الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

ترقد على فوهة بركان وسط انقسام العشائر.. وأحلام «القاعدة»

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»
TT

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

الحرب التي تدور رحاها في محافظة الأنبار (كبرى محافظات العراق مساحة والمحاددة لثلاث دول هي سوريا والأردن والسعودية) تبدو خليطا غير متجانس من مجموعة تناقضات ترتبط بعضها مع بعض بخيط رفيع، لكنه وثيق الصلة بكل ما في العراق اليوم من تناقضات سياسية واجتماعية وعشائرية.
ففي العراق، كل شيء مختلف عليه اليوم، بما في ذلك الحرب على الإرهاب، التي تتلخص الآن في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
لكن، سرعان ما انفجر برميل البارود الذي بقي مؤجلا لفترة من الوقت، في منطقة كانت – ولا تزال - ملتهبة بسبب تداخل الخنادق فيها وتصارع الجبهات حتى بدا أن المواجهة لا بد أن تكون حتمية.
الحرب التي كانت مؤجلة ضد من يوصفون بالمتطرفين ممن ترى الحكومة العراقية أنهم اختطفوا ساحات الاعتصام بعد فترة وجيزة من انطلاق المظاهرات - بدا توقيتها الآن غير مناسب للجميع؛ لا الحكومة تبدو مهيأة لخوض حرب، لم يعد أمام رئيس الوزراء نوري المالكي سوى المضي فيها إلى نهايتها، طبقا لما قاله هو بعد كشفه أن المتطرفين من تنظيمات «داعش» و«القاعدة» كانوا ينوون إقامة ولاية إسلامية في الأنبار، ولا المتطرفون مهيأون لها بالطريقة التي تجري بها حاليا، ولا حتى القوى والكتل السياسية لا سيما تلك التي تستعد لخوض الانتخابات البرلمانية في شهر أبريل (نيسان) المقبل، في محاولة منها لتغيير الخارطة السياسية بالبلاد. والمعنى الرمزي لتغيير الخارطة السياسية في العراق يتمثل في محاولة حصد أكبر كمية من الأصوات ومن ثم المقاعد في البرلمان القادم، ليس فقط للقوى التي تراهن على أبناء تلك المنطقة (المقصود هنا ليس الأنبار فقط، وإنما المحافظات الأربع السنية؛ وهي صلاد الدين وديالى وكركوك ونينوى)، بل حتى بالنسبة لبعض القوى والكتل الأخرى من خارج المنطقة التي تتمنى تشكيل أغلبية سياسية قادرة على تغيير التركيبة الحالية للحكومة، القائمة على أساس المحاصصة العرقية والطائفية. وتبدو الولاية الثالثة للمالكي هي القاسم المشترك الأعظم لجميع اهتمامات هذه القوى. ومن هنا، بدأ الخيط الذي حاول المالكي إمساكه، بعمليات «وادي حوران» في صحراء الأنبار، يفلت من يديه بعد أن نقل المعركة في وقت بدا غير مناسب، ليس له هذه المرة، بل للجميع، إلى داخل مدينة الرمادي حينما فض خيم الاعتصام بعد مرور سنة من قيامها واعتقال النائب السني البارز وأحد قادة الحراك الشعبي أحمد العلواني.
ومع أن الحرب المؤجلة سبق للنائب المنسحب من «دولة القانون» عزة الشابندر وأحد أبرز مفاوضي المالكي مع العرب السنة وقادة الحراك الشعبي أن أخبر «الشرق الأوسط» بأنها «باتت حتمية مع متطرفي ساحة الأنبار، لا سيما بعد أن بدا أن هناك خطوطا عريضة من التفاهم بدأت تنسج بين المالكي والمعتدلين من قادة الساحة من أصحاب المطالب». الشابندر يشير بذلك إلى «سلسلة الاتصالات التي كانت قد أجريت مع وفود من محافظة الأنبار بقيادة محافظها أحمد الذيابي ومجلس المحافظة، ولقاءاتهم مع المالكي، وقسم منها جرى بحضوري، بالإضافة إلى أكثر من لقاء مع الشيخ أحمد أبو ريشة».
وأبو ريشة قصة بحد ذاته في هذه الحرب والمواجهات. فالرجل كان أحد قادة الحراك في ساحة الرمادي، حاله في ذلك حال وزير المالية المستقيل رافع العيساوي، الذي فشلت مفاوضات الشابندر معه نيابة عن المالكي. وهذه قصة سبق أن رواها لـ«الشرق الأوسط» عزة الشابندر نفسه عندما نفى المالكي في بيانين له أن يكون قد أرسل الشابندر مفاوضا مع العيساوي، باعتبار أن الأخير مطلوب للنزاهة والقضاء. ترتب على ذلك بقاء الأوضاع على ما هي عليه هناك مؤقتا، بينما أعلن الشابندر انسحابه من ائتلاف المالكي ليشكل كتلة مستقلة يخوض من خلالها الانتخابات المقبلة.
* شاكر وهيب أم واثق البطاط؟
* لكن، سرعان ما انفجر برميل البارود الذي بقي مؤجلا لفترة من الوقت، في منطقة كانت – ولا تزال - ملتهبة بسبب تداخل الخنادق فيها وتصارع الجبهات حتى بدا أن المواجهة لا بد أن تكون حتمية. في صحراء الأنبار، بدأت القوات العراقية حملة لمطاردة «داعش» هناك على خلفية تداعيات الأحداث في سوريا. غير أن عملية «الوكر المفخخ» التي أودت بحياة قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي، اللواء الركن محمد الكروي، قلبت الموازين تماما. فالمالكي أطلق على أثر ذلك عملية عسكرية سماها «عمليات ثأر القائد محمد» وزج فيها بقوات كبيرة بهدف مقاتلة «داعش» وتنظيم القاعدة ثأرا لهذا القائد. ولأن كل شيء قابل للاستثمار سياسيا في العراق، فإن القوى والكتل السياسية العراقية المختلفة، سواء في الوسط الشيعي أو السني، بدا لها أن ما سوف يحققه المالكي من انتصارات في حربه على الإرهاب يمكن أن يوظفه لصالحه انتخابيا. وبدت هذه المخاوف مبررة للوهلة الأولى، رغم أن الجميع أيدوا هذه العمليات، خصوصا أن بعضها ارتبط بحدثين ذوي دلالة، وهما: الإعلان عن مقتل القيادي البارز في تنظيم القاعدة شاكر وهيب في عملية بالأنبار، واعتقال قائد ميليشيا «جيش المختار» واثق البطاط في بغداد. كتلة «متحدون» التي يتزعمها رئيس البرلمان أسامة النجيفي، وهي كبرى الكتل السنية التي تبدو في حالة خصومة دائمة مع المالكي، أعلنت وعلى لسان القيادي فيها وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، مظهر الجنابي، تأييدها خطوات المالكي هذه. ففي حديث له لـ«الشرق الأوسط»، قال الجنابي إن «المادة التاسعة من الدستور العراقي واضحة في هذا المجال، حيث إنها تدعو إلى ملاحقة الميليشيات وتصفيتها، ومن ثمب فإن اعتقال البطاط خطوة جيدة وفي الطريق الصحيح باتجاه أن يكون السلاح كله بيد الدولة». وعد الجنابي «تطبيق القانون يجب أن يشمل الجميع، وأن رئيس الوزراء يحمل أمانة سياسية وشرعية حين يتصرف بعدالة». والقصة بين شاكر وهيب وواثق البطاط فيها الكثير من الالتباس. وهيب كان ظهر في منصة اعتصام الرمادي ذات مرة بتسجيل فيديوي وهو يقول: «احنه تنظيم أسمنه القاعدة.. نقطع الراس ونقيم الحدود» وقد مثل ذلك استفزازا للشيعة، حتى إن الكثير من القنوات الفضائية الشيعية كانت تبرز بين فترة وأخرى ذلك المقطع بوصفه التعبير الرمزي لما تعبر عنه ساحات الاعتصام. أما البطاط، فإنه مثل في الكثير من تصريحاته استفزازا للسنة، رغم أن وزارة الداخلية وعلى لسان الناطق الرسمي باسمها العميد سعد معن وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» يصفه بأنه «ظاهرة صوتية ولا وزن له على الإطلاق». معن يضيف أن «الحكومة ماضية في تطبيق القانون ومحاربة الميليشيات وحصر السلاح في يد الدولة».
* فرق عشائريا.. تسد
* عندما اندلعت المظاهرات في مدينة الرمادي أواخر عام 2012 على خلفية اعتقال عدد من أفراد حماية وزير المالية المستقيل والقيادي البارز في «القائمة العراقية» رافع العيساوي، بدا كأنها القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الحكومة وقطاع واسع من أهالي المحافظات الغربية الخمس (الأنبار، صلاح الدين، ديالى، كركوك، نينوى)، بالإضافة إلى الأحياء ذات الغالبية السنية من العاصمة بغداد. فالمظاهرات سرعان ما امتدت إلى كل هذه المحافظات، رفع خلالها المتظاهرون مطالب تتكون من 14 مطلبا، اعترفت الحكومة بقسم منها، بينما بدا القسم الآخر من اختصاص البرلمان، في حين بدا قسم آخر منها غير مشروع من وجهة نظر الحكومة.
وبينما لم تحصل مفاوضات مباشرة بين الحكومة والمتظاهرين، فقد تحولت المظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة. وبعد شهور من استمرارها، أعلنت الحكومة، وعلى لسان الكثير من كبار المسؤولين فيها وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نوري المالكي، أن ساحات الاعتصام قد جرى اختطافها من قبل المتطرفين. والمقصود بالمتطرفين تنظيم القاعدة حصرا. في هذه الأثناء، حصل انقسام سياسي ومجتمعي وحتى عشائري إلى حد كبير. فالحكومة بدأت تعمل على فرز من يقف إلى جانبها وعزل من يقف ضدها. وبينما أعلن القيادي بـ«القائمة العراقية» ووزير المالية رافع العيساوي استقالته من منصبه، فإن نوابا آخرين من «القائمة العراقية»، وفي مقدمتهم النائب أحمد العلواني، انضموا إلى الحراك الشعبي. كما انضم إلى الحراك الشعبي قائد صحوة الأنبار السابق أحمد أبو ريشة، الأمر الذي أدى بالمالكي إلى الاستعانة بقادة عشائريين آخرين في الأنبار والفلوجة لإنشاء صحوات جديدة بقيادة وسام الحردان الذي كان حليفا لأبو ريشة. كما جرت الاستعانة برئيس مجلس إنقاذ الأنبار حميد الهايس وشقيقه محمد الهايس لتأسيس ما سمي «أبناء العراق»، وكلا الفصيلين بدا كأنهما بديلان لصحوات أبو ريشة. بدت العملية كأنها نوع من سياسة «فرق تسد»، لكن على نطاق عشائري هذه المرة. الحكومة، وفي إطار موقفها من ساحة الاعتصام، بدأت تعتمد على المعلومات التي تصل إليها من جماعة «أبناء العراق» بقيادة آل الهايس. حميد الهايس، وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يقول إن «ساحة الاعتصام التي يحاول بعض السياسيين، لا سيما من كتلة (متحدون)، رفع أسهمهم من خلالها، هم متواطئون مع من في الساحة، التي هي أصلا تدار من قبل تنظيمي (القاعدة) و(داعش)». ويضيف الهايس أن «قيادات (القاعدة) تخطط من داخل الساحة، وأن الناس الحقيقيين أصحاب المطالب خرجوا منها بعد أن لبت الحكومة مطالبهم»، مؤكدا أن «(أبناء العراق) ينسقون مع القوات الأمنية في مطاردة عناصر تنظيم القاعدة في المعركة الحالية التي سوف تحسم لصالح العراق بطرد (داعش) والمتعاونين معها». مع ذلك، فإن الحكومة ورغم اعتمادها على الصحوات الجديدة، فإنها عادت للتحالف من جديد مع زعيم الصحوات القديم أحمد أبو ريشة الذي ينتمي، مع محافظ الأنبار أحمد الذيابي، إلى كتلة «متحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي. غير أن الخلافات تبدو واسعة بين الطرفين حتى لو بدت غير منظورة. فما يفعله المحافظ بالتنسيق مع الحكومة كما أن لقاءات أبو ريشة مع المالكي هي الأخرى تثير شكوك جماعته حتى في الحراك الشعبي. الناطق الرسمي باسم كتلة «متحدون» ظافر العاني، أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الأنبار عاشت محنة كبيرة بعد الاعتداء غير القانوني الذي قامت به قوات المالكي على منزل النائب أحمد العلواني في الرمادي واعتقاله، ودخول قوات عسكرية كبيرة إلى المدن»، مشيرا إلى أن ذلك أحدث «اضطرابا أمنيا كبيرا إثر الاستفزازات التي قامت بها ضد الأهالي، مما أفسح المجال لمجاميع (داعش) الإرهابية أن تنتعش وتسيطر على عدد من مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية بعد انسحاب الجيش الذي دخل وخرج من المدن».
* تصفير الحلول
* ما الحل؟ هل هو عسكري أم سياسي أم مجتمعي؟ المعلومات الأمنية تقول إن الجيش يستعد لمعركة فاصلة مع الإرهابيين في الأنبار. في غضون ذلك وطبقا لمعلومات أخرى، فإن بعض الأحياء السكنية في مدينة الفلوجة تتعرض لقصف من قبل الجيش. يضاف إلى ذلك حركة نزوح سكاني، فضلا عن وجود مخاوف من إمكانية حصول كارثة إنسانية. المحصلة، إن القادة السياسيين العراقيين، وبدلا من أن يلجأوا إلى سياسة تصفير المشاكل، فإنهم وصلوا إلى مرحلة «تصفير الحلول»، حيث لا تبدو ثمة حلول حقيقية في الأفق، لأن الأزمة متداخلة سياسيا ومجتمعيا. وفي هذا السياق، يرى عضو البرلمان العراقي عن كتلة «التحالف الكردستاني» وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية شوان محمد طه، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشهد السياسي بلغ مرحلة حرجة من الإرباك والارتباك، حتى ليبدو الوضع السياسي يسير باتجاه غير صحيح لا رجعة فيه، كأن هناك تخطيطا مسبقا لذلك، حيث لا يوجد للأسف اتفاق على أي شيء». وعبر طه عن أسفه قائلا: «إننا وصلنا إلى هذه النتيجة التي تبدو مأساوية، بل وحتى مخجلة». وأضاف طه أن «المشكلة التي نعانيها، أن السياسيين من كل الأطراف يعملون للحفاظ على مستقبلهم وليس مستقبل الشعب العراقي، حيث إنهم لم يعودوا قادرين على فعل أي شيء». ودعا طه إلى أن «الحل يكمن الآن في مساعدة (القائمة العراقية)، وبالذات كتلة (متحدون) التي لها حضور في المناطق الغربية من البلاد، وذلك لجهة أن انفلات الأمور هناك يأتي بالمتطرفين إلى البرلمان وإلى الحياة السياسية، بينما المفروض أن تعمل كل الكتل السياسية على إتاحة الفرصة لـ(العراقية) لأن تأخذ دورها هناك لكي لا تنجرف الأمور إلى ما لا تحمد عقباه». ودعا طه كلا من «التحالف الوطني» وكتلة «التحالف الكردستاني» إلى «مساعدة (متحدون) و(العراقية) في المناطق الغربية لمعالجة الأمر بالاتفاق معها لأن انفلات الأمور يعني أن البديل الذي سيأتي هو اليمين المتطرف، ومن هنا تضيع العملية السياسية برمتها، ولذا فإنه أصبح لزاما على الجميع الآن إنقاذ المشروع السياسي العراقي الذي يسعى المتطرفون إلى اختطافه مستفيدين مما نعانيه من أزمات ومشاكل بين الفرقاء السياسيين».
* تسلسل أحداث
* في الوقت الذي كان فيه معتصمو الأنبار يحتفلون بمرور الذكرى الأولى لبدء اعتصامهم المفتوح، أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن ساحات الاعتصام أصبحت «ساحة للفتنة».
* منح المالكي المعتصمين أسبوعا لرفع الخيم من الساحة، التي أطلق عليها قادة الحراك الشعبي تسمية ساحة «العزة والكرامة» والتي تؤدى فيها صلاة الجمعة حيث يحضرها مئات الآلاف.
* لم يكد ينتهي الأسبوع حتى قامت قوات عراقية باعتقال أحد أبرز قادة الحراك الشعبي النائب أحمد العلواني.
* قامت قوات من الشرطة العراقية بالتزامن باقتحام الساحة وبدأت برفع الخيم والبحث عن 36 من أبرز قادة تنظيم القاعدة الذين قيل إنهم كانوا يعتصمون بالساحة، حيث يقومون بتفخيخ السيارات وإرسالها إلى مختلف المدن والمحافظات، وفي المقدمة منها بغداد للتفجر في الأسواق والدوائر والشوارع.
* لم تنته عملية رفع الخيم بسلام، بل كانت بمثابة فتح برميل بارود، حيث عمت الفوضى في أهم مدينتين من مدن الأنبار، وهما الرمادي والفلوجة.
* الأخيرة سيطر عليها مسلحو «داعش» بعد أن أعلنت القوات العسكرية العراقية أنها بدأت عملية مطاردتهم في صحراء الأنبار في إطار عملية «ثأر القائد محمد».
* اختلطت الأوضاع العسكرية والعشائرية والأمنية بشكل لافت. وبتاريخ التاسع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)، قدم نحو 44 نائبا عن كتلة «متحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي استقالاتهم من مجلس النواب ووضعوها بيد رئيس المجلس، بينما أعلن النجيفي انسحابه من وثيقة الشرف التي جرى إقرارها قبل أشهر، متهما المالكي بـ«عدم احترامها»، وأنه سيعمل مع الجهات المحلية والدولية لسحب الجيش العراقي من المدن.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.



أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.