مقاومة النساء لاعتداءات الذئاب البشريّة... بذرة انقلاب ثقافي واجتماعي

حركة «أنا أيضاً» انطلقت من أميركا إلى بقية المجتمعات الغربية

مظاهرة في كاليفورنيا تستنكر التمييز ضد المرأة
مظاهرة في كاليفورنيا تستنكر التمييز ضد المرأة
TT

مقاومة النساء لاعتداءات الذئاب البشريّة... بذرة انقلاب ثقافي واجتماعي

مظاهرة في كاليفورنيا تستنكر التمييز ضد المرأة
مظاهرة في كاليفورنيا تستنكر التمييز ضد المرأة

إذا كان هناك ثمّة تحوّل ثقافي نوعي مسّ المجتمعات الغربيّة خلال السنتين الأخيرتين ومثّل نقلة على الصعيد الاجتماعي فيها لا سيّما لناحية حقوق النساء عبر العالم، فلن يكون سوى حراك #MeToo الذي أصبح منذ إطلاقه أكتوبر (تشرين الأول) 2017 علامة على الأزمنة التي نعيش، وقرعاً طال انتظاره لجرس حول ظاهرة الاعتداء الجنسي على النساء التي من شدّة تجذّرها أصبحت كأنها جزء لا يتجزأ من واقع وبنية توزع القوّة وتمظهراً لهيمنة قد تمكنت لطرف في المجتمع على حساب الأطراف الأخرى.
بالطبع فإن مقاومة النساء لاعتداءات الذئاب البشريّة ليست بالشيء الجديد، بل إن رمز ال#MeToo - أنا أيضا - نفسه كان بالفعل موجوداً منذ 2006 عندما ابتدعته الناشطة الأميركيّة تارانا بروك تعبيراً عن تضامن نسوي مع الفتيات الأميركيّات من أصل أفريقي اللواتي كن يتعرضن للانتهاكات الجنسيّة، أي قبل الكشف عن اعتداءات وحش هوليوود الأشهر هارفي وينستين المتسلسلة على النساء في أجواء صناعة السينما الأميركيّة بهوليوود ثمّ إعادة إطلاق الممثلة أليسا ميلانو الهاشتاغ - الظاهرة مجدداً، وذلك بأكثر من عقد كامل. لكن شيئاً ما كان مختلفاً في 2017 عن أي وقت سابق، إذ تضافرت تقنيّات التواصل الحديثة بما نتج عنها من انتشار متشظٍّ لمواقع التواصل الاجتماعي مع حقيقة أن المواجهة كانت داخل وسط يعيش لياليه ونهاراته تحت أضواء الفرجة الساطعة في وقت دفعت الارتدادات الزلزاليّة الناشئة عن الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 التصدّعات المجتمعيّة التي يعيشها الغرب إلى أقصاها. كل ذلك أكسب المواجهة النسائيّة مع الذئاب زخماً إعلامياً غير مسبوق، واندفعت عشرات النساء من النجمات الشهيرات إلى الانخراط فيها كاشفات عما تعرضن إليه من اعتداءات جنسيّة خلال حياتهن المهنيّة من قبل مجموعة ما لبثت تتسع لناحية الأسماء المشهورة.
هذا الزخم الذي أخذ يتعاظم، انتقل شيئا فشيئاً من إطاره الهوليوودي البحت إلى بقيّة أماكن العمل الأخرى سواء في الصناعات الأقل تعرضاً لأضواء الكاميرات كما البنوك والمؤسسات التجاريّة والطبية والأكاديمية والمهنيّة، أو على مستويات اجتماعيّة أدنى حيث النساء في المهن الأقل دخلاً يتعرضن لانتهاكات لا تقل عن تلك التي كشفتها نساء هوليوود دون امتلاكهن قوّة اقتصاديّة تذكر في مواجهة المعتدين. ولم تلبث حمى الثورة أن انتقلت إلى نساء المجتمعات الغربيّة غير الولايات المتحدة: بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا والدول الناطقة بالإسبانية، فأُطلقت فضاءاتها السيبيرية هاشتاغات مماثلة لل #MeToo باللغات المحليّة وتوسع موسم صيد الذئاب، حتى بات الكثير منها يتحسس رأسه تخوفاً من اللحظة التي يكشف فيها النقاب عن تاريخه المُظلم.
استمر حراك ال#MeToo مؤثراً في تشكيل المناخ السياسي عبر الغرب لا سيّما الولايات المتحدة، ولم يعد مجرد تكثّف إعلامي يرفع من وعي النساء، بل صار كثيرون ينظرون إليه بوصفه توجهاً ثقافيّاً شاملاً لا - مركزي الطابع في مواجهة العنف الجندري، وإطاراً مرئياً لصحوة مجتمعيّة مستجدة بعد تغافل متمدد حتى وصفه أحدهم بأنّه «حركة مضادة للبطريركيّة ستكسر تراكمات آلاف السنين من التاريخ المسجّل للبشر». ورغم أن هذه التوصيفات تبدو شديدة التفاؤل بقدرة هذا الحراك على تجاوز اللحظة الراهنة واكتساب صفة المنعطف التاريخيّ، فإن أصداءه التي بدأت تصل دنيا الرواية والأدب بتسارعٍ كبير، تشير إلى إمكانات هائلة ما زال يحملها بدلالة أنه قلب ولأول مرّة المعادلة بين الآداب والتغييرات المجتمعيّة، فالأدب بعد #MeToo يبدو لاحقاً للتغيير وضحيّة له ومتسلقاً عليه، بدلاً من دوره التقليدي في نشر بذور الوعي بالحاجة للتغيير.
ولعل نظرة سريعة على قوائم الرّوايات الصادرة حديثاً في الفضاء الأنغلوفوني تظهر استجابة لا شك ستتسارع مستقبلاً لحاجة قراء مرحلة ما بعد ال#MeToo تعيد سرد حكايات الماضي في ضوء جديد أو تقدّم خيالاً يكسر التابوهات المتوارثة، أو حتى تجعل من الاعتداءات الجندريّة مجالاً مستحدثاً لأدب الجريمة الذي طالما بقي ساكتاً عنها وكأنها لم تكن. هناك مثلاً رواية إرين كيلي الجديدة «أمهات متحجرات» التي تسجّل كيف تتعامل المجتمعات مع النساء اللواتي يرفضن الخضوع للأعراف والتقاليد، ورواية روزي برايس «هكذا كان الأحمر» التي تحكي بلسان فتاة تعرضت للاعتداء ورواية ميل غاريث «الطرف المذنب» عن شقاق يقع بين مجموعة من الأصدقاء نتيجة اختلاف مواقفهم بشأن اعتداء كاد أن يحدث أمامهم، وأيضاً رواية كاتبة أدب الجريمة المعروفة دينيس مينا «إدانة» التي تحقق في جرائم كبرى أحدها حادثة اغتصاب.
ولا يخفى بالطبع أن معظم هذه الأعمال التي انفعلت بالأجواء المستحدثة تغلب عليها الكاتبات النساء سواء الجديدات أو حتى الخبيرات اللواتي وكأنهن استعدن ثقة طالما فقدنها للتعبير عن تجاربهن سواء الشخصيّة أو المجتمعيّة. بينما يتسع صدر صناعة النشر لتحويل مثل تلك التجارب إلى أعمال تجاريّة مطبوعة، لا شكّ أساساً بدافع من توقع تجار الكتب لتغيّر نوعي في ذائقة القراء - والقارئات تحديداً - قد يدفع بالأعمال التقليديّة التي تلتزم بالخطوط الحمر القديمة المتعارف عليها إلى زاوية النسيان لمصلحة أعمال تخاطب جمهور ما بعد ال#MeToo.
مع هذا كلّه فإن طبيعة هذا الحراك الثقافي المتسع منذ ما يزيد عن العامين لا تزال شديدة النخبويّة، ومرتبطة عضوياً بتجربة المجتمعات الغربيّة المتقدّمة، كما تختصر مساحة النضال في مواجهة الذئاب البشريّة على موضوعة الاعتداءات الجنسيّة دون النظر للأسس العنصريّة والتمييز العرقي الذي يجعل من النساء المهاجرات إلى مجتمعات الغرب دائماً أهدافاً أسهل نسبيا. ولذا فإن #MeToo ستجد نفسها قريباً في مواجهة استحقاقات حاسمة، فإما أن تتقوقع داخل ذات المربّع الذي وُجدت فيه وبالتالي تذهب في تاريخ تحرر النساء كلحظة استثنائيّة لكن عابرة، أو أنّها تستكمل بناء نضالها كي يتسع لكل نضال ضد التمييز بحق النساء جنسياً كان أو عرقياً أو اقتصاديا أو ثقافياً، وعندئذ تكون كما بذرة انقلاب ثقافي واجتماعي على كل أشكال البطريركية المتقادمة.
لا ينبغي أن يأخذنا التفاؤل كثيراً، ذلك أن هنالك نوعاً من المحافظة الاجتماعية على الأوضاع القائمة متضمن في بنية المنظومة الاقتصادية الرأسماليّة في عهدها النيوليبرالي، الأمر الذي يعني بالضرورة مواجهة مضمونة الخسارة مع حرّاس هيكل الرأسمال، ناهيك عن أن كثيراً من نساء الغرب وإن كنّ مستعدات للنضال لأجل تحسين شروط عيشهن داخل مجتمعاتهن، إلا أنهن غير معنيّات أبداً بدعم نضالات نساء مجتمعات الجنوب أو حتى نساء الطبقات الدنيا والأقليّات في مجتمعاتهن ذاتها. ولعل الأخطر من ذلك كلّه أن هارفي وينستين ليس فريد عصره، بل هو عنوان حالة تكاد تتكرر داخل كل منظومة اجتماع بشري سواء أكانت مكان عمل أو نشاط تطوعي أو حتى إطار العائلات أحياناً، ولن يسلّم هؤلاء الوينستيون على تنوع مشاربهم ومرجعياتهم بسهولة لحراك يبدو ضبابياً، وينتمي إلى الفضاء السيبيري أكثر من كونه واقعاً على الأرض، وسيوظفون ترسانة القوانين والمحامين والنفوذ لحماية أنفسهم تجاه من يحاول كشف جرائمهم السريّة.
إنّه تقاطع طرق له ما بعده، لكنّه يلقي بعبء تعظيم المواجهة وتكريس معطياتها في قوانين وتشريعات وأعراف ثقافيّة على النساء أنفسهن قبل غيرهن. فالمعرفة لم تعد اليوم حكراً على الأقليّة ولا عذر لأحد في قبول الديماغوغيّات العتيقة، وأي انكفاء عن هذه اللحظة المتقدّمة يعني بالضرورة العودة إلى قبضة تنين النظام البطريركي الذي ربما أخفض رأسه قليلاً، لكنّه ما زال حيّاً يُرزق ويَظلم.



كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».