قيادة الجيش الجزائري تتمسك باقتراح «شغور» منصب الرئيس

قائد الأركان الفريق، أحمد قايد صالح
قائد الأركان الفريق، أحمد قايد صالح
TT

قيادة الجيش الجزائري تتمسك باقتراح «شغور» منصب الرئيس

قائد الأركان الفريق، أحمد قايد صالح
قائد الأركان الفريق، أحمد قايد صالح

أعلنت وزارة الدفاع الوطني في الجزائر أن قادة الجيش عقدوا اجتماعاً أمس ناقشوا فيه التطورات في البلاد في ضوء اقتراح قائد الأركان الفريق، أحمد قايد صالح، وهو أيضاً نائب وزير الدفاع الوطني، تفعيل المادة 102 من الدستور التي تعلن شغور منصب رئيس الجمهورية بسبب المرض، في إطار التعاطي مع الحراك الشعبي المستمر منذ أسابيع للمطالبة بتنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وجاء في بيان لوزارة الدفاع أن الاجتماع الذي انعقد مساء أمس بمقر قيادة الأركان، ضم كلاً من قادة القوات، قائد الناحية العسكرية الأولى والأمين العام لوزارة الدفاع الوطني، حيث نوقشت فيه «تطورات الأوضاع السائدة في بلادنا، بعد اقتراح تفعيل المادة 102 من الدستور، على وجه الخصوص».
ونقل البيان عن قايد صالح: «كما تعلمون، لقد أكدت في مداخلتي يوم 26 مارس (آذار) 2019 التي ألقيتها بالقطاع العملياتي جنوب - شرق جانت بالناحية العسكرية الرابعة، على أن تطبيق المادة 102 من الدستور هو الحل الأمثل للخروج من الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد». وتابع أن هذا الاقتراح «يأتي في إطار المهام الدستورية للجيش الوطني الشعبي بصفته الضامن والحافظ للاستقلال الوطني، والساهر على الدفاع عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية، وحماية الشعب من كل مكروه ومن أي خطر محدق، وفق المادة 28 من الدستور».
وتابع الفريق صالح، بحسب البيان، أن اقتراحه «يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على وضع سياسي مستقر، بغية حماية بلادنا من أي تطورات قد لا تحمد عقباها». وأكد أن «غالبية» الشعب الجزائري رحبت من خلال المسيرات السلمية، باقتراح الجيش «إلا أن بعض الأطراف ذوي النوايا السيئة تعمل على إعداد مخطط يهدف إلى ضرب مصداقية الجيش الوطني الشعبي والالتفاف على المطالب المشروعة للشعب».
وتابع البيان: «بالفعل، فإنه بتاريخ 30 مارس 2019، تم عقد اجتماع من طرف أشخاص معروفين، سيتم الكشف عن هويتهم في الوقت المناسب، من أجل شن حملة إعلامية شرسة في مختلف وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي ضد الجيش الوطني الشعبي، وإيهام الرأي العام بأن الشعب الجزائري يرفض تطبيق المادة 102 من الدستور». ونقل البيان عن قائد أركان الجيش: «يبقى موقف الجيش الوطني الشعبي ثابتاً بما أنه يندرج دوماً ضمن إطار الشرعية الدستورية، ويضع مصالح الشعب الجزائري فوق كل اعتبار، ويرى دائماً أن حل الأزمة لا يمكن تصوره إلا بتفعيل المواد 7 و8 و102 من الدستور»، مضيفاً أن «كل ما ينبثق عن هذه الاجتماعات المشبوهة من اقتراحات لا تتماشى مع الشرعية الدستورية أو تمس بالجيش الوطني الشعبي، الذي يعد خطاً أحمر، هي غير مقبولة بتاتاً وسيتصدى لها الجيش الوطني الشعبي بكل الطرق القانونية». ولم يكشف بيان الجيش تفاصيل عن هذه الاجتماعات التي وصفها بـ«المشبوهة».
وجاء اجتماع قيادة الجيش في وقت انقسم أعضاء الحزب الوطني الحاكم في الجزائر، حزب جبهة التحرير الوطني، أمس، حول القرار الذي خرج به اجتماع اللجنة المركزية، الجهة القانونية المخولة لاتخاذ قرارات الحزب، حول شرعية ما تمخّض عنه الاجتماع، الذي عقد بالعاصمة الجزائر.
وكان اجتماع أعضاء اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، المعروف باسم «الأفلان»، قد قرر أمس، إعلان شغور منصب الأمين العام للحزب، نافين اعترافهم بمنصب منسق هيئة التسيير، الذي يتقلّده، رئيس البرلمان الجزائري معاذ بوشارب.
وحسب البيان الختامي للاجتماع، فقد قرر المشاركون «عدم التعامل مع كل ما يصدر عن هيئة تسيير الحزب الحالية تحت قيادة معاذ بوشارب، باعتبارها هيئة غير شرعية، وانتخاب قيادة جديدة للحزب»، داعين إلى «التعجيل واسترجاع الخط السياسي لحزب الأفلان واستقلالية قراراته».
ودعم المجتمعون موقف رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، بالقول إن «اللجنة المركزية في هذا الاجتماع تدعو إلى (تفعيل المادة 102 من الدستور) من خلال المقترح، الذي تقدم به الفريق أحمد قايد صالح، والتي نرى أنها تشكل بداية حقيقية لحل الأزمة، من خلال تشكيل حكومة توافقية من غير الطبقة السياسية، مع تشكيل آليات لمراقبة الانتخابات، وبالتالي يمكن تفعليها مع جوانب أخرى كثيرة تسهل من عملية تطبيقها».
وأكّدت مصادر موثوقة من داخل الحزب، لـوكالة الأنباء الألمانية، أن عدد المجتمعين أمس لم يصل النّصاب، حيث إن الإجراءات القانونية لاتخاذ هذا النوع من القرارات يجب أن يحضر فيه الثّلثان من أعضاء اللجنة المركزية. وظهرت مع الحراك الشّعبي في الجزائر عدة انقسامات في حزب الرئيس، وانشقت مجموعات داخل (الأفلان) ليعلن البعض وقوفهم مع مطالب الشارع، في حين التحق المتبقون بآراء سابقيهم بصيغ مختلفة.
من جهة ثانية نفت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، مساء أول من أمس، الأخبار التي أكدت قيام جهة أمنية بحجز جوازات السفر الدبلوماسية لبعض السياسيين الجزائريين. وأوضحت في بيان أن الأخبار التي تم تداولها بخصوص حجز جوازات سفر بعض الدبلوماسيين «عارية من الصحة تماماً». وأضافت الخارجية الجزائرية، حسب وسائل إعلام محلية، أن «هذا الصنف من جوازات السفر يسلم فقط للأشخاص المخولين قانوناً، والوزارة تؤكد أنه لم يتم سحب أي جواز دبلوماسي من قبل أي جهة كانت».
لكن هذه ليست الإشاعة الوحيدة التي انتشرت بقوة في الأوساط الشعبية الجزائرية. فمنذ انطلاق الحراك الشعبي في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) الماضي أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الأول والرئيسي لاستقاء المعلومات، وأصبح بعضها يغدي الشائعات عن قصد لرفع نسب الدخول والمشاهدات وتحقيق الأرباح، وذلك في ظل غياب قنوات الاتصال الرسمية. ومن بين هذه الإشاعات تلك المتعلقة بتهريب أموال طائلة بالعملة الصعبة نحو الخارج، وحصول متعاملين اقتصاديين معروفين على قروض مالية بطرق ملتوية، ومنع سفر عدد من الشخصيات.
كما أن البنك الوطني الجزائري لم يسلم هو الآخر من الأخبار الكاذبة، حيث تم تداول أخبار عبر مواقع التواصل، مفادها تحويل هذا الأخير لرؤوس أموال ضخمة عن طريق البنوك، وهو ما دفع البنك المركزي إلى كتابة بيان، أكد فيه استحالة منح قروض بنكية للمتعاملين، إلا عبر الخضوع لإجراءات وقواعد يحددها القانون.
في غضون ذلك، لا تزال تسود الجزائر حالة ترقّب بعد مظاهرات أول من أمس، والتي جدد فيها المحتجون طلبهم بإزاحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ورحيل النظام بأكمله، حسبما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.
وكان رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح قد دعا الثلاثاء إلى تفعيل إجراء دستوري لتنحية بوتفليقة من السلطة. لكن سرعان ما انضمّ إليه عدد من المسؤولين الذين لطالما تحمّسوا لبقاء رئيس الدولة في الحكم. وتبيّن أنّ الذين شكّلوا كتلة متراصة لدفع بوتفليقة إلى الترشّح لولاية خامسة، أصبحوا اليوم ينأون بأنفسهم من هذا المطلب الذي كان الشّرارة التي أشعلت الاحتجاجات.
فبعد رئيس الأركان، جاء دور حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، إحدى ركائز التحالف الرئاسي الحاكم، للتخلّي عن بوتفليقة، وذلك من خلال طلب استقالته، الذي أطلقه أمينه العام أحمد أويحيى ورئيس الوزراء المُقال قبل أسبوعين.
وحتّى الأمين العام للاتّحاد العام للعمال الجزائريين، عبد المجيد سيدي السعيد، أحد أكثر المادحين للرئيس والداعين إلى استمراره في الحكم رغم مرضه، أعلن أنّه يدعم اقتراح الجيش بتنحيته. فيما أعلن رئيس منتدى رجال الأعمال في الجزائر علي حداد، المعروف بقربه من بوتفليقة، استقالته مساء الخميس من منصبه.
في هذا السياق، كتب موقع «كل شيء عن الجزائر» الإخباري أنّ أولئك الذين «أيّدوه (بوتفليقة) في جميع قراراته، وأشادوا بكل أقواله... هم أيضاً أوّل من طعنوه في الظهر: وحتى قبل أن يسقط بوتفليقة بالكامل، اندفعوا لتسريع سقوطه دون حياء»، مندّدين بـ«النظام البشع».
ورغم أن حزب جبهة التحرير الوطني، الذي يرأسه بوتفليقة وصاحب الأغلبية في البرلمان، لا يزال الوحيد الذي لم يعلن تخلّيه عن الرئيس، إلا أنّ أصوات المنشقين أصبحت مسموعة أكثر فأكثر.
ويبدو أنّ مركز السلطة انتقل من رئاسة الجمهورية إلى قيادة الأركان. فمنذ أيام قليلة أصبحت صورة الفريق قايد صالح هي التي تتصدّر الصفحة الأولى ليوميّة «المجاهد» الحكومية، والتي عادة ما تؤدّي دور المتحدث باسم السلطة. وفي هذا السياق، أشارت افتتاحية صحيفة «ليبرتي» المحلية إلى أنّ «حكم بوتفليقة يحتضر، حتّى وإن حاول فريقه المقاومة».
وحول ما إذا كان عزل الرئيس المريض منذ إصابته بجلطة دماغيّة في 2013، يكفي لتهدئة الاحتجاجات، قالت صحيفة «الخبر» المحلية في عددها ليوم الخميس إنّ «ميزان الحرارة الحقيقي» لقياس «التطورات المستقبلية هو الحراك الشعبي نفسه. وفي حال بقي متمسّكاً بمطالبه الأخيرة في تغيير المنظومة، سيفرض على الجميع، جيشاً وسياسيين، مواكبته».
ورفضت وجوه عدّة بارزة في الحراك الشعبي، مثل المحامي مصطفى بوشاشي، وكذلك الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، تفعيل المادة 102 كما اقترح رئيس الأركان، وهي المادة التي تنص على حالات الوفاة والمرض الخطير والاستقالة. وأوضحت رابطة حقوق الإنسان أنّ الآجال جدّ قصيرة لضمان تنظيم انتخابات رئاسيّة حرّة ونزيهة، مندّدة بـ«حيلة أخرى» من السلطة «للإبقاء على النظام الذي رفضه الشعب».
ومن جهتها، ندّدت صحيفة الوطن بـ«الفخ الكبير»، وحذّرت من «تصديق أنّ وجوه الماضي ستتبنّى آمال المستقبل».



الجيش اليمني يعلن مكاسب جديدة في جبهات القتال... وتنفيذ 875 عملية

«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعلن مكاسب جديدة في جبهات القتال... وتنفيذ 875 عملية

«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)

شهدت الساحة اليمنية، خلال الساعات الأخيرة، تصعيداً عسكرياً متزامناً على عدة جبهات، امتد من محافظتي لحج وتعز جنوب غربي البلاد إلى مأرب والجوف شمالاً، بالتزامن مع موجة هجمات صاروخية ومسيّرة حوثية استهدفت مناطق سعودية، بينها العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية والجنوبية، وسط استمرار العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية وتطورات تشير إلى اتساع المواجهات.

وذكرت مصادر عسكرية يمنية أن الطيران الحربي اليمني نفذ غارة جوية دقيقة استهدفت اجتماعاً لقيادات ميدانية بارزة في الجماعة الحوثية بمديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، عقب رصد تحركاتها والحصول على معلومات استخباراتية بشأن موقع الاجتماع.

ولم تتضح، حتى الآن، الحصيلة النهائية للخسائر البشرية الناجمة عن الضربة، أو هويات القيادات التي كانت موجودة في الموقع المستهدف.

ويأتي الاستهداف في سياق تصاعد العمليات العسكرية في جبهات لحج، ولا سيما المناطق المتصلة بمديريات المقاطرة والمضاربة وطور الباحة، التي شهدت خلال الأيام الماضية مواجهات وهجمات متبادلة، مع محاولات حوثية للتقدم نحو مواقع استراتيجية وطرق إمداد تربط محافظتي لحج وتعز.

مقاتل في الجيش اليمني يوجه مدفعاً رشاشاً ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وكانت القوات الحكومية أعلنت استعادة مواقع استراتيجية في جبهة المضاربة، عقب مواجهات عنيفة مع الحوثيين، تخللتها هجمات مكثفة شنها أفراد الجماعة على مواقع عسكرية، قبل أن تتمكن من التصدي لها وإجبار المهاجمين على التراجع.

تطورات في مأرب والجوف

وفي حصيلة إجمالية للعمليات، السبت، أعلن الجيش اليمني تنفيذ 875 عملية عسكرية متنوعة ضد الحوثيين، شملت ضربات مدفعية وكمائن واستهداف مواقع وتجمعات وتعزيزات عسكرية، مؤكداً تحييد 130 عنصراً من الجماعة، وتدمير أو إلحاق أضرار بنحو 50 آلية ومعدة عسكرية، بينها منصات إطلاق صواريخ.

وأوضح المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني، العقيد ماجد النزيلي، أن العمليات نُفذت في عدة جبهات، مع تركيز على مواقع الجماعة وتعزيزاتها وقدراتها القتالية، بمشاركة وحدات برية وإسناد جوي ومدفعي، فيما تواصل القوات الحكومية عملياتها في محافظة الجوف ومناطق أخرى ضمن المواجهات المستمرة لاستعادة المواقع العسكرية وتأمين المناطق المحررة.

وامتد التصعيد إلى جبهات مأرب، حيث أعلنت القوات الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة استطلاعية حوثية في أحد قطاعات المحافظة، بالتزامن مع إحباط هجمات برية متزامنة شنتها الجماعة على مواقع عسكرية في محافظتي تعز ولحج.

كما استهدفت مدفعية الجيش اليمني آليات وثكنات عسكرية حوثية في الجبهة الشمالية لمأرب، عقب إسقاط مسيّرة أخرى في جبهة ماس، في عمليات قالت مصادر عسكرية إنها تستهدف الحد من قدرات الجماعة على الرصد والاستطلاع ومتابعة تحركات القوات.

وفي محافظة الجوف، أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني جديد والسيطرة على مواقع مرتفعة وسلسلة جبال استراتيجية في محيط قرون دحيضة، عقب معارك وصفت بالعنيفة مع الحوثيين، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وتدمير آليات ومعدات عسكرية والاستيلاء على أسلحة وذخائر.

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 875 عملية عسكرية متنوعة ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات امتداداً لعمليات عسكرية سابقة في المرتفعات الشرقية لمحافظة الجوف، حيث تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على مواقع استراتيجية تشرف على طرق ومناطق حيوية، وتقترب من خطوط الدفاع المحيطة بمدينة الحزم، مركز المحافظة الخاضع لسيطرة الحوثيين.

وتقول مصادر عسكرية إن السيطرة على المرتفعات تتيح للقوات توسيع نطاق تحركاتها والضغط على مواقع الجماعة وخطوط إمدادها في المنطقة.


اليمن: حصار الطرق يضاعف معاناة سكان محافظة تعز

69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
TT

اليمن: حصار الطرق يضاعف معاناة سكان محافظة تعز

69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)

يواجه اليمن تصاعداً خطيراً في أزمته الإنسانية مع استمرار تدهور الأمن الغذائي ومعدلات النزوح، بالتزامن مع قيود تجارية وأزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد. ويهدد هذا التدهور المركب قدرة ملايين اليمنيين على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الأساسية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الحرمان الشديد من الغذاء.

وتأتي المناطق المتأثرة بالنزاع المباشر في صدارة النطاقات الجغرافية الأكثر تضرراً؛ إذ تظهر البيانات الإحصائية في محافظة تعز أن نسبة الأسر التي تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء في خمس مديريات تشهد مواجهات تتراوح بين 65 في المائة و76 في المائة. وسجلت المحافظة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات سوء استهلاك الغذاء، حيث قفزت النسبة من 29 في المائة العام الماضي إلى 36 في المائة حالياً.

ويعزو مراقبون هذا التدهور الحاد في تعز إلى استمرار إغلاق الحوثيين للطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة، مما أعاق تدفق الإمدادات التجارية وحركة التجارة، وعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

ووفقاً لتحديثات الأمن الغذائي الصادرة مؤخراً، بلغت نسبة الأسر التي تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية نحو 71 في المائة خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، مسجلة زيادة بمقدار 13 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، و21 نقطة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية. كما تشير البيانات إلى أن نحو 36 في المائة من الأسر بات تحت طائلة الحرمان الشديد من الغذاء.

أمضى 11 % من النازحين أوقاتاً طويلة دون طعام (إعلام محلي)

ولا تقتصر الأزمة الراهنة على شح المواد الغذائية فحسب، بل تمتد إلى انهيار القدرة الشرائية بفعل تآكل الدخول وارتفاع الأسعار. ولجأ نحو 73 في المائة من الأسر في مناطق سيطرة الحكومة إلى استراتيجية واحدة على الأقل للتكيف الغذائي، بينما اعتمد 29 منها استراتيجيات قاسية؛ تشمل تقليص عدد الوجبات اليومية، وشراء سلع أقل جودة وتكلفة، وتنازل البالغين عن وجباتهم لصالح الأطفال.

نزوح مستمر ومعيشة مكلفة

وتظهر المؤشرات أن الأسر التي تعيلها نساء هي الأكثر هشاشة؛ إذ بلغت نسبة الاعتماد على استراتيجيات التكيف الشديدة بينها 38 في المائة، مقارنة بـ28 في المائة لدى الأسر التي يعيلها رجال.

وأفاد 11 في المائة من النازحين بأن أحد أفراد أسرهم أمضى يوماً وليلة كاملين دون طعام، في وقت سجلت فيه محافظات الضالع، ولحج، وشبوة، وأبين مستويات حرمان غذائي مرتفعة تراوحت بين 40 في المائة و45 في المائة، مما يثبت تمدد الأزمة خارج جبهات القتال المباشرة.

لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية أكثر من 23 % (الأمم المتحدة)

وعلى صعيد حركة النزوح، تسببت المواجهات المستمرة في تشريد أكثر من 300 ألف شخص داخلياً حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ويتحدر غالبية هؤلاء النازحين من محافظة تعز بنسبة 69 في المائة، تليها الحديدة بنسبة 18 في المائة، في حين يتوزع المتبقون على مناطق أخرى.

ويجابه النازحون ظروفاً معيشية بالغة القسوة جراء فقدان مصادر دخلهم؛ إذ بلغت نسبة الأسر النازحة التي تعاني من الجوع المتوسط والشديد نحو 29 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة بين المقيمين. وترتفع هذه النسبة بصورة حادة داخل مخيمات النزوح لتصل إلى 43 في المائة، بعد أن كانت 32 في المائة في أغسطس (آب) الماضي.

انكماش اقتصادي وفجوة تمويل

ويرتبط تدهور الأمن الغذائي بركود اقتصادي ممتد يتسم بقلة فرص العمل وارتفاع التضخم. وتتوقع التقارير الاقتصادية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن بنسبة 1.5 في المائة خلال عام 2026، مع توقع قفزة في أسعار المستهلك بنحو 22 في المائة في المناطق التابعة للحكومة.

إغلاق الطرق الرئيسية في تعز يعرقل تدفق المساعدات الإنسانية (إعلام محلي)

وسجلت الأسواق ارتفاعاً في تكلفة الحد الأدنى لسلة الغذاء بنسبة 15 في المائة، بينما قفزت أسعار السلع الأساسية، مثل الدقيق وزيت دوار الشمس بنحو 35 في المائة. وفي ظل هذه الضغوط، أفادت 69 في المائة من الأسر بتراجع دخلها الشهري، في حين يلتهم تأمين الغذاء وحده نحو 74 في المائة من إجمالي إنفاق الأسر المعيشية.

من جهة أخرى، تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد إلى زيادة الضغط على الأسواق المحلية؛ حيث انخفضت واردات الغذاء عبر الموانئ الحكومية بنسبة 16 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وتراجعت واردات الوقود بنسبة 44 في المائة.

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 16 في المائة، والديزل بنحو 41 في المائة مقارنة بأسعار عام 2025، مما رفع تكاليف النقل الداخلي وتوزيع الخدمات.

وتضاعف التوترات الأمنية والمخاطر التي تهدد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب من حدة المخاوف، لا سيما أن الممر المائي الحيوي يشكل معبراً لنحو 62 في المائة من إجمالي واردات اليمن الغذائية.

مخيمات النزوح تشهد تصاعداً حاداً في معدلات الجوع الشديد (إعلام محلي)

وفي مقابل الاحتياجات الإنسانية المتسارعة، تواجه خطط الإغاثة الدولية عجزاً تمويلياً حاداً؛ إذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 حاجز 23 في المائة حتى نهاية الشهر الماضي.

ويحذر مسؤولون في الإغاثة من أن نقص التدفقات المالية، إلى جانب القيود الأمنية الميدانية، يحدان بشكل ملموس من قدرة المنظمات الدولية والمحلية على تلبية الاحتياجات العاجلة.

وتخلص التقارير إلى أن الأزمة اليمنية تحولت من نقص في المعروض الغذائي إلى انهيار كامل في القدرة على الوصول إليه، وهو ما يتطلب تدخلاً دولياً منسقاً يركز على دعم الاستقرار الاقتصادي، وتحسين القدرة الشرائية، وضمان التدفق الآمن وغير المشروط للمساعدات الإنسانية.


«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
TT

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

ناقش تجمع «دول الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك بعد استئناف اجتماعاته في مدينة طرابلس الليبية.

واستضافت العاصمة الليبية طرابلس، السبت، اجتماعات الدورة العادية الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لدول «تجمع الساحل والصحراء»، بحضور وزراء خارجية وممثلي الدول الأعضاء.

وحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، ناقشت الاجتماعات «سُبل دفع التعاون في قضايا السلم والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وتعزيز فاعليته، بما يسهم في استعادة انتظام العمل المؤسسي والتحضير لعقد اجتماعاته على مستوى القمة خلال الفترة المقبلة».

ويواجه تجمع «دول الساحل والصحراء» تحديات وصعوبات تعوق تفعيل دوره على المستويين الأمني والتنموي. ووفق متخصصين في الشأن الأفريقي، أشاروا إلى أن «التجمع يحتفظ بقدر من التعاون السياسي بين أعضائه، لكنه يواجه تحديات تمويلية ولوجستية في تعزيز التنسيق الأمني بين أعضائه»، مؤكدين «أهمية تفعيل دوره في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والهجرة غير الشرعية».

وتأسس «تجمع دول الساحل والصحراء» في طرابلس في الرابع من فبراير (شباط) عام 1998، بناءً على مبادرة من الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، إثر قمة شارك فيها رؤساء مالي وتشاد والنيجر والسودان، ومندوب عن رئيس بوركينا فاسو. ويضم التجمع الآن 25 دولة أفريقية حول الصحراء الكبرى والساحل، ويتمتع أيضاً بصفة مراقب لدى الأمم المتحدة.

وانتقل مقر الأمانة العامة للتجمع من طرابلس إلى إنجامينا، عاصمة تشاد، بعد الإطاحة بالقذافي في فبراير 2011، قبل أن يعود إلى العاصمة الليبية مرة أخرى، ويُعاد افتتاحه في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

وعقد المجلس التنفيذي للتجمع أول اجتماعاته السبت، وأعرب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عن «تطلعه لأن يُشكل التجمع إطاراً إقليمياً قادراً على توحيد الجهود لمواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، ودعم أمن الحدود والاستقرار الإقليمي».

وأشار الدبيبة، في كلمته بالجلسة الافتتاحية، إلى أن «مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والتنموية في المنطقة تتطلب الانتقال من التنسيق والتشاور للعمل الجماعي الفاعل»، مضيفاً: «نطمح إلى أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات عملية نحو توسيع التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة وتطوير مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة وتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي ومكافحة التصحر والمتغيرات المناخية».

من اجتماع طرابلس (الخارجية المصرية)

وتأتي اجتماعات المجلس التنفيذي لـ«تجمع الساحل والصحراء»، فيما تواجه المنطقة تحديات أمنية عديدة، وفق الكاتب والمحلل التشادي، صالح يونس، الذي قال إن «منطقة الساحل موطن لعدد من التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، بحكم طبيعتها الصحراوية»، مشيراً إلى أن «المنطقة جاذبة للجرائم المنظمة العابرة للحدود، ومنها الهجرة غير الشرعية»، مؤكداً «أهمية التنسيق الأمني بين هذه الدول».

وأوضح يونس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «دول التجمع تحتفظ بقدر من التعاون والتنسيق السياسي، لكنها تواجه تحديات عديدة، على مستوى التنسيق الأمني».

وقال إن «هناك صعوبات في تفعيل التعاون الأمني بين دول التجمع، تتعلق بالتمويل وعدم توفر القدرات اللوجستية»، ونوه بأن «هناك تعويلاً على اجتماعات طرابلس لاستعادة فاعلية التجمع وأدواره مرة أخرى، لا سيما في التصدي للتنظيمات الإرهابية ببحيرة تشاد».

وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على ضرورة «تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود».

وأكد في كلمته «أهمية تفعيل الآليات المتخصصة للتجمع، وعلى رأسها مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب الذي تستضيفه القاهرة»، وشدد على أهمية «تعزيز دور التجمع في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي»، حسب «الخارجية المصرية».

وتستضيف القاهرة «مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب»، وهو مركز إقليمي مختص لتعزيز مكافحة الإرهاب، كما استضافت خلال السنوات الأخيرة اجتماعات لوزراء دفاع دول التجمع، ومسؤولين أمنين، من أجل تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل الأفريقي.

وباعتقاد يونس، فإن «التنظيمات الإرهابية التي تنتشر في منطقة الساحل تمتلك قدرات عديدة، تستوجب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهتها»، وأشار إلى «ضرورة البحث عن مصادر تمويل من المجتمع الدولي، بما في ذلك الجانب الأوروبي، للحد من خطر هذه التنظيمات في هذه المنطقة».

«تجمع دول الساحل والصحراء» ناقش سبل استعادة فاعلية مؤسساته (الخارجية المصرية)

وخلال الجلسة الافتتاحية للمجلس التنفيذي للتجمع، قال وزير الخارجية المصري إن «تجمع الساحل والصحراء يمتلك مقومات حقيقية تؤهله للقيام بدور أكثر فاعلية في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية»، وشدد على «أهمية وجود قواعد مالية مستقرة وشفافة، وموارد منتظمة، والتزام جماعي بالواجبات المقررة على الدول الأعضاء».

وتُشكل خطوة تفعيل دور آلية «تجمع الساحل والصحراء» في هذا التوقيت أهمية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات أمنية واقتصادية، وفق خبير الشؤون الأفريقية في مصر، رامي زهدي، الذي قال إن «التعاون بين دول هذا التجمع يمكن أن يُسهم في مواجهة مخاطر أمنية واقتصادية عديدة تعيشها منطقة الساحل الأفريقي، على رأسها تحدي الإرهاب وانتشار التنظيمات المسلحة».

ويرى زهدي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «منطقة الساحل والصحراء تُعد من أكثر المناطق التي تعاني هشاشة أمنية واقتصادية تؤثر على الأمن الجماعي للدول الأفريقية».

وقال إن «تفعيل دور التجمع سيُسهم في دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ويُعزز من الربط الإقليمي بين هذه الدول»، مضيفاً أن «هناك مشروعات تنموية للربط بين هذه الدول، من بينها مشروع الطريق البري بين مصر وليبيا وتشاد، ومشروع الربط بين الجزائر ونيجيريا»، وقال: «هذه المشروعات لن تكتمل دون تنسيق جماعي يسهم في تنفيذها وتفعيل دورها».