أكراد سوريا يحتفلون بـ«نوروز»... ويطالبون بدستور ورعاية دولية

«الشرق الأوسط» ترصد قلق مناطق شرق الفرات من هجوم دمشق

من احتفالات «عيد نوروز» شرق سوريا (الشرق الأوسط)
من احتفالات «عيد نوروز» شرق سوريا (الشرق الأوسط)
TT

أكراد سوريا يحتفلون بـ«نوروز»... ويطالبون بدستور ورعاية دولية

من احتفالات «عيد نوروز» شرق سوريا (الشرق الأوسط)
من احتفالات «عيد نوروز» شرق سوريا (الشرق الأوسط)

يحتفل أكراد سوريا بـ«عيد نوروز» (رأس السنة الكردية)، ويعني بالعربية «اليوم الجديد»، الذي يصادف اليوم، 21 مارس (آذار)، وأحيت مناطق شمال شرقي سوريا الاحتفالات عشية العيد بإطلاق المسيرات وإشعال النيران وحرق الإطارات عند غروب الشمس، وإحياء الطقوس التقليدية لمراسم العيد، وسط مخاوف من المكوّن العربي، لتنامي دور الأكراد عسكرياً، بعد بسط سيطرتهم على كامل مناطق شرق نهر الفرات.
في سوق القامشلي المركزية، بدت مظاهر الاحتفالات من خلال رفع أعلام كردية ورايات القوات العسكرية التي شكّلها الأكراد بعد اندلاع الأزمة السورية، ربيع 2011. وعبّر سكفان (32 سنة) المتحدّر من مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، عن فرحته بالاحتفال، وقال: «(نوروز) بالنسبة لنا بداية فصل الربيع، هو احتفال قومي حُرمنا من ممارسته إبان الحكومات المتعاقبة على سدّة الحكم في سوريا».
أما بيريفان (26 سنة)، التي كانت تلبس زياً كردياً فلكلورياً طغى عليها الألوان الزاهية الخاصة بالعيد، شاركت بالاحتفالات مع أكثر من 5 آلاف شخص تجمعوا بالقرب من مدينة القامشلي، فقد أعربت عن فرحتها، وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة، لتقول: «شعور جميل الاحتفال بيوم العيد والربيع يعمّ كل مكان. ننتظر هذا اليوم من كل عام. نأمل أن تنتهي هذه الحروب ويعمّ السلامُ شعبَنا».
وحتى عام 2011، كان الاحتفال بـ«عيد نوروز» غير معترف به رسمياً، وممنوعاً، باعتباره عيداً قومياً كردياً يعزز الروابط القومية لدى أكراد سوريا، وغالباً ما ترافق باعتقالات للنشطاء والسياسيين ومنظمي الحفلات ومطلقي المسيرات وحتى حاملي المشاعل.
وشارك جمشيد (45 سنة) ويعمل مدرساً بإحدى مدارس الإدارة الذاتية التي فرضت منهاجاً كردياً، برفقة أسرته في الاحتفالات، وعبّر عن سعادته لسماعه الأغاني الكردية والرقصات الفلكلورية الخاصة بهذا اليوم، وقال: «هذا اليوم كردي بامتياز، اللباس والغناء والرقص، نحن شعب نعيش في هذه الدولة، ونختلف عن باقي المكونات بخصوصيتنا القومية، لكننا مواطنون في هذه الدولة».
بينما اعتبر زيدان (35 سنة) المتحدر من مدينة القامشلي، ويمتلك متجراً لبيع الأدوات الكهربائية بسوق القامشلي، أنّ «اليوم هو عيد الأم، ورسمياً يحتفل به كل السوريين»، مشيراً إلى تنامي دور حزب «الاتحاد الديمقراطي» و«قوات سوريا الديمقراطية»، منوهاً بأن «هذه الجهات فرضت السيطرة عسكرياً على المنطقة، وهناك ترقب وخوف من أن تكون المعركة القادمة بينها وبين القوات النظامية».
وتعهدت الحكومة السورية باستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة، وقال وزير الدفاع السوري العماد علي عبد الله أيوب خلال مؤتمر صحافي عقده في دمشق مع نظيريه العراقي والإيراني، الاثنين الماضي: «الورقة المتبقية مع القوات الأميركية هي قسد (قوات سوريا الديمقراطية) وسنتعامل معهم، إما بالمصالحات وإما بتحرير الأرض بالقوة».
وفي ردّه على تصريحات وزير الدفاع السوري، يرى شاهوز حسن رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، أحد أبرز الأحزاب السياسية التي تدير مناطق شرق الفرات، أن الإدارة الذاتية مع لغة الحوار، وليس التهديد العسكري، وقال: «دمشق تتهرب من الحلول السلمية الديمقراطية»، مؤكداً أنهم مع الحوار... «حوارنا سيكون على أساس التفاوض حول تشكيل دستور جديد يحفظ حقوق جميع المكونات، وأنوه بأنه لن يكون على حساب ثوابتنا الوطنية والديمقراطية».
ويرى حسن أن إصرار الإدارة الذاتية على التفاوض مع دمشق دون شروط، مردّه وضع حد للنزاع الدائر الذي دخل عامه التاسع، مضيفاً: «أي مفاوضات يجب أن تكون بضمانات دولية، نتحدث عن خريطة طريق تمهّد للبدء بمفاوضات الحل السوري الشامل».
وعَقَد ممثلو «مجلس سوريا الديمقراطية» الذراع السياسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، مع مسؤولين أمنيين من النظام السوري محادثات رسمية، منتصف العام الماضي، بطلب من الأخير، وجاءت المحادثات بعد تهديدات الرئيس السوري بشار الأسد لـ«قوات سوريا الديمقراطية»: «إمَّا الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو الحسم العسكري»، وذلك عبر مقابلة تلفزيونية بُثَّت، بداية يونيو (حزيران) 2018.
ويحث قادة الأكراد الذين أزعجهم قرار واشنطن بالانسحاب من سوريا، موسكو وحليفتها دمشق، على إرسال قوات لحماية الحدود من التهديدات التركية، والأخيرة تطالب بمنطقة آمنة على طول حدودها الجنوبية مع سوريا، والمنطقة المعرضة للتهديد تمتد لتشمل نحو ثلث البلاد، معظمها يقع شرق نهر الفرات، إلى جانب مدينتي منبج الواقعة غرب الفرات، والطبقة، وتقع جنوب الفرات.
ويرى الدكتور شوقي محمد الخبير في اقتصادات الطاقة والنفط أنّ الحل الأمثل التفاوض بين الإدارة الذاتية الحكومة السورية برعاية دولية «خصوصاً روسيا لعلاقاتها المتميزة مع دمشق، وبناء أرضية سليمة للتفاوض عبر رسائل ثقة والتعامل بمبدأ الوطنية لا العقلية الأمنية أو العروبية».
وإذا أُبرم الاتفاق بين ممثلي «مجلس سوريا الديمقراطية» والحكومة السورية فإنه سيوحِّد مجدداً أكبر منطقتين في البلد الذي مزقته الحرب الدائرة، وسيترك منطقة واحدة في شمال وغرب البلاد في أيدي جهات إسلامية وفصائل المعارضة المسلحة المناهضة للأسد والمدعومة من تركيا.
وذكر الخبير شوقي محمد أنّ وثائق وأدبيات حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية لم تحتوِ على الانفصال، منوهاً بأنه «لطالما كرَّر مسؤولوها حرصهم على وحدة الأراضي السورية، والتمسك بالحوار السوري - السوري، فضلاً عن أن الأكراد لا يجدون أنفسهم خارج حدود الوطن»، مشيراً إلى أنّ الفرصة متاحة للتوصل إلى اتفاق بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية، وإنْ حدث فسيخدم الطرفين «لحماية قوات (قسد) من التهديدات التركية واجتياح المنطقة وإنهاء وجودهم، كما يخدم الحكومة السورية من خلال عودتها للمنطقة الثرية والغنية بالموارد، وبسط سيطرتها على الثروات المائية والحقول النفطية».
وعلى الرغم من أن الحكم الذاتي الذي يريده الأكراد يتعارض بشكل واضح مع ما تريده دمشق، فقد تجنبت القوات الكردية إلى حد بعيد الصراع المباشر مع القوات الحكومية الموالية للأسد خلال الحرب الدائرة منذ 8 سنوات، بل وفي بعض الأحيان كانت تقاتل خصوماً مشتركين، كتنظيم «داعش» الإرهابي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في معركة الباغوز، شرق سوريا.
بدوره، يرى محمد إسماعيل عضو المجلس الرئاسي لـ«المجلس الوطني الكردي» المعارض، أن حزب الاتحاد الديمقراطي السوري وبشكل منفرد تواصل مع روسيا للتوسط لدى النظام الحاكم، وقال: «مساعي حزب الاتحاد تهدف للمحافظة على بقائه بأي ثمن، أما النظام فليست لديه أي مرونة تجاه حقوق الشعب الكردي أو باقي المكونات»، ولفت إلى أن تجارب جميع المناطق التي عقدت مصالحات وتسويات مع النظام: «أثبتت أنه يريد المواطن (الصالح) وإعادة الحكم إلى ما قبل 2011، وكأن شيئاً لم يكن، وهذا الأمر غير واقعي».
وهددت تركيا مراراً بشن عملية عسكرية في شرق الفرات، بعد تصاعد نفوذ «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تشكل العماد العسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، وشدّد القيادي محمد إسماعيل على أنّ تركيا قلقة من وجود حزب «الاتحاد الديمقراطي السوري» وقواته العسكرية على حدودها الجنوبية مع سوريا. وقال: «تركيا لها دور مؤثر وفاعل في سوريا، لذلك لن تسمح باستمرار بقاء الحزب، كما أن لديها مشكلات داخلية من حزب العمال الكردستاني المتداخلة مع حزب الاتحاد»، ويرى أن تركيا لا تستطيع التدخل دون توافق دولي، لا سيما من الجانب الأميركي، منوهاً بأنه «لا بد أن يكون هناك مخرج لدرء المخاطر بإيجاد بدائل تتوافق عليها جميع الأطراف المعنية من جميع مكونات المنطقة، عوضاً عن الحل العسكري الذي من شأنه أن يحرق الأخضر واليابس».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.