القادة العرب أمام القمة: الجولان والقدس... ووحدة الكلمة

السبسي أطلق عليها قمة «العزم والتضامن»... والملك عبد الله يؤكد أن خطر الإرهاب لم ينته بعد

الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)
الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)
TT

القادة العرب أمام القمة: الجولان والقدس... ووحدة الكلمة

الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)
الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)

رفع القادة العرب أمس الصوت عاليا في وجه «التدخلات الأجنبية» في الدول العربية، وأكدوا على مركزية القضية الفلسطينية وعروبة الجولان وضرورة مكافحة الإرهاب وتوحيد المواقف والرؤى.
وشهدت الكلمات التي ألقيت من قبل الزعماء العرب توصيفا متشابها للواقع من معظم القادة الذين تناوبوا على الكلام في الجلسة العلنية التي سبقت جلسات العمل المخصصة لمناقشة البيان الختامي و«إعلان تونس»، خصوصا فيما يتعلق بضرورة التزام الشرعية الدولية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن.
وأعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن تسمية القمة العربية العادية الثلاثين بقمة «العزم والتضامن». وأكد الرئيس التونسي - في كلمته في الجلسة الافتتاحية بعد تسلمه رئاسة القمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية - ضرورة أن تكون هناك وقفة عربية لتحديد مواطن الخلل في العمل العربي المشترك، وضرورة إعادة ترتيب الأولويات على قاعدة الأهم فالمهم.
وكانت القمة قد بدأت أعمالها صباح أمس بمشاركة 13 زعيما عربيا، واستهلت بكلمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بصفته رئيس القمة السابقة، ثم سلم رئاسة القمة للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي رأى أن «تخليص المنطقة من بؤر التوتر أصبح حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل، كما يجب تأكيد أولوية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك وتسليط الضوء عليها في الساحة الدولية».
وأكد السبسي ضرورة «توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وفي العالم بأسره، يمر عبر تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف على الأراضي المحتلة عام 1967. وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، ومبدأ حل الدولتين».
وشدد على أن الجولان أرض عربية محتلة باعتراف المجتمع الدولي، مؤكدا ضرورة بذل الجهود لإنهاء الاحتلال لتحقيق الاستقرار على المستويين الأمني والدولي، وليس تكريس الاحتلال ومخالفات القرارات الدولية التي تؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة.
ثم تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط فأكد أن «التدخلات من جيران العرب الإقليميين وبالأخص إيران وتركيا، فاقمت من تعقد الأزمات وأدت إلى استطالتها، بل واستعصائها على الحل، ثم خلقت أزمات ومشكلات جديدة على هامش المعضلات الأصلية». وقال أبو الغيط: «إننا نرفض كافة هذه التدخلات وما تحمله من أطماع ومخططات». وشدد على أنه «لا مجال لأن يكون لقوى إقليمية جيوب في داخل بعض الدول العربية تسميها مثلاً مناطق آمنة، ومن غير المقبول أن تتدخل قوى إقليمية في الشؤون الداخلية للدول العربية بدعم فصيل أو آخر تحت غطاء طائفي لا يكاد يخفي ما وراءه من أطماع إمبراطورية في الهيمنة والسيطرة».
وأضاف «إن حاجتنا تشتد اليوم أكثر من أي وقت مضى لمفهوم جامع للأمن القومي العربي... نتفق عليه جميعاً، ونعمل في إطاره... مفهوم يُلبي حاجة كل دولنا إلى الاستقواء بالمظلة العربية في مواجهة اجتراءات بعض جيراننا، والتدخلات الأجنبية في شؤوننا، ومخططات جماعات القتل والإرهاب للنيل من استقرارنا».
وأشار إلى الإعلان الأميركي المناقض لكافة الأعراف القانونية المستقرة بل ولأسس النظام الدولي الراسخة الذي يمنح المحتل الإسرائيلي شرعنة لاحتلاله لأرض عربية في الجولان السوري. وحذر من أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى اغتنام المكاسب، سواء في سوريا أو فلسطين المحتلة، بتثبيت واقع الاحتلال وقضم الأراضي. وقال «للأسف فإن مواقف الإدارة الأميركية الأخيرة تُشجع الاحتلال على المضي قدماً في نهج العربدة والاجتراء، وتبعث بالرسالة الخطأ للشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية... وكأنها تحملهم عبئا فوق عبء الاحتلال، ومعاناة فوق معاناة القمع والاستيطان».
وثمن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الجهود العربية في مواجهة المشاكل الراهنة على غرار مسألة اللاجئين، معربا عن الأمل في أن تعزز دورها في هذا المجال لا سيما في ظل الأوضاع المأساوية باليمن وسوريا.
ودعا إلى تعزيز الوحدة في العالم العربي واعتبرها شرطا جوهريا وأساسيا لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة ولتجنيب الدول العربية العيش في وضع هش يفسح المجال أمام تدخل القوى الأجنبية مما يتسبب في المزيد من مشاكل عدم الاستقرار في المنطقة.
وشدد غوتيريش على ضرورة التشبث بحل الدولتين بالنسبة للقضية الفلسطينية قائلا «لا يوجد أي حل لهذه القضية سوى تعايش الشعبين في فلسطين وإسرائيل جنبا إلى جنب في سلم واستقرار وأمن وأن تكون القدس عاصمة للدولتين»، مشيرا إلى أن العنف المتواصل في غزة يذكر بالوضع الأمني الهش داعيا إلى تعزيز دور الأونروا. وأشار إلى أن الآلاف من السوريين ما زالوا يعيشون مهجرين ويواجهون مشاكل إنسانية، مشددا على أن أي حل في سوريا يجب أن يضمن وحدة الشعب السوري ووحدة ترابها بما في ذلك الجولان المحتل وإيجاد حلول على أساس قرارات الأمم المتحدة.
ورأى الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف بن أحمد العثيمين أنّ «الإرهاب طاعون العصر، ويجب التصدي له ولخطاب التكفير»، معتبراً أنّ «الدين الإسلامي دين نبذ العنف». وشدد العثيمين على أنّه «لا يجوز تحول الدين إلى سبب للفرقة والخوف، وتوظيفه لأغراض شخصية». وجدّد استنكار المنظمة لكل العمليات الإرهابية في كل دول العالم، مشيراً إلى أنّ ما حدث في نيوزيلندا رسالة مفادها أن الإرهاب لا دين له.
وشدد موسى فقي، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي على الترابط الكبير بين القمة العربية والقمة العربية الأفريقية. وقال، إن الاتحاد الأفريقي بكل مصادره وإمكاناته هو رهن الإشارة لتحرك مشترك فعال ومثمر في سبيل تحقيق الغايات المشتركة.
وأعلنت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية فريدريكا موغيريني رفضها لسياسات الأمر الواقع كطريق لحل الأزمات في المنطقة. وقالت: «نحن نواجه سياسة الأمر الواقع، يجب أن ندرك أن الحلول التي تفرض بالقوة لا يمكن لها الاستدامة والحل الذي لا يكون شاملا لا يمكن أن يكون ناجحا». وتابعت: «الوضع في سوريا بلا حل وليبيا بلا دولة، وتجاهل قرارات المجتمع الدولي بشأن مرتفعات الجولان ليس بالحل».
وقالت موغيريني «الاتحاد الأوروبي سيواصل عدم الاعتراف بسيادة إسرائيل على الأراضي المحتلة عام 67». وشددت، في كلمتها على «التعاون المصيري» والمهم مع جامعة الدول العربية.
وشدد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني على أنه لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، مؤكدا أن الأردن مستمر بدوره التاريخي في حماية القدس والدفاع عنها. وقال إن «القضية الفلسطينية كانت وستبقى الهم الأول الذي يشغل الوجدان العربي». وأضاف «تحدياتنا العربية عابرة للحدود وليس بإمكان أي دولة أن تدافع عن مصالحها بشكل منفرد»، مؤكدا أنه رغم هزيمة «داعش» إلا أن خطر الإرهاب لم ينته بعد. وأكد العاهل الأردني أن «الجولان أرض سورية محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية»، مشيرا إلى أن «الأردنيين احتضنوا الأشقاء السوريين وشاركوهم لقمة العيش». وشدد على أنه لا بديل عن الحل السياسي الذي يحفظ وحدة سوريا أرضا وشعبا.
وأعرب أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عن أسفه لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، ووصفه بأنه «خروج عن المرجعيات الدولية». وأكد في كلمته أن القضية الفلسطينية ستظل قضية العرب الأولى، ولفت إلى أن «أي ترتيبات لعملية السلام في الشرق الأوسط لا تستند للمرجعيات الدولية ستكون بعيدة عن أرض الوقع».
ودعا إلى إفساح المجال أمام حل سياسي في سوريا، وشدد على أن «القتال لن يفضي لإنهاء الصراع». ودعا إلى البحث عن حلول تعيد الاستقرار إلى المنطقة العربية، وقال: «نمر بظروف حرجة وتحديات خطيرة... وسنتصدى لهذه الظروف والتحديات بتوحيد مواقفنا وتجاوز الخلافات».
وأكد الرئيس اللبناني ميشال عون أن الأخطر من الحرب هو المشاريع السياسية والصفقات التي تلوح في الأفق، وما تحمله من تهديد وجودي لدول وشعوب المنطقة وقال عون: «تسع سنوات مرت على بدء الحروب الإرهابية في الدول العربية، سقط فيها مئات آلاف الضحايا وتشرد الملايين، ناهيك عن الآلاف المؤلفة من المعوقين والجرحى وأيضا المفقودين». وأضاف: «أنظمة تهاوت ورؤساء غابوا، مدن بكاملها دمرت وثروات تبددت ومعالم ضاعت وشعوب تمزقت، وخسر الجميع، اليوم خفت أزيز الرصاص ودوي الانفجارات وخفّ نزف الدم، ولكن الجراح التي خلفتها هذه الحروب حفرت عميقا في الوجدان العربي وفي المجتمعات العربية، فزادتها تمزقا وزادت شروخها شروخا».
وتابع: «الحرب هدأت أو تكاد، ولكن نتائجها لم تهدأ، فإلى متى الانتظار للبدء بترميم ما تكسر وإزالة التداعيات المؤلمة؟». وأشار إلى أن «شرذمة المنطقة والفرز الطائفي يمهدان لمشروع إسقاط مفهوم الدولة الواحدة الجامعة لصالح كيانات عنصرية طائفية وفرض واقع سياسي وجغرافي جديد يلاقي ويبرر إعلان إسرائيل دولة يهودية».
وأكد الرئيس اللبناني أن «قرار ترمب لا يهدد سيادة دولة شقيقة فحسب، بل يهدد أيضا سيادة الدولة اللبنانية التي تمتلك أراضي قضمتها إسرائيل تدريجيا، لا سيما في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، والملكية اللبنانية لهذه الأراضي مثبتة بالوثائق والخرائط المعترف بها دوليا».
وقال الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، إن إيران تواصل محاولة السيطرة على العواصم العربية بعد إحكام الميليشيات الحوثية قبضتها على العاصمة صنعاء، وأضاف في كلمته أمام القمة العربية أن الميليشيات الحوثية أحدثت مأساة للشعب اليمني عندما انقضت على صنعاء وحولتها إلى سجن كبير للمواطنين. وأضاف أن الميليشيات الحوثية اجتاحت كافة المدن وعملت على تدمير أوجه الحياة اليومية للشعب اليمني. واتهم الرئيس اليمني، الميليشيات الحوثية بتسليم نفسها إلى عدو حاقد على الأمة العربية وهو إيران. وأشار إلى تبجح إيران بأنه تمت السيطرة على العاصمة العربية الرابعة عقب انقلاب الميليشيات الحوثية على الحكومة الشرعية وسيطرتها على صنعاء.
وأكد هادي أن الحكومة الشرعية لا ترفض السلام، بل دخلت مشاورات عديدة، ولكن الميليشيات الحوثية، بدعم إيران، دأبت على رفض تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مثلما حدث في تنفيذ اتفاق ستوكهولم الذي تم توقيعه منذ 4 أشهر، فيما تمتنع الميليشيات الحوثية حتى الآن عن الانسحاب من ميناء الحديدة.
وأوضح أن الحكومة الشرعية تواصل تنفيذ مهامها من عدن رغم استيلاء الميليشيات الحوثية على كافة المداخيل، مشيرا إلى حاجة الحكومة الشرعية إلى مزيد من المساعدات. وثمّن هادي المبادرة السعودية التي وصفها بالتاريخية، لمساعدة الحكومة على استعادة المناطق التي اجتاحها الحوثيون.
ورأى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أن «القضية الفلسطينية ستبقى قضية العرب الأولى»، مؤكدا وجوب خروج قوات الاحتلال الإسرائيلية من الجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية. ولفت ولد عبد العزيز إلى «أننا ندعم حق الشعب الفلسطيني في إقامته دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف»، موضحا «أننا نرفض القرار الأميركي الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري».
وتحدث الرئيس العراقي برهم صالح عن الحاجة إلى حوار صريح بين القادة العرب والسعي معا من أجل تعزيز قيم التفاهم والعمل المشترك.
وقال صالح في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية لأعمال القمة العربية: «يجب الإقرار بأن التحديات خطيرة ومتعددة وينبغي إدراك أن فرص مواجهة التحديات ومخاطرها ما زالت قائمة وما زال ممكنا العمل بمسؤولية عالية لاجتياز الأزمات وهي أزمات مشتركة لا يمكن المفر منها ولا ينبغي لأي بلد من بلداننا التفكير بأنه في منأى عنها أو عن آثار هزاتها الارتدادية». وأضاف: «العراق خارج لتوه من حرب ضد الإرهاب وقد ضحينا بالغالي والنفيس في مواجهة الإرهاب ودحره»، مبينا أن «الانتصار العسكري المتحقق من الخلافة المزعومة تطور مهم وإنجاز كبير وكان انتصاراً عراقياً بامتياز»، مستدركاً «هذا الانتصار العسكري يجب أن يستكمل بعمل دؤوب لاستئصال الفكر المنحرف وتجفيف منابع تمويل الإرهاب وإعادة إعمار المدن المحررة وعودة النازحين إلى بلادهم، من هذا المسعى يأتي العمل المشترك والتعاون الإقليمي والدولي لمنع ظهور الإرهاب مجدداً ولاجتثاث تمويله وفكره».
وبعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببرقية للمشاركين في القمة العربية، أكد فيها أن «روسيا على استعداد للتعاون مع الدول العربية في جميع المجالات». وأشار إلى أن الوضع المتوتر في كثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يزيد من أهمية جامعة الدول العربية، كآلية للحوار والتفاعل متعدد الأطراف. وشدد على ضرورة حل الأزمات القائمة بطرق سياسية ودبلوماسية. واستشهد بسوريا كمثال على ذلك، قائلاً: «هذا ينطبق بالكامل على سوريا، حيث تمكنا، بفضل الجهود الروسية، من توجيه ضربة ساحقة إلى قوى الإرهاب، والبدء في العملية السياسية، وحل المشكلات الإنسانية الملحة».
كما رأى بوتين، أنه من أجل استقرار الوضع في المنطقة، من الضروري حل النزاع العربي - الإسرائيلي طويل الأمد، الذي ستكون نتائجه «حلاً عادلاً للمشكلة الفلسطينية». وأكد من جديد المبادرات الروسية السابقة حول الشرق الأوسط، التي تهدف إلى تشكيل تحالف واسع لمكافحة الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة، وتطوير تدابير الأمن الجماعي والثقة في منطقة الخليج.



رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
TT

رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بمكة المكرمة - أرشيفية - (واس)

كشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، عن حزمة من ثلاث خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال «صومالي لاند»، مشيراً إلى التنسيق الوثيق مع شركائهم، بقيادة السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وقال الرئيس الصومالي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن هناك دولاً في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، دون أن يسميها: «لا أود تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض، ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».

واستدرك محمود قائلاً: «لكن رسالتنا واضحة للجميع بأن وحدة الصومال خط أحمر، وأن الصومال اتخذ مواقف لحماية الوحدة والسيادة الوطنية. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

وشدد على أهمية التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة لفوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره، مشيراً إلى أن السعودية، تعد شريكاً استراتيجياً محورياً لبلاده في دعم الاستقرار والوحدة، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.

ثلاث خطوات

وحول الخطوات التي تتخذها الحكومة الصومالية إزاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة، قال محمود: «أؤكد، وبأقصى درجات الوضوح والحزم، أن أي اعتراف بإقليم أرض الصومال – أو ما يُعرف بـ(صومالي لاند) – دولةً مستقلة يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة جمهورية الصومال الفيدرالية».

وزاد: «كما أن هذا الاعتراف الإسرائيلي، بإقليم أرض الصومال، يعد مخالفة جسيمة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الاتحاد الأفريقي التي تُجمع على احترام الحدود الموروثة للدول الأفريقية. وعلى هذا الأساس، اتخذ الصومال، وسيتخذ حزمة من الخطوات المتوازية».

وعدد الرئيس الصومالي، عدة خطوات بهذا الشأن، تبدأ من التحرك الدبلوماسي الفوري عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لرفض هذا الاعتراف وإبطاله قانونياً وسياسياً.

ولفت إلى أن بلاده، دعت بالفعل إلى عقد جلسة رسمية في مجلس الأمن الدولي بشأن هذا «الانتهاك الإسرائيلي السافر لسيادتنا ووحدتنا الوطنية»، مبيناً أنه تم عقد الجلسة، وكانت نصراً دبلوماسياً مهماً للصومال، لا سيما في ظل عضوية الصومال الحالية في مجلس الأمن الدولي.

وأضاف: «نُعرب هنا عن بالغ امتناننا لمواقف التضامن والتنديد التي صدرت عن الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة الإيقاد، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الشركاء الدوليين».

الخطوة الثانية من الخطة الصومالية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق الرئيس الصومالي، تتمحور في العمل على تنسيق موقف عربي وإسلامي وأفريقي موحد «ونثمّن عالياً أن السعودية كانت سبّاقة في إصدار بيان واضح وصريح استنكر أي مساس بوحدة الصومال».

مشيراً إلى أن «الموقف السعودي، هو موقف يعكس التزام المملكة الراسخ باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، زاد هذا الموقف رسوخاً ما أكده مجلس الوزراء السعودي من دعم ثابت ومبدئي للصومال في هذا الظرف الدقيق».

وزاد محمود: «نشير بتقدير بالغ إلى أن دولاً عربية وإسلامية وأفريقية عديدة، إضافة إلى دول من أميركا اللاتينية وآسيا، أصدرت بيانات تضامن وتنديد. ومن خلال صحيفتكم المرموقة، نتقدم إليهم جميعاً بالشكر والتقدير، مؤكدين أن الذاكرة الوطنية الصومالية ستحتفظ بهذا التضامن التاريخي».

الخطوة الثالثة من المسعى الصومالي لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«إقليم أرض الصومال»، وفق محمود، يتمحور في تعزيز الحوار الوطني الداخلي لمعالجة جميع القضايا السياسية في إطار الدولة الصومالية الواحدة، بعيداً عن أي إملاءات أو تدخلات خارجية.

السلم الإقليمي والدولي

وحول التخوف من أن يعيد هذا الاعتراف الإسرائيلي تشكيل الديناميكيات الإقليمية، وما يترتب عليه من مخاطر على أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، قال محمود: «إن هذا الاعتراف – إذا لم يُواجَه بموقف حازم – ربما يفتح الباب أمام سابقة خطيرة ستزعزع الأمن والسلم الإقليميين والدوليين».

وفسّر ذلك بأن هذا الاعتراف، سيعمل على تشجع النزعات الانفصالية ليس فقط في القرن الأفريقي، بل في أفريقيا والعالم العربي عموماً، بما يهدد الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن ما تشهده بعض «الدول الشقيقة»، مثل السودان واليمن، خير دليل على كلفة تفكك الدول وانهيار بنيتها الوطنية.

أما فيما يتعلق بأثر هذا الاعتراف، بأمن بالبحر الأحمر، فقال الرئيس الصومالي: «نحن نتحدث عن شريان ملاحي عالمي وأمن قومي عربي بامتياز. وأي توتر سياسي أو أمني على السواحل الصومالية سينعكس مباشرة على أمن التجارة الدولية، وأمن الطاقة».

وأضاف: «سيمتد هذا الأثر الخطير، إلى استقرار الدول المشاطئة، وفي مقدمتهم السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن والأردن. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة الصومال يمثل ركيزة أساسية من ركائز أمن البحر الأحمر الجماعي».

مقدمة لهيمنة على المنطقة

وحاول الرئيس الصومالي قراءة الهدف الحقيقي لإسرائيل من هذا الاعتراف، ومدى اختبار ذلك لمعارضة الصومال التاريخية للانفصال، وقال: «نرى أن الهدف يتجاوز مجرد اعتراف سياسي».

وأضاف: «إن الهدف يتجاوز الهدف السياسي، ليشمل السعي إلى إيجاد موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل في القرن الأفريقي وعلى مقربة مباشرة من البحر الأحمر، بما يتيح لها التأثير على مضيق باب المندب وتهديد الأمن القومي لكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وأوضح أن هذا التحرك، يمثل محاولة لاختبار صلابة الموقف الصومالي، والعربي، والأفريقي تجاه قضايا السيادة ووحدة الدول، «هنا أؤكد بجلاء أن معارضة الصومال للانفصال ليست موقفاً ظرفياً أو تكتيكياً، بل هي مبدأ وطني راسخ، يحظى بدعم عربي وأفريقي واسع، وفي طليعته دعم السعودية».

ولفت الرئيس الصومالي إلى أن المخطط الإسرائيلي بالاعتراف، ينقل الصراع في الشرق الأوسط إلى الأراضي الصومالية، «أقول بوضوح أننا لن نسمح بتحويل الصومال إلى ساحة لتصفية صراعات دولية أو إقليمية لا تخدم مصالح شعبنا ولا أمن منطقتنا».

وشدد على أن الصومال يتطلع إلى السلام، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وليس إلى استيراد أزمات الشرق الأوسط أو عسكرة سواحله ومياهه الإقليمية، «ونحن ننسق بشكل وثيق مع شركائنا العرب، وفي مقدمتهم السعودية، للحفاظ على استقرار المنطقة، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب».

وأضاف: «إن التجارب أثبتت أن تفتيت الدول لا يصنع استقراراً، بل يخلق فراغات أمنية خطيرة لا تقتصر آثارها على دولة واحدة، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. ومن هنا، نحذر من الانخداع بالمغامرات الإسرائيلية العبثية».

ودعا الرئيس الصومالي، الدول العربية، لا سيما المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، إلى إدراك أن الصومال يمثل البوابة الجنوبية لأمنها القومي، مجدداً دعوته للدول الأفريقية، خصوصاً دول الجوار الصومالي، إلى التضامن مع الصومال والتنبه للمخططات التي تهدف إلى جر المنطقة إلى فوضى مفتوحة لا نهاية لها، على حدّ تعبيره.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (سفارة الصومال بالرياض)

العلاقات السعودية الصومالية

وعلى صعيد العلاقات السعودية – الصومالية، وأهميتها في تأمين البحر الأحمر، قال محمود: «إن العلاقات الثنائية، علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة الجذور، تقوم على الأخوة، والدين، والمصير المشترك، حيث تُعد السعودية شريكاً استراتيجياً محورياً للصومال في دعم استقراره ووحدته، وفي جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية».

وأضاف: «ينظر الصومال بإعجاب وتقدير كبيرين إلى رؤية المملكة 2030، وما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية غير مسبوقة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء. ونحن بصدد الاستفادة من الخبرات السعودية في هذه المجالات».

وتابع: «في الظرف الحالي أيضاً نحن على ثقة تامة بأن حكمة القيادة السعودية، وقوتها، وثقلها الإقليمي والدولي، تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في مساعدة الصومال على النهوض مجدداً قوياً، وموحداً، وعزيزاً».

وزاد: «نتطلع لأن تلعب الدبلوماسية السعودية، دوراً محورياً ورئيسياً، لحشد التأييد والتضامن للصومال بين الدول والمنظمات الدولية. وكما تعلمون، مرّ الصومال بظروف قاسية، لكنه اليوم يتعافى بوتيرة متسارعة».

وقال محمود: «في هذا السياق، نشعر بآلام الشعوب التي تمر اليوم بما مرّ به الصومال سابقاً، ونعرب عن تضامننا الصادق معها، ونشيد ونقف مع الدور الأخوي الصادق والمخلص، الذي تضطلع به السعودية تجاه اليمن، والسودان، وسوريا، وبإسهامها البارز في تعزيز استقرار المنطقة والعالم».

وعن انطباعه عند تلقيه، قرار مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أخيراً، الرافض لأي تقسيم لوحدة جمهورية الصومال، قال محمود: «تلقَّت الحكومة الفيدرالية في جمهورية الصومال قرار مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقدير بالغ وارتياح كبير».

وأضاف: «نعدّ هذا الموقف امتداداً للدعم التاريخي الذي تقدمه المملكة لوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها. إن التأكيد الواضح من القيادة السعودية على رفض أي محاولات للمساس بوحدة الصومال يعكس عمق العلاقات الأخوية بين بلدينا، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويبعث برسالة مهمة إلى المجتمع الدولي حول أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.