ا يزال تراب الغوطة الشرقية وشعور نسائها الضحايا في انتظار وصول اللجنة الدولية للتحقّق من استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي، بعدما فسدت عينات الدم التي حفظت أياما، علّها تكون دليلا للمجتمع الدولي على هذه السموم التي قتلت الأطفال والنساء، وبقي من نجا منها يعاني من أمراض في التنفس والأعصاب. هذه هي الصورة اليوم بعد مرور عام بالتحديد على مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، وفق ما يصفه عمّار الحسن، أحد الناشطين الذين عملوا على انتشال الجثث وتوثيقها. ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الصور وحدها شاهدة على فظاعة المجازر التي ارتكبت بحق أطفال الغوطة ونسائها، وما رأته عيوننا لا يمكن وصفه كما لا يمكن أن ننساه في يوم من الأيام».
من «ليلة الكيماوي» التي حوّلت أرض الغوطة إلى أرض الموت بين لحظة وأخرى، لا ينسى الحسن ذلك الرجل، الناجي الوحيد، الذي كان يمسك بزوجته وأطفاله الأربعة ويركض من «قلّة الموت»، في أحد أحياء الزملكا، من دون أن يصدق أنه استطاع النجاة، بعدما اختبأ بين جدران الحمام الأربعة وأقفل الباب نحو ثلاث ساعات، ليخرج بعدها ويجد كل من حوله أصبحوا في عداد الأموات.
ويقول الحسن «عند الساعة الثالثة فجرا أطلقت نداءات الاستغاثة للمسعفين والناشطين، بعدما أمطرت طائرات النظام مناطق في الغوطة الشرقية بالصواريخ، التي سقط معظمها في الزملكا وجوبر وعين ترما». ويضيف «خرجنا إلى الزملكا، حيث جثث الأطفال والنساء والشيوخ مرصوفة إلى جانب بعضها بعضا. في النقطة الطبية الأولى كانت 40 جثة لنساء وأطفال، وفي المحطة الثانية توجهنا إلى مبنى من 4 طوابق حيث وزّع فيها النساء والأطفال والرجال والشيوخ. في كل طابق لا يقل عدد الضحايا عن الخمسين شخصا. تحوّلوا جميعهم إلى أرقام وصور عمدنا إلى توثيقها ومن ثم دفنها في مقابر جماعية، ليتعرّف بعد ذلك أهلهم عليهم إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة».
في جوبر، حيث انتقل الحسن وعدد من رفاقه الناشطين، في «ليلة الكيماوي»، لم يكن المشهد مختلفا. المأساة نفسها وعدد الجثث المنتشرة في الأحياء بالمئات، معظمهم من الأطفال، الذين وحّد الكيماوي لونهم إلى ذلك الأزرق الداكن، فيما بقيت عيونهم مفتوحة على هذه الحياة وكأنهم يرفضون مغادرتها.
كانت مهمة الناشطين وضع أرقام على الجثث وتجميعها في المراكز الطبية لكل منطقة، قبل أن ينقلوا ويدفنوا في حفر كبيرة خصّصت لهم في مناطق الغوطة التي لم يصل إليها الكيماوي، لا سيما دوما وسقبا وكفربطنا. ويقول الحسن «في تلك الليلة تحولت المنطقة إلى فوضى عارمة. ضاع الأطفال الناجون بين جموع المسعفين والقتلى. في الساعات الأولى للقصف، نقل هؤلاء إلى مساجد الغوطة، وبات كل من يبحث عن طفل يذهب للتأكّد إذا كان لا يزال على قيد الحياة أم لا قبل أن يعود ويبحث بين الجثث. وبعد أيام قليلة، نقل من بقي من الأطفال الذين لم يسأل أحد عنهم إلى المنازل، بانتظار أن يأتي أحد من أقربائهم لأخذهم. نقلنا إلى بيتنا طفلين، أحدهما من جوبر أتى خاله وتسلمه، بعدما كان قد مات كل أفراد عائلته، والثاني فقد والدته وإخوته وأتى والده لتسلمه».
وبينما يؤكّد الحسن أن عددا كبيرا من الناجين من هذه المجازر لا يزالون يعانون من أمراض في التنفس والأعصاب، نقل موقع «أورينت نت»، المعارض للنظام السوري، عن مصادر خاصة به في العاصمة دمشق، أن «أمن النظام فرض حصارا خانقا على العائلات الناجية، من خلال منعها من التصريح أو تسريب أي معلومات لأي قنوات أو وسائل إعلام، عما رأوه أثناء وجودهم آنذاك بمناطق سكنهم في الغوطة والتي استهدفتها قوات الأسد بالسلاح الكيماوي». ويقول الحسن «أعرف أحد الشباب الذي نجوا من مجازر الكيماوي أصبح مريضا في الأعصاب، ويصاب بنوبات بين فترة وأخرى أو يغيب عن الوعي».
ويلفت الحسن إلى أن الناشطين عمدوا إلى الاحتفاظ بكميات من التراب في مناطق تعرّضت إلى القصف بالكيماوي، وقصّوا كذلك شعور فتيات ونساء للاحتفاظ بها وإعطائها إلى لجنة التحقيق الدولية، لكنها لم تصل لغاية اليوم، وفق تعبيره، مشيرا إلى أن «الأطباء عمدوا إلى سحب عينات من دماء الضحايا، بغية تقديمها كذلك إلى اللجنة، لكّنها فسدت بعد أيام قليلة ولم تعد صالحة، لا سيما أن الكهرباء كانت كذلك مقطوعة ولم نتمكّن من الاحتفاظ بها في البرّادات».
وبينما يلقي عمّار اللوم على المجتمع الدولي الذي ادعى أنه تسلم السلاح الكيماوي من النظام السوري، وتجاهل حقوق الضحايا وأهلهم، يتذكّر في هذا اليوم اثنين من أصدقائه الذين عملوا معه في «ليلة الكيماوي» قبل عام، حيث تحوّلا من ناشطين إعلاميين إلى مسعفين، لكن الموت لم يهملهما أكثر من أشهر قليلة، وكان قصف النظام لهما بالمرصاد أيضا خلال قيامهما بعملهما التطوّعي.
تراب الغوطة وشعور نسائها الضحايا لا تزال تنتظر «التحقيق الدولي» في «ليلة الكيماوي»
https://aawsat.com/home/article/164471
تراب الغوطة وشعور نسائها الضحايا لا تزال تنتظر «التحقيق الدولي» في «ليلة الكيماوي»
بعد مرور عام على ناشط يروي عمليات نقل الجثث
- بيروت: كارولين عاكوم
- بيروت: كارولين عاكوم
تراب الغوطة وشعور نسائها الضحايا لا تزال تنتظر «التحقيق الدولي» في «ليلة الكيماوي»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







