشكيل جبهة موحدة لاجتثاث الإرهابيين من سوريا، بصرف النظر عن جنسياتهم، فضلا عن تطبيع العلاقات بما يتضمن إقرارا من الحكومات الغربية التي ساهمت في رعاية الإرهاب في سوريا، بالتراجع عن خطئها برعايتهم، إضافة إلى التواصل مع سوريا سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا بشكل كامل، قائلا «لا بد أن يكون هناك تنسيق علني سياسي وعسكري قبل البحث في التدخل». وكان وزير الإعلام السوري عمران الزعبي قال إن «الطائرات الأميركية لن تهاجم مواقع الإرهابيين في سوريا إلا إذا كان بموافقة الحكومة السورية، لأن سوريا تنظر إلى مكافحة الإرهاب بمفهوم شامل وليس كجزئية صغيرة، والجيش السوري لديه الإمكانيات والقدرات والخبرات وهو يخوض معركة صعبة وواسعة النطاق في مواجهة هذا الإرهاب لوحده».
ويؤكد رئيس مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» أن قرار التدخل اتخذ قبل أشهر من قبل البنتاغون، والبيت الأبيض على حد سواء، لافتا إلى أن المعارضين للتدخل كانوا مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذين ينظرون إلى أن القتال الدائر بين الشيعة والسنة في العراق وسوريا، سيستنزف الطرفين سويا، وبالتالي سيقوض نفوذ إيران ويضعفها، كما سيضرب قوة تنظيم القاعدة في الصميم، وبالتالي لم يكونوا يرون حافزا للتدخل قبل التطورات الأخيرة، حين بات وجود التنظيمات المتشددة يمثل خطرا على المصالح والرعايا الأميركيين. ويشير إلى أن النقاش حول التدخل، كان كبيرا، إذ كان البيت الأبيض والبنتاغون يؤيدان عملا عسكريا ضد النظام في سوريا، قبل أن تتجه الأولويات اليوم لمنع انتشار «داعش».
ويؤكد قهوجي أن الأميركيين ينظرون إلى الوقائع الميدانية على أنه لا يمكن فصل التعاطي مع العراق عن إمكانية تمديد الضربات إلى سوريا لضرب قياداتها، مستدلا على التصريحات الأميركية بأنه لا حدود بالنسبة للقوات الأميركية، ولن تكون الحدود عاملا يحد التدخل الأميركي العسكري.
ونفذت القوات الجوية الحكومية السورية، مطلع الأسبوع الماضي، ضربات ضد مقرات تنظيم «داعش» في معقله في الرقة (شمال شرقي البلاد)، مستخدمة أحدث طائراتها العسكرية، بموازاة تنفيذ القوات الجوية الأميركية ضربات ضد أهداف «داعش» في العراق. وكان مدير صحيفة «الوطن» السورية المقربة من السلطات وضاح عبد ربه، أوضح أن دمشق تريد أن تقول للأميركيين إنها ليست في حاجة إلى طائرتهم الحربية ضد «داعش».



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».