نظرة فاحصة إلى أفلام سعودية جديدة

مواهب تتقدم بثقة وأخرى تسبقها الطموحات

من فيلم «ولد سدرة»
من فيلم «ولد سدرة»
TT

نظرة فاحصة إلى أفلام سعودية جديدة

من فيلم «ولد سدرة»
من فيلم «ولد سدرة»

أتاحت الدعوة الكريمة التي وجهت إلي لأكون عضو لجنة تحكيم الأفلام الروائية في الدورة الخامسة من «مهرجان الأفلام السعودية»، الاطلاع - وإن ليس للمرة الأولى - على الأفلام الروائية القصيرة والطويلة التي عرضت في تلك المسابقة وتقييمها مع الأديب السعودي عبده خال (الذي ترأس اللجنة) ورئيس مهرجان القاهرة السينمائي المنتج محمد حفظي.
معاً ساد اليقين بأننا في مرحلة من النشاط الثقافي للمملكة بحيث لا بديل لوضع أقصى الشروط الفنية في تحكيمنا لكي يستفيد الفائز وغير الفائز. الأول إدراكاً منه بأنه على الطريق الصحيح، والثاني لكي يزداد عزماً في تحسين مفرداته الفنية في المستقبل.
إنها 21 فيلماً دخلت هذه المسابقة بينها فيلمان روائيان طويلان في مقابل تسعة عشر فيلماً قصيراً. البعض تساءل كيف يمكن الجمع بين الفيلم الطويل والفيلم القصير في مسابقة واحدة. وهو سؤال محق لكن الجواب عليه محق أيضاً.
لم يكن من الممكن تخصيص مسابقة لفيلمين طويلين فقط. الوضع لو حدث لنتج عنه فوز أحدهما فقط بكل ما هناك من جوائز كونه الأجدر على كل صعيد. لذلك كان لا بد من وضع كل الأفلام الروائية على شاشة واحدة.
معالجة طموحة
والحال أنه لا توجد جوائز تقررها أي لجنة تحكيم في أي مهرجان سينمائي، إلا في حالات نادرة تنجح في نيل قبول الجميع. والذي يحدث أن الأفلام أو الشخصيات الفائزة إذ أثارت تقدير لجان التحكيم تواجه آراء النقاد خارج اللجنة وآراء السينمائيين عموماً وآراء الجمهور العام فإذا حازت على ثقة النقاد فإنه ليس من الضروري أن تحوز على إعجاب القطاعين الآخرين والعكس صحيح.
لكن في هذه الدورة، التي هي الأكبر والأهم بين دورات المهرجان السابقة والتي أدارها السينمائي أحمد المللا وفريقه المتفاني بكل جدارة، حظيت بوجود عدة أفلام كانت تستحق الفوز وبعضها فاز بالفعل. ولو كانت هناك جوائز أكثر (في مجالات الصورة والتوليف والسيناريو والإنتاج إلخ…) لكان عدد الأفلام الفائزة ارتفع قليلاً.
الفيلم الذي منحناه «النخلة الذهبية» كأفضل عمل هو «المسافة صفر» لعبد العزيز الشلاحي الذي، للصراحة، لم يخل من هنات (بينها نهاية مستعجلة)، لكنه بقي أفضل ما تم عرضه كجهد فني مبذول وكأسلوب سرد يضع المشاهد دائماً أمام أسئلة تطرحها المادة الدرامية المسرودة. حكاية ذلك الرجل الذي وجد نفسه غير قادر على تذكر أحداث وقعت قبل ساعات أو أيام تؤكد دلالاتها على أنه ارتكب خلالها جريمة قتل. الموقف تشويقي - بوليسي لكن المعالجة الطموحة شاءت أن لا تنتج فيلماً من هذا النوع بل تشده أكثر إلى الدراميات التي تبحث - مستغلة الحبكة - في هوية الشخص والشخصيات المحيطة به وكيف تتداخل لتزيد الريبة مؤثرة على خيارات بطل الأحداث.
لدى الشلاحي طموح لتطوير ملكية السرد لدى الفيلم السعودي. في بعض الحالات يتأخر التطبيق على اللحاق بالطموح، لكن الفيلم لا يخفق في تأكيد جدارة المخرج وموهبته.
هو أجدر، بمراحل عديدة، من الفيلم الروائي الطويل الآخر «نجد» لسمير العارف الذي ارتاح لإعادة سرد حكاية توارثتها السينما في كل مكان حول العالم: الشاب الذي يحب فتاة وطلبها للزواج. الأب الذي يمانع ويزوّج ابنته إلى آخر غصباً عنها. العودة إلى الحارة والمواجهة بين مختلف الشخصيات والجوانب ثم اعتراف الأب لابنته بذنبه وصولاً إلى نهاية تراجيدية. الإضافة الوحيدة هي توريط البطل في حكاية مرادفة حول حمايته لأحد المجتمعات البدوية من عصابة محدقة بعدما انضم إلى سلك القانون. لكن التنفيذ يبقى على هوانه طوال الوقت.
لا شيء هنا يمكن الإعجاب به. لا الحكاية ولا إدارتها ولا التمثيل أو الشخصيات التي تمثلها. السيناريو تقليدي تماما والتصوير لا فن فيه وإذ تقع الأحداث في زمن مضى، فإن مساحيق التجميل حديثة وعصرية. لافت تصميم حي قديم، لكن المخرج يتعامل وذلك كديكور ضروري فقط.
طموحة
هناك حالات طغى فيها جانب على آخر بحيث لم يكن من الممكن إلا تقدير المحاولة واعتبارها على قدر من النجاح ولو بصورة غير كافية. فيلم «الظلام هو لون أيضاً» لمجتبي سعيد و«خمسون ألف صورة» لعبد الجليل الناصر و«الجرذي» لفيصل العامر من بينها.
«الظلام هو لون أيضاً» يسوق طموحاً للاختلاف يكاد يتحقق لولا أن الفيلم ينتهي بلمسة مخففة من الجهد الإبداعي. يتركنا بإعجاب للفكرة وبرودة في بلورة المضمون.
«خمسون ألف صورة» يعرض فكرة جميلة (أهمية الصورة الفوتوغرافية وارتباطها بالذاكرة في حياة رجل يبحث عن صورة أبيه) لكن الإخراج رتيب ويكتفي بالعرض المبسط.
أما «الجرذي» فيملك فكرة رمزية يحسن المخرج كتابتها حول الشاب الذي عانى من سلطة الأب بحيث حولته في النهاية إلى مجرد منفذ.
وثمة مثال واضح حول كيف يستحوذ الممثل على العمل إذا ما أتيحت له الفرصة وهذا في فيلم «أغنية البجعة» للمخرجة هناء العمير، وهو الفيلم الذي نال عنه الممثل أسامة القس جائزة أفضل تمثيل رجالي. الفيلم القصير يدور حول رجل يصحو من النوم وهو على منصة مسرحية. يقف ويبدأ بتمثيل «أغنية البجعة» (ثالث مسرحية من أعمال الروسي أنطون تشيخوف) باللغة الفصحى قبل أن يتداخل النص الأصلي برغبة الممثل التواصل مع حاضره (باللهجة المحلية) وعكس هواه الفني في كلتا الحالتين. بوضوح هو فيلم ممثل (أداه القس بتفوق) تابعته الكاميرا والمخرج بتأييد مطلق إنما مساند وليس كعنصر قرار.
الجائزة النسائية في هذا المجال نالتها زارا البلوشي عن فيلم «ستارة» لمحمد السلمان (الأفضل من بين فيلمين قدمهما المخرج للمسابقة) حول ممرضة تخفي وجهها بالنقاب واضعة ستارة بينها وبين محيطها في عملها الجديد. لكن معاملة بعض المرضى وفضول بعض الممرضين المتحرشين بها وخلفيتها الاجتماعية في زمن التحوّلات الحالي، أمور تضعها في مواجهة هذه العوامل ومواجهة نفسها ودورها أيضاً. الممثلة عكست كل ذلك بصمتها (غالباً) وبعينين معبرتين.
وهذه التحوّلات ذاتها موجودة في فيلم «صلة» لحسام الحلوة الذي فاز بجائزة أفضل إخراج. الحكاية هنا تدور حول العلاقة الصامتة (غالباً أيضاً) بين الأب الذي يمثل الماضي والابن الشاب الذي يمثل الحاضر. العلاقة عادية في المظهر لكنها تنضوي على فتور في الداخل. هذا الأب الذي لم يعد يجد ما يثير اهتمامه بابنه سوى سؤاله حول إذا ما قام بإداء فريضة الصلاة. والابن الذي يدرك الثوابت لكنه يبغي تقدير المتغيرات.
بعيداً عن ذلك ذهب «ولد سدرة» للمخرجة ضياء يوسف للبحث في الأساطير التي تحوم حول شجرة «السدرة» التي يقال بأنها ملبوسة بروح طفل. تعبير المخرجة عن تلك الميثالوجيا وحسن مزجها لحاضر الفيلم في قريته الصغيرة ومنطقته النائية بالماضي من خلال ذلك التراث استوجب تقدير الفيلم ومنحه جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
على كل ذلك هناك خلاصات مهمّـة عانت منها معظم الأفلام المتنافسة بما فيها بعض تلك الفائزة:
- ضعف الكتابة كون المخرجين اكتفوا بالنسخة الأولى منها علماً بإن إعادة الكتابة والتمعن في هوية الفيلم الدرامية وطموحاته ضروري لإجادة صنع الفيلم على نحو أفضل.
- الموسيقى الطاغية والهادرة (وفي عديد من الأحيان) غير الضرورية مطلقاً كما لو أنها أهم من الصورة ذاتها.
- التوليف الذي إما يمنح الصورة الماثلة وقتاً أطول مما يلزم أو يقتنص من أهمية الفكرة وراء المشهد بانتقال مبتور. في الحالتين يخسر الفيلم قدرته على وحدة إيقاعه.



العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
TT

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ. المسلسل كان من النوع القائم على المباريات والألعاب التلفزيونية الكوميدية. في مطلع كل موسم، تُقدّم مجموعة من المشتركين (بعضهم معروف) في مسابقات ومواقف مثيرة، ومن ينجح في الإجابات ينتقل إلى الأسبوع التالي، ومن يخسر لا يعود.

الهدف النهائي هو بقاء رابح واحد يؤول إليه المال والشهرة، وضيافة الرجل الذي بات لاحقاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

دونالد ترمب في حلقة من «المتدرب» (إم جي إم تليفزيون)

بين ترمب وريغان

خلفية ترمب في «الشو بزنس» سبقت هذا المسلسل واستمرت بعده. في الواقع، ظهر ممثلاً في «وحيد في البيت 2» (Home Alone 2) سنة 1992. ثم شُوهد في دور صغير في آخر فيلم أخرجه وودي آلن بعنوان «مشهور» (Celebrity). لم يظهر ممثلاً يؤدي شخصية أخرى، بل بشخصيته هو، كما فعل في فيلم كوميدي آخر بعنوان «أسبوعا إنذار» (Two Weeks Notice) سنة 2002.

حقيقة أنه مثّل بشخصيته نفسها توحي بأنه اعتبر باكراً أن الكاميرات الوحيدة التي يريد الوقوف أمامها هي كاميرات وسائل الإعلام. لم يرغب في شق طريقه ممثلاً محترفاً، كما كان حال الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل في توظيف شخصه إعلامياً بمنهج سياسي محدد. هذه نقطة الاختلاف الأهم بينه وبين رونالد ريغان، الممثل الذي انتقل من أدوار ثانوية في السينما ابتداءً من عام 1937، ثم اعتزل التمثيل ليصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، تمهيداً لتوليه رئاسة الجمهورية الأميركية عام 1981 (خلفاً لجيمي كارتر) حتى عام 1989 (حين تلاه جورج بوش الأب).

كلاهما، ترمب وريغان، انتميا إلى الحزب الجمهوري، ولو أن ريغان بدأ توجهه السياسي عضواً في الحزب الديمقراطي قبل أن يستقيل منه وينتمي إلى الحزب المناوئ.

بعد سنوات من الأدوار الصغيرة، بدأ ريغان يُعزِّز حضوره على الشاشة بأدوار مساندة، كما في «سرب دولي» (International Squadron، للويس سايتر،1941)، ومن ثم تقدّم نحو أول بطولة له مشاركاً روبرت كامينغز في «صف الملوك» (Kings Row، لسام وود، 1941).

كان ريغان جاداً في رغبته بالنجاح في مهنة التمثيل، لكن مسيرته تعرَّضت للتراجع بسبب انضمامه إلى جهود الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في وحدة الأفلام العسكرية منتجاً موادَّ تدريبية ودعائية، مما أبعده عن الشاشة لسنوات. وعندما عاد إلى الحياة المدنية، كان عليه أن يبدأ من جديد. وجد نفسه في منتصف الخمسينات في سلسلة من الأدوار المساندة، وأدرك أنه لن يستطيع تعويض ما فاته.

في المقابل، أدرك ترمب أن آماله ليست في الأفلام، على عكس ريغان الذي كان يرغب في أن يتبوأ النجومية لأطول فترة ممكنة.

جورج كلوني مبتسماً (نتفليكس)

استعادة الحلم الأميركي

يعود بعض الفوارق بين الرئيسين إلى اختلاف الظروف والمشكلات التي واجهها كل منهما خلال فترة حكمه. تبدو المرحلة الريغانية أكثر انسجاماً مع رغبات ذلك الرئيس في تحقيق هدف أساسي هو استعادة المبادئ الأخلاقية لأميركا. فقد تعرَّضت هذه المبادئ لهزّة كبيرة بسبب حرب ڤيتنام، التي كانت موضوعاً لأفلام عدّة مناوئة لها، إلى جانب الحراك الشعبي والإعلامي. ما هدف إليه ريغان كان استعادة إيمان الأميركيين بأميركا، وقد أنجز هذا الهدف بنجاح.

كذلك سعى إلى الحد من هيمنة الحكومة على الاقتصاد المحلي من ناحية، ومواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية، في إطار الحرب الباردة التي شهدها العالم بين القوتين العظميين.

ومثل كثير من الممثلين والمخرجين وأصحاب المهن السينمائية الأخرى في هوليوود، من بينهم جون واين، والمخرج سام وود، والممثل روبرت تايلور، وآخرون عديدون، كان ريغان عدواً لدوداً للشيوعية. أيَّد موقف اللجنة المكارثية التي حقّقت في انتماءات سينمائيي هوليوود ومسرحيي وكتّاب نيويورك، وما إذا كانوا يمهّدون لهوليوود «حمراء» أم لا.

أفلام كثيرة لريغان في تلك الفترة حملت مضامين إعلامية يمينية التوجه، وبدأ ذلك مع «جهاز الجو السري» (Secret Service of the Air) عام 1938، و«سرب دولي» (1941)، و«هذا هو الجيش» (This Is the Army) سنة 1943. كما تولى التعليق الصوتي لفيلم تسجيلي بعنوان «القتال لكسب السماء» (The Fight for the Sky)، إلى جانب أعمال أخرى.

صفر تسامح

يختلف منهج ريغان عن منهج ترمب في نوعية ممارسة السياسة الداخلية والخارجية. فعند الرئيس الحالي، هناك «صفر تسامح» مع كل نقد يوجَّه إليه، والأمثلة خلال الفترة القصيرة منذ توليه الحكم كثيرة: من مقاضاة مؤسسة «بي بي سي» البريطانية، إلى تقييد حرية تناول حياته الشخصية في الإعلام الأميركي، وصولاً إلى هجومه على إعلاميين تلفزيونيين انتقدوه، والتسبب في إحالتهم المبكرة إلى التقاعد.

إحدى أبرز هذه المحطات تمثّلت في خلافه الشديد مع الممثل جورج كلوني، الذي بدأ بوصف الرئيس له بأنه ممثل «رديء من الصنف الثاني».

وفي حفل «غولدن غلوبز» الأخير، سنحت الفرصة لكلوني لنقل خلافه مع الرئيس إلى مستوى آخر، حين تحدّث بالفرنسية أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم درامي، نكاية بتعليق سابق لترمب سخر فيه من كلوني وزوجته، اللذين نالا الجنسية الفرنسية.

وكان كلوني قد علّق سابقاً على سياسة ترمب قائلاً: «نعم، سنبني أميركا أولاً في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل»، وهو الموعد المحدد للانتخابات الثانية.

حتى اليوم، ومنذ توليه السلطة، عمد ترمب إلى تحديد أولوياته سريعاً وبحزم، ومن بينها محاولته إصدار تشريع يفرض ضريبة ثقيلة على كل فيلم أميركي المنشأ يُصوَّر خارج الولايات المتحدة. عدم منطقية هذا القرار لا تعني أنه لن يعود إليه في المستقبل.


شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
TT

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

SINNERS

خاطئون ★★★★ إخراج: ‪ ريان كوغلر ‬

الولايات المتحدة | فاز بـ«غولدن غلوبز» بوصفه أفضل إنجاز سينمائي

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية، بينما اختلف Black Panther «بلاك بانثر» (في جزئيه 2018 و2022) عن أفلام الكوميكس بدفعه برسائل سياسية. الفيلم الحالي، «خاطئون»، هو فيلم رعب متميز عن معظم ما يُقدّم في هذا النوع. مثل أعماله السابقة، يصيغ كوغلر هذا الفيلم كمعلّق اجتماعي/سياسي حول أحداث تكشف عن أبعادها من دون الانزلاق نحو السهولة أو المجانية.

تدور أحداث الفيلم خلال يوم وليلة في خريف 1932، في بلدة صغيرة بولاية مسيسيبي، وهي الحقبة التي كانت فيها العنصرية نشطة في الجنوب الأميركي. تبدأ القصة بوصول سامي (مايلز كاتون)، مغنّي بلوز أسود، إلى الكنيسة حيث يقيم والده شعائرها، ثم نعود إلى اليوم السابق مباشرة لمتابعة ما حدث خلال 24 ساعة.

الأخوان التوأمان سموك وستاك (يؤديهما مايكل ب. جوردان) يشتريان مكاناً لتحويله إلى نادٍ لغناء البلوز. خلال ذلك اليوم وحتى صبيحة اليوم التالي، تقع أحداث كثيرة بين سعي الأخوين لافتتاح النادي وجلب عازف الهرمونيكا (دلروي ليندو) والعمل مع سامي بوصفه مغنياً وعازفَ غيتار، وبين اكتشافهم لهجوم ڤامبايرز (مصاصي الدماء).

الجانب الأول من الفيلم يسرد تاريخ البلوز الأميركي الذي انطلق مع بداية القرن الماضي وبلغ أوجه في الخمسينات وما بعد، في حين الجانب الثاني هو رمز مشغول بعناية للوضع الماثل على صعيد العلاقات التي استخدم فيها البيض السود للشعور بالتفوق العرقي. في صلب هذا الجانب الشيفرة التي تترجم وقوع السود بوصفهم ضحايا ثم تحوّل بعضهم إلى ڤامبايرز لا تعترف بلون البشرة.

تدخل وتخرج في هذه الفترة شخصيات كثيرة لتُكمل رسم البيئة الواقعية والرمزية معاً. يتحدث الفيلم عن تلك الفترة الصعبة في حياة الجنوب الأميركي، ويختار المشاهد المناسبة التي ترمز إلى الوضعين الاجتماعي والفردي في آن واحد.

يمنح كوغلر التفاصيل الضرورية لشخصياته، لتقرأ من خلالها التاريخ الشخصي والعام. وهناك مزيج من الأعراق: سود وبيض وصينيون، وحتى أفراد من مواطني أميركا الأصليين، ولكل منهم دور يتجاوز مجرد الحضور الديكوراتي. يمنحنا المخرج عملاً يبدأ غامضاً وينتقل بعد ذلك، تحت غلاف الغموض نفسه، بنجاح ومن دون ثقل أو جهد.

بهذا، يأتي «الخاطئون» بوصفه عملاً لغزياً في صياغته وتاريخياً في سياقه عن فن «البلوز» الأميركي، وأكثر من مجرد فيلم رعب، مقارنة بما هو منتشر حالياً.

يقترح «الخاطئون» أكثر مما يُظهر، وما يُظهره ضروري رغم ضراوته.

Hamnet

هامنت ★★ إخراج: ‪ كلوي زاو‬

الولايات المتحدة | فاز بـ«غولدن غلوبز» بوصفه أفضل فيلم درامي

استوحت مخرجة «نوماندلاند» فيلمها من رواية وضعتها ماغي أو فارل، مستوحاة من حياة ويليام شكسبير وزوجته أغنس، اللذين فُجعَا بوفاة ابنهما هامنت في الحادية عشرة من العمر سنة 1596. هذا ملخص ما هو واقعي في حياة ويليام شكسبير، الذي وضع بعد 4 سنوات من وفاة ابنه روايته الشامخة «هاملت». ما عدا هذه الأرضية، لا يوجد سوى خيال يلد خيالات أخرى عن شكسبير وأغنس، وكيف تعرَّفا ومن ثَم تزوَّجا وأنجبا توأماً، وصولاً إلى تلك الفاجعة.

جسي بكلي وبول مسكال في «هامنت» (فوكس فيتشرز)

بما أن القليل معروف عن هذه السيرة، كان من الطبيعي الاستعاضة عن شحِّ الحقائق بمواقف خيالية بالكامل. الرواية نوع من تلك الكتابات الكلاسيكية النسائية الناجحة (في البال «مرتفعات وذرينغ» لإميلي برونتي و«نساء صغيرات» للويزا ماي ألكوت)، لكن هذه المؤلفات بُنيت على أحداث خيالية بالكامل. «هامنت» يحاول توظيف تلك المعطيات المبتسرة لبناء الحكاية الكاملة بأحداث مفترضة بالكامل، مع ما تحتاج إليه من عناصر عاطفية مثل نظرات الهيام، والقبلات الساخنة، والدموع، والمشاعر الطافحة على الوجوه، وقد فعل ذلك على نحو مستفيض.

عندما يصل الفيلم إلى التراجيديا المتمثلة في موت هامنت، ليس عند المخرجة سوى الغرق في العواطف وآهات المعاناة كبديل لغياب الوقائع. معظم المشاهد التي تجمع بين جسي بكلي (في دور أغنس) وبول مسكال (شكسبير) تفتقد الكيمياء؛ أحدهما لا يبدو مناسباً، وهذا الواحد هو مسكال. ربما ليس خطأه، إذ السبيل الوحيد لتصوير شعوره بمأساة فقدانه ولده هو الاعتماد على المشاهد الجاهزة المناسبة لمثل هذه الحالة. المشكلة أن الفيلم ينتهي في خانة الادعاء بأن ما نشاهده هو الحدث المناسب والبديل عن الحدث الغائب.

الأمر الأكثر فداحة هو الادعاء بأن شكسبير تصرَّف هكذا بالفعل، بينما ليست القصة في مجال اقتراح أن ما يُعرض هو الواقع فعلاً. وبينما لا تدّعي الرواية أن ما نقرأه حدث بالفعل (وحسب قراءة سريعة للرواية، ليس هناك ذكر لاسم شكسبير)، تزج زاو اسمه كفرصة كبيرة للوثوب على ظهر الجوائز والشهرة، وتحبيذ النقاد (وهذا ما تم بالفعل)، كما تستخدم مقاطع من بعض أعماله. المحاولة لاعتماد افتراضات، تذهب بها زاو إلى شيء من قراءة الغيب، وما يرتسم على الشاشة يبقى شحيحاً في العمق ورخيصاً في المعالجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تنافس قوي على جوائز «غولدن غلوبز»



 من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
TT

تنافس قوي على جوائز «غولدن غلوبز»



 من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).

تُقام حفلة توزيع جوائز «غولدن غلوبز» يوم الأحد المقبل (الحادي عشر من هذا الشهر). إنها المناسبة الثالثة والثمانون لجائزة سنوية تطوّرت منذ عامها الأول، سنة 1944، لتصبح ما هي عليه اليوم من نجاح.

البعض يراها تمهيداً لمن سيفوز في سباق الأوسكار المقبل. حقيقة أن إعلان جوائز الأفلام والسينمائيين يتم قبل موعد إقفال التصويت على مسابقات الأوسكار يعزز مثل هذا الاعتقاد، علماً بأن ذلك كان أكثر احتمالاً في السنوات الماضية (ما قبل 2010 أو نحو ذلك العام) عندما كان التنافس بين موزّعي الجوائز في هذا الموسم أقل شأناً وحجماً مما أصبح عليه اليوم. بالتالي، هناك أكثر من مناسبة سنوية تطلق جوائزها من الأفلام والشخصيات الفنية، ولا يمكن القول إن أحدها يؤثر حتماً على ترشيحات أو نتائج الأوسكار على نحو فعلي.

على ذلك، وبعد كبوة كادت تصيب هذه الجوائز في مقتل، عادت «غولدن غلوبز» لتتبوأ مكانتها كثاني أهم جوائز سنوية في الولايات المتحدة بعد الأوسكار.

ما يلي ترشيحات «غولدن غلوبز» الخاصة بالأفلام والإنتاجات الأكثر احتمالاً لنيل الجائزة الثمينة في الأقسام المختلفة.

«قمر أزرق» ينافس كوميدياً (صوني)

الأفلام الدرامية

> تشترك الأفلام الستة في هذه المسابقة بخيط واحد، هو تساوي حظوظها من النجاح. إنها «فرنكنشتين» لغييلرمو دل تورو (الولايات المتحدة) و«مجرد حادثة» (It was Just an Accident) لجعفر بناهي (إيران) و«قيمة عاطفية» (A Sentimanetal Value) ليواكيم تراير (نرويج، ألمانيا، دنمارك) و«العميل السري» (The Secret Agent) لكلايبر مندوزا فيلو (برايل) و«خاطئون» (Sinners) لرايان كوغلر (الولايات المتحدة) و«هامنت» (Hamnet) لكلووي زاو (الولايات المتحدة).

> الاحتمال الأول: ما بين ضخامة الإنتاج في «فرنكنشتين» واستقلاليته في «هامنت» سيميل الناخبون إلى الفيلم الثاني. لكن ماذا عن «قيمة عاطفية» و«مجرد حادثة» و«عميل سري»؟ هذه الأفلام ترِدُ في قسم الأفلام الأجنبية ما يخفف احتمالات فوزها هنا. «خاطئون» سيفقد بوصلته.

> اختيار الناقد: «فرنكنشتين» لأنه 100 في المائة سينما.

من فيلم كلووي زاو «هامنت». (فوكاس فيتشرز)

الأفلام الكوميدية أو الموسيقية

> عانت جوائز «غولدن غلوبز» طويلاً من غياب القرار فيما يتعلق بما إذا كان هذا الفيلم أو ذاك كوميدياً بالفعل أم درامياً، والنتيجة أن العديد من الأفلام غير الكوميدية تدخل هذه المسابقة لأسباب واهية. يتكرر الحال هذا العام. هل يمكن تخيّل أن «قمر أزرق» (Blue Moon) لرتشارد لينكلاتر كوميدي، أو «بوغونيا» (Bogunia) ليورغوس لانتيموس، أو «معركة بعد أخرى» (One Battle After Another) أفلام كوميدية؟ رغم ذلك هي من بين 6 أفلام متنافسة في هذا السباق. الثلاثة الأخرى: «مارتي سوبريم» (Marty Supreme) لجوش صفدي و«موجة جديدة» Nouvelle Vague لرتشارد لينكلاتر (أيضاً) والفيلم الكوري «لا خِيار آخر» (No Other Choice).

> سيفوز: «معركة بعد أخرى»... لا فيلم آخر يقترب منه.

> قد يفوز: «مارتي سوبريم» في ضربة حظ.

> اختيار الناقد: «معركة بعد أخرى»

الأفلام الأجنبية

> الأفلام المتسابقة هنا هي: «مجرد حادثة» (إيران) و«لا خِيار آخر» (كوريا الجنوبية) و«قيمة عاطفية» (نرويج)، «صوت هند رجب» (تونس، فرنسا) «صِراط» لأوليفييه لاكس (إسبانيا) و«العميل السرّي» (البرازيل). حسب مصدر من داخل المؤسسة، الاتجاه العام يحبّذ الفيلم النرويجي، لكن أي فيلم آخر سيكون مفاجأة مثيرة للجدل.

> سيفوز: «قيمة عاطفية».

> قد يفوز: «صوت هند رجب».

> اختيار الناقد: «صِراط». مثل «فرنكنشتين» هو أيضاً 100 في المائة سينما.

مسابقة إنجازات سينمائية

‫8 أفلام في هذه المسابقة التي تختار بعض أكثر الأفلام نجاحاً في الإيرادات. لا يعني ذلك أنها جميعاً بلا قيمة. هذه الأفلام هي...

(Avatar: Fire and Ash) «أفاتار: النار والرماد» لجيمس كاميرون و«F1 » لجوزيف كوزينسكي و(KPop Demaon Hunters) «كي بوب: صائدو الشياطين» لكريس أبلهانز و(Mission: Impossible- The Final Reckoning) «مهمة مستحيلة - الحساب الأخير» لكريستوفر ماكوايري و(Sinners) «خاطئون» لريان كوغلر و(Weapons) «أسلحة» لزاك غريغر و(Wicked for Good) «شرير للأبد» لجون م تشوي، ثم (Zootopia II) «زوتوبيا 2» لجارد بوش.‬ كل من «زوتوبيا 2» و«صائدو الشياطين» في مسابقة أفلام الأنيماشن.

> سيفوز: «أفاتار: نار ورماد»

> قد يفوز: «خاطئون»

> اختيار الناقد: «خاطئون»

المخرجون

> المخرجون المتنافسون هم... غييلرمو دل تورو (عن «فرنكنشتين») وبول توماس أندرسن («معركة بعد أخرى») ويواكيم تاير («قيمة عاطفية») وجعفر بناهي («مجرد حادثة»)، ريان كوغلر («خاطئون»)، «كليو زاو» («هامنت»). 6 أساليب عمل واختيارات بالغة التباعد. لكن هذا ما يجعل المسابقة مثيرة وصعبة التوقعات.

> سيفوز: بول توماس أندرسن هو جوكر هذا العام بعد فوزه وفيلمه حتى الآن بـ168 جائزة صغيرة وكبيرة.

> قد يفوز: جعفر بناهي كونه حصد إعجاباً عابراً للقارات.

> اختيار الناقد: بول توماس أندرسن.