الحريري يتحدث عن قرارات اقتصادية «صعبة» ويجهز «خريطة طريق»

دعا الجميع إلى المشاركة في مسؤولية اتخاذها... وخطته تشمل رؤية متكاملة للموازنة والكهرباء والبرنامج الاستثماري لـ«سيدر» والإصلاحات الإدارية

الحريري مستقبلاً ضيوفه في بيت الوسط أمس (الوكالة الوطنية للإعلام)
الحريري مستقبلاً ضيوفه في بيت الوسط أمس (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الحريري يتحدث عن قرارات اقتصادية «صعبة» ويجهز «خريطة طريق»

الحريري مستقبلاً ضيوفه في بيت الوسط أمس (الوكالة الوطنية للإعلام)
الحريري مستقبلاً ضيوفه في بيت الوسط أمس (الوكالة الوطنية للإعلام)

رأى رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أن جميع الفرقاء السياسيين يتحملون مسؤولية حلّ المشكلات التي يعاني منها البلد، قائلاً إنه «لا يمكن لفريق سياسي أن يعتقد أن باستطاعته تحميل الآخرين مسؤولية كل المشاكل في البلد، لأن هذه المشاكل متراكمة منذ زمن»، لافتاً إلى أن «هناك قرارات صعبة فيما يختص بالموازنة والإصلاحات، وعلى الجميع أن يتشارك بمسؤولية اتخاذها، لا أن ينشغلوا بالمهاترات وتبادل الاتهامات التي لا توصل إلى نتيجة».
وقال الحريري خلال استقباله زواراً في «بيت الوسط»، أمس، إن «البلد يواجه صعوبات كثيرة وهي بحاجة إلى العمل الجدي، وعلينا أن نواجهها». وأضاف أن «هناك قرارات يجب أن نتخذها، وهي تصب في مصلحة المواطن اللبناني، أكان فيما يتعلق بـ(سيدر) أو بالإصلاحات التي يجب أن نقوم بها».
وأضاف: «أنا متأكد من أن كل الفرقاء السياسيين يريدون مصلحة البلد الذي يجب علينا جميعاً أن نضحي من أجله، وهذا الأمر يجب أن يحصل بأسرع وقت ممكن وبدءاً من الغد، فملفات الكهرباء والموازنة وكل ما له علاقة بالإصلاحات، سنبدأ بالعمل عليها، وهذا وعدي لكم، هذه حكومة إلى العمل، وإن شاء الله نقوم بهذا العمل جميعاً».
وأشار إلى أن «هناك خطة وافقنا عليها جميعاً في البيان الوزاري وهي واضحة حيال ما نريد أن نقوم به فيما يتعلق بالموازنة، والأرقام التي نصبو إليها، وماهية مؤتمر (سيدر) وإصلاحاته وسبل محاربة الفساد والهدر؛ لأنه فعلياً هناك فساد، ولكن هناك هدراً أيضاً، والفساد أدى إلى الهدر». وتعهد أن تعمل الحكومة «على تعزيز الوضع الاقتصادي لتثبيت شبابنا وشاباتنا في البلد، لأنه بالفعل كل العمل الذي نقوم به هو من أجل أولادنا وشبابنا».
وقال إن «الإصلاحات والإجراءات التي سنقوم بها سيتأثر بها الجميع، ولكن أقل واحد سيتأثر بها هو المواطن اللبناني، وأكثر من سيتأثر بها هي الإدارة اللبنانية، لأنه علينا أن نشد الأحزمة، وأن نحارب الفساد والهدر، وننفذ مشاريع الكهرباء، كما وعدنا المواطنين، وكل هذه الأمور أدرجت في البيان الوزاري».
ولفت إلى أنه «لا يوجد حزب سياسي في لبنان إلا وقد يكون في صفوفه بعض الفاسدين، وقلت فلنبدأ من (تيار المستقبل) فإذا كان فيه فاسدون فليلاحقوا أمام القضاء، فالقضاء هو الأساس كي نضع حداً للفساد». وحذر من أنه «إذا (استمرينا) في الجدل البيزنطي بيننا والانشغال بالمؤتمرات الصحافية لرشق الآخرين بتهم الفساد، فهذا لا يؤدي إلى محاربة الفساد؛ بل إلى حماية الفساد والضالعين فيه».
وفور عودته من باريس، باشر رئيس الحكومة إعداد تصور شامل لأبرز العناوين التي يُفترض أن تشكل «خريطة طريق» لعدد من المشكلات الاقتصادية التي لا تزال عالقة وباتت في حاجة إلى توفير الحلول، سعياً إلى تجنب تمديد إغراق البلد في مراوحة تُنذر باستمرار السجال السياسي والإعلامي، فيما حذر نائب رئيس البنك الدولي فريد بلحاج من عدم ارتقاء الحكومة إلى مستوى الإصلاحات المالية والإدارية المطلوبة منه للإفادة من مقررات مؤتمر «سيدر» لمساعدته على النهوض من أزماته الاقتصادية والمالية.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية أن الحريري أوشك على الانتهاء من تصوّره للخروج تدريجياً من الأزمات التي لا تزال تحاصره، على أن يُدرجه في سلة متكاملة بدلاً من التعاطي مع الملفات منفردة. وكشفت المصادر الوزارية عن أن رئيس الحكومة «أخذ على عاتقه التعاطي بمسؤولية مع الإنذار الذي أطلقه بلحاج والذي يعكس واقع الحال في البلد». وأشارت إلى أن «توجهه لإدراج جميع المشكلات الملحّة في سلة واحدة يشمل الإصلاحات الإدارية والمالية والبرنامج الاستثماري لمؤتمر (سيدر) في مرحلته الأولى ومشروع قانون الموازنة العامة الحالي وخطة الكهرباء التي تناقشها حالياً اللجنة الوزارية برئاسته».
ولفتت المصادر إلى أن البرنامج الاستثماري في مرحلته الأولى يشمل تنفيذ 150 مشروعاً، وأنه «لا مشكلة في تمويلها مع أن بعض الأطراف كان يراهن على أن الرئيس الحريري لن يتمكن من إقناع المؤتمرين في (سيدر) بتبنّي تمويل كل هذه المشاريع». ورأت أنه «على جميع الأطراف بلا استثناء المبادرة إلى التعاطي بمسؤولية لتنفيذ هذه الخريطة، شرط أن يأخذوها بالجملة بدلاً من المفرّق»، خصوصاً أن «الحريري قد كسب الرهان وأقنع المؤتمرين في (سيدر) بضرورة تقديم الدعم المالي لمساعدة لبنان على تنفيذ المشاريع التي تقدّم بها».
وأكدت أن الحريري «سيجري في الساعات المقبلة مشاورات مع جميع الأطراف المشاركة في الحكومة، تتعلق برؤيته للخروج على مراحل من الوضع المأزوم بعيداً عن المزايدات الشعبوية، خصوصاً أن تنفيذ المشاريع الواردة في البرنامج الاستثماري في مرحلته الأولى يحتاج إلى ما بين 4 و5 سنوات وبمراقبة دقيقة من مؤتمر (سيدر)».
لكن مصادر سياسية مواكبة للسجال الدائر حول خطة الكهرباء التي أعدتها وزيرة الطاقة ندى البستاني لاحظت أن هناك مشكلة تتعلق بإنشاء معمل لتوليد الكهرباء في سلعاتا في البترون من ضمن المعامل المُدرجة في الخطة، وعزت الأمر إلى عدم وجود تمويل لبناء هذه المعامل، إضافة إلى التكلفة الباهظة المترتبة على استملاكات الأراضي التي تبلغ نحو 200 مليون دولار.
أما على صعيد التعيينات الإدارية التي ستُدرج على دفعات ضمن جدول الأعمال لجلسات مجلس الوزراء، فعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية أن الأولوية «ستعطى لتعيين نواب جدد لحاكمية (مصرف لبنان) خلفاً للذين انتهت ولايتهم بدءاً من اليوم». وقالت إن خيارين في داخل مجلس الوزراء يتجاذبان هذه التعيينات؛ بين إبقاء القديم على قدمه، أي التمديد للنواب الأربعة لحاكمية «مصرف لبنان» لولاية جديدة، أو تعيين من يخلفهم.
ورأت أن مجرد الإبقاء على واحد منهم لولاية جديدة سيدفع برئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى التمسك بالتمديد للحالي رائد شرف الدين. وقالت إن الحريري يميل إلى التمديد لمحمد بعاصيري، وإن هذا ما يتيح لبري الإبقاء على شرف الدين وإن كان يمانع في حال حصول توافق على تعيين 4 جدد، بتعيين الخبير الاقتصادي غازي وزنة.
ورجّحت المصادر أن يبادر رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى تبنّي ترشّح فادي فليحان خلفاً للحالي سعد العنداري مع أن النائب طلال أرسلان يدعم ترشيح النائب السابق لحاكم «مصرف لبنان» مجيد جنبلاط. وتوقعت عدم حدوث مشكلة في تعيين نواب لحاكمية «مصرف لبنان»، في حال عدل رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل عن مطالبته بتعيين أرمني كاثوليكي بدلاً من الأرمني الأرثوذكسي هاروت صموئليان المنتهية ولايته والذي يصر حزب «الطاشناق» على التمديد له.
وقالت إن باسيل سيضطر إلى التراجع عن طلبه لأنه ليس في وارد الدخول في مشكلة مع حليفه «الطاشناق»، ورأت أن تعيين مفوض جديد للحكومة لدى «مصرف لبنان» قد يكون من حصة «التيار الوطني». واستغربت ما أشيع أخيراً عن أن باسيل يربط تعيين نواب لحاكمية «مصرف لبنان»، بالتعيينات والتشكيلات المرتقبة التي ستصدر عن وزير المالية علي حسن خليل الذي يعود له أن يرفع لائحة بأسماء المرشحين لنواب الحاكمية إلى مجلس الوزراء.
وبالنسبة إلى إعادة تشكيل المجلس الدستوري، رأت مصادر وزارية أن هناك ضرورة لإنهاء خدمات المجلس الحالي الممدد له منذ نحو سنتين ونصف السنة، وقالت إن أعضاء المجلس العشرة يتوزّع تعيينهم مناصفة بين مجلس الوزراء والبرلمان الذي ينتخب خمسة منهم، على أن تعيّن الحكومة الخمسة الآخرين شرط مراعاة التوازن الطائفي.
وعزت المصادر الوزارية الإلحاح على تعيينهم قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية الفرعية بطرابلس في 14 أبريل (نيسان) الحالي، إلى أن عدم تشكيل المجلس الدستوري قبل هذا الموعد، قد يفتح الباب أمام التمديد له في حال أن أحد المرشحين ممن لم يحالفهم الحظ للفوز بالمقعد النيابي الشاغر، قرر أن يتقدم منه بطعن بنيابة المرشحة أو المرشح الفائز.
وقالت إن مجرد حدوث الطعن سيضطر المجلس الدستوري إلى النظر فيه، وبالتالي لا يمكن تشكيل المجلس الجديد إلا بعد انتهائه من النظر في الطعن، وهذا ما حدث في الانتخابات النيابية العامة التي جرت في مايو (أيار) الماضي، عندما اضطر المجلس إلى النظر في الطعون التي قُدّمت إليه، وهذا ما أدى إلى التمديد له لأن نظامه الداخلي يعطيه حق النظر في الطعون، ما دام المجلس البديل لم يشكل كشرط لإنهاء ولاية سلفه الممدد له.
وبالنسبة لتعيين المدّعي العام التمييزي خلفاً للحالي القاضي سمير حمود الذي يُحال إلى التقاعد في مايو المقبل، قالت المصادر الوزارية إن هناك فرصة أمام مجلس الوزراء لتعيين خلف له قبل انتهاء ولايته، ورجّحت تعيين أحد القاضيين نبيل وهبة وغسان عويدات.



الجيش اليمني يعلن مكاسب جديدة في جبهات القتال... وتنفيذ 875 عملية

«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعلن مكاسب جديدة في جبهات القتال... وتنفيذ 875 عملية

«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)

شهدت الساحة اليمنية، خلال الساعات الأخيرة، تصعيداً عسكرياً متزامناً على عدة جبهات، امتد من محافظتي لحج وتعز جنوب غربي البلاد إلى مأرب والجوف شمالاً، بالتزامن مع موجة هجمات صاروخية ومسيّرة حوثية استهدفت مناطق سعودية، بينها العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية والجنوبية، وسط استمرار العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية وتطورات تشير إلى اتساع المواجهات.

وذكرت مصادر عسكرية يمنية أن الطيران الحربي اليمني نفذ غارة جوية دقيقة استهدفت اجتماعاً لقيادات ميدانية بارزة في الجماعة الحوثية بمديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، عقب رصد تحركاتها والحصول على معلومات استخباراتية بشأن موقع الاجتماع.

ولم تتضح، حتى الآن، الحصيلة النهائية للخسائر البشرية الناجمة عن الضربة، أو هويات القيادات التي كانت موجودة في الموقع المستهدف.

ويأتي الاستهداف في سياق تصاعد العمليات العسكرية في جبهات لحج، ولا سيما المناطق المتصلة بمديريات المقاطرة والمضاربة وطور الباحة، التي شهدت خلال الأيام الماضية مواجهات وهجمات متبادلة، مع محاولات حوثية للتقدم نحو مواقع استراتيجية وطرق إمداد تربط محافظتي لحج وتعز.

مقاتل في الجيش اليمني يوجه مدفعاً رشاشاً ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وكانت القوات الحكومية أعلنت استعادة مواقع استراتيجية في جبهة المضاربة، عقب مواجهات عنيفة مع الحوثيين، تخللتها هجمات مكثفة شنها أفراد الجماعة على مواقع عسكرية، قبل أن تتمكن من التصدي لها وإجبار المهاجمين على التراجع.

تطورات في مأرب والجوف

وفي حصيلة إجمالية للعمليات، السبت، أعلن الجيش اليمني تنفيذ 875 عملية عسكرية متنوعة ضد الحوثيين، شملت ضربات مدفعية وكمائن واستهداف مواقع وتجمعات وتعزيزات عسكرية، مؤكداً تحييد 130 عنصراً من الجماعة، وتدمير أو إلحاق أضرار بنحو 50 آلية ومعدة عسكرية، بينها منصات إطلاق صواريخ.

وأوضح المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني، العقيد ماجد النزيلي، أن العمليات نُفذت في عدة جبهات، مع تركيز على مواقع الجماعة وتعزيزاتها وقدراتها القتالية، بمشاركة وحدات برية وإسناد جوي ومدفعي، فيما تواصل القوات الحكومية عملياتها في محافظة الجوف ومناطق أخرى ضمن المواجهات المستمرة لاستعادة المواقع العسكرية وتأمين المناطق المحررة.

وامتد التصعيد إلى جبهات مأرب، حيث أعلنت القوات الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة استطلاعية حوثية في أحد قطاعات المحافظة، بالتزامن مع إحباط هجمات برية متزامنة شنتها الجماعة على مواقع عسكرية في محافظتي تعز ولحج.

كما استهدفت مدفعية الجيش اليمني آليات وثكنات عسكرية حوثية في الجبهة الشمالية لمأرب، عقب إسقاط مسيّرة أخرى في جبهة ماس، في عمليات قالت مصادر عسكرية إنها تستهدف الحد من قدرات الجماعة على الرصد والاستطلاع ومتابعة تحركات القوات.

وفي محافظة الجوف، أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني جديد والسيطرة على مواقع مرتفعة وسلسلة جبال استراتيجية في محيط قرون دحيضة، عقب معارك وصفت بالعنيفة مع الحوثيين، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وتدمير آليات ومعدات عسكرية والاستيلاء على أسلحة وذخائر.

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 875 عملية عسكرية متنوعة ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات امتداداً لعمليات عسكرية سابقة في المرتفعات الشرقية لمحافظة الجوف، حيث تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على مواقع استراتيجية تشرف على طرق ومناطق حيوية، وتقترب من خطوط الدفاع المحيطة بمدينة الحزم، مركز المحافظة الخاضع لسيطرة الحوثيين.

وتقول مصادر عسكرية إن السيطرة على المرتفعات تتيح للقوات توسيع نطاق تحركاتها والضغط على مواقع الجماعة وخطوط إمدادها في المنطقة.


اليمن: حصار الطرق يضاعف معاناة سكان محافظة تعز

69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
TT

اليمن: حصار الطرق يضاعف معاناة سكان محافظة تعز

69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)

يواجه اليمن تصاعداً خطيراً في أزمته الإنسانية مع استمرار تدهور الأمن الغذائي ومعدلات النزوح، بالتزامن مع قيود تجارية وأزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد. ويهدد هذا التدهور المركب قدرة ملايين اليمنيين على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الأساسية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الحرمان الشديد من الغذاء.

وتأتي المناطق المتأثرة بالنزاع المباشر في صدارة النطاقات الجغرافية الأكثر تضرراً؛ إذ تظهر البيانات الإحصائية في محافظة تعز أن نسبة الأسر التي تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء في خمس مديريات تشهد مواجهات تتراوح بين 65 في المائة و76 في المائة. وسجلت المحافظة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات سوء استهلاك الغذاء، حيث قفزت النسبة من 29 في المائة العام الماضي إلى 36 في المائة حالياً.

ويعزو مراقبون هذا التدهور الحاد في تعز إلى استمرار إغلاق الحوثيين للطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة، مما أعاق تدفق الإمدادات التجارية وحركة التجارة، وعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

ووفقاً لتحديثات الأمن الغذائي الصادرة مؤخراً، بلغت نسبة الأسر التي تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية نحو 71 في المائة خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، مسجلة زيادة بمقدار 13 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، و21 نقطة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية. كما تشير البيانات إلى أن نحو 36 في المائة من الأسر بات تحت طائلة الحرمان الشديد من الغذاء.

أمضى 11 % من النازحين أوقاتاً طويلة دون طعام (إعلام محلي)

ولا تقتصر الأزمة الراهنة على شح المواد الغذائية فحسب، بل تمتد إلى انهيار القدرة الشرائية بفعل تآكل الدخول وارتفاع الأسعار. ولجأ نحو 73 في المائة من الأسر في مناطق سيطرة الحكومة إلى استراتيجية واحدة على الأقل للتكيف الغذائي، بينما اعتمد 29 منها استراتيجيات قاسية؛ تشمل تقليص عدد الوجبات اليومية، وشراء سلع أقل جودة وتكلفة، وتنازل البالغين عن وجباتهم لصالح الأطفال.

نزوح مستمر ومعيشة مكلفة

وتظهر المؤشرات أن الأسر التي تعيلها نساء هي الأكثر هشاشة؛ إذ بلغت نسبة الاعتماد على استراتيجيات التكيف الشديدة بينها 38 في المائة، مقارنة بـ28 في المائة لدى الأسر التي يعيلها رجال.

وأفاد 11 في المائة من النازحين بأن أحد أفراد أسرهم أمضى يوماً وليلة كاملين دون طعام، في وقت سجلت فيه محافظات الضالع، ولحج، وشبوة، وأبين مستويات حرمان غذائي مرتفعة تراوحت بين 40 في المائة و45 في المائة، مما يثبت تمدد الأزمة خارج جبهات القتال المباشرة.

لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية أكثر من 23 % (الأمم المتحدة)

وعلى صعيد حركة النزوح، تسببت المواجهات المستمرة في تشريد أكثر من 300 ألف شخص داخلياً حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ويتحدر غالبية هؤلاء النازحين من محافظة تعز بنسبة 69 في المائة، تليها الحديدة بنسبة 18 في المائة، في حين يتوزع المتبقون على مناطق أخرى.

ويجابه النازحون ظروفاً معيشية بالغة القسوة جراء فقدان مصادر دخلهم؛ إذ بلغت نسبة الأسر النازحة التي تعاني من الجوع المتوسط والشديد نحو 29 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة بين المقيمين. وترتفع هذه النسبة بصورة حادة داخل مخيمات النزوح لتصل إلى 43 في المائة، بعد أن كانت 32 في المائة في أغسطس (آب) الماضي.

انكماش اقتصادي وفجوة تمويل

ويرتبط تدهور الأمن الغذائي بركود اقتصادي ممتد يتسم بقلة فرص العمل وارتفاع التضخم. وتتوقع التقارير الاقتصادية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن بنسبة 1.5 في المائة خلال عام 2026، مع توقع قفزة في أسعار المستهلك بنحو 22 في المائة في المناطق التابعة للحكومة.

إغلاق الطرق الرئيسية في تعز يعرقل تدفق المساعدات الإنسانية (إعلام محلي)

وسجلت الأسواق ارتفاعاً في تكلفة الحد الأدنى لسلة الغذاء بنسبة 15 في المائة، بينما قفزت أسعار السلع الأساسية، مثل الدقيق وزيت دوار الشمس بنحو 35 في المائة. وفي ظل هذه الضغوط، أفادت 69 في المائة من الأسر بتراجع دخلها الشهري، في حين يلتهم تأمين الغذاء وحده نحو 74 في المائة من إجمالي إنفاق الأسر المعيشية.

من جهة أخرى، تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد إلى زيادة الضغط على الأسواق المحلية؛ حيث انخفضت واردات الغذاء عبر الموانئ الحكومية بنسبة 16 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وتراجعت واردات الوقود بنسبة 44 في المائة.

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 16 في المائة، والديزل بنحو 41 في المائة مقارنة بأسعار عام 2025، مما رفع تكاليف النقل الداخلي وتوزيع الخدمات.

وتضاعف التوترات الأمنية والمخاطر التي تهدد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب من حدة المخاوف، لا سيما أن الممر المائي الحيوي يشكل معبراً لنحو 62 في المائة من إجمالي واردات اليمن الغذائية.

مخيمات النزوح تشهد تصاعداً حاداً في معدلات الجوع الشديد (إعلام محلي)

وفي مقابل الاحتياجات الإنسانية المتسارعة، تواجه خطط الإغاثة الدولية عجزاً تمويلياً حاداً؛ إذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 حاجز 23 في المائة حتى نهاية الشهر الماضي.

ويحذر مسؤولون في الإغاثة من أن نقص التدفقات المالية، إلى جانب القيود الأمنية الميدانية، يحدان بشكل ملموس من قدرة المنظمات الدولية والمحلية على تلبية الاحتياجات العاجلة.

وتخلص التقارير إلى أن الأزمة اليمنية تحولت من نقص في المعروض الغذائي إلى انهيار كامل في القدرة على الوصول إليه، وهو ما يتطلب تدخلاً دولياً منسقاً يركز على دعم الاستقرار الاقتصادي، وتحسين القدرة الشرائية، وضمان التدفق الآمن وغير المشروط للمساعدات الإنسانية.


«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
TT

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

ناقش تجمع «دول الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك بعد استئناف اجتماعاته في مدينة طرابلس الليبية.

واستضافت العاصمة الليبية طرابلس، السبت، اجتماعات الدورة العادية الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لدول «تجمع الساحل والصحراء»، بحضور وزراء خارجية وممثلي الدول الأعضاء.

وحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، ناقشت الاجتماعات «سُبل دفع التعاون في قضايا السلم والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وتعزيز فاعليته، بما يسهم في استعادة انتظام العمل المؤسسي والتحضير لعقد اجتماعاته على مستوى القمة خلال الفترة المقبلة».

ويواجه تجمع «دول الساحل والصحراء» تحديات وصعوبات تعوق تفعيل دوره على المستويين الأمني والتنموي. ووفق متخصصين في الشأن الأفريقي، أشاروا إلى أن «التجمع يحتفظ بقدر من التعاون السياسي بين أعضائه، لكنه يواجه تحديات تمويلية ولوجستية في تعزيز التنسيق الأمني بين أعضائه»، مؤكدين «أهمية تفعيل دوره في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والهجرة غير الشرعية».

وتأسس «تجمع دول الساحل والصحراء» في طرابلس في الرابع من فبراير (شباط) عام 1998، بناءً على مبادرة من الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، إثر قمة شارك فيها رؤساء مالي وتشاد والنيجر والسودان، ومندوب عن رئيس بوركينا فاسو. ويضم التجمع الآن 25 دولة أفريقية حول الصحراء الكبرى والساحل، ويتمتع أيضاً بصفة مراقب لدى الأمم المتحدة.

وانتقل مقر الأمانة العامة للتجمع من طرابلس إلى إنجامينا، عاصمة تشاد، بعد الإطاحة بالقذافي في فبراير 2011، قبل أن يعود إلى العاصمة الليبية مرة أخرى، ويُعاد افتتاحه في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

وعقد المجلس التنفيذي للتجمع أول اجتماعاته السبت، وأعرب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عن «تطلعه لأن يُشكل التجمع إطاراً إقليمياً قادراً على توحيد الجهود لمواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، ودعم أمن الحدود والاستقرار الإقليمي».

وأشار الدبيبة، في كلمته بالجلسة الافتتاحية، إلى أن «مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والتنموية في المنطقة تتطلب الانتقال من التنسيق والتشاور للعمل الجماعي الفاعل»، مضيفاً: «نطمح إلى أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات عملية نحو توسيع التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة وتطوير مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة وتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي ومكافحة التصحر والمتغيرات المناخية».

من اجتماع طرابلس (الخارجية المصرية)

وتأتي اجتماعات المجلس التنفيذي لـ«تجمع الساحل والصحراء»، فيما تواجه المنطقة تحديات أمنية عديدة، وفق الكاتب والمحلل التشادي، صالح يونس، الذي قال إن «منطقة الساحل موطن لعدد من التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، بحكم طبيعتها الصحراوية»، مشيراً إلى أن «المنطقة جاذبة للجرائم المنظمة العابرة للحدود، ومنها الهجرة غير الشرعية»، مؤكداً «أهمية التنسيق الأمني بين هذه الدول».

وأوضح يونس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «دول التجمع تحتفظ بقدر من التعاون والتنسيق السياسي، لكنها تواجه تحديات عديدة، على مستوى التنسيق الأمني».

وقال إن «هناك صعوبات في تفعيل التعاون الأمني بين دول التجمع، تتعلق بالتمويل وعدم توفر القدرات اللوجستية»، ونوه بأن «هناك تعويلاً على اجتماعات طرابلس لاستعادة فاعلية التجمع وأدواره مرة أخرى، لا سيما في التصدي للتنظيمات الإرهابية ببحيرة تشاد».

وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على ضرورة «تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود».

وأكد في كلمته «أهمية تفعيل الآليات المتخصصة للتجمع، وعلى رأسها مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب الذي تستضيفه القاهرة»، وشدد على أهمية «تعزيز دور التجمع في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي»، حسب «الخارجية المصرية».

وتستضيف القاهرة «مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب»، وهو مركز إقليمي مختص لتعزيز مكافحة الإرهاب، كما استضافت خلال السنوات الأخيرة اجتماعات لوزراء دفاع دول التجمع، ومسؤولين أمنين، من أجل تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل الأفريقي.

وباعتقاد يونس، فإن «التنظيمات الإرهابية التي تنتشر في منطقة الساحل تمتلك قدرات عديدة، تستوجب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهتها»، وأشار إلى «ضرورة البحث عن مصادر تمويل من المجتمع الدولي، بما في ذلك الجانب الأوروبي، للحد من خطر هذه التنظيمات في هذه المنطقة».

«تجمع دول الساحل والصحراء» ناقش سبل استعادة فاعلية مؤسساته (الخارجية المصرية)

وخلال الجلسة الافتتاحية للمجلس التنفيذي للتجمع، قال وزير الخارجية المصري إن «تجمع الساحل والصحراء يمتلك مقومات حقيقية تؤهله للقيام بدور أكثر فاعلية في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية»، وشدد على «أهمية وجود قواعد مالية مستقرة وشفافة، وموارد منتظمة، والتزام جماعي بالواجبات المقررة على الدول الأعضاء».

وتُشكل خطوة تفعيل دور آلية «تجمع الساحل والصحراء» في هذا التوقيت أهمية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات أمنية واقتصادية، وفق خبير الشؤون الأفريقية في مصر، رامي زهدي، الذي قال إن «التعاون بين دول هذا التجمع يمكن أن يُسهم في مواجهة مخاطر أمنية واقتصادية عديدة تعيشها منطقة الساحل الأفريقي، على رأسها تحدي الإرهاب وانتشار التنظيمات المسلحة».

ويرى زهدي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «منطقة الساحل والصحراء تُعد من أكثر المناطق التي تعاني هشاشة أمنية واقتصادية تؤثر على الأمن الجماعي للدول الأفريقية».

وقال إن «تفعيل دور التجمع سيُسهم في دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ويُعزز من الربط الإقليمي بين هذه الدول»، مضيفاً أن «هناك مشروعات تنموية للربط بين هذه الدول، من بينها مشروع الطريق البري بين مصر وليبيا وتشاد، ومشروع الربط بين الجزائر ونيجيريا»، وقال: «هذه المشروعات لن تكتمل دون تنسيق جماعي يسهم في تنفيذها وتفعيل دورها».