السبت الـ19 لـ«السترات الصفراء»: الجيش إلى الشوارع وحظر المظاهرات في الشانزليزيه

تم استدعاء وحدات من الجيش الفرنسي لتكلف بحراسة المراكز الحكومية والمواقع الحساسة في باريس والمناطق الأخرى (أ.ف.ب)
تم استدعاء وحدات من الجيش الفرنسي لتكلف بحراسة المراكز الحكومية والمواقع الحساسة في باريس والمناطق الأخرى (أ.ف.ب)
TT

السبت الـ19 لـ«السترات الصفراء»: الجيش إلى الشوارع وحظر المظاهرات في الشانزليزيه

تم استدعاء وحدات من الجيش الفرنسي لتكلف بحراسة المراكز الحكومية والمواقع الحساسة في باريس والمناطق الأخرى (أ.ف.ب)
تم استدعاء وحدات من الجيش الفرنسي لتكلف بحراسة المراكز الحكومية والمواقع الحساسة في باريس والمناطق الأخرى (أ.ف.ب)

تترقب السلطات الفرنسية بكثير من القلق ما سيحصل اليوم في باريس وكثير من المدن الفرنسية في اليوم التاسع عشر للحركة الاحتجاجية التي انطلقت في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وللتدليل على المخاوف من تكرار سيناريو السبت الماضي الذي شهد أعمال شغب ونهب وكر وفر، خصوصاً في جادة الشانزليزيه، فقد ألغى رئيس الوزراء أدوار فيليب زيارة خارجية كان مقرراً القيام بها منذ أسابيع للبقاء قريباً من الوضع، وحتى لا يتعرض لانتقادات حادة كالتي انصبت على الرئيس ماكرون الذي كان يتزلج السبت الماضي بينما باريس «كانت تحترق». ووفقاً لقرارات مجلس الوزراء، في جلسته يوم الأربعاء الماضي، فقد قرر مدير الشرطة في العاصمة منع المظاهرات في الشانزليزيه والشوارع المتفرعة عنها. لكن القرار الأهم الذي يثير جدلاً واسعاً يتمثل باستدعاء وحدات الجيش الناشطة لتكلف بحراسة المراكز الحكومية والمواقع الحساسة في العاصمة والمناطق، وعدد هذه القوة يقدر بـ7 آلاف رجل على كامل الأراضي الفرنسية، وقد أنشئت لمساعدة القوى الأمنية في مواجهة العمليات الإرهابية وطمأنة المواطنين. ولتبرير قرارها، قالت السلطات الحكومية إن تكليف هذه القوة بحراسة المواقع الحساسة والمراكز الحكومية على أنواعها سيساعد القوى الأمنية الداخلية على التفرغ لمواجهة المندسين والمشاغبين الذين قدر وزير الداخلية كريستوف كاستانير أعدادهم السبت الماضي بـ1500 شخص. وما لا يريده الرئيس ماكرون، ولا الحكومة، هو أن تعيش باريس «يوماً أسود» شبيهاً بالسبت الماضي، أو بالأول من ديسمبر (كانون الأول) المنصرم، حيث تشكل في الحالتين انطباعاً مفاده أن الأمور قد خرجت عن سيطرة السلطات، وأن الشارع أصبح ملك المشاغبين، الأمر الذي ينسف هيبة الدولة، ويسيء لصورة فرنسا في الداخل والخارج، ويضعف موقف ماكرون، ويطيح بخططه الإصلاحية، وخططه لإغلاق ملف «السترات الصفراء»، بعد انتهاء المرحلة التي خصصت لـ«الحوار الوطني الكبير».
ومن بين الذين سلط فوق رقبته سيف الاقتصاص بسبب التقصير، وزير الداخلية كريستوف كاستانير الذي تتهمه المعارضة بأشكالها بالتقصير، فيما اليمين واليمين المتطرف يدعوان إلى إقالته. من هنا، تأتي اللغة المتشددة التي لجأ إليها لدى تسليم مدير شرطة باريس الجديد منصبه، بعد التضحية بسلفه بحجة عدم اتباع التعاليم الوزارية. فقد دعا كاستانير القوى الأمنية لـ«الحزم» في مواجهة التطرف والشغب، وترك لهم حرية تقدير المواقف والتصرف بوحيها.
بيد أن الجدل الأكبر يتناول استدعاء الجيش، والمخاوف من أن يتسبب ذلك بأحداث مميتة، خصوصاً أن الوحدات المسلحة ليست مدربة لحفظ الأمن، بل لمحاربة الأعداء، أكان ذلك إرهاباً أو جيوشاً معادية. ويتفق اليمين واليسار على انتقاد خيارات ماكرون الأمنية. وقد زادت المخاوف بعد التصريحات التي صدرت أمس عن حاكم منطقة باريس العسكرية الجنرال برونو لوريه الذي أعلن في تصريحات لإذاعة «فرانس أنفو» أمس أن وحدات الجيش يمكن أن تصل إلى مرحلة فتح النار على المتظاهرين. وقال الجنرال المذكور ما حرفيته: «إن التعليمات المعطاة (للوحدات المسلحة) بالغة الدقة، ولديها الوسائل كافة للرد على كل تهديد، وهذا قد يصل إلى إطلاق النار». وأضاف الجنرال برونو لوليه أنه بوسع الجنود «إطلاق التحذيرات، والتعامل مع التهديدات بالشكل الملائم».
وفي جملتي الحاكم العسكري الأخيرتين بيت القصيد، ذلك أن من يتحدث عن إطلاق النار على المتظاهرين يعني في الوقت عينه سقوط قتلى وجرحى، والحال أن عشرات الجرحى سقطوا منذ بداية الاحتجاجات، ولدى سقوط أي جريح كانت أصابع الاتهام تنصب على القوى الأمنية، خصوصاً على استخدامها القنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، أو إطلاق الرصاص المطاطي. والحال أن الجيش لا يمكنه أن يتعامل إلا بالشدة للمحافظة على هيبته، وإذا لجأ حقيقة لإطلاق النار مباشرة على المتظاهرين، فإن ذلك سيثير أزمة سياسية في فرنسا لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
اللافت في ردود الفعل على استدعاء الوحدات العسكرية شبه الإجماع السياسي على إدانة الخطوة الحكومية، والتحذير من مخاطرها. من هنا، مسارعة وزيرة الدفاع فلورانس بارلي إلى محاولة طمأنة المحتجين، بقولها أمس إنه «لا يخطر بذهن أحد أن يوضع الجيش في مواجهة المحتجين». وبحسب بارلي، فإن مشاركة الجنود غرضه «تخفيف الأعباء عن الشرطة ورجال الدرك، وهي مهمات يقومون بها في إطار مكافحة الإرهاب». بيد أن هذا القول لم يطمئن أحداً لأن سيناريو المواجهة لا يمكن استبعاده، ولأن المقارنة بين حفظ الأمن بمناسبة حصول مظاهرة وملاحقة الإرهاب لا تستقيم. وحتى الآن، كانت الوحدات العسكرية تتولى منذ عام 2015 حماية أماكن العبادة والمواقع الحساسة، كالمطارات ومحطات القطارات، وأيضاً أماكن التجمع السياحي، مثل جادة الشانزليزيه ومتحف اللوفر وبرج إيفل وقوس النصر والمحطات الكهربائية، لكن هذا كله يختلف عن مواجهة المتظاهرين. ويتذكر الفرنسيون حادثة مقتل الطالب مالك أوسكين في التسعينات بمناسبة مظاهرة طلابية في الحي اللاتيني، وما أثارته وقتها من أزمات سياسية. ولا شك أن الحكومة ليست بحاجة لمزيد مما تعرفه من أزمات، لكن أولويتها اليوم إعادة فرض النظام، وإعلاء هيبة الدولة، مما يدفعها لـ«المخاطرة» باستدعاء وحدات الجيش، فهل سيمر السبت الاحتجاجي التاسع عشر بسلام أم أن دورة العنف ستنتقل من جادة الشانزليزيه التي لم تنته من إصلاح ما أصابها من تدمير إلى شوارع أخرى في العاصمة والمدن الأخرى؟



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».