الصحافة السودانية... الحريات تحت مطرقة «الطوارئ»

اتحاد الصحافيين يصف الأوضاع بـ«المخيفة» والحكومة تحذّر من أجندات

الصحافة السودانية... الحريات تحت مطرقة «الطوارئ»
TT

الصحافة السودانية... الحريات تحت مطرقة «الطوارئ»

الصحافة السودانية... الحريات تحت مطرقة «الطوارئ»

يقبع رئيس تحرير صحيفة «التيار» المستقلة عثمان ميرغني، الذي أُلقي عليه القبض من مكتبه بالصحيفة غداة إعلان الرئيس السوداني عمر البشير، «حالة الطوارئ» في البلاد منذ قرابة أسبوعين، في السجن، ولا تعلم أسرته أو زملاؤه أسباب اعتقاله، ولا يعرف أحد أين اعتُقل ولا أوضاعه الصحية، فالسلطات الأمنية لم تسمح لأسرته بتفقده طوال هذه الفترة.
وقال شقيقه الصحافي علي ميرغني لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسرة تلقت بعد أسبوعين اتصالاً هاتفياً من الاعتقال، لكنها لم تتمكن من زيارته حتى لحظتها، ولا تعرف أوضاعه الصحية، سيما وأن الرجل يعاني بعض الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى رعاية طبية حثيثة.
وأوضح ميرغني، أن شقيقه اقتيد إلى جهة مجهولة من مكتبه في الصحيفة، قبيل منتصف ليلة الجمعة 22 فبراير (شباط) الماضي، وذلك بعد ساعات من إعلان البشير «حالة الطوارئ» في البلاد، وتابع: «جاء مَن عرَّف نفسه بأنه ضابط أمن إلى مكاتب الصحيفة نحو العاشرة والنصف واقتاد شقيقي عثمان».
وعادةً لا يقدّم جهاز الأمن السوداني تفسيراً لإجراءاته ضد الصحافة والصحافيين، لكن ميرغني يرجِّح أن يكون اعتقال شقيقه جاء على خلفية أحاديث أدلى بها للفضائيات انتقد فيها نظام الحكم، وأعلن فيها تأييده للحراك المنادي بتنحي الرئيس البشير وحكومته. ويؤشر اعتقال ميرغني والكيفية التي تم بها إلى التدهور الذي وصلت إليه «الحريات الصحافية» في البلاد، عقب اندلاع الاحتجاجات والمظاهرات المستمرة منذ ثلاثة أشهر.
ميرغني ليس وحده الذي واجه ويواجه الاعتقال، إذ حسب «شبكة الصحافيين السودانيين» –موازية لاتحاد الصحافيين الحكومي- فإنّ أكثر من 90 صحافياً وصحافية تعرضوا للاعتقال خلال أشهر، إلى جانب منع بعضهم من الكتابة، وسحب تراخيص مراسلين لفضائيات ووكالات أنباء دولية.
وواجهت صحف «الجريدة» المستقلة، و«الميدان»، و«البعث»، و«أخبار الوطن» الحزبية، المصادَرة والمنع من الطباعة، والرقابة المشددة التي تَحُول في كثير من الأحيان دون صدورها، بينما تُمنع الصحف قاطبةً من تجاوز ما تطلق عليه الأجهزة الأمنية «الخطوط الحمراء»، بل وتلزَم بنشر ما يفرضه الرقيب على بعضها، وتخضع لإجراءات تأديبية. وقال رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» أشرف عبد العزيز، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن صحيفته مُنعت من الصدور أو تمَّت مصادرتها لـ(66) يوماً عقب اندلاع الاحتجاجات في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وأوضح عبد العزيز أن أجهزة الرقابة الأمنية فرضت إجراءات تعسفية على صحيفته ما اضطرها إلى التوقف عن الصدور، وتابع: «كان الرقيب الأمني يأتي إلى الصحيفة ويراجعها قبل الطباعة، لكن بعد الأحداث انتقل إلى المطبعة، ليحذف الكثير من المواد، ما يجعل من المستحيل على الصحيفة الصدور». وحسب عبد العزيز، فإن «الخطوط الحمراء الخمسة» التي تمنع انتقاد «الرئيس ونوابه ومساعديه والجيش والشرطة والأمن والعلاقات الخارجية»، ارتفعت عقب اندلاع المظاهرات إلى ستة بإضافة منع «تغطية الاحتجاجات والمظاهرات». وقال إن صحيفته مُنعت «تناول المظاهرات» بالرأي أو التغطية، وأضاف: «سياسة الصحيفة التحريرية تقول إنها لا يمكن أن تجاوز الاحتجاجات لكونها واقعاً يلمسه الناس، وإن حجبها عن قرائها يُفقدها مصداقيتها».
وخاطبت الصحيفة المؤسسات المعنية بأمر الصحافة والإعلام (مجلس الصحافة، اتحاد الصحافيين، لجنة الإعلام في البرلمان) في البلاد بشأن الرقابة المفروضة عليها دون جدوى، وتابع عبد العزيز: «حاولنا تسليم مذكرة لإدارة الإعلام بجهاز الأمن، لكن المحصلة أن اعتُقلنا (نحو 27 صحافياً» لست ساعات، واستمرت الرقابة المتعسفة».
ولم تقف الرقابة المفروضة على النسخة الورقية من «الجريدة»، بل مُنعت من النشر على موقعها على الإنترنت وعلى صفحتها في وسائط التواصل الاجتماعي. يقول عبد العزيز: «حاولنا النشر في الموقع، فتم استدعاؤنا، الناشر ورئيس التحرير، إلى جهاز الأمن وطُلبت منا معلومات، وبعد أسبوع أُبلغنا بوقف النشر على الموقع، ما لم تُجز المادة من الرقيب الأمني».
وتعهد عبد العزيز بعدم الخضوع للإجراءات الاستثنائية ضد صحيفته، وقال: «أوضحنا لقرائنا في بيان، الموقف، وخاطبنا مدير جهاز الأمن ومجلس الصحافة، وقدمنا له مذكرة فحواها إلى جانب كبت الحريات، أن النتيجة ستكون تشريد العاملين في الصحيفة».
ووفقاً لعبد العزيز فإن الإجراءات التي اتُّخذت بحق صحيفته تسببت لها بأضرار مهنية ومادية فادحة، أثّرت وتؤثر على مستقبلها، وقال: «لن نسكت وسنصعّد قضيتنا إلى أن تعود الصحيفة إلى قرائها، ولن نلتزم بشيء سوى ميثاق الشرف الصحافي وأخلاق المهنة».
من جهته، نفى الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات الصحافية عبد العظيم عوض، باعتباره السلطة الحكومية المعنية بأوضاع الصحافة في البلاد، «علمه بوجود رقابة قبلية - مباشرة»، بيد أنه قال إن البلاد تعيش ظروفاً استثنائية بموجب قانون الطوارئ، وأضاف: «حالة الطوارئ مسألة مقدَّرة بالنسبة إلينا، لأنها مستندة إلى الدستور والقانون»، ودعا الصحافيين للنظر إلى الأشياء بـ«موضوعية باعتبارها ظرفاً استثنائياً». ورأى أن البعض يحاول تمرير مواقفه السياسية من خلال الصحافة، بما يخلق مواجهة بينهم وبين الأجهزة الأمنية، وقال: «بعض الصحافيين يخلطون بين نشاطهم السياسي ومسؤولياتهم المهنية المحكومة بالقانون وميثاق الشرف الصحافي، وهو ما قد يدفع السلطات الأمنية إلى التحرك وفقاً لقانونها ونظمها».
وأوضح عوض أن مجلسه يعمل على حماية «الأطر المهنية» عن طريق التواصل مع السلطات الأمنية، وبحث أسباب توقف صدور بعض الصحف، وتابع: «ما يهمنا أن تلتزم الحكومة بتوفير المعلومات من مصادرها الأصلية، وتمكين الصحافي من الحصول على هذه المعلومات، باعتبارها حقاً قانونياً ودستورياً، وفي ذات الوقت يهمنا أن يلتزم الصحافي بقواعد المهنة وقانون الصحافة وميثاق الشرف الصحافي».
وتعهد -حال التزام الصحافيين بتلك المحددات- بحل المشكلة الناشبة بين بعض الصحف والأجهزة الأمنية، وأضاف: «نقدّر مواقف زملائنا وآراءهم السياسية، لكن خلط الموقف السياسي بالمعطيات المهنية يوقعهم في المحظور، سيما وأن البلاد تعيش ظروفاً استثنائية، لذلك نناشدهم الالتزام بالقانون وقواعد المهنة».
لكن الصحافي الحائز على جائزة «بيتر ماكلر» المكافئة للنزاهة والصحافة فيصل محمد صالح، يرى أن الصحافة ظلت تعيش أوضاعاً سيئة ومستمرة منذ سنوات حتى قبل فرض حالة الطوارئ.
وتابع: «قبل بداية هذا الحراك الجماهيري المعارض، فإن سلوك السلطة كان تسليط الأجهزة الأمنية على الصحافة، لمصادرتها وإيقافها، وفرض الرقابة عليها والتضييق على الصحافيين».
ويقول صالح إن أوضاع الصحافة ساءت جداً بعد فرض حالة الطوارئ، ووصلت بأزمة المهنة إلى قمتها، ويضيف: «لو حصرنا الأوضاع خلال الفترة الماضية، فهناك صحف يومية لم تصدر عشر مرات خلال شهرين، وصحف أخرى تمارَس عليها رقابة مباشرة، فيما يُمنع معظم الصحف من تغطية الأحداث».
ويوضح أن صحفاً يُسمح لها بنقل وتغطية الاحتجاجات والمظاهرات، لأنها تتيح «مساحات تغطية تغلب عليها وجهة النظر الحكومية»، بيد أن الصحف المصنفة على أنها «معارِضة أو غير متعاونة»، فتُمنع من تغطية الاحتجاجات تماماً، ويضيف: «هناك قائمة طويلة من الصحافيين تم اعتقالهم، وفي أثناء تغطية المظاهرات يتم استهداف الصحافيين بشكل مباشر لتعطيل التغطية».
من جهته، يصف رئيس الاتحاد العام للصحافيين السودانيين الصادق الرزيقي، واقع الصحافة الآن بأنه «ليس جيداً وليس مطمئناً، سيما بعد إعلان الطوارئ»، ويقول: «بذلنا كاتحاد جهوداً مكثفة لإطلاق سراح عدد من الزملاء الصحافيين، وعقدنا لقاءً مع رئيس الجمهورية حول أوضاع الصحافة، ووجدنا منه تجاوباً جيداً».
ويرى الرزيقي أن الأوضاع «تراجعت فجأة، خصوصاً بعد اعتقال الزميل عثمان ميرغني لأسباب غير معلومة، وزادت حدة الرقابة، وأُوقف صحافيون عقب كل مظاهرة أو احتجاج»، وأضاف: «يتم توقيف الزملاء لكن بأي اتصال مع الحكومة يتم إطلاق سراحهم».
وبدا الرزيقي قلقاً من حدوث المزيد من التدهور في الحريات الصحافية بعد إعلان حالة الطوارئ، واصفاً الأوضاع بأنها «مخيفة»، وقال: «بعد إعلان الطوارئ أصبح الموقف مخيفاً، لأن الطوارئ فيها مقيدات للعمل الصحافي، وحد لحرية الصحافة». بيد أن الرزيقي يرى «بصيص أمل» يتمثل في أن باب الحوار لا يزال مفتوحاً بين اتحاده والسلطات الحكومية، وقال: «نحن في حوار مستمر لتعزيز الحريات الصحافية ومعالجة المشكلات الناشئة عن الطوارئ».
وتوقع رئيس اتحاد الصحافيين معالجة أمر اعتقال رئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني، في وقت قريب، وقال: «نتوقع أن نصل إلى حل لقضية اعتقاله في غضون أيام».
وتواجه الصحافة السودانية إلى جانب الرقابة الأمنية والتضييق على الحريات والمصادرات ومنع الطباعة، صعوبات عديدة تهدد وجودها واستمرارها، فهي تعاني من ارتفاع كلفة إنتاجها بسبب الضرائب الباهظة التي تفرضها السلطات على مدخلات إنتاجها، ومن تأثير السلطات الأمنية على توزيع الإعلان، إضافة إلى فرض القيود على «حق الحصول على المعلومات».
وأدى مجمل هذه الصعوبات إلى تراجع ترتيب البلاد حسب «مؤشر حريات الصحافة» الذي تصدره «منظمة مراسلون بلا حدود» لعام 2018، إلى المركز 174 من المؤشر البالغ 180، بعد كانت في الأعوام السابقة تحتل المركز 172 منه، وهو ما دفع الحائز على «القلم الذهبي» وعميد الصحافيين محجوب محمد صالح، إلى القول باكراً: «الصحافة السودانية تعيش أسوأ أوضاعها».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.