مرشد «الإخوان» جلس على مقعد الرئيس.. والشاطر صرخ في وجه مرسي

قيادات مصرية عسكرية وسياسية سابقة تكشف لـ {الشرق الأوسط} خفايا ما دار في القصر الرئاسي

محمد مرسي و محمد بديع
محمد مرسي و محمد بديع
TT

مرشد «الإخوان» جلس على مقعد الرئيس.. والشاطر صرخ في وجه مرسي

محمد مرسي و محمد بديع
محمد مرسي و محمد بديع

كشفت قيادات سابقة في مؤسسات مصرية كبرى منها مؤسسة رئاسة الجمهورية عن وقائع ومواقف مجهولة في حياة عدد من الشخصيات التي ارتبط اسمها بأحداث شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، على رأسهم الرئيسان السابقان، حسني مبارك ومحمد مرسي، بالإضافة إلى مرشد جماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر. وقال ضابط برتبة لواء يدعى «م.ف» عمل في القصر الجمهوري خلال فترة حكم مرسي التي امتدت لمدة عام من صيف 2012 إلى صيف 2013، إن مرشد «الإخوان»، بديع، أدار اجتماعات لمكتب إرشاد الجماعة، من على مقعد رئيس الدولة في القصر الجمهوري بحضور مرسي، وإن الشاطر صرخ في وجه الرئيس الأسبق في واحد من هذا النوع من الاجتماعات التي استفزت الأجهزة المصرية المعنية، وأضاف أن الشاطر قرر في اجتماع آخر داخل القصر منع مرسي من اتخاذ أي قرارات تخص الدولة إلا بأوامر من مكتب الإرشاد.
وأجرت «الشرق الأوسط» عدة مقابلات مع شخصيات في مدن القاهرة والإسكندرية ومرسى مطروح الواقعة في غرب البلاد، بعد أن كانت تلك الشخصيات قد تعاملت بشكل مباشر مع كل من مبارك ومرسي وبديع والشاطر، بينهم ثلاثة لواءات سابقين في الجيش، بالإضافة إلى قادة كبار في حزب مبارك قبل حله بحكم قضائي، الذي كان يعرف باسم «الحزب الوطني الديمقراطي». وكشف لواء سابق في الشرطة العسكرية المصرية يدعى «ع.خ» عن أن مرشد «الإخوان» نقض اتفاقا مع الجيش بخصوص فض اعتصام رابعة العدوية، بعد أن ألقي القبض عليه في المرة الأولى في يوليو (تموز) في قرية سياحية بمدينة مرسى مطروح، وهي واقعة سابقة للقبض عليه في المرة الثانية في القاهرة في أغسطس (آب) 2013. بينما أيد سياسي كان في موقع رفيع داخل حزب «الحرية والعدالة» الذراع السياسية لـ«الإخوان»، يدعى «ح.إ» ما أفاد به لواء في القصر الجمهوري تحدث للمرة الأولى عن أن صقور جماعة «الإخوان» وأتباعهم في القصر أظهروا مخاوف من أن يكرر مرسي ما فعله الرئيس الراحل أنور السادات ضد ما سمي بـ«مراكز القوى» (نائب الرئيس ووزراء الدفاع والداخلية والرئاسة وقادة الاتحاد الاشتراكي) في الدولة عام 1971، وينقلب على «الإخوان».
وشارك مسؤول في حزب مبارك في اجتماعات مغلقة لقادة الحزب مع الرئيس الأسبق، وقال إن الرجل، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود، تعهد بعدم زيارة أميركا طوال مدة حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وأن مبارك رغم تفاؤله بانتهاء ولاية بوش، فإنه فوجئ في 2009 بالرئيس الأميركي باراك أوباما، يرفض حضوره خطابه الشهير في جامعة القاهرة، مشيرا إلى ما سماه «صراعا مخابراتيا مصريا - أميركيا» بشأن مشروع اقتطاع جزء من مصر لصالح إقامة وطن للفلسطينيين يضم ثلث أراضي سيناء وقطاع غزة، وأضاف أن مبارك قال في أحد هذه الاجتماعات إنه لا ينظر إلى إسرائيل على أنها ولاية أميركية، بل ينظر لأميركا على أنها «محافظة إسرائيلية».
وعن ملابسات القبض على مرشد «الإخوان» للمرة الأولى في يوليو (تموز) 2013، قال المسؤول السابق في الشرطة العسكرية إنه في الساعات الأولى من صباح اليوم الثاني من ذلك الشهر جاءت أوامر بتوقيف المرشد الذي كان يخضع للمراقبة من جانب الأجهزة الأمنية المختصة، منذ فراره من القاهرة في يونيو (حزيران) عقب حرق المتظاهرين مقار إدارية للجماعة بالعاصمة. وأضاف أن بديع كان يقيم في فيلا بمنتجع «أندلسية» بمدينة مرسى مطروح تحت حراسة من ميليشيات مسلحة تابعة لـ«الإخوان»، مشيرا إلى أن المنتجع نفسه الذي يقع على شبه جزيرة شمال شرقي المدينة مملوك لرجل أعمال على علاقة بالجماعة. وقال اللواء السابق: «قرار توقيف بديع جاء بعد أن بدأت ميليشيات الجماعة تجهز لتهريبه إلى ليبيا عبر طريق (سيوة – جغبوب) الذي يبعد نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب من مدينة مرسى مطروح، ونحو 60 كيلومترا عن حدود ليبيا غربا».
وأضاف أن المعلومات التي كانت لدى الأجهزة الأمنية المصرية تتلخص في أن «الإخوان» المصريين اتفقوا مع قيادات من إخوان ليبيا (الذين كانوا يحكمون الدولة آنذاك) على استقبال بديع وخمسة آخرين من قادة «الإخوان» وقادة الجماعة الإسلامية (التي عملت لفترة ذراعا عسكريا لـ«إخوان مصر»)، وأن عملاء تابعين للأمن في مرسى مطروح يعملون أدلاء بين البلدين نقلوا التحركات التي يزمع المرشد القيام بها، وأن رجال المرشد نفسه شعروا بأنهم مراقبون، فقرروا التعجيل بتهريب بديع إلى ليبيا.

* خطة التهريب
* وكانت خطة تهريب المرشد تتكون من شقين؛ الشق الأول نقله في سيارة أجرة تنطلق به من قرية «أندلسية» وتتوجه به عبر طريق «علم الروم» إلى ناحية الشرق، أي في الطريق المتجه إلى الإسكندرية، وذلك للتمويه، ومن ثم الدوران من نقطة الكيلو 28 على الطريق الساحلي الدولي الواقع شرق مدينة مرسى مطروح، للدخول في الطريق الدائري الدولي الذي يتوغل في الصحراء غربا، حتى يصل عند نقطة الكيلو 15، ومنها يسلك الطريق إلى واحة سيوة جنوبا، وهي مسارات مشابهة لتلك التي سلكها فيما بعد القيادي الإخواني صفوت حجازي الذي كان يرأس ما يسمى «مجلس أمناء الثورة المصرية»، قبل توقيفه متخفيا في سيارة أجرة على طريق سيوة الذي كان يعتقد أنه خال من الأكمنة الأمنية خلال أحداث الفوضى التي كانت تضرب البلاد في ذلك الوقت من صيف العام الماضي.
أما الشق الثاني في خطة تهريب المرشد إلى ليبيا، التي كانت الأجهزة الأمنية تراقب تفاصيلها، وفقا للمصادر، فكان قد جرى تجهيزها على أيدي كوادر إخوانية في واحة سيوة وعناصر من الجماعة الإسلامية الموالية لها وعدد من مهربي الأسلحة ممن يعملون أيضا أدلاء في الدروب الصحراوية التي تربط منطقة سيوة بواحة جغبوب الليبية، وكانت المهمة تتلخص في استقبال المرشد قبل الدخول إلى الواحة الصغيرة، ونقله بسياراتي دفع رباعي مجهزتين لمسافة 60 كيلومترا ومن هناك إلى مدينة بنغازي.
وقبل تنفيذ خطة تهريب بديع بساعات، جرى افتعال معارك أمام مديرية أمن محافظة مطروح الواقعة في الشارع الرئيس في قلب المدينة، من أجل شغل السلطات الأمنية عن تحركات المرشد، بحسب شهادة اللواء الذي كان يعمل في الشرطة العسكرية، وذلك في إشارة على ما يبدو لهجوم محدود بالأسلحة الخفيفة سيطرت عليه قوات الأمن سريعا في ذلك اليوم وسط المدينة، وراح ضحيته ما لا يقل عن 4 من المهاجمين الملثمين الذين استخدموا أسلحة آلية في تنفيذ الهجوم.
وبالتزامن مع هذه الأحداث كانت قوات من الشرطة العسكرية قد تمكنت من شل حركة حراس بديع في فيلته بمنتجع «أندلسية»، ونقلته في مدرعة تابعة للجيش إلى مقر قيادة المنطقة العسكرية الغربية الواقعة غرب مطار المدينة. وفي هذه الأثناء كان الألوف من جماعة «الإخوان» والموالون لها يواصلون الاعتصام وتحدي القادة الجدد للدولة في ميداني رابعة والنهضة بالقاهرة. وخلالها تسربت أنباء عن القبض على المرشد في «أندلسية»، لكن جرى نفيها في حينها.
وتابع المصدر قائلا في تفاصيل يكشف عنها النقاب للمرة الأولى، إن بديع ظل محتجزا في قيادة المنطقة العسكرية الغربية لمدة يومين وجاءته خلال إقامته لجنة من القاهرة تضم خمسة بينهم ضباط في الاستخبارات، وأجروا معه حوارا استغرق أكثر من 6 ساعات على فترات متفرقة طول فترة احتجازه، وجرت معاملته معاملة طيبة، وأنه في بعض الأحيان كانوا يتناولون طعام الغداء أو العشاء والمرطبات والشاي معا على مائدة واحدة، وفتحوا معه كل القضايا التي تواجهها مصر والمنطقة والعالم، وقدموا له ما يثبت ارتكاب مرسي أخطاء جسيمة في إدارة الدولة، كما عرضوا عليه مقاطع فيديو يظهر فيها ملايين المصريين ممن خرجوا في الشوارع والميادين مطالبين بخروج «الإخوان» من الحكم.
وتابع قائلا إن أعضاء اللجنة أفهموا بديع أن الأجهزة المختصة تريد فقط أن تحافظ على الدولة المصرية، وتتحاشى الدخول في صدام يسقط فيه ضحايا مع أي جماعة أو مجموعة، وأخطروا المرشد العام لـ«الإخوان» أيضا بأنه «لا يوجد لدينا أي مشكلة إلا أن نحافظ على البلد. ستخرج وتتحدث مع الناس.. نحن لا نريد أن نلقي القبض على أحد ولا أن نقتل أحدا..».
وكان المطلوب من المرشد، في حال موافقته على العرض الذي تقدمت به لجنة التفاوض، أن يلقي كلمة في ميدان رابعة العدوية يصرف بها المعتصمين، ويفتح الطريق لصفحة جديدة في التعامل بين الدولة والجماعة، دون أن يكون هناك تفكير حتى ذلك الوقت في حظر «الإخوان» أو إصدار قرار حكومي فقضائي بأنها «منظمة إرهابية». كما لم تكن السلطات قد أحالت أيّا من القيادات الكبيرة للتحقيق في النيابة العامة.
ويقول المصدر، وهو لواء سابق في الجيش، إن بديع وافق على العرض، وأبدى مرونة، وابتسم عدة مرات وهو يهز رأسه بالموافقة، وأظهر أيضا تفهما لكل الأطروحات التي قدمها له رجال اللجنة، وعليه جرى توصيله بطائرة عسكرية إلى مطار تابع للقوات المسلحة بالعاصمة ومن هناك جرى نقله بواسطة سيارات تابعة للسلطات حتى باب بيته في القاهرة، لكي يتهيأ للنزول بعد ذلك إلى ميدان رابعة لإلقاء الخطاب، بعد يومين أو ثلاثة، كما هو متفق عليه.
ويضيف أن الأجهزة المعنية كانت تراقب ما سيقوم به المرشد، إلا أنه بعد أن مكث في بيته «بدأ في التشاور مع باقي قيادات (الإخوان)؛ منهم الشاطر وغيره من الجناح القطبي المتشدد، مثل عصام العريان ومحمد البلتاجي، وتوصلوا لطريقة تتعلق بترتيب وصوله من منزله إلى ميدان رابعة، وقالوا له لو جئت هكذا، سيفكر الجميع أن هناك أمرا غير طبيعي وراء الموضوع، وبالتالي عليك أن ترتدي ملابس امرأة منتقبة وتأتي في سيارة إسعاف، جرى توفيرها له عن طريق أعضاء في (الإخوان)، وأن تدخل داخل الاعتصام كأنك جئت متخفيا، وذلك حتى يكون هناك نفي كامل لما تردد عن أن السلطات ألقت القبض عليك في مرسى مطروح، أو أنك كنت تخطط للذهاب إلى (الإخوان) في ليبيا».
وتابع المصدر أن بديع صعد على منصة رابعة العدوية، وبدلا من الالتزام بالاتفاق، ألقى كلمة تحريضية أمام آلاف المعتصمين، قال فيها: «أنا لم أفر، ولم يقبض علي»، و«نحن نفدي الرئيس مرسي بأرواحنا وسنعيده للقصر الجمهوري على أكتافنا». واختفى بديع بعد ذلك، إلى أن جرى القبض عليه في شقة كان مختبئا فيها، يوم 20 أغسطس 2013، في منطقة سكنية مجاورة لمقر الاعتصام في شرق القاهرة، أي بعد فض اعتصام رابعة بنحو ستة أيام. ويواجه بديع منذ ذلك الوقت حتى الآن تهما بالتحريض على القتل وقطع الطرق وغيرها، مع المئات من قادة وكوادر «الإخوان».

* قلق مكتب الإرشاد من مرسي
* من جانب آخر، يذكر اللواء «م.ف» الذي عمل بالقرب من مرسي داخل القصر الجمهوري، أنه حين بدأ الشارع المصري يتجه إلى الهدوء خلال الشهر الأول لتولي مرسي السلطة في صيف 2012، بسبب انفتاحه على القوى السياسية ومع كبار قادة الجيش والأمن والإعلام، شعر مكتب الإرشاد بالقلق مما بدا له أنه ابتعاد من مرسي عن الجماعة، ويقول: «بعد شهر من حكم مرسي، الدولة هدأت قليلا، وبدا أن الجميع رضخ للأمر الواقع، بمن في ذلك خصوم مرسي و(الإخوان) في الانتخابات الرئاسية.. وأصبح الرئيس الجديد يقابل القيادات السياسية بمن فيهم مرشحون سابقون للرئاسة، واستقبل إعلاميين وكتابا وصحافيين وغيرهم. كما كانت العلاقة بينه وبين الأجهزة الرئيسة مثل الجيش والشرطة والقضاء والإعلام على ما يرام.. الكل استبشر خيرا. نحن أيضا قلنا ها هو قد أصبح لدينا رئيس جديد منتخب لمدة 4 سنوات».
«لكن يبدو أن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهي السفن»، كما يقول المصدر، الذي يضيف أنه في تلك الأيام اجتمع قادة «الإخوان» وقد شعروا بالقلق بسبب ما عدوه ابتعاد مرسي عن الجماعة وتمضية معظم ساعات النهار في القصر الجمهوري مع قيادات رسمية من الأجهزة المعنية في الدولة.. ويقول: «وصلت لنا معلومات أن مكتب الإرشاد أخذ يتحسب من أن مرسي يسير في اتجاه الدولة، والدولة ستأخذه من (الإخوان)، وأنه يمكن أن ينقلب على الجماعة كما انقلب السادات على القيادات التي كانت معه، مثل سامي شرف وعلي صبري».
ويضيف موضحا أن ما زاد من مخاوف مكتب الإرشاد أن وصول مرسي للحكم كان مثل وصول السادات للحكم.. «حين مات عبد الناصر كانت القيادات الموجودة كلها قيادات كبيرة ومخيفة، بينما كان الضعيف بينهم هو السادات.. لو اختاروا مثلا شعراوي جمعة (وزير الداخلية وقتها)، كان سيقف له سامي شرف (وزير شؤون رئاسة الجمهورية).. وبالتالي اتفقوا على اختيار السادات على أساس أنه الأقل نفوذا وتحت أيديهم.. بينما في الحقيقة كان السادات ينتظر اللحظة المناسبة حتى جاءت فوضعهم في السجون. وبالمثل كان نفوذ مرسي ضعيفا داخل مكتب الإرشاد مقارنة بالكبار من أمثال الشاطر ومحمود عزت وبديع نفسه»، مشيرا إلى أن مرسي قبل أن يصبح رئيسا، كان يقوم بمهام ثانوية لقادة «الإخوان»، تجعل إمكانية التجرؤ عليه من مكتب الإرشاد قائمة، وأنه بعد أن أصبح قائدا للدولة، بدا أن ثقة الجماعة فيه ليست على ذلك القدر الذي قد يتصوره البعض.
ويتابع المصدر نفسه قائلا: «وصلنا أن قيادات مكتب الإرشاد كانت تتخوف من هذا الموضع وتضع تجربة السادات مع القيادات السابقة للنظام في الحسبان.. وعلى هذا قام مكتب الإرشاد بعقد اجتماع في مقره في المقطم، برئاسة بديع، وكان الشاطر أبرز الموجودين فيه حيث أبدى قلقا من تصرفات الرئيس (الإخواني)، وعدم اتخاذه أي خطوات ترضي الجماعة ومكتب الإرشاد، لا من خلال طلب المشورة ولا من خلال عرض نواياه التي يريد أن يبني عليها طريقة إدارته للدولة. وعلى ذلك قرر مكتب الإرشاد في ذلك الاجتماع الذي عقد فوق هضبة المقطم، التوجه إلى مرسي في القصر الجمهوري.. كان هذا أول اجتماع في مقر دار الحكم الجديدة التي ينعم فيها مرسي بالحراسات والخدم والمستشارين، وعقد هذا الاجتماع الأول من نوعه في مطلع أغسطس عام 2012، في قاعة المقابلات المخصصة لكبار زوار الرئيس، وهي قاعة واسعة فيها نحو 20 مقعدا إضافة لكنبة موجودة بجوار المقعد المخصص للرئيس».

* بديع في مقعد الرئيس
* ويقول المصدر الذي كان شهد على هذه الواقعة وشهد أيضا عددا من الاجتماعات الأخرى المشابهة لجماعة «الإخوان» في القصر: «دخل الشاطر أولا، وقام بفتح ذراعيه على آخرهما وتقديم المرشد بديع لكي يجلس على مقعد الرئيس.. ثم دخل عصام العريان، مسؤول المكتب السياسي لـ(الإخوان)، ومحمود غزلان الأمين العام السابق للجماعة.. وغيرهم. كان عدد المجتمعين يتراوح بين 7 و9 في وجود مرسي نفسه، وكانت وظيفتي أن أكون في ظهر الرئيس طول الوقت، ولهذا لم يكن من السهل إبعادي عن باب قاعة الاجتماع، بينما كان يحظر على أي من العاملين في القصر تقديم المرطبات أو الدخول للقاعة أو الاقتراب من الاجتماع، وكان عدد من (الإخوان) ممن جرى تعيينهم للعمل داخل القصر هم من يقومون بالمهمة، سواء تقديم الشاي أو النعناع الأخضر المنقوع في الماء الساخن، وهو مشروب يفضله الشاطر وغزلان.. كما حضر هذا الاجتماع أيضا، أي الاجتماع الأول لـ(الإخوان) في القصر، محمد البلتاجي، رغم أنه لم يكن عضوا في مكتب الإرشاد».
وجلس بديع على الكرسي المخصص لرئيس الدولة، وبجواره الشاطر الذي جلس على الكنبة المجاورة لمقعد الرئيس والمخصصة عادة للشخصيات الكبرى التي يستقبلها رئيس البلاد.. ثم جلست المجموعة الأخرى على باقي المقاعد، بينما جلس مرسي في آخر كرسي، أي الذي كان يوجد في مواجهة المنضدة ناحية باب الخروج والدخول. وبدأ المجتمعون في الكلام، وتوجيه الانتقادات على تصرفات مرسي وقلة اتصالاته مع الجماعة، وحين أراد مرسي أن يرد، تصدى له الشاطر، وأمره بالصمت. وأخطروه بأن قيادات مكتب الإرشاد ستجتمع في هذه القاعة الرئاسية كل يوم خميس، وطلب منه قادة (الإخوان) أيضا، على لسان الشاطر، ألا يجري أي اتصال أو مقابلة مع أي أطراف داخلية أو وفود خارجية، (إلا بمعلومة من عندنا وتتخذ القرار الذي نبلغه لك)»، وفقا للمصدر نفسه.
وذكر اللواء الذي عمل بالقرب من الرئيس الإخواني طوال مدة رئاسته المضطربة، ملابسات الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، وتسبب في عاصفة من الغضب الشعبي أطاحت بحكمه في نهاية المطاف. ولم يلق مرسي الإعلان الدستوري ولكن المتحدث باسم الرئاسة، وهو رجل من جماعة «الإخوان»، هو من قام بالمهمة، حيث قام باستدعاء طاقم المصورين في التلفزيون الرسمي الموجودين في القصر، وقام بتسجيل البيان وإرساله لكي يجري بثه في قنوات التلفزيون الحكومي والقنوات الخاصة أيضا. ويوضح المصدر قائلا إن مرسي لم يكن قد قرأ الإعلان ولا يعرف عنه شيئا إلا بعد أن تسبب بثه في ردود فعل غاضبة على القنوات وعلى المواقع الإخبارية على الإنترنت، في مساء اليوم نفسه.
ويضيف أن ما حدث من ملابسات قبل كشف النقاب عن الإعلان الدستوري، سار على النحو التالي: «تلقى مرسي اتصالا من مكتب الإرشاد وأعلمه أنه كتب إعلانا دستوريا ووافق عليه، وأنه سيرسله لياسر علي، الناطق الرسمي باسم رئاسة الدولة، وأنه قام بإخطار (علي) لكي يلقيه كبيان رئاسي ويرسله لكي يبث في التلفزيون، وأن مرسي حين اتصل وسأل الشاطر عما يحويه الإعلان، أجابه قائلا له: ستعرف من التلفزيون، وهو ما حدث فيما بعد».
ويتابع المصدر قائلا: «أعتقد أن مرسي لو كان قد قرأ الإعلان الدستوري لما مرره، لأنه يتضمن تحصينا لقراراته السابقة واللاحقة، وهذا أمر لم يكن ليمر دون مشاكل مع العديد من الأطراف في الدولة، خاصة القضاء والأحزاب السياسية.. شعرت أن مرسي أصيب بإحباط، وبدا حائرا، لكن الاتصالات بدأت تتوالى من قادة (الإخوان) لطمأنته، وقالوا إنهم سيرسلون الآلاف من عناصر «الإخوان» لتأييد الإعلان الدستوري في الميادين والشوارع وأمام الصحف والقنوات التلفزيونية الموالية للجماعة». ويضيف موضحا أن من بين التعليمات الأخرى التي وجهها مكتب الإرشاد لمرسي وجرى إبلاغها له في لهجة وطريقة حاسمة لا تقبل النقاش أو التشاور، هي أن يبتعد عن رؤساء الأجهزة الذين كانوا يدخلون ويخرجون من القصر وقتما شاءوا.. وطلب منه أيضا أن «يحيد الشرطة والإعلام والقضاء»، وأن «يحابي القوات المسلحة بقدر المستطاع».
ويؤكد مصدر عسكري آخر هذه المعلومات، ويزيد عليها قائلا إنه، لهذا السبب، بدأ مرسي في ذلك الوقت في التقرب من قادة الجيش. ويشير في هذا الصدد إلى رواية ظلت متداولة بين القيادات العليا في القوات المسلحة أيام حكم «الإخوان»، مفادها أن مرسي تحدث مع الرئيس عبد الفتاح السيسي حين كان وزيرا للدفاع، وقال له: «اعملوا ما تريدون.. لكم مطلق الحرية في فعل ما تريدون». ويضيف هذا المصدر: «لو لم يكن قادة الجيش وعلى رأسهم السيسي خائفين على مصر لتحالفوا مع (الإخوان) وأصبحوا سلاطين يفعلون ما يشاءون».

* غدا
* تفاصيل موقف حسني مبارك من بوش الابن ورفض أوباما حضوره خطاب جامعة القاهرة



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.